بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 327 - 334

سورة النساء (4): آية 26

سورة النساء (4): آية 26

سورة النساء (4): آية 27

سورة النساء (4): آية 28

سورة النور ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي ذلك الترخيص بنكاح الكتابيات هو لمن خشي المشقة والشدّة والوقوع في الإثم في حال تعذّر نكاح المسلمة ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المعنى عدم التشجيع على نكاح الكتابيات ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للضرورات التي سبق بيانها، هي من باب المغفرة والرحمة منه تعالى.

﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (26)

26 - ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي يريد الله ذلك التحليل والتحريم لأجل أن يبين لكم ما فيه مصلحتكم وسلامة فطرتكم ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لأن الشرع الذي نزل على جميع الأنبياء يتضمن التوازن بين الحاجات الجسدية والروحية للإنسان ولا مجال فيه للتطرف كالرهبنة والزهد عن النساء، ولا للغلو في إشباع الغرائز الجسدية فقط ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ فيما سلف منكم في الجاهلية خلاف ذلك ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ علمه محيط بمصالح عباده وأحكامه مطابقة لها.

﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (27)

27 - ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يقبل توبتكم إذا تخليتم عن المعاصي ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ يودّ أعداء الدين إفسادكم بأن تميلوا وتنحرفوا عن الفطرة السليمة وتتبعوا الشهوة الحيوانية بلا مبالاة ولا قيود ويكون غرضكم من الحياة التمتع بالشهوات الحيوانية والمادية فقط، انظر آية [آل عمران: 3/ 149].

﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ (28)

28 - ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ إذ لم يجعل لكم في الدين من حرج، وشرع لكم من الأحكام بحيث يكون هنالك توافق وانسجام بين متطلبات

327

سورة النساء (4): آية 29

الجسد والغريزة وبين متطلبات النفس والروح، بلا تناقض ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ من حيث ميله إلى الشهوات الدنيوية فلا يحتمل التضييق عليه في الاستمتاع بها.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (29)

29 - بعد أن بيّنت السورة كيفية التصرف بأموال اليتامى، ونهت عن إيتاء المال للسفهاء لوجوب استخدامه على الوجه السليم وبما لا يضر المجتمع، وحدّدت تداول المال بالإرث، وأوضحت أن الإنسان خلق ضعيفا يميل إلى الشهوات وإلى متاع الدنيا، تنتقل هذه الآية إلى النهي عن تداول المال بالباطل:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ لا تستولوا على أموال الغير بلا وجه حق سواء بالقوة أو بوسائل أخرى كالغش أو التدليس أو الخيانة أو الميسر أو السرقة أو الربا، وقد أضاف تعالى الأموال إلى الجميع فلم يقل لا يأكل بعضكم أموال بعض بل قال أموالكم وذلك تنبيها على تكافل الأمة في الحقوق والمصالح، وبمعنى أنه إذا استباح أحدكم أكل مال الآخرين بالباطل فكأنه أباح للغير أكل ماله بالباطل أيضا، فكما يدين يدان ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ فعندئذ يكون أكل المال بالحلال، وقيل أيضا إنّ (إلاّ) بمعنى (ولا) فيكون المعنى لا يحل لكم أن تأكلوا أموال الغير بالباطل حتى لو كان ذلك بموافقة الغير وهو الطرف الضعيف، وسوف يرد بالآية (32)﴾ النهي عن تمنّي أموال الآخرين بما قد يؤدي للقتل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضا وهو تحريم القتل والاقتتال بين المسلمين، وإضافة الأنفس إلى الجميع من قبيل التعبير عن تكافل مجموع الأمة ووحدتها قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 5/ 32]، كما أنّ قتل الإنسان لغيره يؤدي إلى قتله قصاصا أو ثأرا فكأنّما قتل نفسه ﴿أَنْ﴾

328

سورة النساء (4): آية 30

سورة النساء (4): آية 31

سورة النساء (4): آية 32

﴿اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فمن رحمته تعالى أن جعل إتلاف الأموال والأنفس بالباطل محرما.

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (30)

30 - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا﴾ لا خطأ ولا اقتصاصا ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ فلا ينجو من عقاب الله في الآخرة، وإن لم يعاجله بعقوبة الدنيا.

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (31)

31 - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ بعد أن نهى تعالى عن أكل الأموال بالباطل وعن قتل الأنفس، وهما أكبر الذنوب المتعلقة بحقوق العباد، نهى أيضا عن سائر الكبائر وهي المعاصي الكبيرة، والأحاديث الصحيحة في عددها متنوعة، ومنها الشرك بالله، وقتل النفس، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي من الزحف، وقذف المحصنات، وشهادة وقول الزور، واليمين الغموس، وكان النبي ﷺ يذكر في كل مقام ما تدعو إليه الحاجة منها، فلم يكن قوله للحصر ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ وهي الذنوب الصغيرة لا نؤاخذكم عليها ما اجتنبتم الكبائر، وفي تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر نقرأ قوله تعالى: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف:

18/ 49]،

﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ بضم الميم، أي تدخلون عالم البرزخ أو الدار الآخرة مكرّمين.

﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (32)

32 - ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي بالأرزاق الدنيوية، والآية متصلة بقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾

329

سورة النساء (4): آية 33

سورة النساء (4): آية 34

لأن النهي عن أكل أموال الناس بالباطل يتطلب عدم تمني أموال الآخرين والطمع فيها وحسد أصحابها، وتفضيل بعض الناس على بعضهم الآخر بالكسب الدنيوي على سبيل الابتلاء ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا﴾ أي ممّا اكتسبوا من الفضل بجهودهم أو بالميراث، ولأن الفضل ينال بالجهد وليس بالتمني ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ﴾ بجهودهنّ أو بالميراث، والتمييز بين الرجال والنساء عائد لخصوصية ووظائف كل منهما الفطرية ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ لأنه مهما كانت براعة الإنسان في طلب الرزق الكسبي فهو يحتاج للتوفيق الإلهي بما هو خارج عن الإرادة البشرية ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هو العالم بتوزيع الأرزاق على عباده، والحكمة منها.

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ (33)

33 - تتمة الخطاب في المواريث: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الموالي هم الورثة أي الذين لهم الولاية على الإرث ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ هم الزوج والزوجة لأن النكاح يسمّى عقدا قال تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: 2/ 235]، وهنا ذكر تعالى الوالدين والأقربين والزوج والزوجة جميعا، والمعنى لكلّ مال جعلنا موالي، أي ورثة يلون الوالدين والأقربين والزوج والزوجة في حيازة المال، ويحتمل المعنى أيضا أن يكون الوالدان والأقربون والأزواج هم الورثة فيكون تقدير الآية: ولكلّ امريء جعلنا ورثة يرثون ماله، والورثة هم الوالدان والأقربون والزوج أو الزوجة، وعندها يلزم الوقف بعد كلمة ﴿تَرَكَ،﴾ ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الإرث حسبما نصّ عليه الشرع ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ فيحاسبكم على عملكم.

﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾

330

﴿فَعِظُوهُنَّ وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (34)

34 - تتمة الخطاب من الآية (32)، وقد ذكر الزمخشري أن قوامة الرجل على المرأة إنما تستحق بالفضل، وهو مفهوم الآية، وليس بالتغلب والقهر والاستطالة: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ تقدير الخطاب: الرجال قوّامون على رعاية النساء - بحذف المضاف - وحذف المضاف شائع في التنزيل كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 3/ 194] أي على لسان رسلك، وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ [الأنبياء: 21/ 61] أي على مرأى أعين الناس، والمعنى أن الرجال يقومون على النساء بالرعاية والإنفاق والحماية والولاية، وهذه القوامة هي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 2/ 228].

﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي سبب هذه القوامة أنه تعالى فضّل الرجال على النساء ببعض الأمور الفطرية وبالميراث، وفي تفسير المنار أنّ قوله تعالى: ﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ ذو مغزى إذ لم يقل بما فضّلهم عليهنّ ومعنى ذلك أن الرجل والمرأة أحدهما من الآخر أي هما بمنزلة الأعضاء من جسد الشخص الواحد وبحيث يكون الرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة باقي الجسد، وهذه القوامة هي للرجل في بيته وداخل أسرته فقط، وأيضا فإنّ التفضيل عام أي لجنس الرجال على جنس النساء وليس تفضيلا لكل رجل على كل امرأة، إذ هنالك الكثير من النساء اللواتي يتفوّقن على الرجال في العلم والعمل والكسب ﴿وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ لمهر الزوجة وبما يجب عليهم من النفقة على الزوجة والأولاد ﴿فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ أي إنّ الصالحات منهنّ مطيعات لله ولأزواجهنّ بالمعروف ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يحفظن حرمة وأسرار الزوجية ﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ لأن الله أمر بحفظها.

331

سورة النساء (4): آية 35

﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ بعد أن ذكر تعالى الصالحات منهنّ ذكر الآن غير الصالحات، والنشوز في الأصل هو الارتفاع فتكون الناشز هي التي تسيء السلوك مع زوجها وتسيء معاملته مترفّعة عليه، فعلى الزوج أن يبدأ معها بالموعظة الحسنة ﴿وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ﴾ وأجمعوا أنّ الضرب يكون رمزيّا فهو بالسواك أو بمنديل، ويراعى فيه التخفيف على أبلغ الوجوه، ولا يكون على الوجه، وكلّما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به (الرازي)، وفي كل الأحوال فإن الضرب لا يكون إلا لسبب جوهري، وليس ناتجا عن نزوة الزوج ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي إن أطعنكم بإحدى هذه الأساليب فلا تبغوا بالتجاوز إلى غيرها، والمفهوم أن جميع هذه الأساليب خاصة بالناشز فقط، وأما الصالحات القانتات فلا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح، فضلا عن الهجر والضرب (المنار)، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ فسلطانه عليكم أعلى من سلطانكم على نسائكم، والمقصود زجر الرجال عن ظلم النساء.

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (35)

35 - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ فيما يتعلق بالناشز أو بالقوامة، وتقدير الخطاب: إن خفتم شقاقا بينهما أي بين الزوجين ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها﴾ والخطاب عام يدخل فيه الزوجان وذوو القربى والجيران والمعارف ممن يريد السعي للإصلاح، وكون الحكمين من أهله وأهلها على سبيل التفضيل لأنهما قد يكونا أدرى بظروف الزوجين الشخصية، ولا يشترط أن يكونا من الأهل ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ إن كانت النيات حسنة وصحّت إرادة الإصلاح لدى الحكمين أو الزوجين فالتوفيق كائن بإذن الله ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أي عليم بمصالح الزوجين وخبير بالنوايا.

332

سورة النساء (4): آية 36

﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ (36)

36 - استمرار الخطاب في تنظيم المجتمع، وبيان صلة الأرحام والإحسان:

﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ﴾ والعبادة تكون بالطاعات، كما أن إخلاص النية يجعل من الأعمال العادية عبادات فالعامل والزارع وغيره إذا أتقنوا أعمالهم بأمانة وبقصد إعالة من يعتمد عليهم من الأهل ولمساعدة المحتاجين ولإفادة الصالح العام فيكون عملهم من أفضل العبادات ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ النهي عن الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب والسنن الكونية المعروفة، وأيضا عدم الخضوع الأعمى لسلطة بشرية ممّا فيه معصية الخالق ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهو أن يكون المرء في غاية الأدب مع الوالدين قولا وعملا وأن يكفيهما ما يحتاجان وفق استطاعته، دون أن يؤثر ذلك على حريته واستقلاله الشخصي عنهما ﴿وَبِذِي الْقُرْبى﴾ وأحسنوا إلى ذوي القربى، وفي الحديث:

«أمك وأباك وأختك وأخاك ثمّ أدناك أدناك»، ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ الجار ذي القربى هو الجار القريب أي من نفس القوم أو الجماعة، وليس المعنى أنه قريب بالنسب لأن ذوو القربى سبق ذكرهم، أما الجار الجنب فهو الجار الغريب بمن فيه من هو على غير الاسلام لأنه ﷺ عاد جاره اليهودي، وفي الحديث «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ وهو الصاحب الملازم له في السفر أو في العمل، وقيل أيضا هو الزوج أو الزوجة ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر الذي انقطع في السفر واللاجيء واللقيط ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ بالزواج، وقيل هم العبيد والإماء، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ حين حضره الموت أوصى قائلا:

«الصلاة وما ملكت أيمانكم»، والإحسان إلى العبيد يكون بتحريرهم ﴿إِنَّ اللهَ﴾

333

سورة النساء (4): آية 37

سورة النساء (4): آية 38

سورة النساء (4): آية 39

﴿لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ وهو المتكبر المتطاول على أقاربه وجيرانه وأصحابه.

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ (37)

37 - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ استمرار الكلام من الآية السابقة والمعنى أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، ولا يحب الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يضنّوا به على الناس ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ لأنهم كفروا النعمة، أي كتموها، لأنّ الكفران في الأصل هو التغطية.

﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ (38)

38 - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ﴾ لأن قصد المرائي من الإنفاق هو مجرد التطاول والكبرياء على الآخرين، والآية معطوفة على ما قبلها أي إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا البخلاء الآمرين بالبخل ولا الذين ينفقون أموالهم رياء ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ المرائي ينفق لأغراض ومطامع دنيوية فهو لا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ لأن وسوسة الشيطان تؤدي بصاحبها إلى البخل والرياء، لقوله تعالى:

﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ [البقرة: 2/ 268].

﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (39)

39 - ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ أي إن إنفاقهم بلا إيمان ولمجرد المراءاة هو مثار لتعجب الناس من سلوكهم لأن المرائين غالبا ما يخسرون الدنيا، وقطعا الآخرة ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ علمه تعالى بإنفاق عبيده يغني عن معرفة الغير بذلك.

334