بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 551 - 558

سورة الأنعام (6): آية 115

سورة الأنعام (6): آية 115

سورة الأنعام (6): آية 116

114 - قل لهم أيها النبي، أو أيها القارئ، أو أيها السامع: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ إن كنتم مكابرين ومصدّقين لزخرف القول وراضين به، فالله تعالى يحكم بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ فصّل كل الحجج والبراهين العقلية والعلمية، وفصّل الحق من الباطل، وفصّل الأحكام الشرعية ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ فهم ﴿الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي القرآن ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وهو برهان آخر على صدق نبوته ﷺ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ لا تكوننّ أيها السامع، أو القارئ، أو من بلغته هذه الرسالة، من الشاكّين.

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (115)

115 - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ بتنزّل القرآن على خاتم الأنبياء والرسل، الذي أتمّ به الوحي الذي نزل على الأنبياء من قبل، فالكلمة بمعنى الوحي، فيكون إتمام الكلمة هو ختم الوحي، والكلمة أيضا بمعنى القضاء، أي تم قضاؤه تعالى منذ الأزل بما قضى وقدّر، وهي أيضا بمعنى الوعد، وإتمامها تحقيق الوعد المذكور في كتب اليهود والنصارى ﴿صِدْقًا﴾ تصديقا لوعده في التوراة والإنجيل ببعث النبي محمد ﷺ ﴿وَعَدْلًا﴾ لأن القرآن يبشر المؤمنين، وينذر الكافرين، بتحقيق العدالة إن في الدنيا أو في الآخرة ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ مطابقة لما سبق علمه، ولا بدّ من تحقق وعده، والمعنى أيضا أن القرآن محفوظ من كل تحريف وتبديل ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الجدير بالعبادة لكونه يسمع دعاءكم ويعلم حالكم.

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (116)

116 - ﴿وَإِنْ تُطِعْ﴾ أيها المؤمن، أو أيها السامع، أو القارئ ﴿أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ لأن أكثرية الناس في غالب الأحوال يتبعون

551

سورة الأنعام (6): آية 117

سورة الأنعام (6): آية 118

سورة الأنعام (6): آية 119

أهواءهم، ولا عبرة بالأكثرية إن كانت على الضلال ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ فيما يتعلق بحقيقة الخلق، والحياة بعد الموت، والأخلاق، والخير والشر، والعبادات، وقواعد السلوك البشري ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون بنتيجة الظنّ.

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (117)

117 - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الذين يحلّون ويحرّمون من عند أنفسهم، كما سيرد في الآيات التالية ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ بعدما تبيّن الحق من الباطل، وبعد ما قام الرسول والدعاة بواجبهم، فلم يبق إلاّ تفويض أمر الناس إلى الله، لأنه تعالى أعلم بمن يهتدي منهم، ومن يضلّ، وحسابهم عليه.

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (118)

118 - الجاهلية لم تكن مقتصرة على العرب قبل الإسلام، فهنالك جاهلية تمارس في كل العصور والأمكنة: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ وحده، لأنّ المشركين في الجاهلية، وفي كل وقت، يتعبدون بتقديم الذبائح إلى أوثانهم وآلهتهم ويذكرون اسم آلهتهم أو أوثانهم عليها، فنهاهم تعالى عن ذلك وأمرهم أن يذكروا اسم الله وحده عليها ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لأن الشرك بالله والإيمان لا يجتمعان، والخطاب استمرار للآية (116) بالنهي عن طاعة الأكثرية الضالة.

﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (119)

119 - ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ الكلام لا يزال في التوحيد ونفي الشرك، وتقدير الخطاب: وأيّ شيء ثبت لكم من الفائدة - أيها المشركون - في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه وحده؟ أو: ما يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وحده؟ والحال أنكم تأكلون من الذبائح ما أهلّ به

552

سورة الأنعام (6): آية 120

سورة الأنعام (6): آية 121

لغير الله من أوثانكم وآلهتكم؟ وهو استفهام إنكار ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن المحرّمات قد فصّلها تعالى لكم، فما بال بعضكم يجعل الحلال حراما، وبعضكم يجعل الحرام حلالا؟ - وتفصيل التحريم مذكور في الآية (145) من هذه السورة - ﴿إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ بسبب شدة الجوع، فحينئذ يزول التحريم ويجوز لكم الأكل من الطعام المحرّم، انظر الآية (145)، وآية [المائدة: 5/ 3]، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ﴾ أي بموجب أهوائهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، فيحرّمون الحلال ويحلّون الحرام على هواهم، والإشارة عامة وغير مقتصرة على المأكل والمشرب - وقد استنتج الرازي منها أن القول في الدين بناء على التقليد حرام، لأن التقليد والعصبية عبارة عن اتباع الهوى، ممّا ينفي دور العقل، وقد حرّمته الآية - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ الذين يتجاوزون حدود الشرع، ويبتدعون حدودا وتشريعات من عند أنفسهم، ولأن من يحرّم ما أحلّ الله، كمن يحلّ ما حرّمه الله، لا فرق بينهما.

﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (120)

120 - ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ ما أعلنتم منه وما أسررتم، فلا يكون لديكم مقاييس أخلاقية مزدوجة، مختلفة في العلن عمّا هي في السر، وفي الحديث: «اليسير من الرياء شرك»، وفي الحديث أيضا: «ما تضعضع امرؤ لآخر يريد به عرض الدنيا إلاّ ذهب ثلثا دينه»، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾ بأفعالهم الظاهرة، أو بالدسائس الخافية والمكر السيء والخداع والتمويه ﴿سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي بنتيجة ما كانوا يقترفون من الإثم، وهو الارتباط بين السبب والمسبّب، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 99/ 8].

﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)﴾.

553

سورة الأنعام (6): آية 122

121 - ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ كالذبائح التي تذبح للأوثان والأصنام والطواغيت ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والحال أنها - أي الذبائح - فسق، أهلّ بها لغير الله، لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ (145)، فيكون النهي في الآية مختصّا بالفسق فقط، أي ما أهلّ لغير الله به، ولقوله ﷺ: «ذكر الله على قلب كل مؤمن من سمّى أو لم يسمّ».

﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ﴾ من شياطين الإنس والجن ﴿لَيُوحُونَ﴾ يوسوسون ﴿إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ من المشركين ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ في الحلال والحرام ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال الحرام وتحليل الحرام، وفي إحلال القوانين الوضعية محل الشرائع الدينية ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ لأن من يفضل قوانين البشر على شرع الله يثبت حاكما غير الله تعالى فيصير مشركا، كما أنّ من يرضى بالذبائح التي ذبحت على الأصنام والأوثان فقد رضي بزعم ألوهيتها ممّا يوجب الشرك، ومثال ذلك كثير.

﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (122)

122 - ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ﴾ شرح للآية السابقة، وقد شبّه تعالى الكافر بالميت، والهداية بالإحياء، لأن مدارك الكافر محدودة إما بسبب طغيان المادة عليه، أو لضيق أفقه، أو لجهله، أو لإعجابه برأيه، أو لغفلته، أو لكل ذلك معا، فهو أسير هواه، والحقيقة غائبة عن وعيه، لأنه حجر عقله على الجمود والتقليد، فإذا اهتدى صار حيّا، متفتح الذهن، عقلانيا، وصار على بيّنة من حقيقة الدنيا والآخرة ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ﴾ وهو نور القرآن الكريم، يهتدي به، فتطمئن به نفسه، ويكون واثقا منها، فيهدي به غيره ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ بالمقارنة مع الذين يتخبطون في ظلمات الجهالة، وقد فسدت فطرتهم، وعقولهم قاصرة عن إدراك الحقيقة

554

سورة الأنعام (6): آية 123

والاقتناع بها، وإذا توصلوا إليها فهم يجحدونها من قبيل التكبر والعصبية والتقليد الأعمى وإتباع الأكثرية المسيطرة وحب الدنيا ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهي إقرار حقيقة واقعة، بأن عقول أمثال هؤلاء الكافرين بعد أن طغت عليها العصبية والتقليد الأعمى وحب الدنيا، قد زيّن لهم ضلالهم حتى يكون أحدهم من أذكى الناس ثم يبرر لنفسه السفاهة والحماقة والخرافة التي يعتقد بها، ويوجه سلوكه الظاهر والباطن بموجبها.

﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (123)

123 - استمرار الخطاب من الآية السابقة ومعطوف على قوله ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾:

﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ القرية - بلغة القرآن - هي المجتمع أو الشعب أو الأمّة، أو المدينة الكبرى التي يقيم بها أولو الحل والربط، والمعنى استمرار من الآية السابقة، أي كما زيّن للكافرين عملهم وتخبطهم في ظلمات الجهالة والتقليد والتعصب وحب الدنيا، كذلك فإنه من سنن الاجتماع البشري أن يصبح بعض المجرمين من هؤلاء أكابر في بعض المجتمعات، بحيث يكون إجرامهم سبب كونهم أكابر، أي يبلغون مراتب الزعامة بمكرهم وخداعهم وتدليسهم وغدرهم، ويصدق فيهم قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ [البقرة: 2/ 204 - 205]، وقد ينكرون الوحي والرسل لكي يحكموا الناس على هواهم، وقد يدّعون العلمانية بزعم التحرر، ويكثر ذلك في الأمم التي تنتشر فيها المطامع والتنافس على الزعامات، وتزداد عند ما تكون الشعوب جاهلة ومتخلفة ومغلوبة على أمرها.

555

سورة الأنعام (6): آية 124

ويحتمل أيضا أن الأكابر تحوّلوا إلى مجرمين، لأنهم جعلوا أنفسهم فوق القانون، وفوق المعايير الأخلاقية، وفوق عامة الناس، فصاروا يرفضون الانتقاد الموجّه إليهم، ولا يحاسبون أنفسهم إذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم، فيصدق فيهم قوله تعالى: ﴿وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ والضمير في أنفسهم يعود لأكابر المجرمين وأشياعهم، لأن المجتمعات التي تمكّن مجرميها من التحكم فيها والسيطرة عليها، سواء كان ذلك نتيجة تخلفها وجهلها، أو سوء أخلاقها وانتشار الفساد فيها، تؤول في نهاية المطاف إلى الدمار مصداقا لقوله تعالى:

﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 35/ 43]، وقوله عزّ من قائل ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 17/ 16]، أي إنه تعالى يأمر الأكابر المترفين بالإصلاح والطاعة، فلا يستجيبون، ويكون التفسخ والانحطاط والانهيار عاقبة أمرهم.

﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (124)

124 - ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ وهم الأكابر المشار إليهم سابقا، أي جاءهم وحي من السماء عن طريق الرسول ﷺ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ لا يصدّقون الرسل، ويريدون أن ينزّل الوحي عليهم مباشرة، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر 74/ 52].

﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ الله أعلم بحكمته من يصطفي من الرسل والأنبياء ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ﴾ وهم منكرو الوحي سيصيبهم الهوان والذل، بعد التكبر والعظمة ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ إن في الدنيا أو في الآخرة أو كلاهما معا ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ بسبب مكرهم، وبنتيجته.

556

سورة الأنعام (6): آية 125

سورة الأنعام (6): آية 126

﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (125)

125 - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ يشرح الله تعالى صدر من حافظ على سلامة فطرته، وابتعد عن الكبرياء والحسد، وحافظ على استقلال الفكر، ورفض التقليد والعصبية، عندما يدرس الإسلام دراسة موضوعية يجد فيه الحقيقة التي يبحث عنها فينشرح صدره للإسلام، ويشعر بالسرور والقبول تجاهه ويفيض علم القرآن ونوره في قلبه وعقله ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وهو الشخص المصر على الكفر، الذي أفسد فطرته بالأفكار الشاذة التي تربّى عليها وقبلها، وضاق تفكيره بما لا يطابق ما اعتاد عليه من عقيدة أهله وقومه، حتى لا يكاد يستطيع الإطلاع على غيرها من العقائد، ناهيك عن دراستها دراسة جدية موضوعية، وهو إلى كل ذلك متكبر معجب برأيه وبما هو عليه من الضلال، وهو في نفس الوقت حسود لأنه يرى نفسه وقومه أحق من الآخرين بالمعرفة الحقيقية، فينفي سلفا إمكانية صواب غيره ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ وهو تشبيه علمي، لأن من يرتقي في طبقات الجو العليا يضيق صدره لقلة كثافة الهواء كلما ازداد صعودا، فيصعب تنفسه ويشعر بثقل وضغط كبير على صدره - وهو من إعجاز القرآن العلمي - وذلك مثل الجاحد المصر على الكفر عندما تعرض عليه الرسالة الإسلامية يضيق صدره عنها ويتبرم بها ويعرض عنها ﴿كَذلِكَ﴾ أي على ذلك النحو المذكور ﴿يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ المصرّون على الكفر، فيخلّي بينهم وبين أنفسهم، ويحصل لديهم الخواء والشعور الرهيب بعدم جدوى الحياة وأن لا معنى لها ولا غاية، والرجس الخبث، المعنوي والحسّي، وهو هنا بمعنى العذاب الروحاني، راجع شرح آية [الأعراف: 7/ 71].

﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (126)

126 - ﴿وَهذا﴾ الذي جاء به القرآن ودين الإسلام ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ طريقه الذي ارتضاه لعباده، وطريقته التي اقتضتها حكمته ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عادلا مطّردا لا

557

سورة الأنعام (6): آية 127

سورة الأنعام (6): آية 128

تغيير في سننه، مطابقا للفطرة السليمة، لا إفراط ولا تفريط ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ أظهرنا الحجج وجعلناها واضحة مفصّلة ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ لذوي العقول المبصرة والفطرة السليمة، يذّكرون المعارف والحقائق المغروسة في استعدادهم، فتطيب حياتهم بها.

﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (127)

127 - ﴿لَهُمْ﴾ أي للمتذكرين الذين اتبعوا الصراط المستقيم ﴿دارُ السَّلامِ﴾ السلام من أسمائه تعالى، ودار السلام الجنة تنسب إليه جلّ شأنه، كما أنهم ينعمون بالسلام الروحاني في حياتهم الدنيا ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وعدا عليه حقا ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ متولّ أمورهم وكافيهم وموفّقهم في كل ما يعنيهم ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بما أي بسبب أعمالهم الصالحة التي قدّموها في حياتهم الدنيا، وقد ركّزت الآية على ذلك كي لا ينقطع الإنسان عن العمل والجهد، والإيمان وحده لا يكفي، فلا بدّ من العمل لأنّ السنن الكونية قائمة عليه، والآية أيضا نافية للجبر فهي صريحة بربط الجزاء بالعمل.

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (128)

128 - في هذه الآية عودة لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (121)﴾:

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ المعشر: الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا، ومعشر الرجل أهله، والمعنى أنه يقال يوم الحشر للذين كانوا يعاشرون عناصر الشر ﴿قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي أضللتم وأغويتم كثيرا من الناس وجعلتموهم أتباعا لكم فحشروا معكم ﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ الذين أطاعوهم وكانوا لهم أنصارا وأعوانا ﴿رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ استمتع

558