لباب التفاسير للكرمانيالجزء 1 · ص 36 - 43

المبحث الخامس وفاته

المبحث الخامس وفاته

لم يورد أحد من المترجمين للكرماني - فيما وقفت عليه - سنة وفاته بدقة، بل تواردوا على كلمة قالها ياقوت: (كان في حدود الخمسمائة وتوفي بعدها)، ولكن توجد لدينا بعض الإشارات التي قد تجعلنا نقترب من تحديد سنة وفاته.

فمن ذلك: أن الكرماني ذكر في أثناء تفسيره كما سبق شيخه القاضي أبا المعالي هبة الله بن علي الشيرازي، وهذا الشيخ قد توفي بعد شعبان سنة (520 هـ)، واللافت للنظر أن الكرماني عندما ذكره ترحَّم عليه، مما يدل على أن الكرماني قد بقي إلى ما بعد سنة وفاة شيخه المذكور، ويَبْعُدُ أن يكون ذكر الترحُّم من تصرُّف النسَّاخ لاتفاق النسخ الخطية الثلاث على ذكره.

ومن ذلك أيضًا: ما ذكره العماد الأصفهاني في «خريدة القصر» 3/ 31 من أنه قد سمع في سنة (572 هـ) أن ابن أبي مريم تلميذ الكرماني يعيش وقد ناهز السبعين، فبذلك يمكن تحديد سنة ولادة ابن أبي مريم أنها في حدود سنة (502 هـ)، فإذا علمنا أنه أخذ عن الكرماني وروى عنه، فلا بد من أنه كان في حدود العشرين من عمره أو ما بعدها، وذلك يقتضي أن أخذه العلم عن الكرماني كان في حدود سنة (520 هـ) أو ما بعدها أيضًا، مما يدل على بقاء الكرماني حيًّا إلى هذه السنة وما بعدها.

ومن الإشارات أيضًا: أنه توجد نسخة خطية لكتاب الكرماني «غرائب التفسير» (1) ذكر ناسخ المجلد الأول منها عبارات في أولها تفيد بأن الكرماني كان

  • (1) وهذه المعلومة استفدتها من الدكتور شمران العجلي محقق كتاب «غرائب التفسير» للكرماني عندما تكلم على سنة وفاة الكرماني 1/ 34.
36

حيًّا حين وقت النسخ، فقد قال الناسخ: (قال سيدنا الشيخ الإمام الأجلّ سعد الإسلام برهان الدين ضياء الأئمة جمال العلماء قطب الأفاضل زين المفسرين رئيس الفريقين تاج القرَّاء أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر أدام الله أيامه وعصم ساحته عن المكاره والنوائب) فهذه العبارات توحي أن كتابة هذه النسخة كان في أثناء حياة الكرماني، وجاء في آخر المجلد الأول من هذه النسخة: (كمل الكتاب وهو النصف الأول من الغرائب والعجائب في القرآن بحمد الله وحسن توفيقه كتبه العبد المذنب المحتاج إلى رحمة الله تعالى أبو الفوارس عبدالرحمن بن أحمد بن محمد الكازروني في المحرم سنة خمس وثلاثين وخمسمائة غفر الله لكاتبه ولقارئه ولمن نظر فيه فقال آمين رب العالمين)، ويؤيِّد ما ورد في هذه النسخة أن نسخة أخرى من هذا الكتاب كتب الناسخ في آخرها: (فرغ المصنف وهو الشيخ الإمام تاج القراء برهان الدين رحمه الله تعالى من تحريره وتصنيفه في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة)، فظهر بذلك - والله أعلم - أن الكرماني كان حيًّا سنة (531 هـ)، ولا يبعُد أن يكون بقي إلى سنة (535 هـ)، وإنما لم أجزم بذلك لكون المجلد الذي نقلت عنه أنه كتب في سنة (535 هـ) إنما ذُكر فيه سنة النسخ في آخره ولم يذكر في آخره ما يدل على حياة الكرماني، بل ورد ذلك في أول المجلد فقط، ولا نعرف متى شرع الناسخ في بداية المجلد، فقد يحتمل أن يكون استمر في كتابته لعام أو عامين، والله أعلم.


37

الفصل الثالث التعريف بالكتاب وقيمته العلمية

وفيه أربعة مباحث:

- المبحث الأول: اسم الكتاب.

- المبحث الثاني: نسبة الكتاب إلى مؤلفه.

- المبحث الثالث: قيمة الكتاب العلمية، وأثره في التفاسير المؤلفة بعده.

- المبحث الرابع: النسخ الخطية للكتاب.

38

المبحث الأول اسم الكتاب

دارت مناقشات علمية حول الاسم الصحيح لتفسير الكرماني، أهو «لباب التفسير» أم «لباب التفاسير»، وقد رجَّح الدكتور شمران العجلي محقق «غرائب التفسير» أنه «لباب التفاسير» وكذلك فعل الأستاذ أحمد عزالدين خلف الله محقق كتاب «البرهان في متشابه القرآن»، بينما ذهب الشيخ الدكتور ناصر بن سليمان العمر محقق القسم الأول من التفسير إلى أن اسمه «لباب التفسير».

وأود هنا أن أشير إلى أنه قد يحمل لفظ «التفسير» على أن المقصود به «التفاسير» عند نساخ المخطوطات الأوائل، فقد جرت عادة النسَّاخ والكتَّاب قديمًا على إسقاط الألف في وسط الكلمة، فيكتبون كتاب (كتب)، ويكتبون الرحمان (الرحمن)، ويكتبون القاسم (القسم)، وهكذا، فمن الممكن في حالتنا هذه أن يقال إنهم كتبوا (التفسير) وقصدهم (التفاسير) بينما لا يصح العكس.

والحقيقة أنه توجد مصادر علمية ذكرت الكتاب باسم «لباب التفسير» كياقوت في «معجم الأدباء»، والداودي في «طبقات المفسرين»، والسيوطي في «بغية الوعاة» إلا أن الأغلب ذكره باسم «لباب التفاسير» وهكذا سمّاه المؤلف في تفسيره وفق المخطوطات التي وقفت عليها، وهكذا ورد اسمه في (ص 53) من رسالة الشيخ الدكتور ناصر بن سليمان العمر في تحقيقه للكتاب نقلًا عن المصنف، حيث قال الكرماني: (وسميت الكتاب لباب التفاسير).

بعد كل هذا: أرى أن الاسم الصحيح للكتاب هو: «لباب التفاسير»، وأهم شيء عندي يرجح هذا القول هو أن نسخ الكتاب التي وقفت عليها ورد الاسم

39

فيها «لباب التفاسير» (1)، بالإضافة إلى أن الكرماني نفسه سمّاه في أول التفسير «لباب التفاسير»، فإن قيل ماذا تفعل بالمواطن التي ذكر فيها أن اسم الكتاب هو «لباب التفسير» خاصة أن بعضها مخطوطات لكتاب «غرائب التفسير» أو لكتاب «البرهان في متشابه القرآن» وبعضها الآخر مصادر علمية، مثل «معجم الأدباء» لياقوت، فأقول جوابًا عن ذلك: قد يحمل الأمر على وجود الألف عند النطق وإسقاطها عند الكتابة كما ذكرت في أول هذا المبحث، وقد يقال إنهم وهموا في الاسم الصحيح، خاصة إذا علمنا أن ما ورد في كتابي «غرائب التفسير» و«البرهان» إنما ورد في بعض النسخ فقط، أما باقي النسخ الخطية فقد ورد على الصواب، وكذلك سمّاه المؤلف «لباب التفاسير» في ثنايا هذين الكتابين في أكثر من موطن، وهذا ما دعا محققي الكتابين إلى ترجيح ما رجحناه في اسم الكتاب، والله أعلم.


  • (1) من المعلوم أن النسخة الخطية الواحدة قد يرد فيها اسم الكتاب أكثر من مرة، فعلى الغلاف، وعند نهاية الربع الأول، أو عند نهاية النصف الأول، وعند نهاية النسخة كذلك، وفي كل هذه المواطن لمخطوطات التفسير التي وقفت عليها كان الاسم الذي يتكرر دائمًا هو: «لباب التفاسير».
40

المبحث الثاني نسبة الكتاب إلى مؤلفه

كل الدلائل العلمية تشير إلى أن مؤلف «لباب التفاسير» هو محمود بن حمزة الكرماني، ولم أجد من نسبه لغيره، أو شكَّك في نسبته له.

ويمكن إجمالًا ذكر بعض هذه الدلائل:

1 - مخطوطات الكتاب نسبته للمؤلف.

2 - أن الكرماني ذكر هذا التفسير في كتبه الأخرى «غرائب التفسير» و«البرهان في متشابه القرآن».

3 - ذكر المترجمون للكرماني أن من مؤلفاته: «لباب التفاسير».

4 - أن النقولات المبثوثة في كتب التفسير الأخرى مثل «البحر المحيط» لأبي حيان، و«الدر المصون» للسمين الحلبي، و«اللباب» لابن عادل، وغيرهم، كلها تشير إلى أن الكرماني هو مؤلف «لباب التفاسير» وتتطابق تمامًا مع نصوص هذا التفسير أيضًا.

5 - لم أعثر على من نسب هذا التفسير لغير الكرماني.


41

المبحث الثالث قيمة الكتاب العلمية وأثره في التفاسير المؤلفة بعده

تنبع القيمة العلمية لكتاب الكرماني «لباب التفاسير» من المكانة العلمية البارزة التي يحتلها الكرماني، فهو تاج القراء، وقال عنه ابن الجزري: (إمام كبير محقق ثقة كبير المحل) (1)، وقال ياقوت: (أحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصانيف والفضل، كان عجبًا في دقة الفهم وحسن الاستنباط) (2)، فعالم بهذه المنزلة لا بد أن يكون للتفسير الذي يكتبه مكانة عالية كذلك، وهو ما حصل بالفعل، فإنك تجد في هذا التفسير العبارة المختصرة الدقيقة، والتي سعى فيها الكرماني بقوة إلى جمع لباب التفاسير من خلالها، إلى درجة أنني كنت أحتاج دائمًا إلى مراجعة بعض التفاسير الأخرى لفهم عبارته المختصرة، فضلًا عن بعض ترجيحاته واختياراته، وقد كان الكرماني أحيانًا يشير إلى ذلك بعبارة علمية مهذبة، فيها تنبيه للقارئ إلى أن هذا القول هو من الكرماني، فأحيانًا يقول الكرماني: (ولم أسبق إليه) (3)، وأحيانًا يقول: (ولم يبينه المفسرون) (4)، إلى غير ذلك من العبارات.

ولعلي أذكر هنا عددًا من النقاط التي تبين قيمة الكتاب العلمية.

1 - يعتبر «لباب التفاسير» من الكتب التي حوت فنونًا عديدة مما يتعلق بالتفسير، فتجد في هذا الكتاب: تفسير القرآن بالقرآن وبالأحاديث وبأقوال السلف،

  • (1) انظر: «غاية النهاية» لابن الجزري 2/ 291.
  • (2) انظر: «معجم الأدباء» لياقوت الحموي 6/ 2686.
  • (3) انظر التفسير في المواطن التالية: سورة يونس (آية 61)، وسورة الأعراف (آية 190).
  • (4) انظر تفسير سورة هود (آية 71).
42

وتجد فيه القراءات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وتجد فيه مباحث في العقيدة والفقه واللغة والإعراب، فهو بحق يعتبر لبابًا للتفاسير الأخرى.

2 - انفرد الكرماني ببعض النقولات، سواءً عن السلف أو عن بعض الكتب المتقدمة للمفسرين أو اللغويين، فتجد في التفسير أقوالًا لابن عباس والحسن لم أعثر عليها عند غير الكرماني، وتجد نقولات عن كتب علمية لبعض المفسرين أو اللغويين، ككتاب «نظم القرآن» للجرجاني، وكتاب أبي عيسى الرماني، وكتاب التفسير لابن بحر الأصفهاني، وهذه الكتب إما مفقودة كليًا، أومفقود أغلبها، وهذا يعطي كتاب الكرماني أهمية علمية.

3 - بَرَعَ الكرماني في توظيف الإعراب لخدمة المعنى، مما حدا بالمفسرين الذين أتوا بعده لمناقشته ودراسة أقواله، وهذا ظاهر عند أبي حيان والسمين الحلبي وغيرهم.

4 - بظهور هذا التفسير للباحثين، ستتسع دائرة الأقوال التي يحكيها المفسرون في معنى الآية، فكتابناهذا شبيه بكتاب «زاد المسير» لابن الجوزي، من جهة سرد الأقوال في معنى الآية.

5 - لقد كان للكرماني مصادر علمية اعتمدها أساسًا في كتابه، وهي: تفسير الطبري، والثعلبي، وأبي الليث السمرقندي، والماوردي، والواحدي، ومعاني القرآن للفراء، والزجاج، ومجاز القرآن لأبي عبيدة، و«الحجة» لأبي علي الفارسي، و«أسباب النزول» للواحدي، والناظر لهذه المصادر يتبين له بجلاء أنها مصادر علمية لها مكانتها البارزة في حقل التفسير، فاكتسب كتاب «لباب التفاسير» هذه المكانة عن طريق اقتباسه من هذه الكتب واختياره منها، فإن حُسْنَ الاختيار يحكي ثقافة العالِم ويبرز درجته العلمية.

6 - استفاد تلاميذ الكرماني، كالزمخشري والطبرسي من كتاب «لباب التفاسير» وإن لم يشيروا إلى ذلك (1)، بينما كان أبو حيان أبرز المفسرين الذين استعانوا بكتاب الكرماني، ثم تبعه السمين الحلبي، وابن عادل، والألوسي، وغيرهم، وكل هذا يُظْهِرُ بجلاءٍ المكانة العلمية لكتاب «لباب التفاسير» وأثره في التفاسير التي جاءت بعده.


  • (1) سبق أن بيَّنت هذا الأمر عند الحديث عن تلاميذ المؤلف.
43