بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 479 - 486

سورة المائدة (5): آية 102

سورة المائدة (5): آية 102

أنتم في غنى عنها، وفي الحديث: «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته»، ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ من قبيل العفو لم يذكر تعالى هذه الأمور في كتابه، فاسكتوا عنها، وفي الحديث: «لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد عليكم، فإن قوما شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم»، وفي الحديث أيضا أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: «أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجّوا، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال ﷺ: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل الناس بالعقوبة، بل يترك لهم فرصة التوبة.

﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ (102)

102 - ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الذين أكثروا السؤال عن تفصيل الأحكام التشريعية من الأمم قبلكم لم يعملوا بما ظهر لهم منها، بل تركوها استثقالا لها، والخطاب عن الأمور الدينية المحضة، وأما المصالح المدنية والسياسية والحربية فهي شورى.

وقد كتب الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ما يلي: «العبرة من هذه الآية أن كثيرا من الفقهاء وسّعوا بأقيستهم دائرة التكاليف، وأكثروا من استنباط الفروع الكثيرة في العبادات والمعاملات، وانتهوا بها إلى العسر وإلى الحرج المرفوع بالنص القاطع، وقد افتتنت بعض الجماهير بالكتب الفقهية الملأى بالفروع التي نهى الشرع عن الخوض فيها، وأجمع السلف على ذم الاشتغال بها، ثم جمدت بعض الجماهير على التقليد، فكان أن تركت جماهير أخرى من المسلمين - وحكوماتهم - الشريعة جملة، وفتحت لهم أبواب انتقادها والاعتراض عليها، مع أن كل ما في الفقه من التشديد والتقييد هو من اجتهاد الفقهاء، ولا سيّما المصنّفين منهم الذين جاؤوا بعد الصحابة والتابعين».

479

سورة المائدة (5): آية 103

﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (103)

103 - ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ وهي أربعة أنواع من البهائم كانوا في الجاهلية يحرّمونها على أنفسهم ويتركونها لطواغيتهم، فالبحيرة هي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن آخرها ذكر، كانوا يشقّون أذنها ثم يمتنعون من الانتفاع بها ويتركونها لآلهتهم بزعمهم، والسائبة بمنزلة البحيرة وهي البهيمة يسيبونها أي يتركونها لأصنامهم، والوصيلة هي الشاة التي تصل أنثى بأنثى في الولادة ثم بعد سبعة أبطن يحرمون على أنفسهم الانتفاع بها، والحامي فحل الإبل يتركونه بعد عشر سنين، وقال المفسرون نحو ذلك في شرح هذه الأنواع الأربعة.

ومعنى الآية أنّ الله تعالى لم يشرّع لهم تحريم هذه البهائم، وهو استمرار الخطاب من الآيات السابقة، فبعد أن نهى تعالى عن تحريم الحلال، ونهى المؤمنين أن يكونوا، بكثرة أسئلتهم، سببا في تحريم شيء لم يكن محرّما من قبل، ضرب لهم مثلا في هذه الآية عن ضلال الناس في الجاهلية إذ حرّموا ما لم يحرّمه الله ﴿وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ لأنهم كانوا ينسبون التحريم إلى الله تعالى، ولو بشكل غير مباشر، إذ يقولون ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: 6/ 148]، وهم بقولهم هذا كأنهم يدّعون الجبر مع أنه تعالى أعطى الإنسان حرية الخيار، فعدم إجباره لهم على الفعل أو الترك ليس دليلا على رضاه تعالى عمّا اختاروه لأنفسهم من الضلال،

﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ لا يستخدمون العقل - بل يتّبعون التقليد كما سيرد في الآية التالية -، والآية وإن كانت خاصة في ممارسات الجاهلية إلاّ أن مغزاها عام ينطبق على كل الناس في كل العصور، فقد يزعم البعض أنهم يتقربون إلى

480

الله تعالى بأعمال وممارسات ابتدعوها ما أنزل الله بها سلطانا، في حين أنه تعالى لا يعبد إلاّ بما شرعه في القرآن أو على لسان رسوله ﷺ فلا عبادة ولا تحريم إلاّ بنص، وليس لأحد أن يزيد أو ينقص في العبادات أو في التحريم.

﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (104)

سورة المائدة (5): آية 104

104 - استمرار الخطاب من الآية السابقة بأن أكثرهم لا يستخدمون العقل:

﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ هم ملتزمون بتقليد آبائهم، ومغزى الآية واضح في النهي عن التقليد الأعمى، ووجوب إعمال الفكر واستخدام ملكة العقل، وقد وردت آية مشابهة لها في سورة البقرة [البقرة: 2/ 170]، ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أي هل يغني تقليد الآباء والأجداد عن اتّباع الحق؟ حتى لو كان الآباء والأجداد لا يعلمون شيئا من الحقيقة ولا يهتدون إليها؟

وقد ذكر الشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) ما يلي: اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية: هل يجوز التقليد فيها أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم أنه لا يجوز مطلقا، قال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد، وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد، ونقل عن مالك قوله: «أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وما لم يوافق فاتركوه»، وبهذا نعلم أن منع التقليد مذهب الجمهور، ولا خلاف أن رأي المجتهد، عند عدم الدليل، إنما هو رخصة له، يجوز له العمل بها، ولا يجوز لغيره أن يعمل بها بأي حال، ولذلك نهى كبار الأئمة عن تقليدهم وتقليد غيرهم، ومن زعم أنه يجب على الناس التمسك برأي المجتهد والعمل به فقد جعل هذا المجتهد صاحب شرع، ولم يجعل الله ذلك لأحد من الأمة بعد النبي ﷺ، وأما سؤال الجاهل للعالم فيما

481

سورة المائدة (5): آية 105

سورة المائدة (5): آية 106

يعرض له من مسائل فهو سؤال عن الشرع، وليس سؤالا عن رأي خاص أو اجتهاد محض، (المنار).

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (105)

105 - استمرار الخطاب لما قبله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ أي لا عليكم أيها المؤمنون من هؤلاء المقلّدين - المذكورين في الآية السابقة - إذا قمتم بواجباتكم من العبادات والعمل، وقمتم بواجبكم في الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا تؤاخذون بضلال غيركم، حتى لو أصر الآخرون على المعصية، وليس عليكم إكراه الآخرين على الهدى ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ مصيركم إلى الله أنتم ومن خالفكم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كل إنسان بعمله.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (106)

106 - انتقال الخطاب إلى التشريع: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أي شهادة ما بينكم من المنازعة أو الخصومة التي قد تنشأ عن الوصية ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إذا شارف أحدكم على الموت، بظهور إمارات قربه من الموت، كالعجز أو المرض أو غيره ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يشهد على وصيته اثنان من الشهود العدول أي المعروفين بالعدل والاستقامة، وهذا المعنى دليل على وجوب الوصية وتأكيد أهميتها، انظر آية [البقرة: 2/ 180]، وضرورة الإشهاد عليها، وقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ معناه شاهدان من دينكم ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من غير دينكم، إذا كان أحدكم على سفر ولم يجد

482

سورة المائدة (5): آية 107

سورة المائدة (5): آية 108

شاهدين مسلمين ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ كنتم على سفر ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ شارف أحدكم على الموت بالمرض أو غيره ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ﴾ إن كان لديكم شك في شهادة الشاهدين فتوقفوهما بعد الصلاة حتى يقسمان على صحة ما شهدا به ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ وهو فحوى قسم الشاهدين ومعناه: لا نشتري بيمين الله ثمنا دنيويا، ولو كان المستفيد من أقاربنا ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ وهو تتمة قسم الشاهدين، أي لا يكتمان الشهادة التي أمر الله أن تذكر على حقيقتها، فهما يشهدان على نفسيهما بالإثم إن قالا زورا، وهذه العبارة نظير قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 2/ 283].

﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (107)

107 - ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْمًا﴾ لأنّ الإثم يترتب على شهادة الزور، فإن ظهر لدى أولياء الميت كذب الشاهدين بعد أن أقسما ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ بدلا ﴿مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ الأوليان الشاهدان اللذان حلفا اليمين أولا، استحقّ عليهم الإثم فتردّ أيمانهم لأنهما استحقّا أموال المتوفّى ظلما، فيقوم مقامهما اثنان من أولياء الميت أو ورثته يقسمان بردّ يمين الشاهدين ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما﴾ وهو مضمون اليمين الثانية بأن يمين الشاهدين باطلة، وبأنهما كاذبان، وبأن الميت ما كان ليوصي بذلك، فيردّان بأيمانهما اليمين الأولى، ويشهدان على أنفسهما بعدم الظلم والتعدّي: ﴿وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾.

﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108)﴾.

483

سورة المائدة (5): آية 109

سورة المائدة (5): آية 110

108 - ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها﴾ ذلك أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها الصحيح، لأنه إذا علم الشاهدان سلفا احتمال ردّ كذبهما، بيمين أولياء الميت، كانا أحرص على قول الحقيقة ﴿أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ في هذه الحالة يخافان أن تردّ الأيمان التي يحلفوها، بأيمان أولياء الميت، والضمير في ﴿أَيْمانِهِمْ﴾ عائد إلى أولياء الميت ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ اتقوا معصية الله واستجيبوا له طواعية، لأن سنته تعالى قد مضت بأن الهداية تكون بحرية الاختيار، وأنه تعالى لا يقسر العصاة على الهداية، وشبيه به قوله تعالى: ﴿وَاِحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (92).

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (109)

109 - بعد أن فصّلت الآيات (1 - 11) والآيات (87 - 108) مواضيع العقود والطيبات والمحرمات والأحكام، كما بيّنت الآيات (12 - 86) أحوال أهل الكتاب، وعدم استجابتهم للوحي، وهيمنة القرآن على كتبهم، تختم السورة بشهادة الرسل عليهم، وبالذات شهادة عيسى المسيح عليه السلام:

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ المغزى أن الناس سوف يحاسبون بحسب استجابتهم للرسل، فما على الرسل إلاّ البلاغ، والحساب على الله وحده، وأن الإحاطة بالعلوم من الظاهر والباطن والغيب خاص بعلاّم الغيوب، وذلك مغزى قول الرسل: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ،﴾ ونظيره الآية (117)، ومن مغزى الآية أيضا توبيخ الكفار بسؤال الرسل عن استجابة الكفرة لهم، لأن الرسالة وصلتهم فلم يستجيبوا.

﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾

484

﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (110)

110 - ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ انظر التأييد بروح القدس أيضا في آية [البقرة: 2/ 87]، وقيل إنّ روح القدس هو جبريل عليه السلام، الروح جبريل، والقدس هو الله تعالى، كأنه أضافه تعالى إلى نفسه تعظيما له ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ كلام عيسى في المهد هو قوله ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم 19/ 30]، ثمّ تكلم في الكهولة بما نزل عليه من الوحي بعد بعثه نبيا، والمعنى أن كلامه في المهد وفي الكهولة كلاهما معجز.

﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تقدير الخطاب: علّمتك الكتاب بما اشتمل من الحكمة والتوراة والإنجيل، لأن المقصود بالكتاب جنس الكتب التي نزلت على الأنبياء، والحكمة هي العلم الصحيح الذي يبعث على العمل النافع، وقد بعث عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل خاصة فأوتي الفقه في التوراة، والإنجيل الوحي الذي نزل عليه ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وردت هذه المعجزة أيضا في آية [آل عمران: 3/ 49] ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ الأكمه المولود أعمى ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي﴾ ويلاحظ تكرار كلمة بإذني، للتأكيد على أن ذلك يتم بقدرته تعالى، وليس بمقدرة عيسى عليه السلام ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بعد أن جئت بني إسرائيل بالبينات من الوحي، ومن المعجزات الحسية التي اعتاد بنو إسرائيل وقوعها منذ بعثة موسى عليه السلام، فمنعتهم من الوصول إليك بأذى ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فسّروا معجزات عيسى بالسحر، بسبب تصميمهم على الكفر وانغلاق فكرهم سلفا.

485

سورة المائدة (5): آية 111

سورة المائدة (5): آية 112

﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ (111)

111 - ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ المعنى أنه تعالى ألهم الحواريين أن يؤمنوا بالمسيح بعد ما طلبوا منه معجزة خارقة، وهي إنزال مائدة من السماء - الآية التالية - وذلك من تتمة نعمه تعالى على عيسى عليه السلام المذكورة في الآية السابقة، والإيحاء إلى الحواريين بمعنى الإلهام كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:

16/ 68]، والحواريون مفردها حواري وهو من خلص لصاحبه، وأصله في اللغة الأبيض خالص النقاء والبياض.

﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (112)

112 - ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ هذا السؤال من الحواريين لعيسى عليه السلام يبيّن بوضوح إيمان الحواريين بأن عيسى مجرد بشر، وأن عيسى نفسه لم يدّع غير ذلك، وأن لم تكن عنده أي مقدرة على عمل الخوارق من تلقاء نفسه، وأن الخوارق إذا حصلت فمن الله ﴿قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي كيف تطلبون المعجزات الخارقة، وأنتم مؤمنون؟ والمغزى أن المؤمن يجب أن يتقي عاقبة مثل هذا الطلب، لأنه بعد نزول المعجزة الخارقة يتضاءل ثواب الإيمان بالغيب، أو ينتفي بالكامل، فمن جهة، يكون نزول المعجزة نوعا من الإجبار على الإيمان، ولا يليق ذلك إلاّ بمن هم في طفولة عقلية - كمثل بني إسرائيل - إذ فشلوا في استخدام ملكاتهم العقلية للوصول إلى الإيمان، ومن جهة ثانية قد يتعرض طالب المعجزة للعقاب الشديد لأقل هفوة يرتكبها بعد أن يكون قد لمس خوارق الإعجاز لمس اليد، فلم يعد لديه عذر في المعصية والانحراف عن الطريق السوي.

486