لباب التفاسير للكرمانيالجزء 1 · ص 1013 - 1031

سورة النحل ، ويروى سورة النِّعَم . (1 من 4)

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة النحل ، ويروى سورة النِّعَم .

(1)(2)

مكية إلا قوله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآيات [126 - 128]، فإنها نزلت بين مكة والمدينة عند منصرف رسول الله -ﷺ- من أحد (3).

قتادة بإسناد النحاس: مدنية (4).

ابن عباس وقتادة: أولها إلى قوله ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ [الآية: 95] نزلت بمكة والباقي بالمدينة (5).

(بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ في سبب النزول قال (6) ابن عباس رضي الله عنهما: لما أنزل (7) ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)﴾ [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد قَرُبَت فأمسِكوا عن بعض ما كنتم

  • (1) في (أ): (سورة النحل مائة وثمان وعشرون آية مكية ويروى ...).
  • (2) لم أجد حديثًا مرفوعًا في ذلك يعتبر سندًا لهذه التسمية، وقد ذكر جمع من المفسرين أنه بسبب ما عدد الله تعالى فيها من النعم، وهذا تعليل وليس بدليل، ونقل ابن الجوزي 4/ 426 هذه التسمية عن علي ابن زيد، وأظنه - والله أعلم - ابن جدعان، أحد التابعين، ثم وجدت يحيى بن سلام نقل في تفسيره 1/ 80 هذا الاسم عن قتادة أيضًا.
  • (3) أسنده النحاس في «الناسخ والمنسوخ» 2/ 484 عن ابن عباس، كما أخرجه الطبري 14/ 403 عن عطاء بن يسار.
  • (4) لم أجده بإسناد النحاس، ولكن أخرج الحارث المحاسبي في «فهم القرآن» (ص 395) بإسناده عن قتادة أن السورة مدنية.
  • (5) هكذا ذكر الماوردي 3/ 177 عن ابن عباس ولكنه ذكر أنها ثلاث آيات فقط تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾، ولم يقل: والباقي بالمدينة، وقد ذكر هذا القول أيضًا ابن الجوزي 4/ 425، كما نقل عن قتادة أنها مكية إلا خمس آيات ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ الآيتين، ومن قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ إلى آخرها.
  • (6) في (ب): (عن ابن عباس).
  • (7) في (د): (لما أنزل الله).
1013

تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما رأوا انه لا ينزل شيء قالوا: ما نرى شيئًا، فأنزل الله ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية [الأنبياء: 1]، فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فلما امتدَّت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئًا مما تخوِّفنا به، فأنزل الله سبحانه ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: 1]، فوثب النبي -ﷺ- ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطمأنوا، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله -ﷺ-: (بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين - وأشار بإصبعيه - إن كادت لتسبقني) (1).

والأمر على هذا: يوم القيامة، واستعمل لفظ الماضي للمستقبل تحقيقًا، وقيل: لأن ما هو آتٍ قطعًا فهو كما أتى.

وقيل معناه: أتى أمر الله وعدًا فلا تستعجلوه وقوعًا، وقيل معناه: يأتي، ومثله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: 48]، وقيل: الأمر هاهنا العذاب بالسيف، وهذا جواب للنضر (2) بن الحارث حيث استعجل بالعذاب، وقيل: الأمر هاهنا مصدر أمر، والمراد به فرائضه وأحكامه.

الزَّجاج: هو ما وعدهم الله على كفرهم (3).

وقيل: المراد به بعض أشراط الساعة.

وقيل: الأمر هاهنا ما وعد الله نبيه من النصر.

والاستعجال: طلب التَّعجيل، والتعجيل: إحضارُ الشيء قبل وقتِه.

﴿سبحانه وتعالى﴾ تنزيهًا له وتعاليًا.

  • (1) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (ص 461) عن ابن عباس ﵄، كما ذكره ابن الجوزي 4/ 426، وقد أخرج الطبري 14/ 159 نحوه عن ابن جريج، وقوله -ﷺ-: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بإصبعيه) أخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد (6503)، ومن حديث أنس (6504)، ومن حديث أبي هريرة (6505).
  • (2) في (ب): (النضر).
  • (3) انظر: «معاني القرآن» للزجاج 3/ 189.
1014

﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)﴾ التاء على الخطاب والياء على الغيبة (1).

﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ابن عباس: ﴿بِالرُّوحِ﴾:: بالوحي (2).

وقيل: هي النبوَّة، وقيل: هو القرآن، لما فيهما من حياة الدنيا وحياة النفوس بالإرشاد (3) إلى أمر الله، وقيل: الروح هم حَفَظَة على الملائكة لا تراهم الملائكة كما أن الملائكة (4) حَفَظة علينا لا نراهم.

مجاهد: اسم مَلك (5).

وقيل: هي الروح تحيا بها الأجسام.

أبو عبيدة: ﴿بِالرُّوحِ﴾: مع الروح، وهو جبريل عليه السلام (6).

قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ تقديره: أنذروا المشركين العذاب، وبشِّروا (7) المؤمنين لأنه لا إله إلا أنا (8).

وقيل (9): أنذِروا أهل الكفر والمعاصي بأنه لا إله إلا أنا، أي: مُرْهُم بالتَّوحيد، والأول أوجه؛ لأن قوله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مما يبشر به.

  • (1) قرأ حمزة والكسائي وخلف بالتاء، وقرأ باقي العشرة بالياء.
    انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص 199 - سورة يونس، الآية 18).
  • (2) أخرجه الطبري 14/ 162، وزاد السيوطي 9/ 8 نسبته لابن أبي حاتم.
  • (3) في (د): (بالإرسال).
  • (4) في (ب): (كما الملائكة)، وسقط قوله (كما أن الملائكة) من (د).
  • (5) أخرج آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد» (ص 420)، والطبري 14/ 163 عن مجاهد: لا ينزل مَلَكٌ إلا معه رُوحٌ.
  • (6) لم أجده في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، ونقله عنه أيضًا: الثعلبي (ص 125)، والواحدي في «البسيط» (ص 385).
  • (7) في (د): (وبشر).
  • (8) حصل سقط في (ب)، وجاء النص كالتالي: (... إلا أنا مما يبشر به وقيل أنذروا ...).
  • (9) في (د): (وقيل تقديره أنذروا أهل الكفر والمعاصي أنه ...).
1015

وقيل: ﴿أَنْذِرُوا﴾: أَعْلِموا، من قولهم: نَذِرَ به، أي (1): عَلِمَ.

﴿فَاتَّقُونِ (2)﴾ فخافوني.

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ لا بالباطل، وقيل: معنى بالحق: ليعبدوني.

﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3)﴾ تنزه عن (2) أن يكون له شريك.

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: نوع الإنسان.

﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مني.

﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)﴾ قيل هذا مدحٌ له، أي: قوي على منازعة الخصوم يتبين الحق من الباطل، وقيل: هو ذَمٌّ، أي: يجادل أولياء الله وينكر الحق، وذكر الكلبي أنها نزلت في أُبيّ بن خلف، أخذ عظمًا باليًا ففتَّته، فقال: من يُحيي العظام وهي رميم (3).

﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ هي: الإبل والبقر والغنم.

﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾ ما يدفئ فيقي البرد من الأكسية والقُطُف وغيرها، وقيل: هو الملابس تمنع البرد والحرّ، واقتصر على ذكر (4) أحد الضِّدَّيْن كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النمل: 81]، وقيل: هي البيوت المتخذة من أوبارها وأشعارها.

الكلبي: دفء أولادها (5).

وقوله (6): ﴿لَكُمْ﴾ يجوز أن يتعلَّق بِخَلَقها ويجوز أن يتعلَّق بما بعده، أي: لكم فيها دفء، وهذا أظهر لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾.

وقوله ﴿وَمَنَافِعُ﴾ أي نسلها ودرها وظهورها.

﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)﴾ أي: ومنها ما تأكلون، وقيل: من لحومها تأكلون.

﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ زينة وحُسْنُ منظر؛ لأن الإنسان يعجب (7) به.

  • (1) سقطت (أي) من (ب).
  • (2) سقطت (عن) من (د).
  • (3) نقله الماوردي 3/ 179 عن الكلبي، وذكره الثعلبي (ص 125 - 126) بدون نسبة، وقال البغوي 2/ 605: الصحيح أن الآية عامة، وقد روي هذا الأثر عند بعض المفسرين في سبب نزول آخر سورة يس كما في «تخريج أحاديث وآثار الكشاف» للزيلعي 3/ 167 (1079).
  • (4) في (د): (على ذلك أحد).
  • (5) نقله الماوردي 3/ 179 عن الكلبي بلفظ: الدفء صغار أولادها التي لا تركب.
    وهذا المعنى مرويٌّ عن ابن عباس وغيره، كما ذكر الواحدي في «البسيط» (ص 389).
  • (6) في (ب): (وقيل) بدلًا من (وقوله).
  • (7) في (د): (يعجبه به).
1016

﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تردونها من مراعيها إلى مَراحِها بالعِشي.

﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)﴾ تخرجونها بالغداة إلى مسارحها.

قتادة: أعجب ما تكون الأنعام إذا راحت عظامًا ضروعها طوالًا أسنمتها (1).

والسَّرحُ: خروج الماشية إلى المراعى (2) بالغداة، والإِراحةُ: رجوعها من المرعى عشيًا.

﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ أمتعة السفر، وقيل: أحمالكم.

الجرجاني: أبدانكم، قال: ومنه الثقلان للجنّ والإنس، ومنه قوله:

﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2)﴾ [الزلزلة: 2]، يعني: أبدان (3) بني آدم (4).

﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ هي المدينة.

عكرمة: مكة (5).

وقيل: مصر (6)، وقيل: هو على العموم.

﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ القراءة بالكسر وهو المشقة.

والشقُّ: أحد نصفي الشيء.

وقرأ يزيد (بِشَقِّ الأنفس) بالفتح (7).

  • (1) أخرجه الطبري 14/ 169 عن قتادة، وأخرج عبدالرزاق 1/ 353 نحوه عن قتادة كذلك.
  • (2) في (ب): (المرعى).
  • (3) سقطت كلمة (أبدان) من (ب).
  • (4) هذا القول منسوب للجرجاني، وأظنه - والله أعلم - صاحب النظم، وقد ذكرت فيما سبق أنه الحسن بن يحيى، أبو علي الجرجاني، وهذا القول ذكره أبو حيان 5/ 462 دون نسبة.
  • (5) أخرجه الطبري 14/ 170 عن عكرمة.
  • (6) في (أ): (وقيل المصر ...).
  • (7) قرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع وحده بفتح الشين (بِشَقِّ الأنفس)، وقرأ باقي العشرة بكسر الشين (بِشِقِّ الأنفس).
    انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص 223).
1017

قيل: هما لغتان، وقيل: الفتح مصدر شققت الشيء بنصفين (1)، والكسر بمعنى المشقة، وذهب بعضهم إلى أن معناه (2): لم تكونوا بالغيه إلا بنصف النفس لذهاب نصفها بالتعب، أي: بنصف قوى أنفسكم، ومعنى ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ لا تسيرون إليه إلا بمشقة شديدة، فكيف كنتم تقدرون على نقل أمتعتكم، وقيل: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ لولاها، فحذف لولاها، لأن الحال يدل عليه.

﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)﴾ ومن رأفته خلق لكم ما خلق.

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ هي عطف على قوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾.

﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أي: لتركبوها ولتتزيَّنوا بها، فحذف اللام؛ لأن الأولى تدلُّ عليها.

وقيل: وجعلها زينة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما (3): ولحم الخيل حرامٌ؛ لأنها للركوب والزينة (4).

قال جابر رضي الله عنه: لحمه حلال، وقال (5): كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله -ﷺ- (6).

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾ بعد هذه الأشياء، فإن خلق الله في البر والبحر والهواء أكثر من أن يُعدّ ويُحصى.

وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إن الله تعالى خلق أرضًا بيضاء مثل الدنيا ثلاثين مرة (7) محشوة خلقًا من خلق الله لا يعلمون أن الله يعصى طرفة عين واحدة)، قالوا: يا رسول الله: أمِنْ ولد آدم؟ قال (8): (مايعلمون أن الله خلق آدم)، قالوا (9): فأين

  • (1) هكذا في جميع النسخ (بنصفين) بالباء في أولها.
  • (2) في (د): (إلى أن المعنى).
  • (3) في (د) زيادة (ابن عباس والحكم).
  • (4) أخرجه الطبري 14/ 173 - 175 عن ابن عباس والحكم.
  • (5) في (ب): (وقال قتادة).
  • (6) أخرجه مسلم في صحيحه (1941)، وعبدالرزاق في «المصنف» (8733)، والطبري 14/ 176، والنسائي (4343)، وابن ماجه (3197). وعن حكم لحم الخيل يمكن الرجوع إلى: «المحرر الوجيز» 8/ 375، و«الجامع» للقرطبي 12/ 281 - 284.
  • (7) سقطت كلمة (مرة) من (أ).
  • (8) سقطت (قال) من (ب).
  • (9) سقطت (قالوا) من (د).
1018

إبليس منهم؟ قال: (ما يعلمون أن الله خلق إبليس)، ثم قرأ رسول الله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾ (1).

مقاتل: إن من (2) يمين العرش نهرًا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخله جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل (3) فيزداد نورًا إلى نوره وجمالًا إلى جماله وعِظَمًا إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف مَلك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور وسبعون ألفًا الكعبة لا يعودون إلىه (4) إلى أن تقوم الساعة (5). قال الشيخ الإمام رحمه الله (6): ويحتمل أن السكوت عن تفسير ما يقول الله عز وجل فيه

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾ أولى.

﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ بيان طريق الحق لكم وتبيينه.

والقصد: الطريق المستقيم.

﴿وَمِنْهَا﴾ من (7) السبيل.

﴿جَائِرٌ﴾ عن الاستقامة مِعْوَجٌّ.

مجاهد: طريق الحق (8) على الله (9).

ابن بحر: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ [الفجر: 14].

المبرد: وعلى الله قبول قصد الإسلام والرضا به.

﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ قيل: مِلل الكفر، وقيل: أهل الأهواء والبدع، وقيل: وعلى الله قصدُ الحق والحكم بين عباده.

وفي مصحف عبد الله (ومنكم جائر) (10).

﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)﴾ إلى قصد السبيل، وقيل: لوفَّقكم، وقيل: لأوصلكم إلى الجنة بغير استحقاق.

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جانب السماء، وقيل: من سماء الملائكة إلى السحاب ثم إلى الأرض.

  • (1) أخرج نحوه من حديث ابن عباس: أبو الشيخ في «العظمة» (982)، وهذا السياق الذي أورده الكرماني يشبه السياق الذي عند الماوردي 3/ 181.
  • (2) في (د): (إن عن).
  • (3) سقطت كلمة (فيغتسل) من (ب).
  • (4) سقطت (إليه) من (أ).
  • (5) هو من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس كما ورد عند الثعلبي (ص 131 - 132)، وقد ورد مرفوعًا، وهو حديث منكر كما قال جماعة من أهل العلم، كالحافظ عبدالغني المقدسي، وابن الجوزي.
    وقد أخرجه العقيلي في «الضعفاء» 2/ 59 - 60، وابن عدي في «الكامل» 3/ 144، وابن الجوزي في «الموضوعات» 1/ 218 - 220.
    وقد أخرج البخاري
  • (3207) من حديث مالك بن صعصعة الطويل قوله -ﷺ-: (فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف مَلك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم) الحديث.
  • (6) سقط قوله (قال الشيخ الإمام ﵀) من (د)، وفي (ب): (قال الشيخ إن السكوت ...)، والمقصود هو المؤلف الكرماني.
  • (7) في (د): (عن السبيل).
  • (8) سقطت كلمة (الحق) من (د).
  • (9) أخرجه آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد» (420)، والطبري 14/ 178.
  • (10) هو ابن مسعود، ونقل ذلك: عبدالرزاق 1/ 354، والطبري 14/ 179، والثعلبي (ص 133)، وغيرهم.
1019

﴿مَاءً﴾ مطرًا.

﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أي: ماء مشروب.

﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ يريد ما ينبت المرعى، وكل ما ينبت على الأرض فهو (1) شجر، وأنشد الزجاج (2):

نَعْلُفُها اللحمَ إذا عزَّ الشَّجر ... والخيل في إِطْعامِهَا اللحمَ ضَرَر

يريد بالشجر: النبات.

وقيل: تقديره: لكم منه شراب ومنه شرب (3) شجر.

﴿فِيهِ تُسِيمُونَ (10)﴾ ترعون إبلكم ومواشيكم (4)، والسوم: من السُّومة، وهي العلامة، لأنها تؤثر في الأرض برعيها علامات، وقد سبق (5).

﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ الحبوب.

﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ واحدها زيتونة (6).

﴿وَالنَّخِيلَ﴾ جمع نخل، كعبيد.

﴿وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الفواكه، وحمل كل شجرة (7): ثمرتها.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)﴾ ينظرون في حقائق الأشياء.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ جعلهما متعاقبين لتنتفعوا بهما.

﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هيَّأهما لمنافع الخلق ولولاهما ما (8) كان نهار ولا حيوان ولا

  • (1) سقط قوله (فهو) من (ب).
  • (2) انظر: «معاني القرآن» للزجاج 3/ 192.
    وقائل البيت هو: النمر بن تَوْلَب، كما في «اللسان» (هشش)، والبيت فيه كالتالي:
    والخيل في إطعامها اللحم ضرر ... نطعمها اللحم إذا عزَّ الشجر
  • (3) سقطت كلمة (شرب) من (ب)، وسترد بعد قليل في غير مكانها.
  • (4) في (ب): (وشرب مواشيكم)، وانظر الهامش السابق.
  • (5) سبق أثناء تفسيره للآية
  • (14) من سورة آل عمران (والخيل المسومة).
  • (6) في (ب): والزيتون جمع زيتونة).
  • (7) في (أ): (شجر).
  • (8) في (أ): (لما).
1020

معايش (1).

﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ إنما (2) أعاد ذكر المسخرات لأن المعنى مسخَّرة لله سخَّرها لكم، ومَنْ رَفَعَها جعلها استئنافًا (3).

﴿بِأَمْرِهِ﴾ بصنعه وتقديره.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)﴾ لأن بالعقل يُهتدى إلى دلائلها، وجمع (4) الآيات لتقدم المسخرات وكذلك الثانية (5).

﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ أي: خلقه لكم، والذرء: إظهار الشيء بإيجاده، تقول: ذَرَأَه يَذْرأه ذَرْءًا، وملح ذَرْآنِيّ: ظاهر البياض.

﴿فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أصنافه، وقيل: ألوانه من البياض والسواد، وقيل: يريد الحيوان والجماد فإنها كلها منتفعٌ بها في الأطعمة والأشربة والأدوية والأمتعة.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)﴾ يتَّعظون.

﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يريد أنواع صيد السمك.

﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ هي اللآليء تُنْظَم فتصير ملبوسًا، وقيل:

  • (1) في (د): (معاش).
  • (2) سقطت (إنما) من (د).
  • (3) قرأابن عامر (والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ) كله بالرفع، وقرأ عاصم في رواية حفص (والشمس والقمر) بالنصب (والنجومُ مسخراتٌ) بالرفع، وقرأ باقي العشرة (والشمسَ والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ) كله بالنصب.
    انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص 233).
  • (4) في (ب): (وجميع).
  • (5) قال السمين الحلبي في «الدر المصون» 7/ 200: (وجمع (آيات) في الثانية دون الأولى والثالثة؛ لأن ما نيط بها أكثر، ولذلك ذكر معها العقل)، أو يكون قصد الكرماني أنه سيأتي موطن ثانٍ في هذه السورة وردت فيه (الآيات) مجموعة لتقدم (مسخرات) عليها، وهي جمع، انظر الآية
  • (79) من السورة.
1021

اللؤلؤ والمرجان.

﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ السُّفن.

﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ في البحر (1) جواري، والمَخْرُ: شقّ الماء من يمين وشمال،

وهي ماخرة والجمع مواخر، وقيل: المخر استدبار الريح، ومنه قوله: (استمخروا الريح وأعدوا النُّبَل) (2)، يعني عند البول، وقيل: المخر: صوت هبوب الريح إذا اشتد (3) الهبوب.

وقيل: المخر: القطع للشيء (4) والدخول فيه.

مقاتل: ﴿مَوَاخِرَ﴾: مُقبلة ومُدبرة بريحٍ واحدة (5).

الحسن: مواقر (6).

الفراء والأخفش: تشقُ الماء بِجُؤْجُئْها (7).

  • (1) في (د): (... السفن فيه في البحر مواخر جواري)، والآية (مواخر فيه).
  • (2) هو حديث سراقة بن مالك مرفوعًا، وقد تكلم عليه ابن أبي حاتم في «العلل» (75)، وذكر الحافظ ابن حجر في «التلخيص» 1/ 188 - 189
  • (137) أن عبدالرزاق أخرجه في «المصنف»، وقال الحافظ ابن حجر 1/ 190: (تنبيه: قال الخطابي: والنُّبلَ بضم النون وفتحها، وأكثر الرواة يروونها بالفتح، والضم أجود، وهي الأحجار الصغار التي يستنجى بها).
  • (3) في (د): (اشتدت).
  • (4) في (ب): (قطع الشيء).
  • (5) انظر: «تفسير مقاتل» 2/ 461.
  • (6) أخرجه الطبري 14/ 186، ونقله الثعلبي (ص 136)، والماوردي 3/ 182، قال البغوي 2/ 608: أي مملؤة.
  • (7) قال الفراء في «معاني القرآن» 2/ 98: (مواخر فيه: واحدها ماخرة، وهو صوت جَري الفلك بالرياح)، ولعل الكرماني نقل هذه الأقوال عن الثعلبي (ص 136) فإنها فيه بنفس اللفظ، إلا أنه قال: (بجناحيها)، وجؤجؤ السفينة: صدرها.
1022

وقيل: صوايح (1)، وقيل: معترضة.

﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ من سعة رزقه بالتجارة (2) والقصد إلى البلاد الشاسعة.

﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)﴾ أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم.

﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الإلقاء عند بعض النحويين: من اللقية؛ لأن معنى الإلقاء: جعل الشيء مماسًّا لغيره.

والرَّواسي: الثَّوابت.

والميْد: الميل.

والمعنى: خلق الله في الأرض جبالًا كراهة أن تميد وتضطرب (3) بكم.

وعند الكوفيين: لأن لا تميد بكم (4).

قال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة أحدًا على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت الجبال (5).

﴿وَأَنْهَارًا﴾ أي: وجعل فيها أنهارًا (6)، جمع نهر.

﴿وَسُبُلًا﴾ طرقًا.

﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)﴾ لمقاصدكم، وقيل: لتهتدوا إلى توحيد ربكم.

  • (1) هكذا واضحة في (أ)، وفي (ب) بدون نقط، وفي (د) كأنها: صوالح، ولم يظهر لي معناها بعد طول تتبع لمعاجم اللغة، وعند الثعلبي (صوائخ)، وفي نسخة (صوالح) وأخرى (صوئح) و(موائح)، وعند الواحدي في «البسيط» (ص 401): (صوائح)، فالله أعلم.
  • (2) في (ب): (في التجارة).
  • (3) في (أ): (تميل وتضرب).
  • (4) انظر: «البسيط» للواحدي (ص 403)، وفي النسخ الثلاث (لأن لا) بدلًا من (لئلا).
  • (5) ذكره الثعلبي (ص 137) عن وهب، وأخرج عبدالرزاق 1/ 354، والطبري 14/ 190 نحوه عن الحسن.
  • (6) في (ب): (... فيها الأنهار).
1023

﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ ابن عيسى: العَلامَة صورة يُعلم بها المعنى من خطٍّ أو لفظٍ أو إشارةٍ أو هيئة (1). والمراد بها هاهنا معالم الطريق.

وقيل: هي الجبال.

وانتصابها على هذا القول بالعطف على موضع ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾، وتقدير الكلام: ألقى رواسي (2) لئلا تميد ولتكون علامات لطرقكم بالنهار.

وقيل: هي النجوم.

﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)﴾ أي: في الليل (3)، ومن جعل العلامات النجوم فكأنه (4) قال: وبِهَا هُم (5) يهتدون، فَصَرَّح.

والنجم: اسم الجنس، والمراد به الجميع، وقيل: المراد به هاهنا (6) الجدي، وهو السابع من بنات النعش الصغرى، والفرقدان الأولان منها، وليس بالجدي الذي هو المنْزِل، وبعضهم يصغر هذا فيقول: جُدَيّ (7).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال (8) سألت رسول الله -ﷺ- عن قوله تعالى:

﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)﴾ قال: (هو الجدي يا ابن عباس عليه قبلتكم وبه تهتدون في برِّكم وبحرِكم) (9).

وروي أيضًا: (الجدي والفرقدان).

قال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: زينة السماء، ومعالم الطرق، ورجومًا للشياطين، فمن قال غير هذا فقد قال رأيه وتكلَّف مالا عِلْمَ له به (10).

﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ وهو الله سبحانه، وقد سبق ذكر بعض (11) ما خلق الله في السورة.

﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ وهو الصنم، فإنه جماد موات، وعبَّر عنه بمن ازدواجًا للكلام (12) وبناءً على زعم الكفار.

  • (1) انظر: «الجامع في علوم القرآن» (ق 76/أ) لعلي بن عيسى الرماني.
  • (2) في (د): (ألقى في الأرض رواسي).
  • (3) في (د): (بالليل).
  • (4) في (د): (فكأنها).
  • (5) في (ب): (وبها يهتدون).
  • (6) في (د): (هنا).
  • (7) قال في «اللسان» (جدا) نقلًا عن ابن سيده: (الجَدْيُ من النجوم جديان: أحدهما الذي يدور مع بنات نعْشٍ، والآخر الذي بِلِزْقِ الدَّلو، وهو من البروج، ولا تعرفه العرب).
  • (8) هكذا في النسخ الخطية الثلاث (قال ... قال).
  • (9) ذكره الماوردي 3/ 182 - 183، وعنه القرطبي 12/ 306، وقال أبو حيان 5/ 467: (ولو صح هذا لم يعدل أحد عنه)، ولم أجده مسندًا بعد البحث.
  • (10) أخرجه الطبري 14/ 193.
  • (11) سقطت كلمة (بعض) من (د).
  • (12) في (د): (بالكلام).
1024

وقيل معناه: أن الحيّ المميز الذي ليس بخالق ليس كالذي هو خالق، فكيف الجماد.

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)﴾ فتعرفوا فساد ما أنتم عليه.

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ المراد بها النِّعم، والمضاف قد يأتي للجنس.

﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ لا يمكنكم عدّها لكثرتها، وقيل: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تطيقوا أداء شكرها.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ لمن قصَّر في شكرها.

﴿رَحِيمٌ (18)﴾.

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19)﴾ أي (1): لا يخفى عليه شكر الشاكر وكفر الكافر.

﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لأنها موات عجزة.

﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20)﴾ لأنها من جنس الأرض.

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي: هي موات ليس فيها أرواح، وقوله ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ تأكيد لنفي مجاز يستعمل، وهو أن الحي قد يُسمى ميتًا، نحو قوله ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)﴾ [الزمر: 30]، أي: في حكم الأموات.

﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾ فيه قولان:

أحدهما: لا يعلم الكافرون متى يبعثون.

والثاني: لا تعلم الأصنام متى تُبعث.

﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الخطاب عام، والمعنى: معبودكم (2) المستحقّ للعبادة معبودٌ واحدٌ وهو الله عز وجل.

﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ هم الكفار.

﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لتوحيد الله غير عارفة به (3).

﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)﴾ عن الإيمان بمحمدٍ واتباعه.

﴿لَا جَرَمَ﴾ حقًا.

﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23)﴾ أن الله يعلم محله رفع بالمصدر.

وعند الزجاج: (لا) للرد، و(جرم) فعل (4).

  • (1) لم ترد (أي) في (ب).
  • (2) في (د): (معبودبكم).
  • (3) في (د): (عارفة له).
  • (4) انظر: «معاني القرآن» للزجاج 3/ 194.
1025

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ لهؤلاء الكفار.

﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ ما الذي أنزله الله على محمد.

﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)﴾ أي: ما دوَّنته الأوائل في كتبهم، ومثله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: 5] الآية.

قال الزجاج: (ما) مبتدأة، و(ذا) في معنى الذي، قال: وأساطير مرفوعة على الجواب (1)، كأنهم قالوا: أنزل أساطير، أي: الذي تذكرون أنتم أنه مُنْزِلُ أساطير الأولين، أي: أكاذيب الأولين (2).

قال الشيخ رحمه الله (3): ويحتمل وجهًا آخر، وهو أنهم أعرضوا عن الجواب إنكارًا للإنزال، وقالوا: هو أساطير الأولين، بخلاف قول المؤمنين فإنهم قالوا في الجواب (4) خيرًا، أي: أنزل خيرًا، كما في الآية بعدها.

﴿لِيَحْمِلُوا﴾ اللام لام العاقبة، أي: مآل فعلهم هذا العذاب.

قال الشيخ رحمه الله (5): ويحتمل أنه لام الأمر، ومثله (6) في المعنى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: 13].

وقوله ﴿أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: آثامهم تامة لا ينقص شيء منها (7) بالتوبة والحسنات.

  • (1) في (ب): (مرفوعة بالجواب)، وسقط قوله (كأنهم قالوا أنزل أساطير) من (ب).
  • (2) انظر: «معاني القرآن» للزجاج 3/ 194.
  • (3) قوله (قال الشيخ ﵀) لم يرد في (د).
  • (4) قوله (في الجواب) سقط من (ب).
  • (5) قوله (قال الشيخ ﵀) لم يرد في (د).
  • (6) سقطت (ومثله) من (أ).
  • (7) في (د): (لا ينقص منها شيء بالتوبة ...).
1026

﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لأنهم تسبَّبوا إلى إضلالهم (1)، فللمضلِّلين (2) مثل وِزر الضَّالين من غير أن ينقص من وِزْرِهم (3) شيء، وقيل: للضَّالين مثل وِزر المضلِّين (4) لطاعتهم، حكاه أقضى القضاة (5).

قوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بتقليد من غير استدلال، وقيل: بغير علم بما تحملوه من أوزار الضالين.

﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)﴾ ساء يجري مجرى بئس، و﴿مَا يَزِرُونَ (25)﴾ محله رفع؛ لأنه فاعل ساء، والمذموم محذوف دلَّ عليه ما قبله.

﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ جمهور المفسرين على أن المراد به نمروذ بن كنعان حين رَامَ صعود السماء بفراخ النسور فعجز عن ذلك على ما سبق آخر سورة إبراهيم (6)، بنى الصَّرح ببابل ورام منه الصعود إلى السماء ينظر (7) إلى إله إبراهيم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان طول الصَّرح في السماء خمسة آلاف ذراع (8).

مقاتل وكعب: كان (9) طوله فرسخين فهبت ريح وألقت رأس (10) الصَّرح في

  • (1) في (ب): (ضلالتهم)، وفي (د): (ضلالهم).
  • (2) في (د): (فللمضلين).
  • (3) في (ب): (من أوزارهم).
  • (4) سقط قوله (مثل وزر المضلين) من (أ).
  • (5) انظر: «النكت والعيون» للماوردي 3/ 184.
  • (6) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ [الآية 46].
  • (7) في (د): (ينظر زعم إلى ...).
  • (8) نقله الثعلبي (ص 141) عن ابن عباس مقرونًا بوهب بن منبه.
  • (9) سقطت (كان) من (أ).
  • (10) تكررت كلمة (رأس) في (ب) مرتين.
1027

البحر، وحز (1) عليهم الباقي وائتفكت بيوتهم فأحدث نمروذ وتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلَّموا بثلاثة وسبعين لسانًا، ولذلك سُمِّي (2) بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وبلاه الله (3) في نفسه ببعوضة دخلت دماغه وكَبُرَت فيه فمكثَ في ذلك أربعمائة سنة تضرب رأسه بالمطارق. وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به بختنصر (4).

وذهب ابن بحر والزجاج: إلى أن هذا مَثَل، جعلت أعمالهم التي عملوها بمنزلة الباني بناء يسقط عليه، فمضرّة عملهم كمضرة بناء الباني إذا سقط عليه (5).

قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ قَلَعَهُ من أصله، وأتَاه بأن أزاله، والبنيان مصدر بنيت، والقواعد: جمع قاعدة.

المبرد: قصد لإهلاكه من الأساس.

وقيل: من (6) الأساطين.

﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ أعلى البيوت، ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: كانوا تحتها، وقيل: أتاهم العذاب من السماء.

﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)﴾ أي: من مأمنهم.

﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ يُهينهم ويفضحهم على رؤوس الخلائق ويعذبهم

  • (1) في (ب): (وألقى عليهم ...).
  • (2) في (د): (سميت).
  • (3) سقط لفظ الجلالة من (د).
  • (4) في (أ): (إلى أنه أراد به بختنصر).
    وانظر للأقوال في الآية: الطبري 14/ 202، والثعلبي (ص 141)، وهوالذي نقل عنه الكرماني هذه الأقوال عن ابن عباس ومقاتل وكعب، وابن الجوزي 4/ 440، والألوسي 14/ 126.
  • (5) إنما نقله الزجاج في «معاني القرآن» 3/ 195 كقول في الآية ولم يظهر لي أنه مذهبه.
  • (6) سقطت (من) من (د).
1028

بأنواع من العذاب سوى ما عذبوا به في الدنيا.

﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ﴾ أي: النبي والمؤمنين.

﴿فِيهِمْ﴾ أي: تخالفونهم، وقيل: تعادونهم.

وقيل: تحاربون، والأصل أن يكونوا في شق غير شق المؤمنين.

وقرأ نافع بكسر النون (1)، وتقديره: تشاقونني، فحذف النون الأولى تخفيفًا.

قال (2):

يَسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْني.

أي: فلينني، فحذف تخفيفًا.

﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يعني الملائكة.

الحسن: المؤمنين (3).

﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ الذِّلَّة.

﴿وَالسُّوءَ﴾ العذاب.

﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (27)﴾.

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تقبض أرواحهم بأمر الله.

الحسن: تتوفَّاهم إلى النار، أي (4): تحشرهم إليها (5)، والمتوفِّي هو الله سبحانه لقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42]، وليس بينهما تنافٍ، لأن

  • (1) قرأ نافع وحده (تُشاقون فيهم) بكسر النون، وقرأ باقي العشرة بفتح النون. انظر: «المبسوط» لابن مهران (ص 224).
  • (2) القائل هو: عمرو بن معد يكرب، وصدر البيت: (تراه كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسْكًا).
    انظر: «اللسان» (فلا).
  • (3) ذكره الثعلبي (ص 141) دون نسبة، ونسبه ابن عطية 8/ 402 إلى يحيى بن سلام.
  • (4) سقطت (أي) من (ب).
  • (5) انظر: «تفسير كتاب الله العزيز» لهود الهواري 2/ 367.
1029

الملائكة يتولون ذلك بأمر الله، فجاز إسناده إلى الله؛ لأنه بأمره وقدرته، وجاز إضافته إلى الملائكة لكونهم مباشرين لذلك.

وقيل: أسباب التوفِّي بالملائكة وإتمام التوفِّي بالله سبحانه.

﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم قد ظلموا أنفسهم.

عكرمة: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا فأخرجهم قريش إلى بدر كرهًا فقتلوا (1).

ومعنى ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة.

﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ الصلح.

الأخفش: الاستسلام (2).

مقاتل: الخضوع (3).

والمعنى: انقادوا له حين عاينوا الموت قد نزل بهم، وقيل معناه: لما عاينوا وزال شكّهم أظهروا الإيمان والإسلام وهو إلقاء السلم والخروج من العداوة.

﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: يقولون للملائكة ما كنا نعمل من سوء، أي: كفر (4) ومعصية، وقيل معناه: من سوء في معتقدنا؛ لأنا لو علمنا الكفر سوءًا ما اخترناه، والقيامة لا يكذب فيها.

﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)﴾ أي: فتجيبهم الملائكة: بلى، أي (5): كنتم

  • (1) أخرجه الطبري 14/ 208 - 209.
  • (2) نسب الماوردي 3/ 186 القول الأول للأخفش، أي: الصلح، ونسب القول بأنه الاستسلام لقطرب، بينما نسب لمقاتل القول بأنه الخضوع كما ذكر الكرماني، بينما ذكر أبو حيان 5/ 472 أن قول الأخفش: الاستسلام.
  • (3) في «تفسير مقاتل» 2/ 466: الخضوع والاستسلام.
  • (4) في (أ): (من كفر).
  • (5) سقطت (أي) من (أ)، وفي (ب): (إن).
1030

كافرين والله يعلم كفركم ومعاصيكم.

﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ قيل: دركاتها، وقيل: أصنافها، كما يقال: فلان ينظر في باب من العلم، أي: صنف.

وقيل: هذا عام لأصناف الكافرين، كقوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)﴾ [الحجر: 44].

وقيل: المراد به عذاب القبر، فقد جاء في الخبر: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران) (1).

وقيل: يخاطبون به عند البعث.

﴿خَالِدِينَ﴾ أي: ناوين الخلود ومقدرين.

﴿فِيهَا﴾ في جهنم، وقيل: في الأبواب فيمن جعلها الدركات وألوان العذاب.

﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)﴾ المتعظمين من اتباع محمد -ﷺ- جهنم وأبوابها.

﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين من أهل مكة.

﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ على محمد.

﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ أي: أنزل خيرًا، وهو القرآن الجامع لجميع الخيرات، وقيل:

  • (1) روي هذا الحديث من طريق أبي سعيد الخدري، رواه الترمذي (2460)، وقال الترمذي: (هذا حديث غريب)، وقال الألباني: ضعيف جدًا.
    وروي الحديث من مسند أبي هريرة، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (8613)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» 3/ 46: (فيه محمد بن أيوب بن سويد وهو ضعيف).
    وذكر الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين» 6/ 301 أن الحديث ورد أيضًا عن ابن عمر وأخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، ولم أقف عليه مسندًا.
    ويغني عن هذا الحديث قوله -ﷺ-: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة) أخرجه البخاري
  • (1379) من حديث عبدالله بن عمر ﵄.
1031