لباب التفاسير للكرمانيالجزء 1 · ص 2142 - 2161
سورة الأحزاب (1 من 5)
ثلاث وسبعون آية (1)، مدنية بالإجماع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في أبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل (2)، وأبي الأعور السلمي (3)، قدموا المدينة بعد قتال أُحد فنزلوا على عبدالله بن أُبيّ وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبدالله بن سعد بن أبي سَرْح (4)، وطعمة بن أُبيرق (5)،
- (1) "ثلاث وسبعون آية" ساقط من ب.
- (2) عكرمة بن أبي جهل، أبو عثمان القرشي المخزومي، لما قتل أبوه تحولت تحولت رئاسة بني مخزوم إليه، أسلم وحسن إسلامه، وكان محمود البلاء في الإسلام، استشهد في معركة اليرموك بعد أن أبلى بلاءً حسنًا، ﵁.
انظر: الاستيعاب (3/ 190)، سير أعلام النبلاء (1/ 323). - (3) أبو الأعور، عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد، السلمي، مختلف في صحبته، أسلم بعد غزوة حنين، وكان من أشد مناصري معاوية بن أبي سفيان، وكان في مقدمة جيشه يوم صفين.
انظر: الاستيعاب (3/ 261)، الإصابة (4/ 641). - (4) عبد الله بن سعد بن أبي السَّرْح، تنظر ترجمته ص: 491
- (5) وهو بشير أبو طعمة الظفري الأوسي، بن أُبيرق.
قال السهيلي في الروض الأنف (4/ 413) "وهذا هو الصواب فيه، وقد وقع في أكثر التفاسير أنه طعمة بن أبيرق، وفي كتب الحديث بشير"، واسمه الحارث بن عمرو بن حارثة بن الهيثم، وهو عم قتادة بن النعمان، وقد سرق منه درعين وطعامًا، ثم هرب وجعل يهجوا المؤمنين.
انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/ 166).
فقالوا للنبي ﷺ وعنده عمر بن الخطاب: أرفض ذكر آلهتنا اللات، والعزى، ومناة، وقُل إن لها شفاعةً وشُفعَةً لمن عبدها ونَدَعُكَ وربك. وشق على النبي ﷺ قولهم.
فقال عمر رضي الله عنه: إئذن لنا يا رسول الله في قتلهم.
فقال: إني أعطيتهم الأمان. فقال عمر رضي الله عنه: أُخرجوا في لعنة الله وغضبه.
وأمر النبي ﷺ أن يخرجهم من المدينة، وأنزل الله هذه الآية (1).
والمعنى: اتق الله في نقض العهد.
الزجاج: أُثْبُتْ على تقوى الله ودُمْ عليها (2).
وقيل: معناه: اتق الله وحده (3).
وقيل: الخطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته، ولهذا قال ﴿إِن اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالجمع (4).
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ أهل مكة. ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ من أهل المدينة فيما يسألونك من الرفق بهم، ولا في غيره.
وقيل: ولا تطعهم في إبعاد الفقراء عنك ليجالسوك (5).
﴿إِن اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه.
﴿حَكِيمًا (1)﴾ بخلْقِه قبل خلْقِه.
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: أَمَرَه اتق الله، ونهاه ولا تطع الكافرين والمنافقين.
وقيل: واتبع أحكام الله التي يوحيها إليك دون أحكام الجاهلية من الظهار والتبني (6).
﴿إِن اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2)﴾ لم يزل عالمًا بأعمالهم وأعمالكم.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فوض أمورك إليه ولا تخف الكفار.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3)﴾ حسبك بالله قائمًا بأمورك.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ في سبب النزول، أنها نزلت في جميل بن مَعْمَر الفهري (1)، وكان رجلًا لبيبًا، حافظًا لما يَسْمَع فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان. وكان يقول: إن لي قلبين؛ أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد.
فلما كان يوم بدر وهُزِمَ المشركون وفيهم جميل بن معمر تلقاه أبو سفيان وهو مُعَلِّقٌ أحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال: يامعمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا. قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده (2).
قال الزجاج (3): "قال ابن عباس: "إن رسول الله ﷺ صلى فسها كما يسهوا الرجل في صلاته وخطرت على باله كلمة فقال المنافقون: إن له قلبين؛ قلبًا معكم، وقلبًا مع أصحابه (4)
- (1) جميل بن معمر بن حبيب الجمحي، أسلم عام الفتح، وكان مسنًا، وشهد مع رسول الله ﷺ حنينًا، وهو الذي أذاع في قريش خبر إسلام عمر بن الخطاب ﵁.
انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (1/ 316). - (2) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (19/ 7)، وانظر: أسباب النزول للواحدي (407)، وأسباب النزول للسيوطي (233)، وعزاه في الدر المنثور (11/ 719) لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.
- (3) انظر: معاني القرآن للزجاج (4/ 162).
- (4) انظر: معاني القرآن للزجاج (4/ 162)، وقد أخرجه ابن جرير في جامع البيان (19/ 7)، والترمذي في جامعه (تفسير القرآن، سورة الأحزاب، ح: 3199) وقال: حديث حسن.
وقد اختار النحاس في معاني القرآن (5/ 319) هذا القول، قال: "وهو أصحها وأعلاها إسنادًا، وهو جيد الاسناد، وأولى الأقوال في الآية".
".
قال الزجاج: "وجاء في التفسير أيضًا أن عبدالله بن خطل (1) كانت تسميه قريش ذا القلبين"، ثم ذكر عنه ما ذكر عن جميل بن معمر (2).
وقيل: الحارث بن فهر (5)، (6). وقيل: معمر بن أسد (7)، (8).
وقيل: هذا تكذيب للمنافقين في قولهم للمؤمنين: آمنا بالله ونحن معكم، ثم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم أي: لا يجتمع قلبان؛ قلب مؤمن وقلب كافر (9).
الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني فنزلت هذه الآية (10).
- (1) عبد الله بن خطل، تنظر ترجمته ص: 431
- (2) انظر: معاني القرآن للزجاج (4/ 162).
- (3) جميل بن أسد، ويقال: جميل بن أسيد الفهري، يكنى أبا معمر، ويلقب بذا القلبين لشدة حفظه، وهو أخبر قريشًا بإسلام عمر بن الخطاب ﵁.
انظر: الإصابة (1/ 499). - (4) انظر: الكشاف (5/ 45).
- (5) الحارث بن فهر بن مالك بن بن النضر بن كنانة، وإليه تنسب قريش.
انظر: البداية والنهاية (3/ 226، 359). - (6) انظر: النكت والعيون (4/ 370).
- (7) معمر بن أسد، لم أقف له على ترجمة، والله أعلم.
- (8) لم أقف عليه، والله أعلم.
- (9) حكاه في النكت والعيون (4/ 371) عن النقاش.
- (10) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 111).
وذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذا نهي عن التبني وتسمية زيد ابن رسول الله ﷺ، فإن المولود إذا استقرت النطفة في الرحم صار له قلب فلا يجوز أن يصير له قلب آخر بالنطفة الداخلة عليه بالوطء الثاني، فإذا لم يجز ذلك فهو لصاحب القلب فلا يكون لرجل واحد قلبان ولا أبوان ولا أُمَّان فانتظمت الآية على هذه الثلاثة وهو قوله ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ حكاه القفال، وقال حكى الشافعي (1) رحمه الله هذا التأويل عن بعض المفسرين، وهو قول الزهري، ومقاتل بن حيان (2).
وقيل: متصل بقوله ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فإن طاعتهما لا تجتمع مع الإيمان في قلب واحد، كما تقول: سيْفَان لا يجتمعان في غمد واحد.
- (1) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، بن مرة بن كعب بن لؤي، الإمام عالم عصره، نشأ يتيمًا بمكة، ثم رحل إلى المدينة فسمع من مال بن أنس، ثم إلى اليمن، دخل بغداد وأقام بها سنتين، ثم مصر إلى أن توفي سنة أربع ومائتين، من مصنفاته المسند في الحديث، أحكام القرآن، إختلاف أهل الحديث، وغيرها.
انظر: سير أعلام النبلاء (10/ 5). - (2) انظر: غرائب التفسير (2/ 910)، وهو اختيار ابن جرير في جامع البيان (19/ 9)، واختار ابن كثير في تفسيره (3/ 475) أنها نزلت في زيد بن حارثة ﵁.
وقد ضعف النحاس في معاني القرآن (5/ 319) قول الزهري، قال: " وهو قول ضعيف لايصح في اللغة، وهو من منقطعات الزهري رواه معمر عنه".
وقيل: أعلم الله بذلك أن الناس سواء فيما يُعلم به الأشياء، وأن الله لم يجعل لأحدٍ قلبًا يعلم به البواطن والغيوب وحرمه آخر، بل جعل لكل واحد قلبًا واحدًا فهم في الاستدلال والمعرفة سواء ليكذبوا من ادعى الغيوب وعلم الغيبة من السحرة والكهنة وغيرهم.
وقيل: هذا رد على من قال إن لمحمد قلبين، فلهذا علم ما لم يعلمه غيره يقصدون بهذا الكلام تشكيك الضعفة في نبوته ويوهمونهم أنه إنما أتى بما عجز عنه غيره لأنه له قلبين فكذبهم الله وقال ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وهو داخله الذي يكون فيه القلب ونحوه من الأحشاء، ودخل ﴿مِنْ﴾ لعموم النفي (1).
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ نزلت في أوس بن الصامت (2) وامرأته خولة بنت ثعلبة (3)،
- (1) وهذه الأقوال المثلاثة ترجع إلى الأقوال المذكورة من قبل.
- (2) أوس بن الصامت بن قيس بن أصرمبن فهر، الخزرجي الأنصاري، شهد بدرًا وما بعدها، وبقي إلى زمن عثمان ﵄.
انظر: الاستيعاب (1/ 207)، الإصابة (1/ 156). - (3) خولة بنت ثعلبة بن أصرم بن فهر، كانت تحت أوس بن الصامت، فظاهر منها فنزل في شأنها القرآن.
انظر: الاستيعاب (4/ 390).
(1) وسيأتي في سورة المجادلة إن شاء الله، وكان من طلاق الجاهلية أن يقول الرجل لامرأته: أنتِ علي كظهر أمي. فَرَدَّ الله ذلك، وأوجب الكَفَّارَة على من قال ذلك والمرأة زوجته كما كانت.
و﴿اللَّائِي﴾ فيها ثلاث لغات؛ بياء بعد الهمزة، وبالهمزة وحدها، وبتليين الهمزة (2).
قال الشاعر (3):
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا (4).
وفي الظهار لغات؛ ظَاهَر، وتَظَاهَر، وتَظَهَّر (5)،
- (1) أخرج ابن حبان في صحيحه (10/ 107، ح: 4279)، والحاكم في المستدرك (2/ 523)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن عائشة ﵂ قالت: "تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليَّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وتقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. فما بَرِحَت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) وهو أوس بن الصامت".
- (2) قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، "واللائي" بياء ساكنة بعد الهمزة، وقرأ الباقون بحذف الياء، واختلفوا في الهمزة فحققها قالون، وقنبل، ويعقوب، وقرأ ورش، وأبو جعفر بالتسهيل.
انظر: الكشف لمكي (2/ 193)، البدور الزاهرة لابن البنا (2/ 369). - (3) في ب "قال" بإسقاط "الشاعر".
- (4) البيت لعبد الله بن عمر بن عمرو العَرْجي.
انظر: ديوانه (74)، الأغاني (1/ 390). - (5) قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف "تَظَّاهرون"، بفتح الياء وتشديد الظاء وألف، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو "تَظَّهَرون" بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء، وقرأ حمزة "تُظَاهِرون".
انظر: الحجة لابن خالويه (288)، الكشف لمكي (2/ 194).
واشتقاقه من الظَّهْر في قولهم: أنت عليَّ كَظَهْرِ أمي (1).
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ جمع دَعَيَّ، فَعِيل بمعنى مفعول، وكانت العرب في الجاهلية إذا رأى واحدٌ منهم فتىً أديبًا (2) شجاعًا ذا كفايةٍ إدْعَاه ابنًا فَنُسِبَ إليه، وإذا مات ورثه أسوة سائر أولاده فنهى الله عن ذلك.
وفي سبب النزول أنها نزلت في زيد بن الحارثة (3)، وكان من بطن من كنانة سُبي في صغره فصار عبدًا لخديجة رضي الله عنها، فوهبته لرسول الله ﷺ فصار عبدًا لرسول الله ﷺ فاعتقه، وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج النبي صلى زينب بنت جحش (4)
- (1) وحقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظهر محلل بظهر محرم، وذكر الظهر كناية عن معنى الركوب، والآدمية إنما يُركب بطنها، وغير الآدميات إنما يُركب ظهره.
انظر: أحكام القرآن لابن العربي (4/ 187)، - (2) في ب "فتى أريبًا".
- (3) زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، مولى رسول الله ﷺ، كان قد أصابه سبي في الجاهلية، فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة ﵂ فوهبته لرسول الله ﷺ، فتبناه قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، شهد بدرًا، وقتل بمعركة مؤتة.
انظر: الاستيعاب (2/ 114)، الاصابة (1/ 49). - (4) زينب بنت جحش بن رئاب بن أسد بن خزيمة، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي ﷺ، تزوجها رسول الله ﷺ في سنة خمس من الهجرة، وكانت تحت زيد بن حارثة.
توفيت سنة عشرين في خلافة عمر بن الخطاب، وهي أول نساء النبي ﷺ وفاة بعده.
انظر: الاستيعاب (4/ 406)، الاصابة (7/ 667).
وكانت تحت زيد، قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها فأنزل الله هذه الآيات (1).
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ لا حقيقة له كما يقول النائم والهاذي (2) يوجد على الفم ولا حقيقة له، لأن الابن يكون بالولادة، وكذلك الأم لاتكون إلا بالولادة.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي: الله يقول ما يجب أن يُقَال.
وقيل: معناه: ما يقوله الله في هذا أو غيره هو الحق الواجب الذي مَن عَدَلَ عنه كان
مبطلًا (3).
﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ الطريق المؤدي إلى الفلاح.
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ انسبوهم إلى آبائهم (4)، في سبب النزول عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: " ما كنا ندعوا زيد بن حارثة (5) إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (6). أي: أصدق، وأعدل من القسط وهو: العدل، مصدر فَعَلَ لا يستعمل إلا بزيادة الألف.
ولفظ التفضيل فيه كقوله ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: 24] وصار هذا ناسخًا لما كانوا عليه من التبني.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين.
﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي: بنوا الأعمام، فإن الدين لُحْمة كلُحْمَة النسب.
وقيل: مواليكم إذا كانوا مُعْتَقِين. وقيل: فإخوانكم في الدين ومواليكم في الدين، فسموهم بأسماء العرب؛ عبد الله وعبد الرحمن أي: من كان له أب نُسِبَ إلى أبيه، ومن لم يكن له أب نُسِب إلى مواليه، ومن فقدهما نُسِبَ إلى عُبودة الله وأديانهم وصناعاتهم (1).
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: سهَوْتُم فنسبتم إلى غير أبيه.
الزجاج: يجوز أن يكون المراد: لاجناح عليك أن تقول له يابني (2).
﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: ولكن الجُنَاح عليكم فيما تعمدت قلوبكم، فقصدتم النسبة إلى غير الأب وخالفتم أمر الله.
وقيل: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قبل النهي، و﴿مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بعد النهي (3).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ للمخطئ.
﴿رَحِيمًا﴾ في رخصته.
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ معنى ﴿أَوْلَى﴾ أحق، أي: حُكْمُه أنفذ عليهم من حكمهم على أنفسهم.
وقيل: أحق بتدبير المؤمنين في أمور دَيْنِهم (4).
وقيل: أولى بهم من بعضهم لبعض كقوله ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61] أي: بعضكم على بعض (5).
وذكر النقاش في تفسيره أن سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ لما أراد غزوة تبوك وأمر الناس بالخروج قال قوم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية (6).
قال القفال رحمه الله: "للآية وجه آخر وهو: ما روى معمر (1) عن الزهري عن أبي هريرة (2) في قوله ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أن النبي ﷺ كان يقول: " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينًا فإليّ، وإن ترك مالًا فهو لورثته ".
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: مُنَزَّلات منزلة الأمهات في التحريم والحُرْمَة (3)، وليس يرد في الإرث، ولزوم النفقة.
واختلفوا فيمن طلقها النبي ﷺ في حياته (4).
وفي بعض المصاحف (وهو لهم أب) (5).
- (1) معْمَر بن راشد الحُدَّاني، مولاهم، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، الإمام، الحافظ، الثقة، نزيل اليمن، شهد جنازة الحسن البصري، روى عن قتادة، والزهري، وعمرو بن دينار، وغيرهم، توفي في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة.
انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (7/ 5)، تهذيب التهذيب (10/ 219). - (2) في أ "ما روى معمر عن أبي هريرة "، وفي ب "ما روى معمر عن الزهري".
والحديث أخرجه البخاري (ك: النفقات، ح: باب: قول النبي ﷺ "من ترك كَلًاّ أو ضياعًا فإليّ، ح: 5371")، ومسلم (ك: الفرائض، باب: من ترك مالًا فلورثته، ح: 1619) عن الزهري عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن عن أبي هريرة. - (3) في أ "في الحرمة والتحريم".
- (4) على ثلاثة أوجه، الأول: تثبت لهن هذه الحرمة تغليبًا لحرمته ﵊.
الثاني: لا يثبت لهن ذلك، بل هن كسار النساء.
الثالث: من دخل بها منهن ثبتت حرمتها، وحرم نكاحها وإن طلقها، حفظًا لحرمته، وحراسة لخلوته، ومن لم يدخل بها لم تثبت لها هذه الحرمة.
انظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/ 542)، أحكام القرآن للقرطبي (14/ 125). - (5) وهي مروية عن أبيّ بن كعب، وابن عباس.
انظر: البحر المحيط (7/ 208)، تفسير ابن كثير (3/ 477)، وهي قراءة شاذة.
وروي أن عمر رضي الله عنه مر بغلام وهو يقرأ (1) (وهو لهم أب) فقال للغلام: حكه من المصحف. قال: " هذا مصحف أُبَيّ. فقال: ما هذا يا أُبَيّ؟ قال: كنت أشد اشتغالًا منك بالقرآن " (2)، وكذلك قرأ ابن عباس.
وذكرت الأئمة أن سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة، وفيها آية الرجم (3).
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ وذوو القرابات.
- (1) في أ "مر بغلام يقرأ".
- (2) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 112).
- (3) أخرج البخاري (ك: الحدود، باب: رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت، ح: 6830) عن ابن عباس ﵄، أن عمر بن الخطاب قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " ... إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، فلذا رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده ... " الحديث.
وأخرج أحمد في المسند (5/ 132، ح: 21245)، والبيهقي في السنن (8/ 211)، والطيالسي في مسنده - (73) عن زر بن حُبيش قال: قال لي أبيّ: كأْيِّن تقرا سورة الأحزاب؟ أو كأْيِّن تعدها؟ قلت: ثلاثًا وسبعين آية. فقال: أقط؟ لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، أو أكثر من سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم) فرُفع فيما رُفع.
قال ابن كثير في تفسيره (3/ 473) "وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نُسِخَ لفظه وحكمه أيضًا".
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ أي: في التوارث، وكانوا يتوارثون بالهجرة، والإسلام، والحِلْف، والمؤاخاة من قوله ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] فنُسخ ذلك بهذه الآية، وقد سبق (1).
وقوله ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يريد: آية المواريث (2).
وقيل: في حكم الله (3).
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ والمؤمنون في هذه الآية الأنصار؛ وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار فتكون ﴿مِنَ﴾ للتفضيل.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وأولوالأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض ممن لم يؤمن ولم يهاجر (4)، فتكون ﴿مِنَ﴾ للتبيين. وقيل: صلة (5).
﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ في حياتكم أو صية بالثلث.
- (1) أخرج ابن جرير في جامع البيان (11/ 289) عن ابن عباس ﵄ قال: " (والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) قال: يعني في الميراث؛ جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام ... وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية (وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) في الميراث، فنسخت التي قبلها وصار الميراث لذوي الأرحام". وأخرج نحوه عن مجاهد، وقتادة، وعكرمة.
وانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (2/ 394)، الناسخ والمنسوخ لمكي بن أبي طالب (304). - (2) في ب "يعنى آية المواريث".
- (3) انظر: معالم التنزيل للبغوي (6/ 319).
- (4) في ب "فمن لم يؤمن ولم يهاجر".
- (5) انظر: معاني القرآن للفراء (2/ 335).
وذهب الحسن إلى أن هذا في النسب وإن كان من أهل الشرك جوز أن يوصي لهم، وزيفه أكثر المفسرين (1).
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾ في القرآن.
وقيل: في اللوح المحفوظ (2).
وقيل: في التوراة (3).
﴿مَسْطُورًا (6)﴾ مكتوبًا؛ لأن في التوراة: إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه وميراثه لذوي قرابته.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ القفال: مسطورًا حين أخذنا (4).
الزجاج: واذكر إذ أخذنا من النبيين (5).
﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ عهودهم على تبليغ الرسالة (6)، والوفاء بها، وتصديق بعضهم بعضًا، وتبشير بعضهم ببعض.
﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ قَدَّمَ نبينا تعظيمًا وتبجيلًا.
وقيل: لأن الواو لا يوجب ترتيبًا، ولأن النبي ﷺ قال: " كنت أو لهم في الخلق وآخرهم في البعث " (7).
- (1) ذهب الحسن، ومحمد بن الحنفية، وقتادة إلى جواز الوصية لذوي القرابة المشركين، واختار ابن جرير في جامع البيان (19/ 21) إلى أن المراد أولائكم من المؤمنين؛ لدلالة لفظ الآية، ولأن القريب المشرك وإن كان ذا نسب فليس بالمولى؛ لأن الشرك يقطع ولاية ما بين المؤمن والمشرك.
وانظر: معاني القرآن للنحاس (5/ 321)، إعراب القرآن له (3/ 302)، المحرر لابن عطية (4/ 370). - (2) وهو قول مجاهد، وغير واحد.
انظر: تفسير ابن كثير (3/ 477). - (3) قاله محمد بن كعب القرضي.
انظر: معالم التنزيل (6/ 320). - (4) انظر: غرائب التفسير للكرماني (2/ 910).
- (5) انظر: معاني القرآن للزجاج (4/ 164).
- (6) في ب "واذكر إذ أخذنا من النبيين عهودهم على تبليغ الرسالة".
- (7) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (19/ 23).
قال ابن كثير في تفسيره (3/ 478) "بشير بن سعيد فيه ضعف، وقد رواه سعيد بن عروبة عن قتادة مرسلًا، وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفًا"، وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة (2/ 115).
وقيل: خَصّهُما بالذكر لأن نوحًا أولهم بعد الغَرَق ومحمدًا ﷺ آخرهُم (1).
﴿وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ خَصَّهم بالذِّكرِ لأنهم كانوا أصحاب الشرائع من بينهم، وغيرهم من الأنبياء فيها تبع لهم.
﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7)﴾ مؤكدًا باليمين، وأعاد ذكر الميثاق لانضمام الوصف إليه.
﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ الأنبياء.
﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أي: عمَّا قالوه لقومهم، ويحتمل أن الصِّدق بمعنى: التصديق أي:
عن تصديق قومهم إياهم، كما جاء في الأخرى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، [المائدة: 109]، والسؤال توبيخ لمن كذبهم.
وقيل: ليس هناك سؤال، إنما المراد: أن يحاسِب الصادق والكاذب فيجازي كل بما كسب (2).
﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8)﴾ في القبر والقيامة، ولام ﴿لِيَسْأَلَ﴾ متصل بالأخذ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ ما من به.
﴿عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ من المشركين يعني: الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، وظاهرهم أهل الكتاب من بني قريظة، والنضير، فحاصروا المسلمين أيام الخندق (3).
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ قَاضٍ وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الصبا قلعت خيامهم، وأكفأت قدورهم، فلم يمكنهم القرار في مواضعهم، وكانت تلك الريح معجزةً لرسول الله ﷺ، لأنه لم يكن بين العَسْكَرين إلا مقدار يسير يرى فيه بعضهم بعضًا (1)، فأنزل الله على الكافرين ريحًا شغلتهم بأنفسهم، وقلعت أخبيتهم، وأبنيتهم، وكان رسول الله ﷺ وأهل عسكره من ذلك في عافية (2).
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق، إن قرأت بالتاء، وبما يعمل المشركون وجنودهم من المحاربة إن قرأت بالياء (3).
﴿بَصِيرًا (9)﴾ عالمًا. ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ بدل من ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ﴾.
﴿مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: من جوانب مكة والمدينة، وصفهم
بالكثرة والانثيال عليهم (4).
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ عدلت عن مَقَرِّها. وقيل: شخصت طامحةً من الفزع (5).
الفرَّاء: مالت عن كل شيء إلا إلى عدوها تنظر إليها متحيرة لشدة الأمر وصعوبته عليكم (6).
- (1) في أ "يرى بعضهم بعضًا".
- (2) في أ "وأهل عسكره في عافية".
- (3) قرأ أبو عمرو، بالياء (بما يعملون)، وقرأ الباقون بالتاء (بما تعملون).
انظر: السبعة (518)، النشر (2/ 347). - (4) الثَّوْل: الجماعة، والثَّوالة: الجماعة من الناس والجراد، وتثول عليه القوم، وانثالوا: علوه بالشتم، والضرب، والقهر، وانثال عليه الناس من كل وجه أي: انصبوا.
انظر: لسان العرب (2/ 150)، القاموس المحيط (1258)، مادة: ثول. - (5) قاله قتادة.
انظر: جامع البيان لابن جرير (19/ 35). - (6) انظر: معاني القرآن للفراء (2/ 336).
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ فإن الرئة تنتفخ عند الخوف، فيرتفع القلب حتى يكاد يبلغ الحنجرة (1).
وقيل: اضطرب الفؤاد فلم يستقر مكانه، بل بلغ بحركته على الحلق والحنجرة (2).
وقيل: بلغت القلوب الحناجر مجاز أبلغ من الحقيقة (3).
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)﴾ أي: ظنونًا مختلفة؛ فالمُخْلِص يظن أن الله منجز وعده في إعلاء محمد ﷺ على عدوه، والضعيف يظن غير ذلك لما يرى من كثرة العدو، والمنافق يقول ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اختبروا فظهر المخلص من المنافق.
﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)﴾ حُرِّكوا تحريكًا بليغًا بالفتنة والتمحيص فثبتوا على إيمانهم. والزلزلة: شدة الحركة.
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ عطف على الأولى.
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك وضعف في المعتقد. قيل: هو: وصف للمنافقين بالواو، كما قال الشاعر (4):
إلى الملك القَرْمِ وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المُزْدَحَم (5).
وقيل: هم قوم كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبهة عليهم (6).
- (1) في ب "حتى يبلغ الحنجرة".
- (2) انظر: معاني القرآن للفراء (2/ 336).
- (3) انظر: النكت والعيون (4/ 379).
- (4) في ب "كما قال".
- (5) البيت أورده الفراء في معاني القرآن (1/ 105)، وابن جرير في جامع البيان (3/ 89)، دون نسبته إلى أحد.
القَرْم من الرجال: السيد المعظم.
انظر: لسان العرب (11/ 130)، مادة: قَرَمَ. - (6) لم أقف عليه، والله أعلم.
﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ قال المفسرون: نزلت في معتَّب بن قشير (1)؛ وذلك أن النبي ﷺ حين أمر بحفر الخندق عرضت صخرة شَقَّتْ على من كان يليها، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك نزل في الخندق وأخذ مِعْوَلًا من سلمان رضي الله عنه فضرب تلك الصخرة ثلاث ضربات فخرج مع كل ضربة كهيئة البرق، فقال سلمان رضي الله عنه (2): لقد رأيت أمرًا عظيمًا. فقال ﷺ: كذا وقد رأيت ذلك؟ قال: نعم والذي أنزل عليك القرآن. فقال عليه الصلاة والسلم: لقد رأيت في الضربة الأولى أبيض المدائن، وفي الثانية قصور اليمن، وفي الثالثة مدائن الروم، وليفتحن الله هذه على أمتي.
فلما حصرهم الأحزاب (3) واشتد عليهم المجال قال معتَّب بن قشير: يعدنا أن يفتح علينا قصور الروم، والفرس، واليمن، ولا يستطيع أحدنا أن يذهب إلى الخلاء ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا أي: (4) باطلًا (5).
- (1) معتب بن قشير، ويقال: معتب بن بشير، بن مليل بن زيد بن مالك بن عوف الأنصاري، شهد العقبة، وبدرًا، وأحدًا، يقال أنه كان من المنافقين، وهو القائل ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران 154].
انظر: الاستيعاب (3/ 482)، الإصابة (6/ 175). - (2) سلمان الفارسي تنظر ترجمته ص: 84
- (3) في أ "فلما حضرهم الأحزاب".
- (4) "أي" ساقط من أ.
- (5) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (19/ 39)
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ يثرب هو: المدينة (1).
وقيل: أرض، والمدينة في ناحية منها (2).
وروي عن البراء أنه قال سمعت رسول الله ﷺ (3) يقول: "من قال للمدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة ثلاث مرات" (4).
- (1) يَثْرِب: مدينة رسول الله ﷺ، سميت بذلك لأن أول من سكنها يثرب بن قانية بن إرم بن سام بن نوح ﵇، ولما هاجر إليها رسول الله ﷺ سماها طيبة وطابة.
انظر: معجم البلدان (5/ 430). - (2) ذكره ابن جرير في جامع البيان (19/ 42)، والماوردي في النكت والعيون (4/ 382) عن أبي عبيدة.
- (3) في أ "وروي عن البراء ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ".
- (4) عزاه السيوطي في الدر المنثور (11/ 752) لابن أبي حاتم وابن مردويه، وضعف إسناده ابن كثير في تفسيره (3/ 481)، وله شواهد كما في البخاري (ك: فضائل المدينة، باب: المدينة طابة، ح: 1872) عن أبي حُمَيّد ﵁ قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال: "هذه طابة". وأخرج أيضًا (ك: فضائل المدينة، باب: فضل المدينة وأنها تنفي الناس، ح: 1871) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أُمِرْتُ بقرية تأكل كل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد".
وأخرج مسلم في صحيحه (ك: الحج، باب: المدينة تنفي شِرارها، ح: 3343) عن زيد بن ثابت ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إنها طيبة- يعني المدينة".
وأخرج أيضًا (ك: الحج، باب: المدينة تنفي شِرارها، ح: 3344) عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى سمى المدينة طابة".