بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 229 - 236

سورة التوبة (9): آية 85

سورة التوبة (9): آية 85

سورة التوبة (9): آية 86

84 - ﴿وَلا تُصَلِّ﴾ صلاة الجنازة ﴿عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا﴾ لأنهم ماتوا على الكفر ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ بالدعاء ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ﴾ أصروا على كفرهم حتى الموت، وهو السبب في تحريم الصلاة عليهم، بخلاف التائبين منهم.

﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (85)

85 - ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا﴾ فتكون وبالا عليهم ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ الآية معطوفة على ما قبلها، فالآية المتقدمة تأمر النبي، والمؤمنين، أن لا يصلّوا عليهم، وتضيف هذه الآية ألاّ يعجبوا بكثرة أموالهم وأولادهم لأنهم مصرّون على الكفر ويموتون عليه، فكيف يمكن أن تعجب أموالهم وأولادهم؟

والفرق بين هذه الآية والآية (55) من حيث المغزى وسياق المعنى، فالآية (55) والآيات (56 - 57) التي تليها توضح أنّ ثروة المنافقين وأولادهم لم توفر لهم السعادة الدنيوية والروحية المرجوّة، بل تصف حالة القلق والذعر والترقب التي يعيشونها، وفوق ذلك فإنّ الصدقات من أموالهم لا يثابون عليها، الآية (54).

﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (86)

86 - ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ تأمرهم بالإيمان والجهاد: ﴿أَنْ آمِنُوا بِاللهِ﴾ إيمان اليقين ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ أي صدّقوا الإيمان بالعمل في أقوى حالاته، وهو الجهاد بالأموال والأنفس ﴿اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ بالقعود والتخلف عن الجهاد، وأولوا الطول أصحاب السعة في الرزق والأموال، أو الرؤساء والأكابر المعتبرون، فهم أولى وأقدر من غيرهم على الجهاد والبذل، ومع ذلك يستأذنون في القعود ﴿وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ رغم أن الوحي نزل يأمرهم بالجهاد.

229

سورة التوبة (9): آية 87

سورة التوبة (9): آية 88

سورة التوبة (9): آية 89

سورة التوبة (9): آية 90

﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (87)

87 - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ مع المتخلفين بأعذار فاسدة، أو مع النساء والأولاد ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الطبع والختم على القلوب بمعنى أنها لا تتقبل شيئا من العلم الجديد، أو الفهم الصحيح، وتصر على ما استقر فيها من المفاهيم المتوارثة بالتقليد، المنحازة والمغلوطة، ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي فلهذا السبب، لكونهم طبع على قلوبهم، لا يفقهون القرآن ولا يتدبرون معانيه.

﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (88)

88 - يلاحظ أن الآيتين (71 - 72) وصفت سلوك المؤمنين وحسن المآل الذي ينتظرهم، بالمقابلة مع سلوك المنافقين وما ينتظرهم من سوء العاقبة، ثم في هذه الآية والتي تليها بيان للموقف العملي للرسول ﷺ والمؤمنين معه وما ينتظرهم من حسن الختام:

﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المعنى أنه إن تخلّف المنافقون عن الغزو فقد توجه إليه من هو خير منهم، فكان الأجدر بالمنافقين أن يكون الرسول والمؤمنون قدوة لهم ﴿وَأُولئِكَ﴾ المجاهدون بأموالهم وأنفسهم ﴿لَهُمُ الْخَيْراتُ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون الناجون من العقاب.

﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (89)

89 - ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ استئناف وبيان لمآل المفلحين المشار إليهم آنفا، بالمقابلة مع المصير الذي ينتظر المنافقين ذوي الأموال والأولاد (الآية 85)،

﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (90)﴾

230

سورة التوبة (9): آية 91

90 - الأعراب سكان البادية، بالمقارنة مع العرب الذين هم سكان المدن والقرى، فبعد أن فصّلت السورة من الآية (38 - 89) موقف أهل المدينة تجاه النفير إلى غزوة تبوك، لكون أهل المدينة في حينه مركز الدولة الإسلامية وعمودها الفقري، وركّزت على موقف المنافقين منهم، تنتقل هنا إلى بيان موقف الأعراب، كونهم غالبية السكان في جزيرة العرب وقتئذ، فمن الطبيعي أن يكون لموقفهم تجاه البعثة الإسلامية أهمية كبرى، فمنهم من خرج مع النبي ﷺ إلى تبوك، ومنهم من تخلّف تثاقلا عن تحمّل مشقة الغزو لبعد المسافة، حيث لم يبد للغزوة بالنسبة إلى المتخلفين منهم مساس مباشر بمصالحهم الشخصية الفورية:

﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ أي المعتذرون وقد أدغمت التاء في الذال فصارت ذالا مشدّدة ﴿مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ في القعود والتخلّف عن الخروج لغزوة تبوك، سواء منهم بأعذار حقيقية أو وهمية ﴿وَقَعَدَ﴾ منهم عن المجيء والاعتذار ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فهؤلاء ما جاؤوا وما اعتذروا ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ وهم المصرّون على الكفر، وقوله تعالى ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض، لعلمه تعالى أنّ بعضهم سيؤمن (الآية 99)، فلا يصيبه العذاب الأليم.

ويلاحظ الإعجاز في الآية، إذ بيّنت بإيجاز شديد موقف الأعراب، فقد جاء بعضهم للاعتذار بأعذار حقيقية أو وهمية، وقعد آخرون عن المجيء أو عن الاعتذار، ثم أوجزت مآل المصرّين منهم على الكفر.

﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (91)

91 - بعد بيان استئذان بعض الناس من أهل المدينة، ومن الأعراب، في القعود عن النفير إلى غزوة تبوك عن عذر صحيح، وغير صحيح، تبين هذه الآية أصحاب الأعذار الذين يحق لهم القعود عن الغزو:

231

﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ من ضعاف البنية، وكبار السن من الشيوخ ﴿وَلا عَلَى الْمَرْضى﴾ ويدخل فيهم الأعمى والأعرج وكل ذي عاهة، أو ذي مرض يمنعه من القتال ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ على أنفسهم من الزاد والراحلة، لأن اشتراكهم في الغزو لا يكون مفيدا إلاّ إن كان عندهم قدرة على الإنفاق على أنفسهم، من مالهم، أو من مال آخرين يعينونهم في المؤن والركوب خلال السفر، وإلاّ كانوا وبالا على المقاتلين وعبئا عليهم ومعوّقا لهم، ولأنه لم يكن لدولة المسلمين وقتئذ بيت مال ينفق عليهم ﴿حَرَجٌ﴾ أصل الحرج الضيق، كما في آية [الأعراف 2/ 7] و[الأنعام 125/ 6]، والمعنى أنّ التكليف بالغزو والجهاد ساقط عن هذه الأصناف الثلاثة من الناس، فلا ضيق ولا حرج عليهم في حكم الشرع، بشرط إخلاصهم في النية والعمل، لقوله: ﴿إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بالإيمان والطاعة والقيام بدور إيجابي إذا قعدوا في البلد، فيمتنعوا عن نقل الشائعات وعن إثارة الفتن، ويعملوا ما في وسعهم لمساعدة أهالي المقاتلين، فالنصح إخلاص العمل من الغش، وفي الحديث: «الدين النصيحة "قيل لمن يا رسول الله قال:" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، فالنصح لله إخلاص العقيدة في الوحدانية، والنصح لرسوله التصديق بنبوته وطاعته والعمل بسنته، والنصح لكتابه تعالى قراءته والعلم والتفقه فيه والعمل به، والنصح للأئمة طاعتهم وعدم الخروج عليهم وإرشادهم، والنصح للعامة ترك معاداتهم وإرشادهم ومحبة الصالحين منهم ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وهو تعليل رفع الحرج عنهم، لأن كل ناصح لله ورسوله ينتظم في سلك المحسنين، فلا سبيل إلى مؤاخذة أمثالهم، ولا سبيل إلى إيقاعهم في الحرج ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم.

﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ (92)

سورة التوبة (9): آية 92

92 - ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ﴾ أيها النبي ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وهم صنف آخر من المعذورين الذين ليس عليهم من حرج في القعود، ولا سبيل إلى

232

مؤاخذتهم، وهم الذين يملكون نفقة سفرهم ولكن لا يملكون الراحلة التي تحملهم، فأتوا الرسول ﷺ يطلبون منه تزويدهم بالراحلة كي يشتركوا معه في الغزو ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ من الخيل أو الجمال أو البغال ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ في شراء راحلة للركوب.

سورة التوبة (9): آية 93

﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (93)

سورة التوبة (9): آية 94

93 - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ﴾ فهؤلاء لا سبيل لرفع الحرج عنهم في التخلف، وهم المشار إليهم في الآية (86)، ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ مع المتخلفين بدون أعذار، أو مع النساء والأولاد ﴿وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ نسب الطبع على قلوبهم إلى ذاته العلية مع أنه بنتيجة عملهم كما في آية [البقرة 7/ 2]، وفي الآية (87) أسند الطبع إلى المفعول، والمراد واحد وفق سنته تعالى في الخلق ﴿فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فلهذا السبب، وهو الطبع على القلوب، لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدنيا والآخرة.

﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (94)

94 - تتمة الخطاب من الآية السابقة عن الأغنياء الذين لا سبيل لرفع الحرج عنهم في التخلف، فقد استأذنوا في القعود قبل الغزوة، ثم يعتذرون بأعذار واهية أيضا بعد عودة الرسول ﷺ من الغزوة:

﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من غزوة تبوك ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ أعذارا غير مقبولة، فإنّ العبرة بالتوبة الصادقة وبالعمل بما تقتضيه، كما سيرد في تتمة الآية ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ بما نزل من الوحي على النبي ﷺ، فصرنا نعلم أنّ ظاهركم غير باطنكم ﴿وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ في المستقبل، فيظهر لنا من أعمالكم، وليس من أقوالكم، إن

233

كانت توبتكم صحيحة ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بعد الموت ﴿إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ الذي يعلم ما تكتمون وما تعلنون ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويحاسبكم على عملكم وفق ما تستحقّون.

سورة التوبة (9): آية 95

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (95)

سورة التوبة (9): آية 96

سورة التوبة (9): آية 97

95 - ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ﴾ بعد اعتذارهم لكم بالأعذار الواهية، وعدم تصديقكم لهم (الآية 94)، فسوف يؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة ﴿إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من سفركم ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ عن عقابهم، وهو سبب اعتذارهم وحلفهم الأيمان الكاذبة، إذ كانوا يخشون العقاب ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ وهكذا فإنّ النبي ﷺ لم يعاقبهم بعد عودته من الغزوة، فقد جاءه المخلفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ دلالة على خبث باطنهم، راجع شرح آية [الأعراف 71/ 7]، ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في دنياهم من السيئات.

﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (96)

96 - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ وهو الغرض الثاني من حلفهم الأيمان الكاذبة أن يرضى عنهم الرسول والمؤمنون ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ لا ينفعهم رضاكم، لأن الله لا يرضى عنهم: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ المراد نهي المؤمنين عن الاغترار بأعذارهم الكاذبة.

﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (97)

97 - استمرار الخطاب عن الأعراب الذي بدأ في الآية (90)﴾، حيث ذكرت الآية أنّ بعضهم ما جاء وما اعتذر عن القعود: ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا﴾

234

سورة التوبة (9): آية 98

سورة التوبة (9): آية 99

من كفّار أهل الحضر ومنافقيهم، بسبب بيئة البداوة والحياة الوحشية التي يعيشونها، وقلة احتكاكهم مع أهل الحكمة والعلم من الناس، قال الألوسي:

الحكم على الأعراب بما ذكر من باب وصف الجنس ببعض أفراده كما في قوله تعالى ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء 67/ 17]، إذ ليس كلهم كذلك بدليل الآية (99)، ﴿وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ هم أولى وأحقّ أن لا يعلموا التكاليف والأحكام الشرعية، بسبب طبيعة معيشتهم وعزلتهم وبعدهم عن العلماء ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه.

﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (98)

98 - بعد أن ذكرت الآية (90) أن بعض الأعراب اعتذر عن النفير مع النبي ﷺ، بل إنّ بعضهم قعد عن المجيء وعن الاعتذار، وبيّنت الآية (97) أنهم أشد كفرا ونفاقا من الكفار والمنافقين في المدن، تبيّن هذه الآية نوعا معينا من نفاق بعضهم:

﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ ينفقون بعض أموالهم خوفا من المؤمنين رياء وتقية، ويعتبرون نفقتهم غرامة وخسارة لأنهم غير مؤمنين بالرسالة ولا بثواب الآخرة ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ التربّص الانتظار، والدوائر هي دوائر الزمن وتقلب أحواله، والمعنى أنهم بسبب جهلهم وخبث نفوسهم ينتظرون ويتوقعون أن تنقلب الأمور على المسلمين بظهور اليهود أو المشركين عليهم، فيستريحوا من أداء هذه المغارم بزعمهم ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دوائر الزمن ستنقلب عليهم، وهو إخبار بالمآل السيئ الذي ينتظرهم، على عكس ما يريدون بالمسلمين ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنواياهم.

﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)﴾

235

سورة التوبة (9): آية 100

99 - في الآيتين (71 - 72)، ثم الآيتين (88 - 89)، يلاحظ التناظر وإعجاز النظم القرآني في وصف مواقف المؤمنين إيمان اليقين وحسن ختامهم، بعد بيان أنواع سلوك المنافقين وسوء عاقبتهم، ثم في هاتين الآيتين (99 - 100) تبين السورة موقف الأعراب المؤمنين وحسن عاقبتهم، ومنزلة من هم أعلى منهم درجة من السابقين والتابعين وعلوّ منزلتهم.

فعلى الرغم من طبيعة الأعراب وكونهم أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر، فمنهم المؤمنون الصادقون: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إيمانا صادقا يقينيا ﴿وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ ينفقون في سبيل الله ويعدّون نفقتهم تقرّبا وزلفى إلى الله تعالى، وقربات مفردها قربة من القرب والدنو، أي في المنزلة والمكانة ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ عطف على ﴿قُرُباتٍ﴾، أي ويتّخذون ما ينفقون سببا لدعائه لهم عليه الصلاة والسلام، لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، والصلوات مفردها صلاة، وهي في أصل اللغة الدعاء، لأنه مخ العبادة ﴿أَلا إِنَّها﴾ أي النفقات ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ تأكيد وتصديق لما اعتقدوه ورجوه من كون نفقاتهم تقربهم عند الله زلفى ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ تفسير لهذه القربة، ودلالة على رضا الله تعالى عن المتصدقين إذا كانت نياتهم خالصة ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ عن سيئاتهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.

﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (100)

100 - تتمة الخطاب من الآية السابقة، لبيان فضل من هم أعلى منزلة من جميع المذكورين آنفا، سواء منهم الأعراب المؤمنون وغيرهم من المسلمين، وهم أصناف ثلاثة:

﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ﴾ الذين بادروا بالهجرة قبل غيرهم، زهدوا في دار الكفر فهجروا موطنهم وأملاكهم، وتحملوا المشاق والمخاطر،

236