بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 293 - 302

سورة آل عمران (3): آية 187

سورة آل عمران (3): آية 187

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ (187)

187 - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ الخطاب متعلق بما ورد في الآيتين (183 - 184) حيث اختلق اليهود الأعذار لتكذيب اليهود للنبي ﷺ، والمقصود أنه تعالى أخذ الميثاق الذي أخذه أنبياؤهم عليهم أن يبيّنوا الكتاب للناس، بما فيه النبوءات عن قدوم النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل، ولكنهم لم يكتفوا بعدم بيانه للناس بل كتموه عنهم ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ لم يعيروه انتباها ولم يلتفتوا إليه بل أضاعوا قسما كبيرا منه وأضافوا عليه وحرفوه ﴿وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن القليل هو ظنّ اليهود أنهم شعب الله المختار دائما وأبدا، وهو أيضا زعم المسيحية أن عيسى المسيح عليه السلام قد افتدى خطاياهم بالنيابة عنهم سلفا، وقد يكون الثمن القليل أيضا تهالكهم على الزعامات والمصالح الدنيوية المؤقتة التي قد تفوتهم لو اتبعوا الرسالة الإسلامية ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ لأنّ ما يتمسكون من هذه الظنون والمزاعم والمصالح المادية ستكون وبالا عليهم في الآخرة.

وفي تفسير المنار أن هذه الآية عامة في جميع من أوتوا الكتاب بمن فيهم المسلمين، لأن الكتاب اسم جنس لكل الوحي الذي نزل على الأنبياء، وأن المسلمين وإن لم يكتموا شيئا من القرآن فإنهم مقصّرون في بيانه للناس، وأنهم فقدوا هدايته حتى شاع الفساد، وشاعت الخيانة بينهم، وتمسكوا بالفروع وغابت عنهم الأصول، وأن الكثير من المفسرين الذين تصدوا لتبيين القرآن في الكتب غلب عليهم عدم الاستقلال التام في الفهم، لأنهم افتتنوا بالروايات الكثيرة - وخاصة الإسرائيليات - وقيدوا أنفسهم بالاصطلاحات الفنية في الكلام، وأن تبيين القرآن يجب أن يكون على نوعين أحدهما لغير المؤمنين بغرض دعوتهم للإسلام، والثاني للمؤمنين لإرشادهم بشرح ما فيه.

293

سورة آل عمران (3): آية 188

سورة آل عمران (3): آية 189

سورة آل عمران (3): آية 190

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (188)

188 - ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا﴾ يفرحون بما فعلوا من أنواع الخبث والغش والنفاق والدجل والجري وراء المادة ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل الدين والبر والتقوى والصدق، وهم المنافقون في كل الأيام والعصور، وينطبق هذا الوصف أيضا على اليهود والنصارى الذين حرفوا كتبهم ويفسرونها على وجوه باطلة ويرجونها على الناس من ضعاف العقول والجهلة - ويعتبرون أنفسهم مبشّرين -، والفرح المشار إليه هو فرح الغرور المبني على الخداع، وليس فرح السعادة الحقيقية للنفس الصادقة ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ لا تحسبنّ أيها المؤمن أنهم بمنجاة من العذاب الدنيوي الذي يصيب الأفراد والأمم إذا ابتلوا بالنفاق والخداع والفساد فيحلّ بهم التدهور الاجتماعي والأخلاقي والمادي ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.

﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (189)

189 - ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تتمة للخطاب من الآية (186) والآيات التي تلتها، والمغزى أن المؤمنين لا يجب أن يصابوا باليأس أو الحزن، لأن الأمور بيد الله، والباطل لا يدوم، فسرعان ما تتغير الأمور من حال إلى حال.

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (190)

190 - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ هذه الآية، ومثيلاتها في القرآن الكريم كثيرة، دعوة لأولي الألباب من الناس للتفكر في معجزة الخلق والظواهر الطبيعية التي تدل على وجود الخالق ووحدانيته، ونلاحظ أن تعبير أولي الألباب ورد أيضا في أول هذه

294

سورة آل عمران (3): آية 191

سورة آل عمران (3): آية 192

سورة آل عمران (3): آية 193

السورة بالآية (7)، بأنهم يؤمنون بمحكم القرآن ومتشابهه، واللب هو قلب الشيء وجوهره، وهو في الإنسان بمعنى العقل والفكر والفهم والمحاكمة العقلية.

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (191)

191 - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ يواظبون على ذكر الله في كل الحالات بلا فتور ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيكون الذكر ليس باللسان فقط ولكن بالقلب والفكر معا، وبالمقابل فإنّ الفكر وحده لا يكتمل ولا يكون نافعا إلاّ مع ذكر الله لأنّ هذا هو الغرض منه، أي إن التفكر في الخلق والمخلوقات يوصل إلى معرفة الحقيقة وإلى الإيمان، فيقول المؤمنون: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا﴾ المعنى أن الخلق والمخلوقات لم توجد عبثا أو مصادفة فهنالك حكمة بالغة من خلقها وإن عجزت العقول عن معرفتها ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها له تعالى عن العبث، وإقرارا بعجز العقول عن الإحاطة بالحكمة الإلهية من الخلق ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أي لا تجعلنا من الكافرين أو الغافلين أو الضالين عن الحقيقة فيكون عقابنا نتيجة طبيعية لذلك.

﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (192)

192 - ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ استمرار دعاء المؤمنين والمعنى أنّ من لم يرشده عقله وتفكيره إلى الحقيقة والإيمان فقد استحق الخزي بضلال فكره ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ لأنّه لا حكم إلاّ لله، والظالم إطلاقا هو الكافر، لقوله تعالى: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: 2/ 254]، لأنهم ظلموا أنفسهم بإنكار الحقيقة.

﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193)﴾.

295

سورة آل عمران (3): آية 194

سورة آل عمران (3): آية 195

193 - ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الرسول ﷺ فمن عاصره ولقيه فقد سمعه، والباقون قرؤوا القرآن فكأنهم سمعوه يناديهم إلى الإيمان ﴿فَآمَنّا﴾ أي إنهم استجابوا للأنبياء وللهدي الإلهي، بعد أن تفكّروا في خلق السماوات والأرض، وأرشدتهم عقولهم إلى الحقيقة، فطلبوا المغفرة بقولهم: ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ لا تعاقبنا بسبب خطيئاتنا وتقصيرنا في العبادات ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ حطّها عنّا ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ أمتنا على مثل ما ماتوا عليه من اليقين والأعمال الصالحات.

﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (194)

194 - ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ ما وعدتنا على لسان رسلك، أو ما وعدتنا منزّلا على رسلك، أو ما وعدتنا ثوابا لنا على تصديقنا رسلك، والمعنى ثبّتنا على الإيمان ووفّقنا للقيام بصالح الأعمال حتى نستحق الثواب الذي وعدتنا على لسان رسلك، أو عجّل لنا نصرك الذي وعدتنا على لسان رسلك ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ اجنبنا الضلال كي لا نستحق به الخزي يوم القيامة ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ وهو ثناء على الله تعالى ختم به الدعاء، لأنّ الوعد متحقق لا محالة إذا قام المؤمنون بما يجب عليهم.

﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (195)

195 - ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ استجاب تعالى لدعاء المؤمنين الذين وصفهم في الآيات السابقة بأنهم مواظبون على الذكر والتفكّر في الخلق والعبادة بعد أن أرشدتهم عقولهم السليمة إلى الحقيقة والإيمان ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ﴾ أخبرهم تعالى أنه لا يضيع ثواب العمل، وأن استجابته تعالى

296

سورة آل عمران (3): آية 196

سورة آل عمران (3): آية 197

لدعائهم مرتبطة بعملهم، والمغزى أن العبرة من العبادة هي بالعمل، وليس فقط أداء الفرائض، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة 99/ 7]، أي النتيجة على قدر العمل.

﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ هم متساوون عند الله في ثواب أعمالهم ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ كلّهم عباد الله ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ اختاروا الهجرة من أوطانهم ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ اضطرّهم الكفار قسرا للخروج من ديارهم ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ لحقهم الأذى بسبب إيمانهم وعملهم لأجله ﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ في سبيل الله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ يمحو تعالى سيئاتهم، وفوق ذلك يدخلهم الجنة ﴿ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ الثواب من ثاب أي رجع، فيكون الثواب ما يرجع إلى المرء نتيجة لعمله ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ حسن الثواب الذي يلازم العمل الصالح.

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ (196)

196 - ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ كان الكلام في الآيات السابقة عن أولي الألباب من المؤمنين المواظبين على ذكر الله، وعلى التفكر في مخلوقاته، واستغفارهم لذنوبهم، وطلبهم الهداية واستعجالهم نصر الله، وقد أخبرهم تعالى أن العبرة بالعمل، وأنه يستجيب لأعمالهم فلا يضيع عمل عامل منهم، وفي هذه الآية يحذرهم تعالى من الانخداع بالنعم التي يتمتع بها الكفار -

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (197)

197 - ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ متاع الكفار قليل من حيث إنهم يتمتعون بنعيم زائل غير قائم على أسس سليمة، وهو في عمر التاريخ والأمم غير ذي بال، كما أن نعمهم مادية ظاهرية، ولا تنطوي على أي قدر من السعادة، ومترافقة بكثير من المنغصات في حقيقتها، وتحمل في ذاتها بذور زوالها وخراب أصحابها ﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ وفوق ذلك كله فإن ما هم عليه من النعيم المبني على الباطل

297

سورة آل عمران (3): آية 198

سورة آل عمران (3): آية 199

سيؤدي بهم إلى الهاوية في آخرتهم ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس ما يمهدون لأنفسهم ولآخرتهم.

﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ (198)

198 - ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ عرفوه فاتقوا معصيته ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ وهو النعيم الحقيقي الدائم.

﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (199)

199 - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ بعد أن ذكر تعالى تقلب الذين كفروا في البلاد، وأن مصيرهم إلى العقاب، بيّن في هذه الآية أن من أهل الكتاب من يؤمن بما أنزل على النبي ﷺ، ويؤمن بما أنزل على الأنبياء من قبله، وهم الخاشعون منهم لأنّ خشوعهم يمنعهم من المعاندة والمكابرة كما لا يمنّون أنفسهم بالتوهّم أنّ هنالك من تحمّل عنهم خطاياهم سلفا بالنيابة عنهم، انظر شرح الآية (187)، ولذلك فإنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، فلا تقف في طريقهم المصالح والزعامات الدنيوية، ولا يهيمن على فكرهم الشعور بالعصبية والتقليد، وهم أيضا من أولي الألباب الذين تقدم ذكرهم في الآية (190)﴾ فنراهم من خيار أهل الكتاب علما وبصيرة، ولعل ذلك سبب قلّتهم، وقد دخل الكثير منهم الإسلام بعد الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام وغيرها، ولا يزالون في كل زمان ومكان وهذا من قبيل إخبار الآية بالغيب ﴿أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لأن الموت أسرع وأقرب بعيد، وليس بين المرء والحساب إلا أن يموت، فإذا مات لم يجد أمامه إلا عمله فيحاسب به.

298

سورة آل عمران (3): آية 200

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (200)

200 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ذكر الرازي أن هذه الآية مشتملة على جميع الآداب، منها ما يتعلق بالإنسان وحده ممّا يحتاج إلى الصبر، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره ممّا يحتاج إلى المصابرة، فمن الأمور المتعلقة بالإنسان وحده، الصبر على شدائد الدنيا ومصائبها، والصبر على أداء الطاعات، والصبر في العلم وتحصيله.

ومن الأمور المشتركة مع الآخرين، تحمل المكاره منهم، أي تحمل ما يصدر عن الناس من سوء المعاملة، والعفو وترك الانتقام، ومن ثمّ يحتاج الإنسان للتغلب على الغضب وعلى الشهوة وعلى الحرص، فما لم يكن مشتغلا بمجاهدة هذه الخصال الذميمة لا يستطيع الصبر والمصابرة وهو معنى قوله ﴿وَرابِطُوا﴾ والغرض من كل ذلك هو التقوى لنيل الفلاح.

وقيل أيضا إن المصابرة والمرابطة هي منافسة الأعداء في الصبر، والاستعداد والتعلم والدفاع عن دار الإسلام، وأن لا يكون العدوّ أصبر من المسلمين.

299

محور سورتي (البقرة - آل عمران)

سورتي البقرة وآل عمران متكاملتان تتمّم إحداهما الأخرى، فبعدما تبدأ سورة البقرة بوصف أصناف ثلاثة من الناس: المؤمنين، والمصرين على الكفر، والمنافقين، آيات [البقرة 2/ 1 - 20]، وتصف خلافة بني آدم في الأرض، وتفضيلهم بالعلم، وأنّ الإنسان في صراع ضد عناصر الشر، آيات [البقرة: 2/ 30 - 39]، وبعد أن تدعو بني إسرائيل إلى الإسلام وتسرد تاريخهم وارتكاسهم المتكرر إلى الوثنية، آيات [البقرة: 2/ 40 - 105]، تكمل سورة آل عمران بتعداد جرائم اليهود وعنادهم وقتلهم الأنبياء وغرورهم، ثم تذكر انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، آيات [آل عمران: 3/ 21 - 27].

وتنسخ سورة البقرة الشرائع السابقة بشريعة الإسلام، وتدحض عقائد اليهود والنصارى، آيات [البقرة: 2/ 106 - 141]، وتقرر عودة القبلة إلى مكة، علامة من علامات انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل بعد أن رفض بنو إسرائيل آخر أنبيائهم عيسى المسيح عليه السلام، آيات [البقرة: 2/ 142 - 152]، وتشرح شعائر الحج، آيات [البقرة: 2/ 196 - 203]، ثم توضح سورة آل عمران أن أول بيت وضع للناس هو الكعبة المشرّفة، وتفرض الحج إليه، آيات [آل عمران: 94/ 3 - 97].

وتوضح سورة آل عمران أن الحكمة الإلهية اقتضت نزع الرسالة من بني إسحاق بعد فساد اليهود المزمن وإيتاء الرسالة بني إسماعيل وختمها ببعثة النبي الأحمد: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 3/ 26]، وأن الإسلام دين الأنبياء من الأزل: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 3/ 67].

300

وتحذّر سورة البقرة المسلمين بأنّ اليهود والنصارى لا يقبلون منهم بأقل من اتّباع ملّتهم، آية [البقرة: 2/ 120]، ثم توضح سورة آل عمران أنّ أهل الكتاب لا يكتفون بالكفر، بل يحاولون أيضا صدّ المؤمنين عن سبيل الله، ومن ثمّ فإنّ طاعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى تؤدي إلى وقوع الفتنة بين المسلمين فيصبحون بذلك كافرين، آيات [آل عمران: 3/ 98 - 101]، لذا تحرّم سورة آل عمران على المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء، آيات [آل عمران: 3/ 28 - 32]، كما تنهاهم عن اتخاذ الكافرين بطانة، وتكشف لهم ما في صدور أهل الكتاب من البغضاء والكيد، آيات [آل عمران: 3/ 118 - 120].

وتحدد سورة البقرة ثواب الإنفاق في سبيل الله، وتحدد أحكامه ووجوهه، آيات [البقرة: 2/ 261 - 274]، ثم تحض سورة آل عمران على الإنفاق: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 3/ 134]، وتبين أنّ غاية ما يمكن أن يتوصّل إليه المؤمن، بعد أن يقوم بجميع أركان الإسلام، هو الإنفاق ممّا يحب، فلا يكون بارّا صادق الإيمان حتّى يتوصّل إلى هذه الخصلة: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 3/ 92].

وفي حين تحرّم سورة البقرة الربا، آيات [البقرة 2/ 275 - 281]، تنهى آل عمران عن أكل الربا أضعافا مضاعفة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 3/ 130].

كما تنص سورة البقرة أن لا إكراه في الدين، آية [البقرة: 2/ 256]، وتقرر مشروعية القتال للدفاع عن دار الإسلام ولتأمين حرية الدين ومنع الاضطهاد الديني، آيات [البقرة: 2/ 190 - 195]، ثم تفرض سورة آل عمران على المسلمين واجب الدعوة بالقدوة الحسنة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:

301

3/ 104]، وتنصّ أن الرسول، وكل مسلم، مكلّف بالبلاغ فقط، وحساب الناس على الله، آية [آل عمران: 3/ 20]، وتبيّن وجوب الرفق واللين في الدعوة إلى الإسلام، أسوة بالنبي ﷺ، آية [آل عمران: 3/ 159]، وتنهى عن تكفير الآخر استنادا إلى العلامات والقرائن، آية [آل عمران: 3/ 167]، ثم تدعو سورة آل عمران أهل الكتاب إلى الإسلام وتبدي لهم الحجج الباهرة، وتذكر الميثاق الذي أخذه الأنبياء على أقوامهم بتصديق خاتم النبيين، آيات [آل عمران: 3/ 64 - 83].


302