بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 27 - 34

سورة البقرة (2): آية 2

سورة البقرة (2): آية 2

سورة البقرة (2): آية 3

وقد حاول البعض اشتقاق معان أو قيم عددية لكل من مجموعات الحروف المذكورة لتوافق بعض النبوءات والتصوّرات، وهنالك شطحات صوفية بعيدة في هذا المجال، كما حاول البعض إيجاد معان أو عناصر مشتركة بين السور ذات مجموعات الحروف المتشابهة، ورغم كلّ ذلك لا يوجد إجماع على معناها، فالله أعلم بمراده، وقيل أيضا أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، انظر آية [آل عمران 3/ 3].

﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (2)

2 - ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ المعنى أن هذا الكتاب، أي القرآن، هو من الله بلا شكّ، إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿رَيْبَ،﴾ وهناك معنى آخر وهو أنه لا يتطرق الشك لأي من محتواه، إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿فِيهِ،﴾ لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة 2/ 23]، لأنّ كتب البشر التي تتطرق الى الغيبيات مبنية على الظن، ولكن القرآن مبني على اليقين، لأنه من عند الله ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين ستذكر الآيات التالية أوصافهم، فالقرآن موجه للجميع إنما يستفيد منه ذوو صفات معينة فقط، وأول هذه الصفات التقوى، التي يترتب عليها أن يكون ذهن المرء منفتحا، راغبا في التوصل إلى الحقيقة وإلى التمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، متحررا من التقليد، أما الذين ينغمسون في الحياة المادية ويلهثون وراء أهوائهم المهيمنة عليهم، والذين أغلقوا عقولهم على التقليد وقالوا قلوبنا غلف، فليس بمقدورهم الاستفادة من هدي القرآن، أما صفات المتقين فمبينة في الآيات التالية:

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (3)

3 - الصفة الأولى من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ والغيب مجموعة الحقائق التي لا تدرك بالحواس، مثل وجود الله تعالى،

27

سورة البقرة (2): آية 4

والحياة الآخرة، وحقيقة الزمن، وعالم الملائكة والجن .. إلخ، لأن الحقيقة المطلقة ليست مقتصرة على الكون الذي «نلاحظه» بالحواس.

﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ وهي الصفة الثانية للمتقين: لأنّ مجرد الإيمان النظري دون التطبيق العملي غير كاف للاستفادة من هدي القرآن، فالإسلام إيمان وعمل، والمقصود إقامة الصلاة على تمامها أي بما يترتب عليها من صالح الأعمال ومكارم الأخلاق وحسن المعاملة.

﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ الصفة الثالثة للمتقين، فهم ليسوا أشحاء، ولا من عبدة المال والدنيا، بل مستعدون لإنفاق الزكاة والصدقات، ولا يتقاعسون عن التضحيات المادية في سبيل الإسلام، والرزق ليس الثروة فقط وإنّما هو العلم أيضا، فالانفاق بمعناه التجريدي يشمل التعليم ونشر المعرفة لمن رزقوا العلم والمعرفة، وفي الحديث: «تعلموا العلم وعلّموه الناس»، كما قد يكون الرزق نفوذا وسلطة وما يترتب عليهما من فرص يمكن أن تستخدم لخير المسلمين.

﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (4)

4 - الصفة الرابعة للمتقين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ والمغزى أنّ فهم القرآن والاستفادة من هديه متعذّر على من ينكر استمرارية الوحي الإلهي في هداية البشرية، فيمتنع الفهم عمّن يقتصر إيمانهم على أنبيائهم فقط رافضين الوحي الذي نزل خارج نطاق قومياتهم وعصبيتهم الضيقة ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وإن كان الإيمان بالغيب قد شملها، خصّها تعالى بالذكر لجحود الكفار بها، ومنهم أكثر بني إسرائيل، وهي الصفة الخامسة للمتقين: أي اليقين بالبعث والحساب بعد موت الجسد، واليقين يفيد الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه الشك بأن نجاح الإنسان أو فشله لا يقاس بالازدهار الذي قد يحققه في الحياة الدنيا فقط، وإنّما بعاقبته في الحياة الآخرة، كما في قوله تعالى على لسان الجاحد: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر 89/ 24]، أي لحياتي الآخرة.

28

سورة البقرة (2): آية 5

سورة البقرة (2): آية 6

سورة البقرة (2): آية 7

﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (5)

5 - ﴿أُولئِكَ﴾ المتّصفين بالصفات المذكورة آنفا ﴿عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هم على الهدى التام، وهم المفلحون، والفلاح هو النجاح.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (6)

6 - بالمقارنة مع المتقين هنالك المصمّمون على الكفر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين صمّموا على الكفر تصميما لا رجوع عنه ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يستوي إنذارهم وعدمه، والكافر في اللغة من يغطي الحقيقة وينكرها، والكافر أيضا الليل المظلم لأنه يستر ويغطي كل شيء، وهو أيضا المزارع لأنه يغطي البذور بالتربة كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد 57/ 20]، والكفر في الدين إنكار النعمة وجحودها، والآية التالية تبيّن أنّ الإصرار على إنكار الحقيقة يترتب عليه موت الملكات الروحية لدى الانسان فيمتنع عليه أي تأثير إيجابي خارجي.

﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (7)

7 - ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ هذه سنّة من سننه تعالى في الخلق، فإذا تمكنت من المرء اعتقادات خاطئة وتمسّك بها تعصّبا وانحيازا وتقليدا، انغلق ذهنه عن الحقيقة، كما لو أنه ختم على ملكاته العقلية فعلا، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو ينسب «الختم على القلوب «إلى ذاته العليّة، رغم أن ذلك نتيجة طبيعية لحرية خيار المرء وليس قسرا مفروضا عليه ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم، وفي تنكير كلمة العذاب إشارة إلى أنه عذاب مبهم مجهول عند أهل الدنيا، والمعنى أنّ الإعراض عن هدي الإسلام جزاؤه الضنك والتعاسة في الدنيا، وعذاب عظيم في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه 20/ 124].

29

سورة البقرة (2): آية 8

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (8)

سورة البقرة (2): آية 9

سورة البقرة (2): آية 10

8 - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بعد أن ذكر تعالى في أول السورة فئة المؤمنين من الناس، ثم فئة الكفار منهم، ينتقل الخطاب هنا إلى فئة المنافقين والماديين، الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ويبطنون خلاف ما يظهرون، والإشارة المباشرة هي إلى المنافقين من أهل المدينة خلال السنوات الأولى بعد الهجرة النبوية، ولكن كما هي العادة في القرآن الكريم فإن مغزى الآيات لا يقتصر على الأحداث التي عاصرت نزول الوحي وإنما المغزى عام لكل العصور ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لأن إيمانهم مقتصر على الادّعاء والكلام ولا ينعكس إيجابا على سلوكهم، ونلاحظ أنه تعالى وصف الكفار في آيتين (6 - 7) في حين فصّل أحوال المنافقين في ثلاث عشرة آية (8 - 20) تنبيها على خطرهم، لأن المنافق ضمّ إلى سلوكه التلبيس والكذب المبطن، وهو بسبب تهالكه على الدنيا والسلطة والمادة بأي ثمن، في الوقت الذي يدّعي الإيمان والصلاح، يكوّن خطرا كبيرا على المجتمع.

﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (9)

9 - ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصل الخداع الإخفاء، ولذا سميت الخزانة مخدع، والخداع الخلقي هو المخاتلة، ويخادعون الله مجازا أي يظنون أن أمورهم تخفى على الله ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ عاقبة الخداع تعود عليهم ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ بأنّ العاقبة تعود عليهم، إذ يحسبون أن نفاقهم يخفى على الناس، في حين أنّ أمرهم مكشوف، لما في شخصية المنافق من التناقض.

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (10)

10 - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو مرض النفاق وحب الدنيا، وسمّي مرضا لأنه يحجب الحقيقة عن صاحبه، وقد يكون المرض هو الغم الذي في قلوبهم الناتج عن حسدهم وحقدهم على المؤمنين ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ لأنّ الله تعالى

30

سورة البقرة (2): آية 11

سورة البقرة (2): آية 12

سورة البقرة (2): آية 13

يمهلهم للتوبة ولا يبادرهم بالعقوبة، فتكون النتيجة أن يبتهجوا بالنجاح المؤقت لأحابيلهم ويزدادوا نفاقا إذ يعتقدون أن بامكانهم التوفيق بين الخطأ والصواب، والحصول على المنافع من الجانبين ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي بسبب تكذيبهم الرسالة، فالعذاب نتيجة مترتبة على التكذيب، ولازمة له.

﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (11)

11 - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا تفسدوا في الأرض بإنكار الوحي ومعارضة الشريعة، لأن إنكار الوحي وعدم العمل به يؤدي إلى الفساد والإفساد ﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يتوهّمون أنّ لديهم مهمة جديرة يؤدونها، أو يتوهمون أنهم يتوصلون إلى الحقيقة والسلوك الصحيح بمعزل عن تعاليم الرسالة الإسلامية، وأن عقولهم في غنى عنها مع أن مفهوم الحق والباطل ملتبس عليهم.

﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (12)

12 - ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ لأنهم يرفضون تنظيم الحياة العملية على أسس الإسلام، بل يحاولون استنباط الأنظمة والأفكار الوضعية فيساهمون في التخبط الأخلاقي والاجتماعي في المجتمع ﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذ يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.

﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (13)

13 - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أي كونوا مسلمين بصدق وإخلاص مثل الناس المخلصين في مجتمع المسلمين ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ لأنهم يعتقدون أنّ من يؤمن ويدخل الإسلام بصدق ويعيش حياة مستقيمة ويرجو الآخرة، يعتبر سفيها، أي ضعيف العقل، وهم ينظرون إلى ضعاف الناس الذين سبقوهم إلى الإيمان نظرة دونيّة، أما الوجهاء منهم فيعتبرون

31

سورة البقرة (2): آية 14

سورة البقرة (2): آية 15

أنفسهم معذورين في التولّي عن الرسول، لأنهم لا يريدون مساواة أنفسهم بالفقراء ظنّا منهم أنهم أعلى قدرا وأسمى فكرا، كما يعتبرون استعداء الآخرين في سبيل الحق والإصلاح ضربا من الحماقة، أما الحكمة والنجابة عندهم فتكمن في الاهتمام بالمصالح المادية والدنيوية والشخصية ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ لأنهم ضعاف العقول حقا إذ جعلوا الدنيا منتهى أملهم وأهملوا الآخرة ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ اختلطت عليهم الأمور بسبب اتباع الهوى والحرص على الدنيا.

﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ (14)

14 - ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ يدّعون الإيمان نفاقا وهذا من جملة خداعهم ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ الشيطان في العربية بمعنى العنيد العاصي المتمرس في العناد، ويستعمل للانس والجنّ معا، وهو أيضا مشتق من قولهم تشيطن وشطن اذا ابتعد من الصلاح والخير، وفي هذه الآية بالذات تنصرف كلمة شياطينهم الى شياطين الإنس من أكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم، وهم أكابر الكفار وأكابر المنافقين والماديين لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض، وأما أصاغرهم فلا.

﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (15)

15 - ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي يجازيهم على استهزائهم، وسمّي جزاء الاستهزاء باسمه كما سمّي جزاء السيئة سيئة ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الله تعالى يبقيهم ويلطف بهم ويمهلهم لعلهم يتوبون، فيأبون إلاّ التخبّط في ظلامهم، وفي حين أن العمى قد يكون في البصر أو الرأي، فإنّ العمه يكون في الرأي وهو التخبط والتحيّر.

32

سورة البقرة (2): آية 16

سورة البقرة (2): آية 17

﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (16)

16 - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ اختاروا الضلالة وتخلّوا عن الهدى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ كأنّ رأس مالهم العقل الرشيد والفطرة السليمة فتخلّوا عنهما ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لم يبق لديهم ما يوصلهم إلى إدراك الحق والاهتداء إلى العقائد الصحيحة.

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ (17)

17 - ﴿مَثَلُهُمْ﴾ مثل المنافقين ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نارًا﴾ وهو الباحث عن بغيته يريد أن يستنير ويبحث عن الطريق الصحيح ولكنه يتخبط في بحثه ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ﴾ أنوار الرسالة الإسلامية ﴿ما حَوْلَهُ﴾ وأصبح ممكنا تمييز الحق من الباطل، والصواب من الخطأ ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ لم يدرك المنافقون أهمية الهدي الإلهي، فلم يستفيدوا من نور الإسلام وهديه، واختاروا البقاء في ظلمة النفاق ظنّا منهم أن يأمنوا على أنفسهم من المؤمنين،

وقد يكون المعنى أيضا أن حبل النفاق قصير، لأن المنافق إذا نجح بنتيجة نفاقه يكون كمن: ﴿اِسْتَوْقَدَ نارًا﴾ ثمّ سرعان ما ينكشف أمره بين الناس: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ فيتخبّط بلا جدوى.

والآية أيضا مثل لمن يبحث عن مغزى الحياة ليصل إلى هدفه منها فلمّا تبين له طريق الهدى أعرض عنه، أما قوله تعالى ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي ذهب بنور بصيرتهم، وخسروا نور الإيمان، فليس المعنى أنهم لم يكونوا مسؤولين عن بقائهم في الظلام، فقد اختاروا اتباع الأهواء الدنيوية، وأنكروا الحق فعميت بصيرتهم، فالله تعالى يمكّن الناس من اختيار ما يشاؤون، والقسر ينافي التكليف ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ﴾ في ظلمات الجهل والهوى والشرك والضلال ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ الحقيقة، بمحض اختيارهم.

33

سورة البقرة (2): آية 18

سورة البقرة (2): آية 19

سورة البقرة (2): آية 20

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (18)

18 - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ صمّ عن سماع الحق، بكم عن التعبير به، وعمي عن الإدراك السليم، ولذا لا يرجعون إلى الهدى الذي باعوه ولا عن الضلالة التي اشتروها.

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (19)

19 - ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ أو أنّ مثل المنافقين والماديين، كمثل من أصابه صيّب من السماء، وهو المطر الشديد، فلم يستفيدوا منه، وإنّما كان همّهم محصورا في تفادي الشدائد المرافقة له، والصيّب من السماء رمز إلى الإيمان والقرآن، وأمّا ظلمات الغيوم الداكنة والبرق والرعد فترمز إلى المحن والابتلاء والمشاقّ والتكليف، ووجوب التخلّي عن التقليد والأهواء، والانقياد للإسلام، كل ذلك ممّا هو شاق على المذبذبين ضعاف الإيمان، والآية تصوّر حالة القلق والفزع وعدم الاستقرار التي يعيشونها ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ يظنّون أن سلوكهم يجعلهم بمنجاة من سوء العاقبة، فكما أن صم الأذنين عن صوت الصواعق لا يفيد صاحبه فكذا النفاق والمسك بالدنيا يوقع أصحابها في عواقب عملهم ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ لا نجاة لهم إلا بالإسلام والإخلاص.

﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (20)

20 - ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ لانبهارهم بالحق، ومع ذلك فإنهم يتخبطون في سبيل مصالحهم الدنيوية ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يتقدمون قليلا نحو الصواب عندما تبدو لهم الظروف ملائمة ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ عندما تظهر المشاقّ في الأفق، أو عندما يتوجب عليهم عمل ما يخالف أهواءهم

34