بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 519 - 526

سورة الأنعام (6): آية 54

سورة الأنعام (6): آية 54

سورة الأنعام (6): آية 55

التفكير والاختيار والمنطق، مما أدى بهم إلى تنوع العقائد والأفكار ﴿لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ أي بالإيمان وفهم القرآن، وهو قول الساخرين منهم، والمتعالين على غيرهم، يستبعدون أن يكون تعالى قد أنزل هدايته على من هم دونهم منزلة بزعمهم، وهذا القول لا يزال يصدر إلى اليوم عن كثير من غير المسلمين من المتحاملين المغرضين، الذين بسبب هيمنة خلفيتهم الثقافية والتاريخية عليهم، يتهكمون على المسلمين، ويرفضون الإقرار بنزول الهداية القرآنية على غيرهم ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ لإحاطة علمه تعالى بالحكمة على أكمل وجه.

﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (54)

54 - ﴿وَإِذا جاءَكَ﴾ أيها النبي ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ الذين يؤمنون بآيات القرآن، يستوضحون منك عن حسابهم وذنوبهم وهل تقبل توبتهم - بدليل تتمة الآية - ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وهو إخبار منه تعالى بسلامتهم وأمنهم من عقابه ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بشارة لهم بالمغفرة وبالرحمة ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ من عمل السوء منساقا مع الأماني واللذات العاجلة، واغترارا منه بتأوّل النصوص، يكون جاهلا، قال المفسّرون إن كل من عصى الله يسمّى جاهلا ويسمّى فعله جهالة، كما في قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [يوسف: 12/ 33]، وقد ورد هذا المعنى في آية [النساء: 4/ 17]، ﴿ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أتبع التوبة بالعمل الصالح ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفور بإزالة العقاب، ورحيم بإيصال الثواب الذي هو الرحمة.

﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (55)

55 - ﴿وَكَذلِكَ﴾ إشارة للخطاب من الآية (37) حتى الآية (54)﴾، لأنهم قالوا: لولا نزّل عليه آية من ربه ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي نفصّل الرسالات لبيان الحق

519

سورة الأنعام (6): آية 56

سورة الأنعام (6): آية 57

﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ليظهر طريق وسلوك المجرمين - المصرّين على المعصية - واضحا للجميع، بالمقارنة طريق وسلوك المؤمنين التائبين المذكورين في الآية السابقة.

﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (56)

56 - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي - وأيها المسلم -: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ﴾ المعنى: إنكم تعبدون ما تعبدون من دون الله، لأنكم تتّبعون الأهواء وتقلّدون الآباء والأجداد والزعماء، وليس بناء على الحجة والبرهان والعقل ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ إن اتّبعت أهواءكم أكون ضالا مثلكم ولا أكون من المهتدين، والمعنى إنكم ضالّون غير مهتدين.

﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ (57)

57 - ﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ لأنني اتّبعت البيّنة والبرهان وليس الأهواء والتقليد ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أي كذّبتم بالقرآن الذي هو البيّنة الكبرى ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب فذلك ليس بطاقتي ولا أقدر عليه، لأن الكفار يعتقدون أن عدم نزول العذاب الفوري بهم دليل على صواب عباداتهم وشركهم وضلالهم، فكانوا يقولون ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 8/ 32]، والمراد أن الله ينزل العذاب في الوقت الذي يريد، بناء على حكمته المحيطة بكل شيء، كإمهال العباد وإعطائهم فرصة للتوبة، وليس بناء على استعجال الكفار أو تحدّيهم ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ النبي يتبرّأ من أي مقدرة له على تقديم العذاب أو تأخيره ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ تقدير الخطاب: يقصّ الحكم الحق، فيفصل به بين الحق والباطل ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ بين الحق والباطل.

520

سورة الأنعام (6): آية 58

سورة الأنعام (6): آية 59

﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ (58)

58 - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾ في قدرتي وإمكاني ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من الغيب - كما سيرد في الآية التالية -، أو من العذاب الذي تستعجلون، كالأمراض والشدائد والمصائب تنزل بكم حتى توقنوا ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي لأقررتم أنني رسول الله حقا، ولكن إقراركم سيكون إلجاء فلا تكون له قيمة حقيقية، وطلبكم جدير بمن هم في طفولة عقلية، في حين أن الإسلام مبني على الحجة والبرهان والعقل، والقرآن معجزة الإسلام الخالدة لكل الناس بكل العصور، فما الفائدة من معجزة مؤقتة تقتنع بها قريش في وقت من الأوقات؟ ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ من حيث إمهالهم لما فيه من الحكمة ومصلحة العباد، أو من حيث توقيت العقاب الذي ينزل بهم بحسب سننه تعالى في خلقه.

﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (59)

59 - ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي: ما عندي ما تستعجلون به والله أعلم بالظالمين، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو، أي إنّ النبي وغيره من البشر لا يعلمون الغيب من حيث عقاب الظالمين وتوقيت العقاب والحكمة من إمهال الكفار وما يترتب عليها، والغيب لا يعلمه إلاّ الله أما الإنسان فلا يستطيع إدراكه ولا إدراك كنهه ولا الحكمة من الكثير من الأمور ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ من علم الشهادة - المقابل لعلم الغيب المذكور آنفا - ولو أن الكثير من عالم الشهادة غائب عن علم أكثر الخلق ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كناية عن علمه القديم المحيط بالمجملات وبالدقائق.

521

سورة الأنعام (6): آية 60

سورة الأنعام (6): آية 61

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (60)

60 - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أطلق التوفّي على النوم مجازا، لأن النائم تذهب معظم حواسه فهو كالميت، قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر: 39/ 42]، وذكر الليل لأن النوم غالبا ما يكون بالليل ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ أي ما كسبتم من الأعمال في النهار الذي سبق الليل، وذكر النهار لأن العمل غالبا يكون فيه، وجرحتم نسبة إلى الجوارح وهي الأعضاء العاملة ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي في النهار الذي يلي الليل، والبعث هنا اليقظة، والمغزى أن القادر على بعثكم من توفّي النوم قادر على بعثكم من توفي الموت ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يوقظكم ويرسلكم في أعمالكم إلى أن يقضى وينتهي الأجل المسمى في علمه لكل فرد منكم، وهو أجل الموت ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يكون رجوعكم إليه وحده عند انتهاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبكم عليه.

﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (61)

61 - ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فلا يعجزه أحد منهم ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ من الملائكة ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ عندما يحين الأجل ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ فلا يفوتهم أحد من الخلق، كلّ في أجله.

سورة الأنعام (6): آية 62

﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ (62)

62 - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ أي ردّوا إلى قضاء الله وحكمه وجزائه، واستخدام الفعل الماضي لإفادة تحقق الوقوع لا محالة ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ سيّدهم الحق، وقد زال ما كان من ولاية غيره الباطلة الواهمة - من الزعماء والرؤساء - بزوال عالم الدنيا، وبقي المولى الحق، والحق في اللغة هو الثابت المتحقق، بعكس

522

سورة الأنعام (6): آية 63

سورة الأنعام (6): آية 64

سورة الأنعام (6): آية 65

الوهم الزائل ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ حصرا وليس لأحد غيره، ولا شريك له ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ لأن حساب الإنسان يجيء معه، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا * اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 17/ 13 - 14].

﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (63)

63 - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي من الأهوال والمخاطر والشدائد، وسمّيت ظلمات مجازا، و﴿يُنَجِّيكُمْ﴾ بالتشديد لتكرار ذلك المرة بعد المرة ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ خلال الشدّة تدعون الله تضرّعا أي مبالغين في الدعاء والخضوع والذل لله تعالى، تارة جهرا وتارة سرّا بعيدا عن الرياء ﴿لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عند الشدائد تقرّ الفطرة السليمة بأنه لا ملجأ إلاّ الله.

﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (64)

64 - ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ من كل شدّة ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ لأن الإنسان بعد سلامته ونجاته إلى الأمن والرفاهية يحيل أسباب ذلك إلى مهارته وإلى حوله وقوّته، أو إلى الظروف والصدف.

﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (65)

65 - ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ﴾ وحده ﴿عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي بأي وسيلة من الوسائل كالأعاصير والزلازل، وإبهام العذاب مراد لأجل الشمول، وحكمته أنه ينطبق على كل الظروف والحالات التي قد تكون خافية على الناس في وقت من الأوقات، وفي هذا العصر يأتي

523

سورة الأنعام (6): آية 66

العذاب مثلا من القصف الجوي والقنابل الذرية والغازات السامة والألغام، وفسروه أيضا على المجاز بأن العذاب الذي يأتي من فوق هو من ظلم وقهر السلطان ومن تحت أنه من الرعاع وأراذل الناس ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ الشيع هي الفرق كل منها تجتمع على أمر معين، والمعنى يجعلكم فرقا يكيد بعضها لبعض، فتلتبس الأمور وتختلط عليكم وتظن كل شيعة أنها على الحق ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ فتصل الأمور بينهم إلى درجة الاقتتال، ويسود الخوف والعنف والطغيان بنتيجة تخلّي المجتمع عن القيم الروحية ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي انظر أيها النبي - وبالتالي كل مخاطب بالقرآن - كيف نقلّب الدلائل لهم من جميع الوجوه لعلهم يفقهون الحقيقة ولا يغترّون بالأوهام.

﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (66)

سورة الأنعام (6): آية 67

سورة الأنعام (6): آية 68

66 - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ كذّب معظمهم بالقرآن - في أول البعثة -، وكذّبوا بالعذاب ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ لا بد من تحققه ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ المعنى أن الرسول ليس سوى منذر، ليس موكولا بإجبارهم على الهدى، ولا يستطيع أن يمنعهم من التكذيب، والله تعالى هو الوكيل [الأنعام: 6/ 102] والمسيطر والمجازي.

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (67)

67 - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ من أنباء الله تعالى بالبشارات والثواب والعقاب ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقت استقرار وحصول لا محالة، فيثبت لكم عندئذ حقّه ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند حصول كل نبأ من أنباء القرآن الكريم وتحققه وثبوته، ومنها نصر الله لرسوله ودينه وتحقق معجزات القرآن في الدنيا، وعند كشف الحجب في الآخرة.

﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (68)﴾.

524

سورة الأنعام (6): آية 69

سورة الأنعام (6): آية 70

68 - ﴿وَإِذا رَأَيْتَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وهو أيضا لكل مسلم - ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾ يندفعون في الحديث عنها بالطعن والعبث واللعب، وانتصارا للمذاهب والطوائف واتباعا للأهواء، ويلاحظ قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ﴾ ولم يقل سمعت، والمعنى وجوب اجتناب مجالس الخائضين أصلا لمجرد رؤيتها ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ انصرف عنهم حتى لا يكون جلوسك معهم بمثابة إقرار لهم على الخوض أو رضا عنه، أو مشاركة به، أو إغراء لهم على التمادي فيه ﴿حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ لأن القرآن أجلّ وأسمى من أن يخوض فيه الخائضون، وإن كان دأبهم الخوض في الأحاديث فليكن في غير القرآن، حتى إذا امتنعوا عن الطعن والعبث والتهجم فيمكن عندئذ الجلوس إليهم للنقاش والحوار العقلاني ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بوسوسته ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ أي بعد التذكّر ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الذين وضعوا التكذيب والطعن والتهكم موضع التصديق والدراسة الجدّية.

﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (69)

69 - ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ المطلوب من المتقين الإعراض عن الخائضين في آيات الله، وليس حسابهم، لأن الحساب على الله ﴿وَلكِنْ ذِكْرى﴾ على المتقين تذكيرهم بالصواب قبل الإعراض عنهم، أو قد يكون الإعراض في حد ذاته بمثابة تذكير لهم بقبح أقوالهم وأفعالهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لعل الخائضين يجتنبون الخوض والعبث، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 88/ 21 - 22].

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)﴾.

525

سورة الأنعام (6): آية 71

70 - ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ دع معاشرتهم وملاطفتهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، ولا تقم لهم وزنا، وليس المراد ترك تذكيرهم ومحاجّتهم، بدليل قوله ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ في تتمة الآية، ومعنى اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أنهم يستغلون الدين أو يتسترون به للتوصل إلى مآربهم الدنيوية من مال وجاه وزعامة، أو كأن اللعب واللهو صار دينا لهم ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ وذلك سبب إعراضهم عن حقيقة الدين، بل اتخاذه وسيلة للوصول إلى مآربهم الدنيوية ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي بالدين أو بالقرآن، أو بالميثاق الفطري [الأعراف:

7/ 172]، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ كراهة أن تصبح النفس في الآخرة، رهينة بما كسبت من الإثم في الدنيا ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ يوم الحساب ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ مهما تابت بعد فوات الأوان لا تقبل منها توبتها، أو تودّ لو تعود إلى الدنيا فتفتدي لخلاصها بكل ما يمكن، فلا يقبل منها ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ صاروا رهينة لما كسبوا من الآثام، فصارت سبل الخلاص مسدودة عليهم ﴿لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ «بما» تفيد التلازم والارتباط بين الكفر وعذاب الآخرة.

﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (71)

71 - الآيات (71 - 73) تشرح كيف يكون التذكير المشار إليه في الآية السابقة:

﴿قُلْ﴾ أيها النبي - وأيها المسلم - للمشركين والكفار الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا - المشار إليهم آنفا - ﴿أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا﴾ كالأصنام والأولياء والأضرحة والزعماء والرؤساء، وحيث الدعاء هو العبادة،

526