بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 140 - 147

سورة الأنفال (8): آية 17

سورة الأنفال (8): آية 17

جماعة أخرى من المؤمنين ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي من ينهزم من القتال إلاّ لأحد الغرضين المذكورين، فإنه يرجع بغضب من الله ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ بدلا من أن يأوي إلى السلامة والأمان كما يظن، يكون قد أوى إلى جهنم، والآية دليل على أن الفرار من الزحف يعتبر من الكبائر، وقد وردت الأحاديث الشريفة بذلك.

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (17)

17 - بعد أن نهى تعالى المؤمنين عن الفرار من الزحف، بيّن لهم في هذه الآية أنهم إن ثبتوا يؤيّدهم بتوفيقه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ يوم بدر ﴿وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ لأن قتل الكفار تيسّر بمعونة الله ونصره وتأييده وتوفيقه، فلا مجال لفخر المؤمنين بذلك، خاصة بعدما ظهر من فريق منهم الفزع وكراهة الخروج للقاء العدو ومجادلتهم النبي ﷺ كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فلو بقوا على تلك الحال من ضعف المعنويات على قلة عددهم وعدّتهم لكانت هزيمتهم محققة ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ والخطاب للنبي ﷺ، ذكرت روايات عديدة أن النبي ﷺ تناول قبل المعركة قبضة من الحصباء أو التراب ورماها تجاه المشركين قائلا "شاهت الوجوه" أي قبحت، فكان ذلك إيذانا ببدء القتال وهزيمة الكفار، قال القرطبي إن تقدير الخطاب: وما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى، فقد كان ذلك بنصر الله وتوفيقه، وقد تكون الإشارة لاشتراك النبي ﷺ في القتال فعليا، ورميه الكفار بالنبال ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ﴾ تعالى ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ أي نعمة عظيمة، لأنّ البلاء هو الاختبار، واختباره تعالى لعباده يكون تارة بالمحن وتارة بالنعم، ففي وقعة بدر ابتلى تعالى المؤمنين بنعمة النصر العظيمة ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لدعاء المؤمنين ﴿عَلِيمٌ﴾ بحالهم.

140

سورة الأنفال (8): آية 18

سورة الأنفال (8): آية 19

سورة الأنفال (8): آية 20

﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ (18)

18 - ﴿ذلِكُمْ﴾ البلاء الحسن ﴿وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ بالإضافة للبلاء الحسن فإنه تعالى يضعف كيد الكافرين ومكرهم ومحاولتهم القضاء على دعوة الإسلام.

﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (19)

19 - وهي خلاصة العبرة من معركة بدر، والآية استمرار مباشر لما سبقها:

﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أيها المؤمنون بالدعاء وطلب النصرة من الله ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ بأن استجاب الله لدعائكم ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن التكاسل والقعود وعن معصية النبي ﷺ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من كل شيء ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ إلى التكاسل والمعصية وإلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿نَعُدْ﴾ عن نصرتكم، ونخلّي بينكم وبين عدوّكم، لأن الوعد بالنصرة ليس مطلقا، بل مشروطا بالطاعة والعمل وترك الخلاف والمخالفة ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ إذا فاتكم تأييد الله ونصره، فالعبرة ليست بكثرة العدد أو قلّته ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يرفقون القول بالعمل، فهو يستجيب لدعائهم ويهيئ لهم أسباب النصر والتوفيق، ويلاحظ أن هذا التوجيه الربّاني، وإن كان خاصّا لوقعة بدر، إلا أنّ مغزاه عام لكل الأوقات، وقيل إن الخطاب في الآية للكفار لكنّ ذلك لا يستقيم مع النظم القرآني، فالآيات من الآية 7 حتى الآية 29 كلها في خطاب المؤمنين.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (20)

20 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهي تتمة العبرة السابقة، وتأكيد على لزوم الطاعة وما يترتب عليها من عمل ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ عن النبي ﷺ، والمعنى لا تعرضوا عما جاء به من الإسلام وتعاليمه ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ دعاءه لكم إلى جهاد عدوّكم، أو، وأنتم تسمعون القرآن وقد صرتم على بيّنة من الأمر، ولم يعد لديكم عذر بالجهل.

141

سورة الأنفال (8): آية 21

سورة الأنفال (8): آية 22

سورة الأنفال (8): آية 23

سورة الأنفال (8): آية 24

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (21)

21 - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ بمعنى القبول ظاهرا ﴿وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ لأنهم قبلوا الرسالة بالكلام فقط، دون استيعاب لمعناها، ودون القيام بما يترتب عليها من عمل، أو أنهم قالوا ذلك نفاقا.

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (22)

22 - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ﴾ شرّ من يدبّ على الأرض عند الله ﴿الصُّمُّ﴾ شبههم تعالى بالصمّ، لأنهم لا يريدون سماع الرسالة سماع فهم وتفكّر، بل يسمعون للشغب والتشويش، وقد اتخذوا منها مواقف مسبقة ﴿الْبُكْمُ﴾ لأنهم لا يقرّون بالحقيقة، أو هم غير قادرين على الإقرار بها ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ فلم تعمل عقولهم للاستفادة من حواسهم، وهو سبب وصفهم بالدواب.

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (23)

23 - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ استعدادا صالحا ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ ولكنهم أفسدوا نفوسهم بالبهيمية وسوء القدوة والعصبية والمكابرة والتكبّر، فلم يتركوا لأنفسهم أي إمكانية خير فانتفت إمكانية سماعهم، ولو كان لديهم قليل من الاستعداد للتفكر والنظر، لدخل فهم القرآن في قلوبهم، ولسمعوه سماع تفقّه وتعقّل، ثم سماع اعتبار وعمل ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ وهم في هذه الحال التي جعلوا أنفسهم فيها من انغلاق الفكر ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ لارتدّوا ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن القبول، لأنهم اختاروا الإعراض عن الحق، وأداروا ظهورهم للدلائل، فلا يقبلون الحق ولا ينتفعون به البتة مهما عرض عليهم.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (24)

24 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ إذا دعاكم إلى الإسلام، أو إلى الجهاد بمعناه العام، لأنّ فيهما حياتكم الحقيقية،

142

فلا تكونوا كالصمّ البكم الذين لا يعقلون، المشار لهم آنفا ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي ما في قلبه من الأماني، فيحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من طول الأجل وأمنيات الدنيا، فالأجل يحول دون الأمل، والمعنى:

أن الموضوع ملحّ جدا لا يحتمل التأجيل والتسويف، فلتكن استجابتكم أيها المؤمنون، لله وللرسول قبل أن يحول الأجل بينكم وبينها، ولا تتكلوا على ما في قلوبكم من الأماني وتوقع طول البقاء، فذلك غير مؤكّد ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فتحاسبون على مقدار استجابتكم.

سورة الأنفال (8): آية 25

سورة الأنفال (8): آية 26

﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (25)

25 - ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً﴾ الفتنة الاختبار والامتحان بما يشق على المرء فعله أو تركه، أو قبوله أو إنكاره [البقرة 102/ 2]، [التوبة 49/ 9]، [طه 40/ 20]، ومنها فتنة المال والأولاد [الأنفال 28/ 8]، والفتنة أيضا المحنة والمعاناة، والاضطهاد الديني [البقرة 193/ 2، 191]، [الأنفال 39/ 8]، وهي أيضا الإغراء والغواية والضلال [آل عمران 7/ 3]، وهي الشقاق والنزاع [التوبة 48/ 9]،

﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ بل الأتقياء أيضا ليسوا بمعزل عنها، فاتقوا الغواية والضلال، والشقاق والنزاع، وما يترتب عليها من المحن والمعاناة، ممّا لا يقع ضحيتها الكفار والظالمون فقط، فالأمّة بكاملها قد تصاب بالضعف والخذلان والانحلال، وقد تزول دولتها، أو يسيطر عليها الكفار، والخطاب استمرار لما قبله من وجوب الاستجابة لله وللرسول، وأنه تعالى يحول بين المرء وأمانيه ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمخالفي أمره.

﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (26)

26 - بعد أن أمرهم تعالى بطاعة الله وطاعة الرسول، وحذّرهم أنه يحول بين المرء وقلبه، ثم حذّرهم من الفتن، ذكّرهم ببعض نعمه عليهم ممّا قلب أوضاعهم من الضعف إلى القوة: ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قليلي العدد في مكة والمدينة

143

سورة الأنفال (8): آية 27

سورة الأنفال (8): آية 28

سورة الأنفال (8): آية 29

﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يستضعفهم مشركو قريش في أرض مكة ﴿تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ شبّه المشركين بالطيور الجارحة تتخطّف فرائسها منهم ﴿فَآواكُمْ﴾ في المدينة ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ كما في بدر ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ من رزق المدينة، وغنائم بدر ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ شكرا غير مقتصر على القول، بل يتعداه إلى العمل.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (27)

27 - بعد تذكيره تعالى لهم بنعمه عليهم حذّرهم من الخيانة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ بإبداء الإيمان والنصيحة والإخلاص للمؤمنين، وفي الوقت ذاته إبطان الكفر والغش لهم، وإفشاء أسرارهم واستغلالهم لمآرب شخصية ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ مع إخوانكم المسلمين ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قبح ذلك، وسوء عاقبته.

﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (28)

28 - بعد أن نهاهم تعالى عن خيانة الدين وخيانة الأمانات، بيّن لهم أن الخيانة تكون بسبب فتنة المال والولد: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فاحذروا أن تؤدي بكم فتنة الأموال والأولاد، إلى خيانة الله والرسول، والمقصود أن تهالك الناس على المادة، ومحاولة ضمان مستقبل الأولاد، كثيرا ما يؤدي بالبعض إلى الخيانة وتجاوز الحدود، وأكل أموال الناس بالباطل، وإنفاق المال في غير ما يرضاه الشرع ﴿وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عند الله أجر أعظم بكثير مما تأملونه في المال والولد.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (29)

29 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ﴾ باتقاء فتنة المال والولد، وباتقاء كل ما يجب بمقتضى الدين والشرع ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ كما حصل يوم بدر، إذ جعله لكم نصرا يفرق بين أهل الحق وأهل الباطل، وقيل يجعله هداية ونورا

144

سورة الأنفال (8): آية 30

سورة الأنفال (8): آية 31

في قلوبكم، فهو ملكة من العلم والحكمة تميّز بين الحق والباطل، فتمكّن من اتخاذ القرار الصحيح ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ يسترها في الدنيا ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم فيتجاوز عنها ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ بأنه يمنّ على المتقين بنعمة الفرقان، وتكفير السيئات وغفران الذنوب.

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (30)

30 - بدأت السورة بخطاب النبي ﷺ، من (الآية 1) حتى (الآية 6)، ثم انتقلت إلى خطاب المؤمنين، من (الآية 7) حتى (الآية 29)، فذكّرتهم بنعمه تعالى عليهم بنصرهم في بدر، وفي هذه الآية يعود الخطاب إلى النبي ﷺ لتذكير المؤمنين بنعمه تعالى عليهم عندما تآمر كفار مكة على النبي ﷺ قبل الهجرة:

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ أيها النبي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مكة قبل الهجرة ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليوثقوك ويحبسوك ويأسروك ويمنعوك من نشر الدعوة ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ تآمرت قريش أن يشترك فتى من كل قبيلة بطعن النبي ﷺ فيتفرق دمه في القبائل كي لا يستطيع بنو عبد المطلب المطالبة بدمه ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة، أي إنهم قلّبوا هذه الاحتمالات الثلاثة للتخلص من النبي ﷺ: الحبس أو القتل أو الإخراج ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ المكر السيئ ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ مكر الخير، لأن المكر، منه الحسن ومنه السيئ، لقوله تعالى ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر 43/ 35]، فالمكر هو التخطيط والتدبير الخفي لإيصال المكروه إلى الممكور به من حيث لا يحتسب، وكذلك وقاية الممكور له من السوء، ومنه دعاء النبي ﷺ ربّه: «وامكر لي ولا تمكر عليّ»، ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ لأن مكره تعالى كلّه خير، ولا يعتدّ بمكرهم تجاه مكره سبحانه.

﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)﴾

145

سورة الأنفال (8): آية 32

سورة الأنفال (8): آية 33

سورة الأنفال (8): آية 34

31 - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ وهو قول طواغيت قريش، لم يكتفوا بالمكر بشخص النبي ﷺ ومحاولة حبسه أو قتله أو إخراجه، بل طعنوا في كلام الوحي وتفاخروا أن لو شاؤوا لقالوا مثله، وهذا الزعم والمفاخرة تكرر منهم دون أن يقدروا على تحقيقه، وقد تحدّاهم القرآن في أكثر من سورة، وقرّعهم بالعجز سنين طويلة، فعجزوا عن المعارضة في ميدان كانوا يعتبرون أنفسهم أسياده ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذا الزعم منهم منتهى المكابرة والعناد، بعد العجز، إذ لو استطاعوا أن يقولوا شيئا فما منعهم؟ ومغزى الآية غير مقتصر على كفار قريش في زمنهم، بل ينطبق على منكري الوحي في كل الأزمنة.

﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (32)

32 - ﴿وَإِذْ قالُوا﴾ وهو تتمة كلام الكفار منكري الوحي ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ وهو دعاء تهكم وتحدّي، ممّا يدل أن كفرهم عناد وكبرياء وعتوّ واستعلاء واستكبار في الأرض، ولو كانوا طلاب حقيقة لطلبوا الهداية من ربهم ولم يطلبوا العذاب.

﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (33)

33 - ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أيها الرسول، أي إنه تعالى يمهلهم ويعطيهم الفرص للرجوع عن الكفر، ولا يعاجلهم بالعقوبة التي يستحقونها ما دام الرسول ﷺ بينهم يدعوهم إلى الحق، ولم يستنفذ مهمته بينهم ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ لا يعذبهم مع علمه أن فيهم من يتوب ويؤول أمره إلى الإسلام والإستغفار.

﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34)﴾

146

سورة الأنفال (8): آية 35

سورة الأنفال (8): آية 36

34 - ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ أي وما لهم من الحسنات ما يدفع العذاب عنهم؟ ما داموا مصرّين على الكفر، وقد استنفذوا فرص التوبة، وأحبط الكفر أعمالهم ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ المسلمين ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ﴾ مجرّد كونهم من ذرية إبراهيم لا يخوّلهم ولاية البيت الحرام كما يدّعون ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ من الشرك دون غيرهم ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثرهم لا يعلمون أن التقوى هي المعيار الوحيد، وليس السلالة والنسب والمفاخرة بالأجداد.

﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (35)

35 - وهذا سبب آخر استحقوا به العذاب: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً﴾ صفيرا ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقا يصدر عنه الصدى لغرض التشويش على المصلّين، أو تصفيقا لصدّ النبي ﷺ والمسلمين عن الصلاة، والمغزى أن صلاتهم خالية من كل معنى وروحانية، بل أنهم قصدوا منها الشغب على صلاة غيرهم ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ عذاب الهزيمة الماحقة التي لحقت بهم في بدر، وقوله ذوقوا لأنها قليل في جنب ما هو أدهى منها وأمرّ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بنتيجة كفرهم، وبصدّهم الناس عن المسجد الحرام.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (36)

36 - لم يكتفوا بصدّ الناس عن المسجد الحرام، ولا بالمكاء والتصدية، بل أنفقوا أموالهم أيضا في سبيل ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ليصدّوا الناس عن الإسلام، وعن اتباع خاتم الأنبياء والرسل، وفي زمن البعثة أنفق كفار قريش من الأموال على جيوشهم في بدر وفي أحد والخندق، أما اليوم فإن المبشّرين من جند الكنيسة ينفقون الملايين لتنصير ضعاف العقول في إفريقية والهند وغيرهما، وينشئون لهذا الغرض المدارس والمؤسسات

147