بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 383 - 390

سورة النساء (4): آية 137

سورة النساء (4): آية 137

سورة النساء (4): آية 138

سورة النساء (4): آية 139

الرسل هو الركن الثالث، والإيمان بالرسل أنفسهم هو الركن الرابع، والإيمان باليوم الآخر الذي يوفّى فيه الناس أعمالهم هو الركن الخامس.

وأما من يفرق بين كتب الله ورسله فيؤمن ببعض ويكفر ببعض، كاليهود والنصارى، فلا يعتدّ بإيمانه لأنه متّبع للهوى والتقليد، وقد وصفه تعالى بأنه قد ضلّ ضلالا بعيدا لا ترجى هدايته، أما من يضل عن الشيء وهو يبحث عن حقيقته حتى يصل إليه ويؤمن به فيكون ضلاله قريبا (المنار).

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (137)

137 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا﴾ قيل هم المنافقون، بدليل الآية التالية، يظهرون الإيمان ثم يكفرون، مذبذبون بين الإيمان والكفر حسبما تقتضي مصالحهم الدنيوية ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لأنهم بلغوا حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام ليس بقولهم فقط، بل بأعمالهم، وذلك من أعظم درجات الكفر ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ يتركهم تعالى وما اختاروا لأنفسهم فيحرمهم من توفيقه وهدايته، وفي هذ الآية عودة لموضوع المنافقين بالآيات (105 - 123).

﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (138)

138 - ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ جزاء لهم على تذبذبهم بين الإيمان والكفر، واستهزائهم بالدين حرصا على مصالحهم الدنيوية.

﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ (139)

139 - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتحالفون مع الكفار ضد المؤمنين، ويتخذون منهم أنصارا لاعتقادهم أن السيطرة والمستقبل سيكونان لهم، واتخاذهم الكفار أنصارا وحلفاء لا يقتصر على التحالف

383

سورة النساء (4): آية 140

سورة النساء (4): آية 141

السياسي أو العسكري معهم فقط، بل يتجاوز ذلك إلى التحالف المعنوي معهم عن طريق اتباع أساليب حياتهم وعاداتهم الاجتماعية والمعيشية على أمل أن يصيروا مقبولين لديهم ومساوين لهم في نظرهم، وهذا مما يؤدي إلى التخلي تدريجيا عن القيم والمبادئ الإسلامية ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ يتوهمون أنهم يدركون العزة والشرف باتباع الكفار في حين أن الكفار لا يقيمون لأمثالهم وزنا ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ يؤتيها المسلمين إذا اتبعوا هدايته وساروا بحسب سننه في خلقه.

﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (140)

140 - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ في القرآن الكريم ﴿أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها﴾ إذا سمعتم الكفار أو المنافقين أو المشكّكين يتكلمون بالسخرية والإستهزاء عن آيات الله ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ يحرم الجلوس إليهم والاستماع لهم ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ من يرضى بالاستماع للكفر يكون كافرا مثلهم، فإن كان الجالس راضيا بذلك الجلوس فإقرار الكفر بالاختيار يعتبر كفرا، أما إن كان الجالس ساخطا لقولهم، وإنما جلس بسبب التقية والخوف فلا يكون مثلهم (الرازي)، ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ يجمعهم في جهنم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله، وقدّم تعالى ذكر المنافقين على الكفار لكونهم أخسّ منهم.

﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)﴾.

384

سورة النساء (4): آية 142

141 - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ وهم المنافقون الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين يترقّبون ما يحدث لكم من خير أو شر ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي نحن نستحق المشاركة في نعمتكم ﴿وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أي نصيب من الظفر لأن الحرب سجال ﴿قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا للكفار ألم نحميكم من المسلمين بعد أن كادوا يسيطرون عليكم ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ بين المؤمنين والمنافقين ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ المعنى أن الكافرين من حيث هم كفار، لا يكون لهم سبيل على المؤمنين من حيث هم مؤمنون يقومون بحقوق الإيمان قولا وفعلا، فالنصر مضمون للمؤمنين بشرط القيام بحقوق الإيمان واتباع سنته في خلقه، أما غلبة الكافرين على المسلمين في بعض العصور فليست من حيث إنهم كفار، ولكن من حيث إنهم صاروا أعلم من المسلمين بسنن الله في خلقه وأحكم عملا بها، والمسلمون قد تركوا ذلك أو جهلوه (المنار).

﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (142)

142 - ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ﴾ بخداع أنفسهم إذ يتحايلون على الشرع فيبررون لأنفسهم نفاقهم وكذبهم وغشهم، ويتعامون عن الحق، ويقنعون أنفسهم بأنهم على الصواب جريا وراء مصالحهم الدنيوية، وقد يتظاهرون بالتدين عمدا لخداع الناس ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ بتخليتهم لأنفسهم وبتوفيق المؤمنين، فعاقبة الخداع لا تعود إلاّ عليهم، ما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، وإن نالوا مبتغاهم في الدنيا لا يفوتهم عقاب الآخرة ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ﴾ يقصدون من الصلاة المراءاة أي أن يراهم الناس يصلّون حتى يشهد لهم بالتقوى الغفلة من الناس ممّن يغترون بظواهر

385

الأمور ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ لأنهم يراؤون الناس بالصلاة فليس لهم منها إلا المراسم الظاهرية دون المضمون من الخشوع والعمل بما تقتضيه حقيقة الصلاة.

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (143)

143 - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ بين الكفر والإيمان ﴿لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ لا يخلصون في الانتساب لأحد الفريقين: المؤمنين والكفار، وإنما إخلاصهم لأنفسهم ومصالحهم فقط ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ يتركهم تعالى لما اختاروا لأنفسهم من الضلال.

سورة النساء (4): آية 143

سورة النساء (4): آية 144

سورة النساء (4): آية 145

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ (144)

144 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حذّر تعالى المؤمنين أن يكونوا كالمنافقين، الذين سبق وصفهم، بأن لا يتّخذوا الكافرين أولياء وأنصارا، يرجون منهم المنفعة ويبتغون بهم العزة، ولو ظنوا أنه لا ضرر في ذلك لإخوانهم المؤمنين ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ السلطان بمعنى الحجّة والبرهان، أي أتريدون أن يكون لله عليكم حجة بيّنة يوم القيامة؟ لأن هذا عمل سافر من أعمال النفاق، انظر بهذا المعنى أيضا آيات: [آل عمران: 3/ 28، 118] و[النساء: 4/ 138 - 139] و[المائدة: 5/ 51، 57]، و[المجادلة: 58/ 14] و[الحشر: 59/ 11] و[الممتحنة: 60/ 1، 13].

﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (145)

145 - ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ لأنهم أسوأ من الكفار، فقد جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة الله والمؤمنين والاستهزاء بالإسلام، فهم أخس وأسفل النفوس.

386

سورة النساء (4): آية 146

سورة النساء (4): آية 147

سورة النساء (4): آية 148

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (146)

146 - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ عن النفاق والغيبة والنميمة والكذب والافتراء والخيانة والمراءاة وتولي الكفار من دون المؤمنين، وفي الحديث: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلّى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ سرائرهم، وقاموا بصالح الأعمال ﴿وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ أي تمسّكوا بهدي كتاب الله ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ فتكون أعمالهم خالصة لله وحده طلبا لمرضاته لا لمرضاة العباد ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إذا قاموا بالشروط الأربعة المذكورة فيلحقهم تعالى بالمؤمنين ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ (147)

147 - ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ فليس هذا هو المقصود من خلق الإنسان ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ وهو الشكر بمعناه العام الذي يتبعه الإيمان، لأن من يشعر بوجوب الشكر على نعمة الوجود والحياة والروح لا بد أن يتوصل إلى نتيجة لازمة، وهي أن نعمة الحياة ليست مصادفة، وبالتالي أن الخلق ليس عبثا ﴿وَكانَ اللهُ شاكِرًا﴾ موفيا أجوركم مثيبكم عليها ﴿عَلِيمًا﴾ بحق شكركم وإيمانكم.

﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (148)

148 - بعد أن ذكر تعالى مثالب المنافقين، أتبعه بإيضاح الجهر بالسوء في أمثالهم:

﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ أي إنه تعالى لا يحب إظهار فضائح وقبائح الناس، فلا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكتومة، منعا لانتشار الرذائل والغيبة، ووقوع البعض في الريبة، إلا في حق من وضح ضرره واشتدّ كيده ومكره، فعندئذ يجوز إظهار فضائحه، لأن المظلوم في هذه الحالة لا

387

سورة النساء (4): آية 149

سورة النساء (4): آية 150

يكون فردا واحدا أو أفرادا بعينهم بل المجتمع بأسره إذا استمر في التستر عليه، وفي الحديث: «اذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس».

ويحتمل المعنى: إلا جهر من وقع عليه الظلم لكي يدافع عن نفسه، والمعروف أن الجهر بالسوء يساعد على انتشاره بين الناس يقتدي بعضهم ببعض، والعوام تقلد الخواص، ويتجرأ الناس على ارتكاب الفواحش والمنكرات إن علموا أنّ لهم قدوة سابقة فيها، فيقل استبشاعها واستغرابها في النفوس ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ فلا يجوز المبالغة في الجهر المسموح به (الرازي).

﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (149)

149 - ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ بعد أن بيّن تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول بغير عذر الظلم، بيّن حكم إبداء الخير وإخفائه، وحكم العفو عن السوء، وهو أن فاعلي الخيرات قولا وعملا، جهرا أو سرّا، والعافين عن المسيئين إليهم، يجزيهم تعالى من جنس أعمالهم فيتجاوز عن سيئاتهم ويثيبهم على عمل الخير فهو تعالى عفوّ قدير.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ (150)

150 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ لأن إنكار الوحي الذي نزل على الأنبياء هو كفر بالله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يدّعون الإيمان بالله تعالى ويكفرون برسله وينكرون الوحي ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ كالمشار لهم بالآية (136)﴾، فاليهود يكفرون بالمسيح ومحمد عليهما السلام، والمسيحية تكفر بمحمد ﷺ ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ أي يتخذون طريقا بين الإيمان بالله، والإيمان برسله، بفصل أحدهما عن الآخر، أو الإيمان ببعض الرسل دون غيرهم، فهم ينكرون أن النبوات قد نزلت على البشرية وتسلسلت بشكل منطقي حتى انتهت بخاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، وفي ذلك عودة إلى موضوع المنافقين والكافرين المشار لهما آنفا.

388

سورة النساء (4): آية 151

سورة النساء (4): آية 152

سورة النساء (4): آية 153

﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ (151)

151 - ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ وهم المفرّقون بين الله ورسله، اكتمل كفرهم بذلك إذ لا فرق بين من لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله ويكفر برسله، أو يؤمن بالله وبعض الرسل ويكفر بالرسل الآخرين ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ من أمثالهم ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ لأن العقاب من جنس العمل.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (152)

152 - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ المؤمنون بالله ورسله دون التفريق بين أحد منهم، سوف يؤتيهم أجورهم على أعمالهم الصالحة، لأن الإيمان يجب أن يرافقه العمل، والمعنى أن أمثال هؤلاء المؤمنين لا تذهب أعمالهم هباء ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لأمثال هؤلاء المؤمنين.

﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ (153)

153 - ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ المشار إليهم آنفا أنهم يفرقون بين الرسل يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ وهم اليهود طلبوا من النبي ﷺ أن ينزّل عليهم كتابا من السماء يلمسونه بأيديهم، وهذا الطلب على سبيل التعنّت والتعجيز، لا طلبا للحجة والإقناع، قال تعالى:

﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: 6/ 7]، وقد يكون أنهم طلبوا نزول الوحي عليهم مباشرة لاعتقادهم أن الوحي الإلهي حكر عليهم.

389

سورة النساء (4): آية 154

وإن تعجب أيها الرسول لطلبهم هذا: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ لأنّ أجدادهم سألوا موسى أكبر من ذلك السؤال، ﴿فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ بسبب تكبّرهم وتعنتهم ظنّوا أن أبصارهم يمكن أن تحيط بالله، سبحانه وتعالى عمّا يصفون علوّا كبيرا، أنظر آية [البقرة: 2/ 55]، ﴿ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ معبودا، انظر آية [البقرة: 2/ 51] ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ جاءتهم البينات كنزول الوحي على موسى، ونجاتهم من فرعون، وانفلاق البحر، وتظليل الغمام عليهم، ونزول المنّ والسلوى عليهم في سيناء ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ فلم يستأصلهم تعالى بل أعطاهم المزيد من فرص التوبة ﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ وبهذا السلطان نصره تعالى على كفارهم بالرغم من عنادهم وتعنتهم ومشاقتهم موسى عليه السلام.

والمغزى أن ذرية أولئك المتعنتين يسيرون على خطى أجدادهم في الكفر ومشاقّة الرسل.

﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ (154)

154 - ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ أي كان جبل طور سيناء شاهدا على ميثاقهم الذي قطعه نقباؤهم الذين اصطحبهم موسى إلى الطور ﴿وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ كما ورد في آية [البقرة: 2/ 58]، أي ادخلوا فلسطين دخول التقاة المتواضعين، كما دخل النبي ﷺ مكة وقت الفتح، ولا تدخلوها دخول الطغاة المتجبرين ﴿وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ لا تعتدوا وتنتهكوا شريعة يوم السبت، انظر آية [البقرة: 2/ 65]، ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ميثاقا مؤكدا غاية التوكيد، وهو المذكور بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا ..﴾. [البقرة: 2/ 83].

390