بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 27 - 34

سورة الأعراف (7): آية 11

الأكثرية لا تقرّ بالنعم ولا تؤدي حقها، لأنّها تظن أنّما حصلت على هذه النعم باستحقاقها وجدارتها لا غير، والشكر يكون بالعبادة والعمل معا، ومن الشكر استخدام النعم باعتدال وتعقل، بما لا ينعكس سلبا على الإنسان وعلى بيئته.

سورة الأعراف (7): آية 11

﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (11)

11 - هذه الآية بداية لقصة الخلق تأتي بعد مقدمة الآيات (1 - 10)، لبيان استعداد الإنسان للخير والشر، وقد تكررت قصة الخلق في القرآن الكريم في سبع سور هي: (البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، ص)، في كل سورة منها تعرض القصة من زاوية مختلفة، وتبدي حكمة أو حكم معينة، ومغزى جديد أو أكثر، وفي هذه السورة تأتي القصة بعد بيان نعمه تعالى على البشر: كإنزال الوحي، ومسؤولية الإنسان، وجعل أسباب المعيشة والتمكين له في الأرض، ومع ذلك فالأكثرية لا تشكر النعم، لأنّ وساوس الشيطان تحرفها عن الصراط (الآية 16)، ومن تمام نعمه تعالى على الإنسان أن علّمه الأسماء كلها [البقرة 31/ 2] وأسجد له الملائكة، وكرّمه بالحرية والعقل، وأمكنه من الخيار بين الخير والشر:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يلاحظ الترتيب في الخطاب: الخلق ثم التصوير، يشير من جهة إلى خلق الجنس البشري عامّة وتطوره أولا من سلالة من طين، لقوله جلّ ثناؤه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر 26/ 15] أي من الطين المتولّد من الطين الأسود المتغيّر على مرّ السنين، وقوله عزّ من قائل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون 12/ 23]، وثانيا نلاحظ الإشارة إلى تطور خلق الإنسان الفرد، عندما يخلق نطفة في رحم أمّه ثم يتطوّر إلى صورته الكاملة: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون 14/ 23]،

27

سورة الأعراف (7): آية 12

سورة الأعراف (7): آية 13

﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ تأخير الكلام عن آدم إلى ما بعد الإشارة إلى خلق الجنس البشري دلالة أنّ آدم بهذا المعنى رمز للجنس البشري بأكمله، فالمراد به نوع الإنسان، والسجود ليس لشخص آدم وإنما لجنس البشر، أما مغزى سجود الملائكة فلأن الله تعالى جعل العلم أشرف من العبادة (البيضاوي)، وقد علّم آدم الأسماء كلّها في حين جهلتها الملائكة، وأما استكبار إبليس ومعصيته فكناية عن عجز الإنسان عن إخضاع روح الشر تماما، وعجزه عن إبطال خواطر السوء من أفكاره، انظر شرح آية [البقرة 34/ 2].

﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (12)

12 - (قال) تعالى ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ حسد إبليس آدم على تكريمه بسجود الملائكة له، وظنّ أنه أفضل من آدم بالخلق، في حين لم يقدّر أفضلية الإنسان بالعلم والمعرفة بعد أن تعلّم الأسماء كلّها [البقرة 31/ 2]، وقول الشيطان: أنا خير منه، شائع في دنيا الناس يقولها كثير منهم، ويتجلّى بهذا القول مرض الإعجاب بالنفس، والاستكبار والتكبر، ورفع النفس إلى درجة لا تستحقها، وينتج عنه الحقد على الآخرين، ويصيب العقل بالغفلة.

﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (13)

13 - ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها﴾ وهو هبوطه من المنزلة التي كان عليها في الملكوت الأعلى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ لأن أهل السماوات متواضعون خاشعون ﴿فَاخْرُجْ﴾ من الجنة ﴿إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ الذليلين، فجعله تعالى على نقيض ما أراد من التكبر، والآية تبين أن الاستكبار سبب للمعصية، وسيرد بيان ذلك بتفصيل في الآيات (146، 88، 76، 75، 48، 40، 36، 13)،

28

سورة الأعراف (7): آية 14

سورة الأعراف (7): آية 15

سورة الأعراف (7): آية 16

سورة الأعراف (7): آية 17

﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (14)

14 - ﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ الإنظار هو التأخير، والمعنى أنّ إبليس طلب إمهاله في الحياة إلى يوم البعث، والانظار ليس فقط في الزمن، وإنما في إعطائه الفرصة كي يستمر في تمرده ومحاولته إغواء البشر، والمحصّلة من تمرد إبليس كون الإنسان على استعداد للشر، إلى جانب استعداده للخير.

﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (15)

15 - ﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أجابه تعالى إلى طلبه، وفي سورة الحجر حدد تعالى المهلة: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر 38/ 15]، والمغزى من إنظار إبليس أن يكابد الإنسان وساوسه، فيتمكن من حرية اتخاذ القرار، وما في ذلك من تكريم له، ورفعه إلى مستوى المخلوقات الأدبية،

﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (16)

16 - (قال) إبليس ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ بسبب وقوعي في الغيّ لأجتهدنّ في إغوائهم، ونسب الإغواء إليه تعالى لأنّ من سننه أن يكون الغيّ نتيجة لازمة للمعصية، والغيّ هو الخيبة أو الضلال أو الفساد ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ خاب إبليس وأحبط بنتيجة معصيته، انظر الآية (13)، وهو في النتيجة سيقعد بالمرصاد لإضلال من يستطيع من الناس،

﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (17)

17 - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ بأساليب واضحة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ وبأساليب خفيّة ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ لأجتهدنّ في إضلالهم من كل الجهات الممكنة، وهي جهات معنوية، وبجميع الوسائل الممكنة، فمغريات الشر محيطة بالناس من كل جانب ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ أكثرية الناس على الجحود، لا تشكر الله ولا تؤدي حق النعم، وقد أعطى الله تعالى البشر إرادة

29

سورة الأعراف (7): آية 18

سورة الأعراف (7): آية 19

واختيارا حرّا يصعدون بهما إلى مصاف الملائكة إن شاؤوا، أو يهبطون بهما إلى درك الشياطين، وذلك مغزى عصيان إبليس ومحاولته غواية الناس، والوسوسة الشيطانية لهم،

﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (18)

18 - (قال) تعالى ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا﴾ اخرج من منزلتك محقورا ﴿مَدْحُورًا﴾ مطرودا مبعدا ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ وهم الذين يتّبعون وساوس إبليس فيضلّون ويضلّون ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ من الشياطين وتابعيهم.

﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (19)

19 - ﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون الجنة دار الاختبار المؤقت للإنسان لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة 30/ 2]، فلم تكن سوى مرحلة سبقت هبوط الإنسان إلى الأرض، مجال خلافته، سواء كان الهبوط ماديا أو معنويا،

﴿فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما﴾ لأنّ الأصل في الأمور الحلّ ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ النهي عن الاقتراب من الشجرة كناية عن جعل الإنسان حرّا في الاختيار بين الصواب والخطأ، انظر شرح آية [البقرة 35/ 2].

ومن جهة ثانية، ليس في القرآن، كما في كتب اليهود، أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم، وما روي في هذا المعنى مأخوذ من الإسرائيليات، وحديث أبي هريرة في الصحيحين «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج» ليس سوى كناية، كقوله تعالى ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء 37/ 21]، بدليل تتمة الحديث «فإن ذهبت تقوّمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء» والمغزى لا تحاولوا تقويم النساء بالشدة، انظر تفسير المنار،

30

سورة الأعراف (7): آية 20

سورة الأعراف (7): آية 21

سورة الأعراف (7): آية 22

﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ (20)

20 - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ أصل الوسواس الهمس الخفي، ووسوسة الشيطان للبشر هي ما يجدونه في أنفسهم من الخواطر الرديئة التي تزّين لهم القبيح ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما﴾ أي ليبدي لهما طريق المعصية، لأنه كان موارى عنهما قبل ذلك، والسوأة ما يسوء الإنسان ظهوره، فهي بهذا المعنى نتيجة معصيتهما، وإذا أضيفت السوأة إلى الإنسان فقد يراد بها العورة الفاحشة، لأنه يسوءه ظهورها بالفطرة، ما لم تفسد فطرته، وقد يراد بها المنظر الذي يسوء ناظره كقوله تعالى ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة 31/ 5] أي منظر أخيه المقتول، وقال الرازي أيضا أن بدوّ السوأة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه عن المرء، وقال الألوسي إنها كناية عن إبداء الأمور الرذيلة لدى المرء، المعتبرة عورات عقلا ﴿وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ تكونا بمنزلة الملائكة ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ يكون لكما الخلود إن أكلتما من شجرة الخلد والملك، لقوله ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه 120/ 20].

﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ (21)

21 - ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أقسم لهما إنه من الناصحين، وقيل المعنى أنه أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، ويلاحظ أن ليس في الآيات ما يشير إلى أن حواء هي التي أغرت آدم بالمعصية بل الواضح من صريح الآية أنّ إبليس أغراهما معا، وما يروج خلاف ذلك فمن الإسرائيليات المذكورة في كتب اليهود بقصد الحطّ من منزلة المرأة.

﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)﴾

31

سورة الأعراف (7): آية 23

سورة الأعراف (7): آية 24

22 - ﴿فَدَلاّهُما﴾ في المعصية، ودلّى الشيء تدلية أي أهبطه شيئا فشيئا، وهو من دلّى الدلو في البئر، والمعنى ما زال إبليس يخدعهما بالوساوس لترغيبهما بالأكل من الشجرة، ثم أقسم إنه ناصح لهما، حتى أسقطهما في المعصية، وحطّهما عمّا كانا عليه من البراءة وسلامة الفطرة ﴿بِغُرُورٍ﴾ الغرور ما يغترّ به، والمعنى أنه خدعهما بالباطل ﴿فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ بنتيجة المعصية، لأن بدوّ السوأة، أي الخيبة والضلال والفساد والبؤس، نتيجة طبيعية ولازمة للاختيار الخاطئ - المعصية -، والعوام تقول "فلان انكشف" أي انكشفت رذائله ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يجعلان ورقة على ورقة لستر السوأة ﴿وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما﴾ بما أودعت في عقولكم من التفكير والمحاكمة وإدراك المعقولات ﴿عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ في روح المعاني أنها شجرة الهوى، ويحتمل أنها رمز للحدود التي وضعها الخالق، عز وجل، تجاه شهوات ورغبات الإنسان الجامحة، ممّا يمكّن الإنسان من اختيار طريق الخير أو الشر ﴿وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بالوساوس السيئة التي يدخلها في عقولكم.

﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (23)

23 - ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ بطاعة وساوس الشيطان ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ بعد أن عرفنا ضعفنا وعجزنا ﴿وَتَرْحَمْنا﴾ بتوفيقنا وهدايتنا والتوبة علينا بعد أن تبنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ لأنفسنا، والمغزى أن التوبة لبني آدم مفتوحة، وأنّ الإقرار بالذنب والاستغفار وطلب الرحمة من الله والتوبة واجبة كلمّا وقع الإنسان في الذنب.

﴿قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (24)

24 - ﴿قالَ اِهْبِطُوا﴾ إلى الأرض من المنزلة التي كنتم عليها في الجنة، ويلاحظ أنّ الهبوط لم يكن عقابا لأنه تعالى قبل توبة عبده آدم قبل ذلك [البقرة 37/ 2]، وأنّ سكنى آدم وزوجه في الجنة مؤقت أصلا لقوله ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي﴾

32

سورة الأعراف (7): آية 25

سورة الأعراف (7): آية 26

سورة الأعراف (7): آية 27

﴿الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة 30/ 2]، ومن جهة ثانية يلاحظ عودة الخطاب من صيغة المثنّى إلى الجمع، فيتصل الخطاب مع الآية (10) وأوّل الآية (11) من هذه السورة، لكون آدم وزوجه رمز للبشرية جمعاء ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وهي العداوة في ذرية آدم، وقيل بل العداوة بين الشيطان وبني آدم ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ لكم استقرار في الأرض ومتاع تتمتعون به في حياتكم إلى حين تنتهي أعماركم، وهنالك إشارة ثانية لهذا المعنى بالآية (34).

﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ (25)

25 - ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ﴾ في الأرض ﴿وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ إلى البعث والحساب يوم القيامة.

﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (26)

26 - ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ خطاب للناس كافة ﴿قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ ما يستر العورة، والمراد بالإنزال أنه تعالى خلق لهم مادته من صوف وحرير وقطن وغيره، وعلمهم الزراعة والنسج والخياطة، وفي روح المعاني أنه كناية عن لباس الشريعة، ويواري السوآت بمعنى أنه يمنعهم من ارتكاب القبائح والفواحش ﴿وَرِيشًا﴾ وهو لباس الزينة، وسمّي ريشا استعارة من ريش الطيور، وقيل أيضا أنّ الريش والرياش هو المال والمتاع والخصب والمعاش، ومنه تريّش الرجل أي تموّل ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ أي الورع وخشية الله، وسمّاه لباس مجازا ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ لباس التقوى خير لصاحبه ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ إنزال اللباس والمتاع ووسائل العيش من ضمن آيات الله الكثيرة ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعلهم يذّكرون نعمه تعالى عليهم فيتّعظون، ويشكرون بالقول والعمل.

﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27)﴾

33

27 - ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ لا يوقعنّكم في الفتنة بما يمنعكم من دخول الجنة، والفتنة هنا هي الاستمالة بالشهوات، عن طريق الوساوس والإغراء، والمراد لا تغفلوا عن وساوس الشيطان فتنخدعون وتقعون في المعاصي، والنتيجة أن وساوس الشيطان تمكّن الإنسان أن يكون مختارا لعمله الصالح أو الطالح ﴿كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ فسّر بعضهم هذا اللباس معنويا بمعنى ينزع عنهما لباس التقوى ليوقعهما في المعاصي، وجعله بعضهم الآخر حسّيا ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ فيوسوس لكم من حيث لا تشعرون، وقبيله بمعنى جماعته ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي خلّينا بينهم وبين العمل بوساوس الشياطين، كونهم لا يؤمنون إيمانا حقيقيا، إذ يتّبعون الأهواء، ويتمسّكون بالتقليد وبالعصبية، ثم يحاولون إيجاد المبررات لضلالهم، كما سيرد في الآية التالية:

سورة الأعراف (7): آية 28

﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (28)

28 - ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الكلام عن غير المؤمنين الذين اتخذوا الشياطين أولياء، المشار إليهم في الآية السابقة، والفاحشة الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، ممّا تنكره الشرائع والفطرة السليمة، انظر شرح الآية (33)﴾، ﴿قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ يعتذرون بالتقليد وأنهم نشؤوا على ذلك، مع أنه تعالى نهى عن التقليد، وأمر بالتفكر بالحجج والدلائل واستخدام العقل ﴿وَاللهُ أَمَرَنا بِها﴾ يعتذرون بالجبرية، ويزعمون أن لو شاء الله تعالى ما اقترفوها، وقد تكون الإشارة إلى اليهود، من ضمن غيرهم من الأمم، لأن اليهود يتّبعون كتبهم التي يسمونها مقدسة، ويزعمون أنها وحي، مع أنها من تحرير الأحبار، فهي تحض على القتل والسرقة والغدر وأكل الربا من غير اليهود، وتقرّ بأفظع الفواحش والموبقات والمنكرات وشتى أنواع الزنى والعهر وعمليات الغدر والخداع بالأغيار، أي غير اليهود، وتبرّرها، انظر شرح آية [البقرة 59/ 2]، وآية [آل عمران 75/ 3]، ﴿قُلْ﴾ لهم

34