بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 124 - 131

سورة الأعراف (7): آية 205

سورة الأعراف (7): آية 205

موجّه للذين يطلبون المعجزات المذكورين آنفا كما هو موجه للمؤمنين ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ لكي تمعنوا الفكر بمعانيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي لعلكم تعملون بما يوجب الرحمة، إذا كان استماعكم عن تفهم واستيعاب وتفكّر وقبول وعمل، وفي تفسير المنار أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا يحصلان إلاّ بكثرة قراءة القرآن واستماعه، وأنه ما آمن أكثر العرب في أول البعثة إلاّ بكثرة الاستماع إليه وفهمه.

وقد ذكر الرازي أن ليس المقصود حمل الآية على ظاهرها بمعنى وجوب الاستماع والإنصات في أي موضع قرئ القرآن، لما في ذلك من حرج كبير للمكلّفين، وفي روح المعاني أنه إذا كان رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارئ، ولو قرأ على السطح في الليل جهرا والناس نيام يأثم، وهذا ينطبق على القراءة من المآذن في هذه الأيام، والنتيجة أنّ الأمر بالاستماع والإنصات لغرض التفكر والتدبّر وإعمال العقل، بعدما جاءت الآية السابقة تقرر أن القرآن بصائر للعقول، وفي هذه الآية أيضا عودة إلى أول السورة (الآية 3).

﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ (205)

205 - ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ وهو عطف على الاستماع للقرآن بغرض الفهم، والمراد أن يكون الذاكر عارفا بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضرا إياها في قلبه، لأن الذكر باللسان وحده بمعزل عن استحضار المعاني يكون عديم الفائدة، مثل سماع القرآن دون التفكّر بمعانيه، وقالوا أيضا إن الذكر اللساني الساذج لا ثواب فيه أصلا ﴿تَضَرُّعًا﴾ أي متضرّعا، والتضرّع الابتهال ﴿وَخِيفَةً﴾ يكون المتضرّع بين الرجاء والخوف ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الجهر رفع الصوت المفرط، ودون الجهر أن يكون التضرع بين الجهر والمخافتة، وقيل بقدر ما يسمع المتضرّع نفسه ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ صباحا مساء ﴿وَلا﴾

124

سورة الأعراف (7): آية 206

﴿تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن ذكر الله تعالى، ولا مستغرقا في أمور الدنيا فتلهيك عن ذكر الله.

﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (206)

206 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ المقربون منه، وقيل هم الملائكة ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ مقرّون له بالعبودية بكل ما في معناها، لا يستكبرون عن عبادته على نقيض الكفار والمشركين، لأنّ الاستكبار يصرف عن الآيات ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ تنزيها لله تعالى عمّا لا يليق به ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يسجدون له وحده، لا يدعون غيره، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (13 و36 و40 و48 و75 و76 و88 و146).


125

سورة الأنفال - 8 - مدنية

نزلت سورة الأنفال في السنة الثانية من الهجرة بعد وقعة بدر، روي عن ابن عباس قوله إنها نزلت في بدر، وفي لفظ: تلك سورة بدر، فقد اشتملت على تحليل كامل لأول مواجهة عسكرية حاسمة بين قوى الإسلام وقوى الكفر، كما وضعت أسس الجهاد الإسلامي التي بموجبها انتشرت دولة المسلمين ودعوتهم - خلال أقل من قرن من الزمن - من أقصى العالم القديم في الصين، إلى أقصاه في الأندلس.

الخلفية التاريخية

خلال شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة وصل إلى علم المسلمين في المدينة أن القافلة التجارية الكبرى التي سبق أن توجهت إلى الشام بقيادة أبي سفيان سوف تبدأ رحلة العودة، وأنها بالتالي سوف تمر بمنطقة المدينة خلال أسابيع، وبالنظر لحالة الحرب التي كانت قائمة بين قريش وبين المسلمين، فقد أخبر النبي ﷺ أتباعه أنه ينوي مهاجمة القافلة لدى اقترابها من منطقة المدينة، ومن ثمّ تسربت إشاعات هذه الخطة فوصلت أبا سفيان، وهو لم يزل في الشام، فاستفاد من ذلك بأن بعث مراسلا سريعا إلى مكة يطلب النجدة من قريش، إذ كانت قافلته المكونة من حوالي ألف جمل محملة بأنفس البضائع لا يرافقها سوى حراسة خفيفة من حوالي أربعين رجلا، فلمّا أحيطت قريش بالخبر حشدت جيشا كبيرا قاده أبو جهل، ألد أعداء النبي ﷺ وانطلق بالجيش شمالا يريد حماية القافلة من جهة، ومن جهة ثانية يريد ضرب مسلمي المدينة ضربة قاصمة بزعمه، ومن جهة ثالثة يرهب قبائل العرب بخروجه بهذا الجيش ويظهر أمامها هيبة قريش

126

وبأسها، وكان أبو سفيان في هذه الأثناء قد أخذ جانب الحيطة فاتخذ مسارا لقافلته عائدا بحذاء ساحل البحر، على أبعد مسافة ممكنة من المدينة.

ولما كانت عادة النبي ﷺ في جميع غزواته وسراياه كتمان خططه المسبقة حتى ساعة التنفيذ، وحتى بعد الخروج بأصحابه من المدينة، وأنه كان أحيانا يخرج بأصحابه من المدينة في اتجاه مغاير لهدفه الحقيقي إمعانا في تضليل الجواسيس من الكفار والمنافقين، فإن إعلانه العزم على مهاجمة القافلة، وهي لم تزل في الشام، وقبل عدة أسابيع من اقترابها المدينة، ممّا يدل أن كلام الهجوم على القافلة لم يكن سوى تغطية، وأن الهدف الحقيقي من بث الخبر كان استدراج قريش إلى مواجهة عسكرية حاسمة تنهي حالة الخوف والترقب التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي في المدينة.

كان المسلمون بعد الهجرة يشعرون بتهديد قريش المستمر لهم ويخشون من احتمال اجتياحها المدينة بمساعدة بعض قبائل العرب، وكانت قريش تبعث الحملات للإغارة على المسلمين من وقت لآخر، ومن ضمن ذلك غارة المشركين بقيادة كرز بن جابر الفهري التي وصل بها أطراف المدينة وسلب بنتيجتها من مواشي المسلمين ومتاعهم، ومن جهة أخرى كانت قريش تحرض القبائل المتحالفة مع النبي ﷺ على النكوص ونقض العهود، فلم يكن بوسع النبي ﷺ أن يتخذ موقفا سلبيا، ولا أن يقف موقف المستضعف تجاه هذا الوضع القلق، وكان يرد على تحدي قريش بتهديد قوافلها التجارية والتعرض لها، ليس بغرض السلب أو النهب ولا بغرض إهراق الدماء، وإنما لإنذار قريش أنه بإمكان المسلمين إلحاق الضرر بتجارتها واقتصادها، وكان يخشى لو اتخذ موقفا سلبيا أن يتعاظم أمر قريش بتكتل القبائل معها، وتأليب القبائل المتحالفة معه، فأراد أخذ زمام المبادرة بين يديه.

127

ولو كان النبي ﷺ يريد مهاجمة قافلة أبي سفيان ونهبها، كما قد يظنّ، لكان كمن لها فجاءة بطريق عودتها من الشام، دون إعلان مسبق، فلا تكون لأبي سفيان الفرصة في طلب النجدة من مكة، ولا في تغيير مسيره نحو ساحل البحر، ولكن إعلان النبي قبل أسابيع من وصول أبي سفيان لمنطقة المدينة أعطاه الفرصة لطلب النجدة من كفار مكة ومن ثمّ حشد قوة كبيرة من قريش.

وفيما كان أبو سفيان مسرعا بقافلته جنوبا، كان أبو جهل يتجه شمالا بجيش مؤلف من حوالي ألف رجل كاملي الدروع والسلاح، يمتطون حوالي سبعمئة ناقة وأكثر من مئة فرس، حتى وصل بهم إلى وادي بدر، على قرابة مئة وخمسين كيلومترا غرب المدينة جنوبا، متوقعا لقاء أبي سفيان على طريقه المعتاد، ولم يكن يعلم أن أبا سفيان قد اتخذ مسارا بحذاء البحر.

وكان النبي ﷺ يتقصّى الأخبار كعادته، فلما علم بخروج جيش قريش، كما كان يتوقع، جمع الناس واستشارهم، وحثّهم على الخروج للقاء عدوهم، وأخبرهم أن الله تعالى قد وعدهم إحدى الطائفتين (الآية 7): العير أو النفير:

أي قافلة أبي سفيان، أو جيش المشركين، فأبدى عدد منهم رغبتهم في الهجوم على القافلة، فتأثّر النبي ﷺ من رغبتهم لأن خطته كانت غير ذلك، فردّد عليهم وقال لهم: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا:

يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فظهر الغضب على وجه النبي ﷺ، وقام أبو بكر وعمر يحثّان الناس على مجابهة قريش، ثم تكلم سعد بن عبادة عن الأنصار، والمقداد بن عمرو عن المهاجرين، وسعد بن معاذ عن الأنصار أيضا، كلّ منهم مبديا استعداد أصحابه للمضي فيما يراه النبي ﷺ، فسرّ النبي ﷺ بكلامهم ودعا لهم بخير، وخرج بالناس من المدينة وفريق منهم كاره لذلك لا يريد القتال (الآية 5)، وقد جادلوا النبي ﷺ كأنما يساقون إلى الموت وهم ناظرون إليه (الآية 6)، وتخلف عن الانضمام إلى المسلمين منافقو المدينة والذين في قلوبهم مرض من الأوس والخزرج قائلين: ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ (الآية 49)

128

ساخرين من خروج المسلمين لمجابهة جبروت قريش، ومستخفّين بهم لقلّة عددهم وضعف عدّتهم.

كان خروج النبي ﷺ من المدينة على رأس حوالي ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، خفيفي السلاح، قليلي العدة، ستون منهم فقط يحملون دروعا، ومعهم ما لا يزيد عن سبعين ناقة وفرسان فقط يتناوبون الركوب عليها، واتجه بهم نحو الجنوب الغربي، ولو كان خروج النبي ﷺ بهم لغزو قافلة أبي سفيان، كما ظن البعض، لما احتاج إلى هذا العدد من المحاربين وهو يعلم أن حامية القافلة لا تزيد عن أربعين رجلا، ولو كان يريد القافلة لاتجه نحو الشمال الغربي ولم يتجه نحو الجنوب الغربي لملاقاة قريش،

وفي يوم 17 رمضان وصل النبي ﷺ ومن معه إلى بدر ليفاجؤوا بجيش المشركين يفوقهم في العدّة كثيرا، ويفوقهم في العدد ثلاثة أضعاف، ولو تواعدوا لاختلفوا في الميعاد (الآية 42)، وتلت ذلك اللقاء المواجهة العسكرية الكبرى الأولى بين مسلمي المدينة ومشركي قريش وبنتيجتها انهزم المشركون هزيمة ساحقة، وقتل سبعون من أكابرهم من بينهم قائدهم أبو جهل، واستولى المسلمون على غنائمهم.

كان من أثر هذه النتيجة الحاسمة أن أيقن المشركون بعدها أن بعثة النبي ﷺ لم تكن حلما عابرا سرعان ما يزول، وإنما هي بداية لقوة سياسية جديدة، وعصر جديد لم تعرفه الجزيرة العربية من قبل، فقد تحققت مخاوف قريش على نحو حاسم لم يكونوا يتوقعونه، ومع أن وقعة بدر لم تقض نهائيا على قوى الشرك في جزيرة العرب إلاّ أنها شكّلت تحوّلا مهمّا جدّا في مجريات الأمور، إذ اتضح بعدها أن قوى الشرك في جزيرة العرب سائرة إلى زوال لا محالة.

كما شكلت بدر نقطة تحول هامة في تفكير المسلمين أيضا، فيبدو أنه حتى ذلك الوقت لم يكن سوى القليل منهم يدرك المغزى والمضمون السياسي للنظام الإسلامي الجديد، أما بعد معركة بدر فصار بيّنا حتى لدى بسطاء المسلمين

129

أنهم مقبلون على نظام اجتماعي جديد، وأن مبدأ المقاومة السلبية الذي ميّز السنين الأولى للدعوة قد حلّ محلّه مبدأ أخذ زمام المبادرة والعمل، هذا المبدأ الذي ميّز التاريخ الإسلامي فيما بعد وكان له أكبر الأثر في انتشار الدعوة.

ارتباط السورة بما قبلها

بعد أن بينت سورة الأعراف الطريقة المثلى في الدعوة إلى الإسلام بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [199/ 7]، تبين سورة الأنفال أن الدعوة تستدعي الجهاد، بمعناه الشامل، للدفاع عن العقيدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [24/ 8] أي إذا دعاكم إلى الجهاد بمعناه الأشمل.

وفي سورة الأعراف المتقدمة أنّ من يغلق عقله سلفا بالتقليد ينسلخ عن الآيات ويتّبع وساوس الشيطان: ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [175/ 7]، ثم في سورة الأنفال أنّ أمثاله كالدواب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [22/ 8]،

وفي سورة الأعراف أن الشيطان يوسوس لبني آدم بشتى الوسائل [17/ 7]، حتى يصير وليا للكفار: ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [27/ 7]، فيحسب الضالون أنهم مهتدون: ﴿إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [30/ 7]، ثم في سورة الأنفال أن الشيطان زيّن لكفار قريش أعمالهم: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [48/ 8]،

وفي سورة الأعراف أنّ اليهود سينالهم غضب من ربهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [152/ 7]، وكذا في آية الأعراف [167/ 7]، ثم في سورة الأنفال أن اليهود كالدواب، وأنهم لا يحفظون عهودهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ﴾

130

﴿كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [55/ 8 - 56].

محور سورة الأنفال

يدور محور السورة حول قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (24)، أي إذا دعاكم إلى الجهاد بمعناه الواسع، لأنّ حياة المؤمنين الحقيقية في الجهاد، والمعنى لا تكونوا كالصمّ البكم الذين لا يعقلون، المشار إليهم بالآية (22)، ولأن الله يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من طول الأجل وأمنيات الدنيا، فالأجل يحول دون الأمل، والموضوع ملحّ جدا لا يحتمل التأجيل والتسويف، فلتكن استجابتكم أيها المؤمنون، لله وللرسول قبل أن يحول الأجل بينكم وبينها ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فتحاسبون على مقدار استجابتكم،

وتنهى السورة المسلمين أن يكون جهادهم لأغراض دنيوية مادية محضة:

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [47]، وأن الله تعالى يغير أحوال الأقوام سلبا أو إيجابا بقدر ما يغيّروا ما بنفوسهم من العقيدة والأخلاق والعمل: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [53].

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (1)

سورة الأنفال (8): آية 1

1 - ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾ جمع نفل وهي الغنيمة، لمن هي؟ وكيف يكون توزيعها؟ والسؤال كان بعد غزوة بدر، والنفل في أصل اللغة الزيادة عن الواجب، ومنه صلاة النفل، كقوله تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً﴾

131