بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 277 - 284

سورة آل عمران (3): آية 160

سورة آل عمران (3): آية 160

ﷺ، فمن ذلك أنه استشار الناس يوم بدر لما علم بخروج قريش لحربه، ولم يبرم الأمر حتى صرّح المهاجرون ثم الأنصار بالموافقة، ثم شاورهم في مكان نزول العسكر في بدر، كما استشارهم يوم أحد ونزل على رأي الأكثرية في الخروج من المدينة، وشاورهم يوم الحديبية، ومن سنته أيضا أن جعل قرار الأكثرية ملزما للحاكم، إذ ألزم نفسه ﷺ برغبة الأكثرية في الخروج إلى أحد رغم أن رأيه الشخصي كان التحصن في المدينة والدفاع عنها.

﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ إذا عزمت بعد المشاورة على تنفيذ القرار فتوكل على الله راجيا معونته وتوفيقه بعد أن تكون أعددت لكل شيء عدته، والآية صريحة في وجوب المضيّ بتنفيذ العزيمة بعد الشورى لما في فسخ العزيمة من مظاهر الضعف والتردّد ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ الذين يتوكلون على حول الله وقوته بعد أن يعدّوا للأمور عدّتها، ولا يصيبهم الغرور والإعجاب بالنفس لما اتخذوه من أسباب.

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (160)

160 - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ﴾ كما نصركم في بدر ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ استئناف الكلام من الآية السابقة، والمعنى إن ينصركم الله بعملكم الجاد وفق سننه الكونية، واتخاذكم الأسباب بالاستعداد والتأهب والمشاورة وعملكم للآخرة، وتوكّلكم على معونته وتوفيقه، فلا غالب لكم،

﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إن يخذلكم كما في وقعة أحد بما كسبته أيديكم من التفرق والتخاذل والعصيان والتهالك على الغنائم، والاعتداد بالذات، فمن يستطيع نصركم؟ ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي توكلوا على الله وحده دون غيره من مخلوقاته، والواضح أن التوكل يكون مع الأخذ بالأسباب الدنيوية، لأنّ ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلاّ عن

277

سورة آل عمران (3): آية 161

سورة آل عمران (3): آية 162

جهل بالشرع أو فساد في العقل، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 8/ 60].

﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (161)

161 - أرجف ضعاف النفوس في أحد بإشاعة مقتل النبي ﷺ وداخلتهم الشكوك في نبوّته، وقالوا: لو كان نبيّا ما قتل، فقال تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي على النقيض ممّا يقوله المنافقون والكفار يستحيل على نبيّ أن يغلّ، والغلول هو الخيانة على سبيل الخفية، وتغلغل الشيء في الشيء إذا انتشر في باطنه خفية، والمعنى أنّ الأنبياء منزّهون عن الغلول ومعصومون عنه، فلا ينبغي لأحد أن يرتاب بهم ولا يظن بهم شيئا من الخيانة، لأنهم لا يكتمون من وحي الله شيئا، كما أنهم لا ينسبون كلامهم الشخصي إلى الله تعالى فيزعمون أنه وحي، وهذا الادعاء على سقمه شائع بين الكفار في كل الأزمنة، ومن الغلول أيضا أخذ الشيء خفية كالسرقة، والغلّ الحقد الكامن في الصدر ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي من يغلل من الناس يأت بوزر غلّه يوم القيامة ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ تجازى كل نفس جزاء ما كسبت من الغلّ.

﴿أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (162)

162 - ﴿أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ﴾ وهم ذوو الإيمان اليقيني والمتّبعون للنبي ﷺ وسنّته ﴿كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ هم المنافقون والكفار احتملوا سخط الله ورجعوا به ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ بسبب سوء ظنّهم بالنبي والأنبياء، أي ليسوا سواء، والكلام استمرار لما سبقه في الآية المتقدمة.

ويحتمل المعنى أيضا أنّ من اتبعوا رضوان الله هم الأنبياء لأنهم منزّهون عن الغلول وقد أدّوا الرسالات السماوية على تمامها، وأما غيرهم ممّن شوّهوا

278

سورة آل عمران (3): آية 163

سورة آل عمران (3): آية 164

الرسالات السماوية وحرّفوها وابتدعوا فيها فقد باؤوا بسخط من الله، وبذلك يستقيم المعنى أيضا مع الآية المتقدمة.

﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (163)

163 - ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ لأنّ درجات أهل الثواب ممن اتبعوا رضوان الله متفاوتة، ودرجات أهل العقاب ممن باؤوا بسخطه متفاوتة أيضا على حسب تفاوت أعمال كل منهم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة 99/ 7 - 8]، ومعنى عند الله أي في علمه وحكمه ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فهو تعالى بصير بالدقائق والتفاصيل من أعمالهم فيترتب على ذلك لكل منهم درجات حسبما عملوا.

﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (164)

164 - وعلى النقيض ممّا يفكر به ويقوله المرجفون من اتهام النبي ﷺ بالغلول الذي نزّهه تعالى ونزّه الأنبياء عنه، فإن الله تعالى قد منّ على المؤمنين ببعث الرسول فيهم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ والمنّ بهذا المعنى هو كل ما ينعم به تعالى على عباده ممّا لا تعب فيه ولا نصب، ثم بيّن تعالى أسباب ذلك وهي أوّلا: أنّ الرسول من أنفسهم ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي لم يكن غريبا عنهم فقد عرفوا حقيقته ومعدنه منذ نشأته، عرفوه حسن الخلق، راجح العقل، صادقا عفيفا غير متهالك على الدنيا، أمينا حتى صار ذلك لقبه فلقّبوه الأمين، فكيف يعقل بعد كل ذلك وصفه بالغلول، وهو أيضا من أنفسهم أي من بين ظهرانيهم بما في ذلك من الشرف وعلو القدر لهم أن نزلت خاتم الرسالات على نبي منهم فكانوا أول المهتدين بالقرآن، وهو أيضا من أنفسهم أي بشر مثلهم.

279

﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يتلو عليهم الوحي القرآني ويرشدهم إلى الآيات الكونية كي يتفكروا في معجزة الخلق ووحدانية الخالق ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهّرهم من العقائد الفاسدة، لأنهم كانوا يعبدون الأوثان ويئدون البنات ويقتلون ويستغلون بعضهم بعضا، ويرتكبون المنكرات كما لو كان في عقولهم لوثة، فطهرهم من كل ذلك ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ وهو القرآن وعن طريقه تعلموا الكتابة، لأنه أمرهم بذلك ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ التفقه في الأحكام القرآنية والعمل بها، وهي السنة كما بيّنها الرسول ﷺ قولا وعملا ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يتخبطون وفق أهوائهم في جاهلية عمياء.

﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (165)

سورة آل عمران (3): آية 165

165 - حمل الرسالة السماوية يتطلّب التضحية والإعداد من قبل المؤمنين:

﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يوم أحد حيث قتل سبعون من أكابر المسلمين ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ يوم بدر حيث قتل سبعون مشركا وأسر سبعون آخرون ﴿قُلْتُمْ أَنّى هذا﴾ أي كيف حصل هذا؟ فقد كانوا يظنون أن مجرد كونهم مؤمنين خرجوا في سبيل الله، أو مجرد وجودهم مع النبي ﷺ، كاف لإحراز النصر ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي إنكم لم تتّبعوا أسباب النصر، فقد تخاذل الرماة وتنازعوا أمرهم وعصوا أمر قائدهم النبي ﷺ وتركوا مراكزهم، ثم لمّا باغت العدو جيش المسلمين من الخلف لم يثبت مع الرسول ﷺ إلاّ قلّة منهم، وانهزم الباقون لا يلوون على أحد والرسول يدعوهم في أخراهم، والعبرة من ذلك باقية لجميع المسلمين في جميع العصور أن الإيمان يجب أن يكون مقرونا باتخاذ الأسباب والسنن الدنيوية في الاستعداد والتخطيط والعمل والصبر واتقاء المعصية، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران 3/ 120]، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ﴾

280

سورة آل عمران (3): آية 166

سورة آل عمران (3): آية 167

﴿قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 8/ 60]، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو قدير على نصركم لو ثبّتم وأطعتم أمر الرسول ﷺ، وقدير على التخلية وترككم لنتيجة أعمالكم لأن العقوبات آثار طبيعية للأعمال.

﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (166)

166 - ﴿وَما أَصابَكُمْ﴾ من القتل ﴿يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ يوم أحد ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ وهو إرادته الأزلية وقضاؤه السابق بأن تكون السنن العامة في الأسباب والنتائج مطّردة، فكل عسكر لا يتخذ الأسباب الدنيوية ويخطئ الرأي ويعصى القيادة ويخلي بين العدو وظهره يصيبه ما أصابكم أو أشد ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ليظهر علمه تعالى بذلك، ولكي يتم فرزهم أمام أنفسهم وأمام الناس فيعلموا قوة إيمانهم من ضعفه ويمتازوا عن المنافقين، وليستفيدوا من نتيجة المصيبة.

فالآية تشرح سبب المصيبة بقوله تعالى: ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ وتبيّن الحكمة منها بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ (167)

167 - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة، أي ليظهر علمه تعالى بنفاقهم ويتم فرزهم أمام الناس، ويلاحظ أنه تعالى لم يقل: المنافقين، بل قال الذين نافقوا، أي بدر منهم النفاق، ويحتمل أن النفاق لم يكن راسخا فيهم أو في كامل المجموعة منهم، فمنهم من تاب بعد ذلك وصدق في إيمانه ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي قاتلوا دفاعا عن الدين والحق والمسلمين وابتغاء مرضاة الله ﴿أَوِ اِدْفَعُوا﴾ ادفعوا الضرر عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم ومدينتكم، يعني كونوا إما أهل دين، أو أهل دنيا.

281

سورة آل عمران (3): آية 168

﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أي لو كان ما سيقع قتالا متوازنا لاتبعناكم ولكنها معركة خاسرة وأنتم تلقون أنفسكم في التهلكة، وفي كل الأحوال لا نظن أنه سيكون قتال، والإشارة إلى عبد الله بن أبيّ ومجموعته من أهل النفاق والشك، إذ لمّا انخذلوا عن جيش النبي ﷺ وهو في طريقه للقاء المشركين في أحد أتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري يقول لهم: «أذكّركم الله أن تخذلوا نبيّكم وقومكم عند حضور العدوّ»، وهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا﴾ فقال بعضهم: لو نعلم أنه سيكون قتال ما تركناكم، ولكنا نرى أن الأمر سينتهي بلا قتال، قالوا ذلك تلبيسا أو استهزاء، وهم يعلمون أن المشركين جاؤوا من مكة متحرقين لقتال المسلمين والقضاء عليهم، فلما استعصوا وأبوا إلاّ الانصراف قال لهم عبد الله بن عمرو: «أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم»، ومضى رسول الله ﷺ.

﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ رغم علمه تعالى بهم أنهم كانوا يبطنون الكفر، لأن نكوصهم عن الجهاد عمل من أعمال الكفر، فإنه لم يقل أنهم كفار لكونهم يظهرون القول بالشهادتين، فكانت إشارته تعالى لسلوكهم نوعا من التأديب لهم، ومنعا للناس من الجرأة على تكفير الغير وللنظر في احتمال العذر والتأويل ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي لا يتجاوز إيمانهم ما ينطقون بأفواههم ولا تعي قلوبهم منه شيئا، وهذا تصوير لنفاقهم بأن الإيمان موجود في الأفواه فقط ومعدوم في القلوب ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ من النفاق والكيد والبغض للمسلمين.

﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (168)

168 - ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ هم المنافقون قعدوا عن القتال وقالوا عن إخوانهم، بعد انتهاء القتال في أحد، لو أطاعونا في

282

سورة آل عمران (3): آية 169

سورة آل عمران (3): آية 170

القعود عن القتال كما قعدنا نحن لما قتلوا، ويحتمل المعنى أيضا أن المنافقين قالوا هذا القول لبعضهم البعض، أو قالوه لمن عاد من المسلمين من أحد، أو لغيرهم من المسلمين تثبيطا لهم، فقالوا لهم أنه لو أطاع شهداء أحد المنافقين في القعود كما قعدوا هم عن الجهاد لما قتلوا، وقد لاحظ الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار أنه تعالى ذكر قول المنافقين قبل أن يذكر قعودهم، مع أن القعود سبق القول، والسبب أنّ قولهم كان أقبح من قعودهم لما فيه من الخبث وتثبيط همم باقي المسلمين عن القتال في المستقبل، في حين أنّ القعود عن القتال وإن كان إثما فهو محصور بمن قعد لا يتعدّاه إلى غيره ﴿قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي إن كنتم صادقين في قولكم ادفعوا الموت عن أنفسكم، والمعنى أنّ القعود عن القتال لا يضمن لكم النجاة من الموت، وقد يموت القاعد عن القتال كما قد ينجو المقاتل، إذ هنالك أسباب كثيرة للموت والنجاة منه ليست مقتصرة على القتال أو القعود عنه.

﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (169)

169 - ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا﴾ الخطاب متصل بما قبله وموجّه للمسلمين بعد وقعة أحد وفي كل زمن، فبعد أن بيّن تعالى بطلان ادّعاء المنافقين أن المجاهدين لو قعدوا لما قتلوا، فهو تعالى يقول أنهم حتى لو قتلوا في الجهاد فهذا شيء مستحب لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون: ﴿بَلْ أَحْياءٌ﴾ تقديرها بل هم أحياء ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وهذا شبيه بقوله تعالى:

﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة 2/ 154] أي لا نشعر بطبيعة حياتهم الغيبية.

﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)﴾.

283

سورة آل عمران (3): آية 171

سورة آل عمران (3): آية 172

170 - ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بأن وفّقهم للشهادة وما يترتّب عليها من الكرامة والتفضيل والدرجات ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يستبشرون بأن حال من خلفهم من المؤمنين ستكون جيدة بعد الموت بعدما رأوه من نعيم الآخرة، بدليل الآية (171) ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الذين بقوا بعدهم ﴿أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا خوف عليهم من أهوال القيامة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم في الدنيا، والمشار لهم هم الذين لم يلحقوا بهم ممّن قاتل ولم يقتل.

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (171)

171 - ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ لمن لم يلحق بهم ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي الشهداء منهم وغير الشهداء.

﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (172)

172 - ﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ بعدما أصابتهم الجراح، وهم إخوان أولئك الشهداء الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، إذ دعاهم الرسول ﷺ للخروج من المدينة لمطاردة المشركين بعد وقعة أحد، ذلك أن أبا سفيان لمّا انصرف من أحد مع المشركين وقطعوا أشواطا في طريقهم إلى مكة، ندموا وقال بعضهم لبعض لم نفعل شيئا إذ لم نستأصل محمدا وأصحابه فعزموا على الرجوع، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فاستنفر أصحابه للخروج لملاقاتهم، وقال لهم لا يخرجنّ معي إلاّ من شارك في قتال أحد، فخرج معه جمع منهم من يتحامل على جراحه، حتى بلغوا موقعا يقال له حمراء الأسد على مسيرة ثمانية أميال من المدينة، فلما علم المشركون بذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم فانهزموا ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هم المؤمنون الذين خرجوا مع النبي ﷺ إلى حمراء الأسد متحاملين على أنفسهم وعلى جراحهم، وأحسنوا لأن الإحسان أن يقوم الإنسان بعمله على أحسن وجه، واتقوا التقصير ومعصية النبي ﷺ.

284