لباب التفاسير للكرمانيالجزء 1 · ص 2723 - 2739

سورة الزُّخْرُف (1 من 3)

سورة الزُّخْرُف

(1)

تسع وثمانون آية (2) (3) مكِّية (4).

قال مُقَاتِل (5): " إلا آية من قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ " (6).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿حم (1) وَالْكِتَابِ﴾ الكتاب (7): القرآن، أقسم الله به أنَّه جعله بلسان العرب ليعقلوه.

وقيل: أقسم به أن الله جعله قرآنًا عربيًا وليس بمفترى (8) كما زعمه بعضهم، وهذا أولى بالجواب (9)؛ لأنَّ كونه عربيًا غير مشكوك فيه.

قال (10) القَفَّال (11): " يجوز أن يكون الكتاب عامًَّا، وجعلناه كناية عن غير مذكور كقوله:

  • (1) كذا في جميع المصاحف والتفاسير، ولم تشتهر باسم غيره، ووجه التسمية أن كلمة ﴿وَزُخْرُفًا﴾ وقعت فيها، ولم تقع في غيرها من سور القرآن فعرَّفوها بهذه الكلمة [انظر: التحرير والتنوير (25/ 157)].
  • (2) " تسع وثمانون آية " ساقطة من (أ).
  • (3) وهذا على العدِّ الكوفي [انظر: جامع البيان (25/ 47)، البيان في عدِّ آي القرآن (ص: 223)، المحرر الوجيز (5/ 45)].
  • (4) وقد حكى ابن عطية في المحرر الوجيز (5/ 45) وابن الجوزي في زاد المسير (7/ 127) الإجماع على مكِّيتها.
  • (5) مقاتل بن حيان النبطي البلخي، أبو بسطام، الخراز، الإمام العالم المُحَدِّث، الثِّقة، وقد كان من العلماء العاملين، ذا نُسُكٍ وفضل، صاحب سُنَّة، هرب من خراسان أيام أبي مُسْلِم صاحب الدولة، إلى بلاد كابل، فدعاهم إلى الله، فأسلم على يده خلق، قال عنه يحيى بن معين: " ثقة "، وقال أبو داود: " ليس به بأس "، وقال ابن خزيمة: " لا أحتج به "، وقد توفي في حدود الخمسين ومائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: مشاهير علماء الأمصار (ص: 228)، سير أعلام النبلاء (6/ 340)، طبقات المفسرين؛ للدَّاوودي (2/ 329)].
  • (6) انظر: الكشاف (4/ 240)، زاد المسير (7/ 127).
  • (7) " الكتاب " ساقط من (أ).
  • (8) في (أ) " مفترى ".
  • (9) انظر: جامع البيان (25/ 47).
  • (10) في (أ) " فقال ".
  • (11) القَفَّال: محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشَّاشي، الفقيه الشافعي المعروف بالقَفَّال الكبير، المُفَسِّر الفقيه الأصولي اللغوي الشاعر، عالم خراسان، وصاحب التصانيف، سمع من ابن خُزيمة وابن جرير، وأبي القاسم البَغَوي وأبي عَروُبة الحَرَّاني، تُوُفِّي سنة خمس وستين وثلاثمائة للهجرة. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: وفيات الأعيان (4/ 200)، سِيَرُ أعلام النُّبَلاء (16/ 283)، طبقات المفسرين؛ للسيوطي (ص: 94)].
2723

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)﴾ [القدر: (1)] " (1).

ويحتمل على قول القَفَّال: أنَّ الكتاب لمَّا كان للجنس اشتمل على القرآن فصار كالمتقدم ذكره فجاز الكناية عنه.

وقيل تقديره: وربِّ الكتاب، وقيل: الكتاب: اللوح المحفوظ.

ابن بحر: " الكتاب: الخط، وأقسم به تعظيمًا لنعمته فيه، وفي القسم بالشيء تعظيم لذلك الشيء وتوكيد لما يقسم عليه" (2).

﴿الْمُبِينِ (2)﴾: أبان الأحكام، والحلال والحرام، وقيل: بيَّن الهدى والرَّشاد.

وقيل: ﴿الْمُبِينِ﴾ البَيِّن؛ لأنه من حروفٍ يعرفونها.

قال ابن عيسى: البيان: ما يظهر به المعنى للنَّفس عند الإدراك بالبصر والسمع، وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة كالإعراض وتكليح الوجه " (3).

﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: بيَّنَّاه بلغة العرب (4).

وقيل: وصَفْنَاه، وقيل: قلناه.

الثعلبي: معنى ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: سمَّيناه كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: (19)] " (5) وهذا مزيفٌ؛ لأنَّ القرآن عربي في جميع الأحوال.

﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)﴾: لكي تفهموا معانيه، وما شرع لكم فيه، فيكون عامًَّا.

وقيل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني العرب.

  • (1) لم أقف عليه.
  • (2) انظر: غرائب التفسير (2/ 1059).
  • (3) انظر: غرائب التفسير (2/ 1059)، ولم يذكر ابن عيسى.
  • (4) انظر: جامع البيان (25/ 48).
  • (5) انظر: تفسير الثعلبي (8/ 327).
2724

وقيل: لعل: للطمع، أي: ليرجو محمدًا (1) - ﷺ - أن يسمعوا فيعقلوا فيؤمنوا.

﴿وَإِنَّهُ﴾: عطف على القسم، أي: القرآن.

وقيل: علم الساعة.

وقيل: عمل بني آدم.

﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: في اللوح المحفوظ، وسمَّاه أُمَّا (2)؛ لأنه أصل كلِّ كتاب (3).

ابن بحر: " الكتاب: الحكمة: أي كلّ كتب الله منزل بالحكمة " (4).

وقيل: هو الكتاب الذي فيه أعمال العباد عند الحفظة.

﴿لَدَيْنَا﴾: عندنا، أي (5): في محلِّ الشرف والكرامة لا يتطرق إليه التغيير والتبديل.

﴿لَعَلِيٌّ﴾: عليُّ الشأن، وقيل: عليٌّ في البلاغة؛ لظهور ما بالعباد إليه الحاجة فيه.

﴿حَكِيمٌ (4)﴾: محكم (6)، وقد سبق (7)، واللام لخبر إنَّ.

والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أمِّ الكتاب لدينا.

﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أفنمسك (8) عن الذكر.

تقول: ضَرَبَ عن الذكر وأضرب: إذا أمسك عنه (9).

  • (1) في (أ) " محمد ".
  • (2) في (أ) " وسما أمّ الكتاب ".
  • (3) انظر: تفسير مقاتل (3/ 185)، جامع البيان (25/ 48) غريب القرآن (ص: 95)، تفسير السمرقندي (3/ 239)، تفسير البغوي (7/ 205).
  • (4) انظر: النكت والعيون (5/ 215)، غرائب التفسير (2/ 1060).
  • (5) " أي" ساقط من (أ).
  • (6) انظر: تفسير مقاتل (3/ 185)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (6/ 334).
  • (7) في الآية الأولى من سورة يونس.
  • (8) في (أ) " فنمسك ".
  • (9) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (4/ 308)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (6/ 335)، لسان العرب (1/ 543)، مادة " ضَرَبَ ".
2725

قال القَفَّال: " هذا من ضرب في الأرض إذا أبعدَ، وأنشد:

أضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قَوْنَس الفرس." (1) (2)

والصفح: الإعراض مصدر من غير لفظ الفعل السابق، والأصل فيه: أن تولِّي (3) الشيء صفحة عنقك (4).

وقيل: نُصِبَ على الحال، أي: صافحين، ولا يمتنع أن يكون مفعولًا له.

وتأويل: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أي: نكف ونمسك عنكم إنزال القرآن، والتذكير بالوعد والوعيد صفحًا إعراضًا عن تنبيهكم.

وقيل: المراد بالذِّكر: هو أن يُذَكَّروا بالعقوبة، أي: يعاقبوا.

وقيل: ضرب الذِّكر: رفْعُ القرآن عن الأرض، أي: أفنرفع القرآن من بين أظهركم لإشراككم مع علمنا بأنَّه سيأتي من يقبله ويعمل به.

السُّدِّي: " أفنترككم سُدى لا نأمركم ولا ننهاكم " (5).

النَّقاش: " نُهملكم فلا نُعَرِّفكم ما يجب عليكم " (6).

والأليق بالآية ذكر العذاب لقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ (7).

﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5)﴾: مشركين، قرئ بالفتح أي: لأن كنتم، وبالكسر، وله وجهان: أحدهما: أن يكونوا قومًا مُسرفين نضرب.

  • (1) البيت منسوب لطرفة، كما قال ابن بري، وقونس الفرس: ما بين أذنيه وقيل عظم ناتئ بين أذنيه، وقيل: مقدم رأسه [انظر: لسان العرب (6/ 183) مادة " قنس "، الكشاف (4/ 241)، المحرر الوجيز (5/ 496)].
  • (2) لم أقف عليه.
  • (3) في (ب) " أن يولِّي ".
  • (4) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (6/ 334)، المفردات (ص: 486) مادة " صَفَحَ "، لسان العرب (2/ 512)، مادة " صَفَحَ "
  • (5) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (25/ 49)، وأورده البغوي في تفسيره تفسير البغوي (7/ 206)، وابن الجوزي في زاد المسير (7/ 128).
  • (6) انظر: النكت والعيون (5/ 216).
  • (7) وهو اختيار ابن جرير والزجاج وغيرهما [انظر: جامع البيان (25/ 49)، معاني القرآن؛ للزَّجاج (4/ 308)، تفسير الثعلبي (8/ 327)].
2726

والثاني: أن يقع مثل هذا نضرب عنكم، وقد مضى في قوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: (2)] (1).

وقول من قال: (أنْ) بمعنى: (إذْ) مُزَيَّف (2).

﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6)﴾ أي: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضين.

﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7)﴾ أي: لم يكن يأتيهم نبي إلا استهزؤا به كما استهزأ قومك بك.

﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ أي: أشدهم.

﴿بَطْشًا﴾: كعاد وثمود، و(مِنْ): زيادة، وقيل: أشد من قومك بطشًا.

ويحتمل أن التقدير: أشدَّ منكم، فجاء بالهاء كما في قوله: ﴿كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: (22)] (3).

﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8)﴾: سُنَّتهم وعقوبتهم (4)، وقيل: صفتهم وذكرهم في القرآن، وقيل: حديثهم والإخبار عنهم: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)﴾ [إبراهيم: (45)].

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: القوم المشركين (5)، وقيل: الرسل.

  • (1) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ﴿صَفْحًا أَنْ﴾ بفتح الألف، وقرأ نافع وحمزة والكسائي ... ﴿صَفْحًا﴾ إِنْ بكسر الألف [انظر: جامع البيان (25/ 50)، السبعة في القراءات (ص: 584)، معاني القراءات (ص: 437)، الحجة (6/ 138)، التيسير (ص: 158)].
  • (2) انظر: غرائب التفسير (2/ 1060).
  • (3) انظر: غرائب التفسير (2/ 1060).
  • (4) انظر: جامع البيان (25/ 51)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (6/ 338)، النكت والعيون (5/ 216).
  • (5) انظر: تفسير مقاتل (3/ 186)، جامع البيان (25/ 52)، تفسير السمرقندي (3/ 240).
2727

﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ﴾: المنيع، فلا يغالب.

﴿الْعَلِيمُ (9)﴾: فلا يخفى عليه شيء، وتم كلامهم.

ثم وصف الله تعالى نفسه بناءً على كلامهم فقال:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ فيكون رفعًا بالوصف، ويجوز أن يكون استئنافًا، أي: هو الذي جعل لكم الأرض.

﴿مَهْدًا﴾: موضع قرار وطمأنينة (1)، وقرئ ﴿مِهَادًا﴾، وقد سبق (2).

﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: طُرقًا لتسلكوا فيها (3) لأمور الدين والدنيا.

﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10)﴾: لكي تهتدوا في أسفاركم، وقيل: تهتدوا إلى الإيمان.

﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ على قدر حاجة العباد إليه (4).

﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ مقفرة من النبات (5)، وذكِّر حملًا على المكان.

﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11)﴾: أي: كما أحيينا الأرض بعد موتها نحييكم (6) بعد موتكم فتُخْرَجون وتَخْرُجون من قبوركم (7).

  • (1) انظر: تفسير السمرقندي (3/ 240).
  • (2) قرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿مَهْدًا﴾ والباقون ﴿مِهَادًا﴾ بالألف [انظر: جامع البيان (16/ 174)، السبعة (ص: 418)، تفسير السمرقندي (3/ 240) معاني القراءات (ص: 292)، التيسير (ص: 123)، وقد سبق في سورة طه (الآية: 53) فالقراءة واحدة في الموضعين].
  • (3) " لتسلكوا فيها " ساقطة من (ب).
  • (4) " إليه " ساقطة من (أ).
  • (5) انظر: تفسير مقاتل (3/ 186)، جامع البيان (25/ 52)، تفسير السمرقندي (3/ 240).
  • (6) في (ب) " يحييكم ".
  • (7) يشير إلى القراءتين في الآية، فقد قرأ حمزة والكسائي وابن عامر ﴿كَذَلِكَ تَخْرُجُونَ﴾ بفتح التاء وضم الراء، وقرأ الباقون ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11)﴾ بضم التاء وفتح الراء [انظر: السبعة (ص: 279)، معاني القراءات (ص: 177)، التيسير (ص: 158)، البحر المحيط (9/ 361)].
2728

﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي: النبات من كل زوج بهيج.

وقيل: جميع الأصناف من كل الأشياء كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والصيف والشتاء، والجنة والنار (1).

﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾: السفن.

﴿وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12)﴾: قيل: الإبل خاصة، وقيل: جميع ما يركب (2).

﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾: جمع الظهر حملًا على اللفظ والمعنى، ووحَّد الهاء حملًا على لفظ الفلك (3)، وقيل: على الأنعام، كقوله: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ في النحل [الآية: (66)].

وقيل: حملًا على لفظ (ما)، وهو الوجه (4)، والمعنى: لتنتفعوا بركوبها برًَّا وبحرًا.

﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: تذكروها بقلوبكم.

﴿وَتَقُولُوا﴾: بألسنتكم.

  • (1) وهذا القول أعمُّ من سابقة، وهو رأي الجمهور [انظر: تفسير مقاتل (3/ 186)، جامع البيان (25/ 53)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (6/ 338)، تفسير السمرقندي (3/ 240)، تفسير البغوي (7/ 207)].
  • (2) وهذا القول أعمُّ من سابقة كذلك [انظر: تفسير مقاتل (3/ 186)، جامع البيان (25/ 53)، تفسير السمرقندي (3/ 240)، تفسير البغوي (7/ 207)].
  • (3) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (3/ 28)، جامع البيان (25/ 53)، تفسير السمرقندي (3/ 240)، النكت والعيون (5/ 218).
  • (4) وهو رأي أبي عبيدة والنَّحَّاس وغيرهما، قال أبو جعفر النَّحَّاس: " وأولى من هذا أن يكون يعود على لفظ ... (ما)؛ لأنَّ لفظها مُذَكَّرٌ مُوَحَّدٌ، وكذا ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)﴾، جاء على التذكير "، [إعراب القرآن (4/ 67)، وانظر: مجاز القرآن (2/ 202) تفسير السمعاني (5/ 93)، الجامع لأحكام القرآن (16/ 64)].
2729

﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [تنزيها لله الذي] (1) ذلَّل هذا المركوب لنا.

﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)﴾: لم نطق ركوبها مع صعوبتها، والمقرن: المطيق.

أبو عبيدة ": المقرن: الضابط " (2).

وقيل: المماثل: تقول: أقرنت فلانًا، إذا صرت قِرنًا له، وقيل: من المقارنة، كأنَّ المعنى: نطيق حمله في تصرفه (3).

وقيل: نطيق: أي: يقرن (4) بعضها ببعض حتى نسيرها إلى حيث نريد.

﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)﴾ أي: راجعون إلى الله في آخر عمرنا (5).

طاووس (6): "حقٌّ على كل مسلم إذا ركب دابَّة أو سفينة أن يقول: اللهم لك الحمد هذا من فضلك ونعمك علينا، فلك الحمد، سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون " (7).

وقيل: معنى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)﴾ أي: راجعون في آخر عُمرنا على مركبٍ آخر، وهو الجنازة، أمر بهذا التذكر عند ركوبه مركب الدنيا آخر مركبه منها.

﴿وَجَعَلُوا لَهُ﴾: اعتقدوا، وقيل: أثبتوا ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: الملائكة.

  • (1) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب).
  • (2) مجاز القرآن (2/ 202).
  • (3) انظر: تفسير مقاتل (3/ 187)، جامع البيان (25/ 54)، غريب القرآن (ص: 449)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (6/ 340)، تفسير السمرقندي (3/ 240)، النكت والعيون (5/ 218).
  • (4) في (ب) " أن نقرن ".
  • (5) انظر: تفسير مقاتل (3/ 187)، جامع البيان (25/ 55)، تفسير السمرقندي (3/ 240).
  • (6) طاووس بن كيسان الهمداني الخولاني، أمه من فارس، أبو عبد الرحمن اليماني، من فقهاء أهل اليمن وعبادهم وخيار التابعين وزهادهم، وحديثه في دواوين الإسلام، وهو حُجَّة باتفاق، وكانت وفاته بالحج بمنى سنة إحدى ومائة للهجرة، وصلَّى عليه هشام بن عبد الملك بن مروان بين الركن والمقام [انْظُر تَرْجَمَتَه: مشاهير علماء الأمصار (ص: 150)، سير أعلام النبلاء (5/ 38)، طبقات المفسرين؛ للأدنه وي (ص: 12)].
  • (7) انظر: غرائب التفسير (2/ 1061).
2730

﴿جُزْءًا﴾: مثلًا، وقيل: ولدًا؛ لأنَّ الولد بعض أبيه، وجزء منه (1)، وقيل: بنتًا (2).

قال:

إن أجزأت حرة يومًا فلا عجب ... قد تجزئ الحرَّةُ المِذْكَار أحيانًا (3) (4).

الزَّجاج: "لا أدري أَمُوَلَّدٌ هذا البيت أم عربي؟ " (5).

وقيل: معنى هذه الآية معنى قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية [الأنعام: (136)] (6).

  • (1) انظر: تفسير مقاتل (3/ 187)، جامع البيان (25/ 55)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (6/ 341).
  • (2) في (ب) " نبتًا ".
  • (3) البيت غير منسوب في معاني القرآن؛ للزجاج (4/ 309) وفي لسان العرب (1/ 45)، مادة "جزء "، ومعنى البيت كما قال الزَّجَّاج: " أي: إن أنَّثت، ولدت أنثى ".
  • (4) وأنكر هذا القول الزمخشري فقال " ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أنَّ الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتًا وبيتًا " [الكشاف (4/ 245)].
    والصحيح أن المراد بالآية الإناث على كلا التفسيرين، الولد أو الإناث؛ لأنَّ الولد يشمل الذكر والأنثى، والسياق هنا يدلُّ على الإناث، وهذا هو اختيار ابن جرير كما قال: "وجعل هؤلاء المشركون لله من خلقه نصيبًا، وذلك قولهم للملائكة: هم بنات الله، وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك؛ لأنَّ الله جلَّ ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16)﴾ توبيخًا لهم على قولهم ذلك، فكان معلومًا أنَّ توبيخه إيَّاهم بذلك، إنما هو عمَّا أخبر عنهم من قِيلهم ما قالوا، في إضافة البنات إلى الله جلَّ ثناؤه " [جامع البيان (25/ 55)]، وهو رأي الشنقيطي، إذ يقول: " والوجه الثاني، وهو التحقيق - إن شاء الله - أنَّ المراد بالجزء في الآية الولد، وأنَّه أطلق عليه اسم الجزء؛ لأنَّ الفرع كأنَّه جزء من أصله، والولد كأنَّه بضعة من الوالد كما لا يخفي،
    وأمَّا كون المراد بالولد المعبَّر عنه بالجزء في الآية خصوص الإناث؛ فقرينة السِّياق دالة عليه دلالة واضحة؛ لأنَّ جعل الجزء المذكور لله من عباده هو بعينه الذي أنكره الله إنكارًا شديدًا، وقَرَعَ مرتكبه تقريعًا شديدًا في قوله تعالى بعده ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ
  • (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا. . .﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)﴾ " [أضواء البيان (7/ 215)].
  • (5) معاني القرآن (4/ 309)
  • (6) قال الشنقيطي عن هذا القول: " غير صوابٍ في الآية؛ لأنَّ المجعول لله في آية الأنعام، هو النصيب مما ذرأ من الحرث والأنعام، والمجعول له في آية الزخرف هذه، جزء من عباده لا مما ذرأ من الحرث والأنعام، وبين الأمرين فرقٌ واضح كما ترى " [أضواء البيان (7/ 215)].
2731

﴿... إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16)﴾ اختار لكم البنين (1) وهو أفضل، ولنفسه البنات وهنَّ أدون (2).

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ وهو البنت.

﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ لما يعتريه من الكآبة والغم.

﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (17)﴾: مملوء حُزنًا (3).

وقيل: ينطوي على حزنٍ خفي (4).

﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (5) أي: البنات، وقيل: الجواري، وقيل: الأصنام (6).

﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾: في المجادلة والذَّب عن الحريم.

﴿غَيْرُ مُبِينٍ (18)﴾: لا ينطق بحجَّة في الخصومة ولا بلاغة عنده (7)، وقيل: ما تحاكمت المرأة إلا نطقت بما هو عليها.

ومن حمل على الصنم فالمعنى: هو عاجز عن الجواب.

وقيل: الخصام: جمع خصم.

و(مَنْ) في محل نصب، أي: جعلوا من ينشأ، وقيل: رفع بالابتداء، وخبره مضمر أي كضده، وقيل: محله جرَّ حملًا على قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.

  • (1) " البنين " ساقط من (ب).
  • (2) هذا على حسب حالهم، ويدل عليه ما بعده.
  • (3) انظر: تفسير مقاتل (3/ 187)، جامع البيان (25/ 56)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (4/ 75) - وفيه قال النَّحاس: " الكظيم: الحزين الذي يُخْفِي غيظه ولا يشكو ما به ".
  • (4) في (ب) " خزي خفي ".
  • (5) المعنى: كما قال ابن جرير: " يقول تعالى ذكره أَوَ مَنْ ينبت في الحلية ويزين بها " [جامع البيان (25/ 56)].
  • (6) يعني بهذه الأقوال المراد بذلك [انظر: جامع البيان (25/ 56)، النكت والعيون (5/ 219)].
  • (7) انظر: " تفسير مقاتل (3/ 187)، جامع البيان (25/ 56)، تفسير السمرقندي (3/ 241).
2732

﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ أي: قالوا، وقيل: حكموا، وقيل: سَمُّوا، و﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: جمع عبد، وقيل: جمع عابد.

وقرئ: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾ (1) أي: مقرَّبون منه كرامة لا مسافة تعالى الله عن ذلك.

﴿إِنَاثًا﴾ أي: وصفوهم بالتأنيث خطأ، كما وصفوه بالولد خطأ، ثمَّ بالأدون خطأً وجهلًا.

﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾: أحضروا وقت خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثًا.

وقيل: أشاهدوا خلقهم ورأوا صورهم.

والمعنى: لم يحضروا خلقي إياهم ولم يصح عندهم ذلك بالسمع فقد كذَّبوا.

وقرئ: ﴿أَأُشهِدوا﴾ (2) على المجهول (3).

﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: على الملائكة، أي: تحفظ (4) (5).

﴿وَيُسْأَلُونَ (19)﴾ أي: عن الشهادة وهذا (6) وعيد لهم.

﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: أي الأصنام، وقيل: الملائكة.

  • (1) قراءة ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾ قرأ بها ابن كثير ونافع وابن عامر، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ... ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بالباء [انظر: معاني القرآن؛ للفراء (3/ 29)، جامع البيان (25/ 58) السبعة (ص: 585)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (4/ 69)، معاني القراءات (ص: 438)، الحجة (6/ 140)، التيسير (ص: 159)].
  • (2) في (أ) " أُشْهدوا ".
  • (3) قرأ نافع وحده ﴿أاُشهدوا﴾ بهمزة مفتوحة بعدها ضمة من أشهدوا، والمسيبي عن نافع ﴿آاُشهدوا ...﴾
    والباقون عن نافع لا يمدون، وقرأ الباقون ﴿أَشَهِدُوا﴾، وقال في التيسير بهمزتين الثانية مضمومة مسهلة بين الهمزة والواو [انظر: جامع البيان (25/ 58)، (السبعة ص: 585)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (4/ 69)، معاني القراءات (ص: 438)، الحجة (6/ 141)، التيسير (ص: 159)].
  • (4) في (أ) " أي: يُحفظ ".
  • (5) انظر: جامع البيان (25/ 58)، تفسير الثعلبي (8/ 331)، الوجيز؛ للواحدي (2/ 972).
  • (6) في (ب) " هذا ".
2733

وقيل: لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: (28)].

وقيل: قالوها استهزاء، وقيل معناه: لو لم يشاء لعذبنا عليها.

﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ بكون الملائكة بنات (1) ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ دلالة عقلية.

﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)﴾ ما هم إلا كاذبون (2).

وقيل: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: لم أُعلمهم (3) ما عندي من المشيئة في ذلك.

﴿أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن (4)، وقيل: من قبل هذا القول منهم، أي: كتابًا فيه جواز عبادة الأصنام.

﴿فَهُمْ بِهِ﴾ بذلك الكتاب ﴿مُسْتَمْسِكُونَ (21)﴾ آخذون عاملون، استفهام إنكار.

وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: أشهدوا خلقهم أم آتيناهم كتابًا فيه: إن الملائكة إناث.

﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ دين وملة وطريقة (5).

﴿وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)﴾ مُتَّبعون، أي: قلَّدوا آباءهم من غير حُجَّة.

وفي بعض التفاسير: أنَّها نزلت في الوليد بن المغيرة، وأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وعُتْبة وشيْبة ابني ربيعة من قريش (6).

﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ﴾ بلدة.

﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ نبي.

  • (1) في (أ) " بناتًا ".
  • (2) انظر: تفسير مقاتل (3/ 187)، تفسير السَّمرقندي (3/ 242)، تفسير الثعلبي (8/ 331).
  • (3) في (ب) " لا أعلمهم ".
  • (4) انظر: تفسير مقاتل (3/ 188)، جامع البيان (25/ 59)، تفسير السَّمرقندي (3/ 242).
  • (5) انظر: جامع البيان (25/ 59)، معاني القرآن؛ للنَّحَّاس (6/ 346)، النكت والعيون (5/ 221).
  • (6) انظر: تفسير مقاتل (3/ 188)، النكت والعيون (5/ 221)
2734

﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ مُتنعموها.

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)﴾ هذا تسلية للنبي (1) - ﷺ - أي: هذا دأب كل قوم، وأن تقليد الآباء والكبراء داءٌ قديم (2).

﴿* قَالَ﴾ أي: النذير، ومن قرأ ﴿قُلْ﴾: أي: أوحينا إلى النذير.

وقيل: قل يا محمد، والأول أظهر (3).

﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ﴾ وجواب (لو) مُقَدَّر تقديره: أتقيمون على دين آبائكم، والمعنى: جميع الأنبياء دعوا أممهم إلى ترك التَّقليد.

﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24)﴾ أي: قال المُترفون.

﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: (4) أهلكناهم هلاك استئصال.

﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)﴾ أي: عاقبة تكذيبهم الرُّسل.

قال القفَّال: " ليس هذا لمحمد - ﷺ - ولا لأمَّته " (5).

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26)﴾ أي: اذكر إذ قال.

وقيل: تقديره ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ الآية ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾.

وقوله: ﴿بَرَاءٌ﴾: مصدر أي: بريء، وقيل: وصف كهيمٍ وكهامٍ (6) (7).

  • (1) في (ب) " تسلية النبي".
  • (2) انظر: تفسير البيضاوي (2/ 371)، تفسير النسفي (4/ 1082).
  • (3) قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿قَالَ﴾ بألف، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ﴿قُلْ﴾ بغير ألف [انظر: السبعة (ص: 585)، معاني القراءات (ص: 438)، الحجة (6/ 147)، التيسير (ص: 159)].
  • (4) " أي " ساقط من (ب).
  • (5) لم أقف عليه.
  • (6) يقال: كَهُمَ الرجل وكَهَمَ يَكْهَم كَهامةً، فهو كَهامٌ وكَهِيمٌ وتكَهَّمَ: بَطُؤَ عن النُّصرة والحرب، وفَرَسٌ كَهام بِطيء عن الغاية، ورجل كَهام وكَهِيم: ثقيل مُسِنٌّ. [انظر: كتاب العين (3/ 382) مادة " كَهَمَ "، مجمل اللغة (ص: 613) مادة " كَهَمَ "، لسان العرب (12/ 529) مادة " كَهَمَ "].
  • (7) انظر: معاني القرآن؛ للفراء (3/ 30)، جامع البيان (25/ 62)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (4/ 311)، إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (4/ 70)، النكت والعيون (5/ 222)].
2735

﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾: قيل: الاستثناء مُتَّصل، وكان فيهم من يعبد الله، وقيل: منقطع (1).

وقيل: محله جرَّ بالبدَل مِنْ (مَا) في قوله: ﴿مِمَّا﴾، أي: إلا من الذي فطرني.

﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27)﴾ يثبتني على الهداية (2)، وقيل: يثيبني.

﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: جعل إبراهيم، وقيل: جعل الله، والكناية تعود إلى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ الآيتين، والمعنى: أوصى ولده بعبادة الله، والبراءة من كل معبود سوى الله.

وقيل: كناية عن شهادة إلا إله إلا الله، وقيل: عن كلمة التوحيد، وقيل: عن كلمة الإسلام، والكلُّ واحد (3).

﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ مَنْ خَلَفَه.

وقيل: في ذرِّيته ولده وولد ولده (4)، وقيل: هذا حُكم باقي إلى آخر الأبد، أي (5): لم يزل في ولد إبراهيم من يوَحِّد ولا يُشرك.

﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)﴾ التَّرجي لإبراهيم (6)، أي: قال ما قال لقومه رجاء قبولهم ذلك منه. وقيل: قل يا محمد مثله لقومك فإنَّهم ولده، لعلهم يرجعون إلى الله وإلى مِلَّته.

  • (1) انظر: إعراب القرآن؛ للنَّحَّاس (4/ 70)، النكت والعيون (5/ 222)، المحرر الوجيز (5/ 52).
  • (2) انظر: جامع البيان (25/ 62)، تفسير السمرقندي (3/ 243).
  • (3) انظر: جامع البيان (25/ 63)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (6/ 349)، تفسير السمرقندي (3/ 243)، النكت والعيون (5/ 222).
  • (4) انظر: جامع البيان (25/ 63)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (6/ 349)، النكت والعيون (5/ 222).
  • (5) في (أ) " أي أي ".
  • (6) انظر: تفسير النسفي (4/ 1082).
2736

﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ﴾ في الدنيا بالإمهال والسلامة من العذاب لعلمي (1) بمن يولد منهم فيؤمنون.

﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ التوحيد والإيمان والقرآن.

﴿وَرَسُولٌ﴾ محمد - ﷺ - ﴿مُبِينٌ (29)﴾ ظاهر بالمعجزات (2)، وقيل: يبين لهم الهدى والرَّشاد.

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: القرآن والمعجزة (3) ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾: شيء لا ثبات له، وقيل: معنى سِحر حيلة خفية توهم المعجزة ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30)﴾.

﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ أي: إحدى القريتين مكة والطائف (4).

﴿عَظِيمٍ (31)﴾: له أعوان وأموال (5).

وعنوا بعظيم مكَّة: الوليد بن المُغيرة، [وقيل: الأخنس بن شُريق] (6) (7)، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: أبو جهل.

  • (1) " لعلمي " ساقط من (ب).
  • (2) انظر: تفسير مقاتل (3/ 189)، جامع البيان (25/ 64) - وفيه يقول ابن جرير: " يعني بقوله: ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29)﴾ محمدًا - ﷺ - والمبين: أنه يُبَيِّن لهم بالحُجَجِ التي يحتج بها عليهم أنَّه لله رسولٌ مُحِقٌّ فيما يقول " -.
  • (3) انظر: تفسير مقاتل (3/ 189)، جامع البيان (25/ 64)، تفسير السمرقندي (3/ 243).
  • (4) انظر: تفسير مقاتل (3/ 189)، معاني القرآن؛ للفراء (3/ 31)، جامع البيان (25/ 66)، التعريف والإعلام (ص: 152).
  • (5) انظر: تفسير البيضاوي (2/ 372)، التسهيل (4/ 28)، البحر المحيط (9/ 369).
  • (6) ما بين المعقوفتين ساقط من (أ).
  • (7) الأخنس بن شُريق بن عمرو بن وهب بن علاج الثقفي، يكنى أبا ثعلبة. واسمه أُبِيُّ بن شريق، ثمَّ عُرف بالأخنس، وذلك أنَّه كان حليفًا لبني زهرة ومقدمًا فيهم، فلمَّا خرجت قريش إلى بدر، وأتاهم الخبر عن أبي سفيان ابن حرب أنه قد نجا من النبي - ﷺ -، وأجمعت قريش على إتيان بدر، أشار الأخنس على بني زهرة بالرجوع إلى مكة، فعادوا، فلم يقتل منهم أحد ببدر، وحينئذ لقب: الأخنس، ثم أسلم فكان من المؤلفة قلوبهم، وشهد حنينًا، وتوفي في أول خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: أسد الغابة (1/ 166)، الإصابة (1/ 192)].
2737

وبعظيم الطائف: حبيب بن عمرو الثقفي (1)، وقيل: ابن عبد ياليل (2)، وقيل: عروة ... ابن مسعود (3)، وقيل: أبو (4) مسعود الثقفي (5) (6).

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يريد: النبوة (7)، فيضعوها حيث شاؤوا.

  • (1) حَبِيْبُ بن عمرو بن عُمَير بن عوف بن غِيَرَة بن عوف الثقفي، وهو أخو عبد ياليل بن عمرو ومسعود بن عمرو، وكانوا من أشراف الطائف، وقد دخلوا في الإسلام، وروى ابن جرير من طريق عكرمة في قوله تعالى:
    " ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة: (278)] قال: نزلت في ثقيف: منهم مسعود، وحبيب، وربيعة، وعبد ياليل، بنو عمرو بن عمير، وكذا ذكره مقاتل في تفسيره، وأخرجه ابن منده من طريق الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس، ولم أجد من أخباره ووفاته شيئًا غير ما ذكر.
    [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: أسد الغابة (1/ 677) الإصابة (2/ 19)].
  • (2) لعلَّ المقصود هو حبيب المتقدم ذكره، وقد جاء في بعض الروايات أو أن يكون المقصود هو أخوه عبد ياليل ابن عمرو المتقدم ترجمته في (ص: 254)، والله أعلم.
  • (3) عروة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعيد بن عوف الثقفي، أبو مسعود، وقيل: أبو يعفور، شهد صلح الحديبية، وهو ممن أرسلته قريش إلى النبي - ﷺ - يوم الحديبية، فعاد إلى قريش وقال لهم: " قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها "، ولما انصرف رسول الله - ﷺ - من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأل رسول الله - ﷺ - أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله - ﷺ -: ...
    " إن فعلت فإنهم قاتلوك "، فقال له عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبصارهم، وكان فيهم محببًا مطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام فاظهر دينه رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على قومه وقد دعاهم إلى دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله - ﵁ -. [انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ: الاستيعاب (3/ 176)، أسد الغابة (4/ 30)].
  • (4) " أبو " ساقط من (أ).
  • (5) لعل هذا مكرر مع ما قبله وهذا يظهر من ترجمة عروة بن مسعود، قال الصنعاني: " وأبو مسعود الثقفي من الطائف، واسمه عروة بن مسعود " [تفسير الصنعاني (3/ 196)].
  • (6) انظر: تفسير مقاتل (3/ 189)، معاني القرآن؛ للفراء (3/ 31)، جامع البيان (25/ 66)، معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (4/ 311)، النكت والعيون (5/ 223)، التعريف والإعلام (ص: 152)، زاد المسير (7/ 133).
    وهذه الأقوال لم يرد فيها سند صحيح فيما أعلم - والله أعلم - والمنهج فيها ما قاله ابن جرير: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال جلَّ ثناؤه مخبرًا عن هؤلاء المشركين ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)﴾ ... إذ كان جائزًا أن يكون بعض هؤلاء، ولم يضع الله ﵎ لنا الدلالة على الذين عنوا منهم في كتابه، ولا على لسان رسوله - ﷺ - والاختلاف فيه موجود على ما بيَّنت " [جامع البيان (25/ 66)] وكذا قول ابن كثير: " والظاهر أنَّ مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان " [تفسير القرآن العظيم (4/ 137)].
  • (7) انظر: تفسير مقاتل (3/ 189)، جامع البيان (25/ 66)، الوجوه والنظائر (ص: 340)، قرة العيون النواظر (ص: 135).
2738

﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ أرازقهم (1).

﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ يريد في الرزق والمعيشة حتى صار واحد مالكًا، وآخر مملوكًا.

﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ خدمًا ومِلْكًا وأجيرًا ويستعمل هذا ذاك، وينتفع كل طبقة بالأخرى (2)، واللام لام العاقبة، وقيل: لام الغرض.

﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾ أي: النبوة خير من المال، يريد: لم يفوض إليهم قسمة معيشتهم ورزقهم، وهو حقير تافه، فكيف نفوض إليهم قسمة النبوة وهي أعلى مراتب العباد في الدنيا، وفي المعاد؟.

وقيل معناه: أهم يقسمون رحمة ربك، يعني: الرزق، فيقتسموا النبوة أيضًا، أي: لم نفوض (3) إليهم صلاح دنياهم فكيف نفوض (4) إليهم صلاح دينهم.

وقيل: ورحمة ربك عباده بالإسلام والإيمان خير من الأموال.

وقيل: ورحمة ربك الجنة.

﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: مجتمعين على اختيار الدنيا على الآخرة (5)، وقيل: مجتمعين على الكذب.

  • (1) انظر: معاني القرآن؛ للنَّحاس (6/ 352)، تفسير السمرقندي (3/ 244)، النكت والعيون (5/ 223).
  • (2) انظر: تفسير مقاتل (3/ 190)، جامع البيان (25/ 67)، النكت والعيون (5/ 224).
  • (3) في (أ) " لم يفوض ".
  • (4) " نفوض " ساقط من (أ).
  • (5) انظر: معاني القرآن؛ للزَّجَّاج (4/ 312)، معاني القرآن؛ للنَّحاس (6/ 352)، تفسير الثعلبي (8/ 333).
2739