بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 59 - 66

سورة الأعراف (7): آية 76

سورة الأعراف (7): آية 76

سورة الأعراف (7): آية 77

سورة الأعراف (7): آية 78

بعثة الرسول على أنها تهديد لزعاماتهم ولمصالحهم السياسية والاقتصادية ولعاداتهم الاجتماعية كالرقيق واستعباد الناس، وحتى لو أيقنت نفوسهم ضمنيا برسالة النبي فإنهم يجحدونها خوفا على مراكزهم ودنياهم ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قالوها تهكما، أي هل تعلمون ذلك علم اليقين؟ والمغزى أنهم لا يقوّمون دعوة صالح من حيث صلاحها وسموّ أهدافها، ممّا لا يستطيعون إنكاره، ولكنهم يطلبون البرهان المادي على تلقيه الوحي؟ وهذه الحجة يلجأ إليها الماديّون في كل الأزمنة ﴿قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ بما معناه أن العقل والدلائل - لغير المكابر - كافية للإيمان.

﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (76)

76 - ﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ تعبير عن إصرارهم وإغلاق بصيرتهم، وأنهم يعملون بما يمليه عليهم الإصرار على الكفر، وهو عقر الناقة كما سيرد في الآية التالية:

﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (77)

77 - ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ كناية عن ذبحها، لأن العقر هو قطع قوائمها، وكانوا قبل الإسلام يتبعون هذا الأسلوب الوحشي في نحر الناقة فيقطعون قوائمها قبل نحرها لتموت في مكانها ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ العتوّ هو التمرد، والمعنى تحدّيهم الآية التي جاءهم بها نبيهم ﴿وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ رفضوا مهلة التوبة والنظر في الرسالة والعلم والدلائل.

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (78)

78 - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ يبدو أن الرجفة التي أخذتهم كانت زلزلة أرضية، ويحتمل أنه تبعها انفجار البراكين وسيلان الحمم البركانية فطغت على ديارهم، ولا تزال بقايا الحمم - اللافا - منتشرة شمال الحجاز إلى اليوم ولا سيما على مقربة من مدائن صالح، ويطلقون عليها اليوم اسم الحرّة، وهي الأراضي

59

سورة الأعراف (7): آية 79

المغطاة بالحمم البركانية المتصلبة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ خامدين موتى بلا حراك.

﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ (79)

79 - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ وهي العبرة من القصة أن ما على الرسول إلاّ البلاغ والنصيحة، وهم لا يحبون الناصحين وليسوا طلاب حقيقة، بل يغلقون بصائرهم عنها ولو أتتهم.

سورة الأعراف (7): آية 80

﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (80)

سورة الأعراف (7): آية 81

سورة الأعراف (7): آية 82

80 - ﴿وَلُوطًا﴾ أي وأرسلنا لوطا - وهذه القصة الرابعة - وقد وردت بمزيد من التفصيل في سورة هود الآيات [هود 69/ 11 - 83]، ولوط ابن أخي إبراهيم عليه السلام، ولد مثله في أور كلدان، أنظر شرح [الأنعام 74/ 6]، ثم استقر لوط بعد هجرته في شرق الأردن وبعث فيها ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ والفاحشة هي اللواط اشتق العرب لها اسما من لوط، عليه السلام، لأنه نها قومه عنها، وكانوا يقطنون شرق الأردن على مقربة من البحر الميت، ويسمى أيضا بحيرة لوط، والخطاب مرتبط بالآيات (28 - 33)، ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ لأنها منافية للفطرة التي فطر الناس عليها.

﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (81)

81 - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي تجاوزتم حدود الفطرة وحدود الشريعة، وحتى البهائم لا تقوم بهذا العمل، فالإسراف هنا بمعنى الهبوط تحت البهيمية.

﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (82)

82 - ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ قالوا ذلك تكبرا وتعنتا، أي أخرجوهم من مجتمعكم، لأن القرية بمعنى المجتمع، وقد

60

سورة الأعراف (7): آية 83

سورة الأعراف (7): آية 84

سورة الأعراف (7): آية 85

أرادوا إخراج من نهاهم عن هذه الفاحشة، أي لوط والمؤمنين به، للسبب المذكور في تتمة الآية: ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ وهو إقرار منهم أن هذا العمل ينفي عن صاحبه الطهارة المعنوية والحسية، وأنه على أية حال قد غلبت عليهم شهوتهم دون - البهيمية، ولا يريدون الاستماع للتوبيخ أو النصيحة، ويحتمل أيضا أن يكون قولهم على سبيل التهكم.

﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (83)

83 - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ بعد إصرار القوم على المعصية حقّ عليهم العذاب، انظر آيات [هود 77/-83]، أنجاه تعالى مع المؤمنين به، ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ لم تؤمن به امرأته، وقررت البقاء مع قومها الشواذ، ولذا كانت من الغابرين، أي من الهالكين معهم.

﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (84)

84 - ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو مطر الإهلاك نزل بهم لقوله تعالى ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود 82/ 11]، وقد تكون الحجارة التي قذفت بها البراكين ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهي العبرة من القصة في عاقبة الأمم التي تشيع فيها الفواحش المناقضة للفطرة والشريعة، وقد قال تعالى فيهم: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم 53/ 53].

﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (85)

85 - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا - وهي القصة الخامسة - وأخاهم بمعنى أنه منهم، أمّا منطقة مدين فتمتدّ من شمال غرب الحجاز نحو جنوب فلسطين على شاطئ البحر الأحمر وحتى البحر الميت، وغربا لتشمل جزءا كبيرا من شبه جزيرة سيناء، وقيل إن نفوذهم امتد شرقا في بعض

61

الأوقات حتى الفرات، ومدين المدينة تقع بين معان وخليج العقبة، وهي على ملتقى طرق القوافل التجارية التي كانت تتنقل بين الحجاز ومصر، وبين العراق ومصر، وقيل إن أهاليها، وهم أصحاب الأيكة، من سلالة مدين وهو ابن إبراهيم عليه السلام من زوجته الثالثة قيتورا، ولذا سميت المدينة والقبيلة باسمه، وتجار مدين هم الذين وجدوا يوسف - بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام في البئر ثم باعوه عبدا في مصر (سورة يوسف)، والظاهر من القصص الخمسة السابقة أن نوحا ثم هودا ثم صالحا ثم لوطا ثم شعيبا بعثوا بهذا الترتيب التاريخي، والواضح أيضا أن شعيبا جاء بعد إبراهيم - الذي كان عمّ لوط -، وقد شكّك عبد الله يوسف علي أن يكون شعيب هو حمو موسى عليه السلام أو أن يكون معاصرا له كما هو شائع في التراث، فالمعروف أن بين بعثة إبراهيم وبعثة موسى حوالي ثمانية قرون من الزمن، في حين أن بعثة شعيب لم تتأخر بعد إبراهيم ولوط بأكثر من قرن أو قرنين من الزمن، أما الحروب التي قيل إنها نشبت بين قبائل مدين وبين بني إسرائيل، بعد دخول بني إسرائيل إلى سيناء وفلسطين، فيبدو أن الذين اشتركوا فيها من بقايا القبائل الرحل الذين قطنوا مناطق مدين بعد هلاك قوم شعيب بزمن طويل ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ دعاهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي التي أيّد بها تعالى نبيّه شعيبا، وقد تكون الوحي الذي نزل عليه والدلائل على صحة التوحيد والنبوّة التي جاءهم بها ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ بناء على ما جاءكم من البينة من ربّكم انتهوا عن أكل حقوق الناس، فالإيمان يجب أن يترتب عليه العدالة في المعاملة، والظاهر أن الغش والاحتيال في المعاملات الاقتصادية والتجارية وبخس الحقوق كان فاشيا بينهم، وأن نظامهم الاقتصادي كان قائما على ذلك، مع تغليفه بمسميات قانونية وعملية، فكان أول ما نهاهم شعيب عن ذلك، بعد أن نهاهم عن الشرك ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ لا تفسدوا في الأرض بتخريب الأحوال المعيشية الطبيعية وبالظلم والعدوان ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ بعد أن بعث الله

62

سورة الأعراف (7): آية 86

سورة الأعراف (7): آية 87

الرسل وأمر بمكارم الأخلاق، وسخر لكم الطبيعة وجعلها لكم في أحسن تكوين، وفي عصرنا الحاضر يشمل المعنى أيضا النهي عن تلويث البيئة وتخريبها ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارة إلى كل ما أمرهم به ونهاهم عنه، ويتلخص في أمرين: التوحيد، وحسن المعاملة وترك الإيذاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إي إن كنتم مؤمنين حقا كما تدّعون، لأنه سبق بعث الرسل فيهم منذ زمن إبراهيم عليه السلام، ولأنه مع الكفر والشرك لا ينفع شيء.

﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (86)

86 - يلاحظ روعة الإيجاز في الخطاب، فالظاهر أنه بعدما أمر شعيب قومه بالتوحيد وأظهر لهم البيّنة ونهاهم عن أكل الحقوق واستغلال الآخرين وأمرهم بكف الأذى، آمن بعض الناس برسالته، فتآمر الملأ من كبار القوم خوفا على مكاسبهم من الضياع وعلى نظامهم الفاسد من الانهيار، وصاروا يتوعّدون المؤمنين بكل السبل ويصدّون الناس عن شعيب، فوجّه شعيب خطابه إلى الملأ قائلا: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي تتوعّدون المؤمنين بالتهديد وتصدّونهم عن شريعة الله ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تخترعون لشريعة الله اعوجاجا بإلقاء الشبهات عليها واختراع العيوب والنواقص، وتشويه الدين في أعين الناس ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ اذكروا نعم الله عليكم إذ جعلكم كثيري العدد والمال، وزادكم قوة بعد أن نشأتم من ضعف وقلّة ﴿وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ اعتبروا بالأمم البائدة من حولكم كأقوام نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وفيه أيضا إشارة لمضمون الآية (34) بمجيء أجال الأمم المفسدة في وقتها.

﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (87)

87 - ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا﴾ الكلام استمرار لخطاب شعيب إلى الملأ المستكبرين من قومه، وفي

63

سورة الأعراف (7): آية 88

سورة الأعراف (7): آية 89

هذه الحال يكون معنى ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي دعوا المؤمنين على حالهم، ولا تكرهوا غيركم على عقيدتكم، واتركوا الناس أحرارا تختار ما تراه صالحا لأن الأصل في الأمور حرية العقيدة، وإن كنتم تعتقدون أنكم على حق فإنه لا يصح إلا الصحيح.

ويحتمل المعنى أيضا أن شعيبا التفت بالخطاب إلى القلة المؤمنين من أتباعه فنصحهم بالصبر وتحمل التضحيات والمشاق حتى يجيء أمر الله ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ وحكم الله قد يجيء في زمانهم، أو بعدهم بجيل أو بأجيال، بتطور منطق الأحداث، وحكمه تعالى يكون بحسب سننه في خلقه بأن ينصر من الناس من هم أقرب إلى العدل والإصلاح في الأرض، وهو خير الحاكمين لأن حكمه الحق.

﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ (88)

88 - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ على النقيض من حرية العقيدة التي دعاهم إليها شعيب في الآية السابقة فإنهم مصرّون على الإكراه، والنتيجة أن الدعوة والنصح والنقاش الموضوعي والمنطق الحسن لم ينفع مع المستكبرين من كبار القوم، ولم يقبلوا هذا الأسلوب، فبدلا من الاستجابة لعرض التسامح وحرية الفكر الذي قدّمه شعيب لهم، هدّدوه بإخراجه ومن معه من مجتمعهم إن لم يلتزموا بالملّة التي ورثوها عن آبائهم وهي الشرك ﴿قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ أي كيف يجوز إكراه البشر على ملّة أو عقيدة لا يؤمنون بها؟ فإنّ الله تعالى قد خصّ بني آدم بالتكريم لجهة حرية الفكر والخيار.

﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89)﴾

64

سورة الأعراف (7): آية 90

89 - ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ المعنى أن الدخول في ملّتكم يقتضي منّا أن نكذب على أنفسنا ونشرك بالله ما لم ينزّل به سلطانا ﴿بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها﴾ بعد أن أوضح لنا تعالى بطلان ملّتكم، وأنزل علينا الوحي والبيّنات والدلائل ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها﴾ إن كنّا صادقين مع أنفسنا، بعد كل هذه الدلائل، وفي ذلك إشارة للآية (37)، ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ بعد النفي القاطع لاحتمال دخوله ومن معه في ملّتهم، ردّ الأمر إلى المشيئة الإلهية وهي في علم الغيب، وليس المعنى أنه تعالى قد يشاء أو يريد ذلك منه، وإنما ذلك تواضع من شعيب وإقرار بضعف الإنسان تجاه المشيئة المطلقة ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تمجيد له تعالى لانفراده بعلم الغيب ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ بعد أن استنفد شعيب كل الأسباب في إقناع قومه، وبعد إصرارهم على الكفر، وتهديدهم له وللمؤمنين معه بالإخراج أو العودة في ملتهم، كان التوكل على الله الملاذ الأخير لشعيب والمؤمنين معه ﴿رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ إعراض تام عن مفاوضتهم بعدما ظهر له من مكابرتهم وجحودهم، والاستفتاح هو الاستنصار، فهو يرجو الفتح من الله كي يظهر الحق من الباطل ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ تمجيد له تعالى.

﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ (90)

90 - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ بعد أن يئس الملأ من استجابة شعيب لهم، التفتوا بالخطاب إلى المؤمنين من جماعته، فأنذروهم أنهم سيخسرون مكانتهم ومعيشتهم وأرزاقهم في المجتمع إن هم أصرّوا على اتّباع شعيب، والمعنى أنهم لم يكتفوا بإصرارهم على الضلال، بل تجاوزوه لمحاولة إضلال المؤمنين وحرمان شعيب من مؤيديه، وهو السهم الأخير الذي حاولوه، ويفيد انقطاع الرجاء والأمل من إيمانهم بشعيب، وانتهاء فترة الإمهال والتوبة لهم، ويلاحظ روعة الإيجاز وتسلسل الحوار الفكري بين شعيب ومناوئيه.

65

سورة الأعراف (7): آية 91

سورة الأعراف (7): آية 92

سورة الأعراف (7): آية 93

سورة الأعراف (7): آية 94

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (91)

91 - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الأرضية، ولا تزال بقايا الحمم البركانية في أراضي الحرّة ماثلة إلى اليوم شاهدة على ذلك، وفي آية [الشعراء 189/ 26] أنه أخذهم عذاب يوم الظلة ويبدو أن الرماد البركاني انتشر في الجو كالضباب حاجبا عنهم الشمس ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ هامدين موتى بلا حراك.

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ (92)

92 - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ اختص الهلاك بالذين كذّبوا شعيبا، ويبدو أن شعيبا والمؤمنين معه غادروا المنطقة قبل وقوع العذاب لقوله في الآية التالية أنه تولّى عنهم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ هم وحدهم كانوا الخاسرين، خسروا دنياهم وآخرتهم وهو الخسران العظيم، وتبيّن ضلال زعمهم للمؤمنين عندما قالوا لهم: ﴿لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ (90).

﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (93)

93 - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ قبل هلاكهم بعد أن يئس من استجابتهم ﴿وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾ فقد أمرتكم بالتوحيد ونهيتكم عن الشرك والفساد ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ ما هو في صالحكم ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لأنهم أصروا على الكفر وأهلكوا أنفسهم بالتعامي والاستعلاء عن الرسالة، ولم يستفيدوا من فرصة الإمهال والتوبة قبل نزول العذاب.

﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (94)

94 - بعث الرسل، والتكذيب، تكرر في كثير من الأمم، ولم يقتصر على الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وأنه بعد التكذيب، أخذهم تعالى بالبأساء والضراء:

﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ فكذّبوا به، ولا يشترط أن يكون التكذيب مقتصرا على العصر الذي بعث فيه الأنبياء، وإنما قد يحصل التكذيب بعدهم أيضا، أي في الأزمنة التي تلي بعثتهم ﴿إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾

66