لباب التفاسير للكرمانيالجزء 1 · ص 1181 - 1198
سورة الكهف (1 من 8)
سورة الكهف مائة وعشر آية، مكية عند الجميع (1).
ابن عباس، رضي الله عنهما (2)، وقتادة (3): مكية إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي قوله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: 28] (4)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي المستحق للحمد هو سبحانه، وقيل: تعليم أي: قولوا الحمد لله وقد سبق، ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ.
﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا 2 (1)﴾ اختلافًا يناقض بعضُه بعضنًا.
- (1) وهو قول الحسن ومجاهد.
انظر: معالم التنزيل للبغوي (5/ 143)، زاد المسير لابن الجوزي (5/ 103)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/ 346). - (2) عبد الله بن عباس بن هاشم بن عبد مناف، أبو العباس الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، دعا له النبي ﷺ بالفقه في الدين وعلم التأويل، فكان من أعلم الناس، ولقب بحبر الأمة.
انظر: الاستيعاب (3/ 66)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 239). - (3) قتادة بن دِعَامة بن قتادة السدوسي، الحافظ، الضرير، المفسر، كان عالمًا بالتفسير وباختلاف العلماء، فقيهًا لايسمع شيئًا إلا حفظه، مات بواسط في الطاعون سنة ثماني عشرة ومائة.
انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (1/ 122)، طبقات المفسرين للداوودي (2/ 48). - (4) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (2/ 501)، النكت والعيون (3/ 383)، زاد المسير لابن الجوزي (5/ 102).
ابن عباس، رضي الله عنهما: مُلْتَبِسًا (1).
ابن جرير (2): ليس فيه ميل عن الحق إلى الباطل، وعن الاستقامة إلى الفساد، وعن البلاغة إلى العِي (3).
وقيل: اللام زيادة، أي: ولم يجعله عوجًا.
العِوَج: بالكسر في الدين والطريق وفيما لم يكن منتصبًا، وبالفتح فيما هو منتصب كالجدار والقناة (4).
- (1) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (15/ 142) وذكره السيوطي في الدر (9/ 483).
- (2) محمد بن جرير يزيد بن كثير الآملي، الطبري، أبو جعفر، صاحب التصانيف المشهورة، رحل إلى العراق، والشام، ومصر، وجمع من العلوم مالم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، عارفًا بالقراءات، وكتبه مشهورة منها: تفسيره المسمى بجامع البيان، وتارخ الأمم والملوك، وتهذيب الآثار، توفي ببغداد سنة عشر وثلاثمائة.
انظر: طبقات المفسرين للسيوطي (95)، طبقات المفسرين للداوودي (2/ 110). - (3) انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 141).
- (4) قال في المفردات (592)، مادة: عوج "العَوْجُ: العَطْف على حال الانتصاب، يقال: عُجْتُ البعير بزمامه، والعَوَجُ يقال فيما يُدْرَك بالبصر سهلًا كالخشب المنتصب ونحوه، والعِوَج يقال فيما يُدْرَك بالفكر والبصيرة".
- (5) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري، كان عارفًا بشعر العرب وأخبارها وغريب اللغة، اتهم برأي الخوارج، أقدمه الرشيد إلى بغداد وقرأ عليه، وله أكثر من مائتي مصنف، أشهرها: غريب القرآن، ومجاز القرآن، وشرح النقائض، ومعاني القرآن، وغيرها، توفي سنة إحدى عشرة ومائتين.
انظر: سير أعلام النبلاء (9/ 445)، بغية الوعاة للسيوطي (2/ 294). - (6) انظر: مجاز القرآن (1/ 258).
ابن عباس، رضي الله عنهما (1): معتدلًا (2).
وقيل: قيمًا المعتمد عليه والمرجوع إليه كقّيم الدار (3)، والجمهور: على أنه في التقدير مقدم أي: أنزل الكتاب قيما ولم يجعل له عوجًا هذا إذا جعلت قوله ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ عطف على صلة الموصول، فأما من جعله حالًا وهو الأظهر فيلس فيه تقديم وتأخير بل هما حالان من ﴿الْكِتَابَ﴾ أحدهما مفرد والآخر جملة (4).
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: أنزل الكتاب لينذر العبد وهو محمد ﷺ الكافرين.
﴿بَأْسًا﴾ عذابًا.
﴿شَدِيدًا﴾ أي: عذاب الاستئصال في الدنيا، وقيل: عذاب جهنم (5).
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده، والمعنى: من قدرته وهو منزه عن المكان.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)﴾ وهو الجنة.
﴿مَاكِثِينَ﴾ دائمين.
﴿فِيهِ﴾ في الأجر وهو الجنة.
﴿أَبَدًا (3)﴾ دائمًا.
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)﴾ يعني: اليهود والنصارى والمشركين.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ بالقول.
﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: هذا قول عن جهل (6)، وقيل: بالاتخاذ من علم، وقيل: بالله من
- (1) ابن عباس، ﵄، تنظر ترجمته ص: 41
- (2) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (15/ 140).
- (3) انظر: النكت والعيون (3/ 284).
- (4) والجمهور من أهل اللغة والتفسير على الأول، ومنع الزمخشري في الكشاف (3/ 564) الثاني.
انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 140)، زاد المسير لابن الجوزي (5/ 103)، الدر المصون للسمين الحلبي (4/ 430). - (5) انظر: معاني القرآن للزجاج (3/ 218).
- (6) في ب: "هذا قول من جهل".
علم (1).
﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين يقولون هذه المقالة.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ عظمت مقالتهم هذه في الكفر والجرأة على الله، و﴿كَلِمَةً﴾ نصب على تقدير: كبرت الكلمة كلمةً كلمةٌ تخرج، كما تقول في أقوال المدح والذم: نِعْمَ الرجل رجلًا زيدٌ، وبئس الرجلُ رجلًا عمروٌ.
الزجاج (2): كبرت مقالتهم كلمة (3).
وقيل: نصب على التميز كالفعل المنقول نحو: تفقأت الدابة شحمًا (4).
أبو عبيدة (5): نصبت على التعجب، أي: أَكْبِر بها كلمة أي: من ﴿كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: تكلموا بها (6).
﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)﴾ ما يقولون إلا الكذب بقولهم اتخذ الله ولدًا.
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: قاتلها، والبَخْعُ: الذبح البليغ.
وقيل: معناه النهي، أي: لا تبخع نفسك (7).
﴿عَلَى آَثَارِهِمْ﴾ إذا ولوا عن الإيمان، وقيل: إذا ماتوا على الكفر، تقول العرب: على أثر فلان إذا بُكي على فراقه.
﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن.
- (1) انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 147).
- (2) أبو إسحاق إبراهيم بن السَّرِيِّ بن سهل الزجاج نسبة إلى عمل الزُّجَاجِ وخراطته، تتلمذ على المُبَرِّد، ومن تلاميذه أبو علي الفارسي وغيره، كان من أهل الدين والفضل، توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، من مؤلفاته: معاني القرآن، الاشتقاق، مختصر النحو، القوافي.
انظر: إنباه الرواة (1/ 194 - 201)، بغية الوعاة للسيوطي (1/ 411). - (3) انظر: معاني القرآن للزجاج (3/ 219).
- (4) انظر: المصدر السابق (3/ 219).
- (5) أبو عبيدة: انظر ترجمته ص: 42
- (6) انظر: غرائب التفسير (1/ 648).
- (7) انظر: الوسيط للواحدي (3/ 136).
﴿أَسَفًا (6)﴾ حزنًا، والفعل من أسَف بالفتح، وقيل: غضبًا (1)، والفعل من أَسِف بالكسر، وأُسُف بالضم: دق قلبه فهو أَسيف (2)، والتقدير: فعلك باخع نفسك أَسفًا وهو نصبٌ على التمييز، وقيل: مفعول.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ ابن عباس، رضي الله عنهما رضي الله عنهما هو: النبات (3).
قتادة (4): كل ما على الأرض من شيء (5).
وقيل: الأنبياء والعلماء (8). وجاء أيضًا: حفظة القرآن، فيكون (ما) بمعنى من (9).
- (1) قاله قتادة.
انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 150). - (2) الأسف المبالغة في الحزن والغضب، وآسفه أغضبه، والأسيف السريع الحزن والبكاء، والإِسِفُ الغضبان المتلهف على الشيئ.
انظر: لسان العرب (1/ 142) مادة: أسف. - (3) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (5/ 105).
- (4) قتادة، تنظر ترجمته ص: 41
- (5) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (15/ 151) عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر (9/ 485) لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
- (6) الكلبي، محمد بن السائب بن بشر، أبو النضر، الكوفي، النسابة، المفسر، روى عن الشعبي وجماعة، له تفسير مشهور، ضعف كثير من العلماء، مات سنة ست وأربعين ومائة.
انظر: سير أعلام النبلاء (9/ 248)، طبقات المفسرين للداوودي (2/ 149). - (7) انظر: النكت والعيون (3/ 285)، وعزاه السيوطي في الدر (9/ 485) لابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس، ﵄.
- (8) انظر: النكت والعيون (3/ 285)، معالم التنزيل (6/ 144).
- (9) انظر: غرائب التفسير (1/ 649).
مقاتل (1): الأشجار والأنهار (2).
ويحتمل والله أعلم أن المراد بما (3) على الأرض، منها المحرّمات منها لأنها خُلقت زينةً لها (4) أي: فلا تتعرضوا لها، ويقويه ما بعدها وهو قوله ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7)﴾ أي: في تركه وتعاطيه.
وقيل: معنى ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ لنأمرهم بالطاعة وننهاهم عن المعصية (5)، والمعنى: نعامل معاملة المبتلى و﴿مَا﴾، و﴿زِينَةً﴾ مفعولا ﴿جَعَلْنَا﴾.
وقيل: ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى خلقنا، و﴿زِينَةً﴾ مفعول له (6).
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)﴾ صعيدًا ترابًا، وقيل: كصعيد وهو وجة الأرض.
جُرُزًا: بلقعًا لا شيء فيه.
- (1) مقاتل بن سليمان بن كثير الأزدي، الخرساني، المفسر، روى عن مجاهد وغيره، وهو ضعيف في الحديث، صنف نظائر القرآن، والناسخ والمنسوخ، والوجوه والنظائر.
انظر: سير أعلام النبلاء (7/ 201)، طبقات المفسرين للداوودي (2/ 330). - (2) انظر: النكت والعيون (3/ 285).
- (3) في ب: " أن المراد بها ". وهو تصحيف.
- (4) انظر: النكت والعيون (3/ 285)، غرائب التفسير (1/ 649).
- (5) انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 153).
- (6) انظر: غرائب التفسير (1/ 649).
- (7) مجاهد بن جَبْر، أبو الحجاج، المكي، المقرئ، المفسر، قرأ القرآن على ابن عباس، وأخذ عنه ... التفسير، وكان عامًا به، توفي بمكة سنة إحدى ومائة وهو ساجد.
انظر: سير أعلام النبلاء (4/ 449)، طبقات المفسرين للداوودي (2/ 305). - (8) انظر: الوسيط للواحدي (3/ 137).
السُدى (1): الصعيد الأملس المستوى، والجرز الميت الذي لا نبات فيه (2).
الزجاج (3): التي كأنها تأكل النبات أكلًا (4)، ولعله جعله جمع جُروز وهو الذي يأتي على كل شي أكلًا، وأصله القطع، والمعنى: نعيدها بعد عمارتها خرابًا (5).
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾، بل حسبت ترك الكلام الأوّل واستفهم عن الثاني، والمراد: النهي، أي: لا تتعجب من ذلك فليس ذلك بالبديع من صنعنا.
مجاهد (6): لم ينهه عن التعجب وإنما أراد كل آيتنا كذلك (7).
قتادة: لا تعجب منها فالعجائب في خلق السموات والأرض وما فيهن أكثر (8).
- (1) السُّدِّي، إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الهاشمي، صاحب التفسير، أصله حجازي، يكنى أبا محمد، روى عن ابن عباس، وأنس، ﵄، أخرج له الجماعة، توفي سنة سبع وعشرين ومائة.
انظر: سير أعلام النبلاء (5/ 264)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 110). - (2) انظر: الوسيط للواحدي (3/ 137)، البحر المحيط لأبي حيان (6/ 97).
- (3) الزجاج: أنظر ترجمته ص: 44
- (4) انظر: معاني القرآن للزجاج (3/ 220).
- (5) الصَّعِيد: وجه الأرض، وقيل المرتفع من الأرض، يقال للحديقة إذا خربت وذهب شجرها قد صارت صعيدًا أي أرضًا مستوية لا نبات فيها. أما الجُرُز: فهي الأرض التي لم يصبها مطر فلا نبات فيها، كأنها تأكل النبت أكلًا، والجمع أجراز، وفيها أربع لغات: جُرْزٌ، وجُرُزٌ، وجَرْزٌ، وجَرَزٌ.
انظر: اللسان (7/ 343)، مادة: صعد، (2/ 246)، مادة: جرز. - (6) مجاهد تنظر ترجمته ص: 46
- (7) انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 155).
- (8) انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 156)، البحر المحيط لأبي حيان (6/ 97).
ابن عباس، رضي الله عنهما: أي سألوك عن ذلك ليجعلوا جوابك علامة لصدقك وكذلك سائر آيات القرآن أبلغ وأعجب وأدل على صدقك (1).
وقيل: معناه: أُعْلِمْتَ، أي: لم تعلمه حتى أعلمناك (2).
وسبب نزولها " أن يهود المدينة قالوا لقريش سلوا محمدًا عن ثلاث خصال فإن أخبركم عن خصلتين ولم يخبركم عن الثالثة فاعلموا أنه نبي فاتبعوه، فإنا قد سألنا مسيلمة الكذاب عن هذه الخصال فلم يدر ما هي، وقد زعمتم أنه يتعلم من مسيلمة (3) سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح؛ فسألوه عنها فقال لهم: ارجعوا غدًا أخبركم ولم يقل إن شاء الله فرجعوا ولم ينزل عليه إلى ثلثة أيام (4).
وفي رواية الكلبي (5): إلى خمسة عشر يومًا (6)، وفي رواية الضحاك (7): إلى أربعين
- (1) انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 157).
- (2) لم أقف عليه، والله أعلم.
- (3) مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن حنيفة، ويكنى أبا ثمامة، وكان قد تسمى بالرحمن، فكان يدعى رحمن اليمامة، ادعى النبوة وأنه قد أُشرك في أمر النبوة، ثم بدأ يعمل الأسجاع مضاة للقرآن، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، تزوج سجاح، قتل في معركة اليمامة سنة إحدى عشرة قتله وحشي بن حرب. انظر: البداية والنهاية (7/ 256)، (9/ 465).
- (4) انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 142).
- (5) الكلبي، انظر ترجمته ص: 45
- (6) انظر: السيرة لابن هشام (1/ 328)، جامع البيان لابن جرير (15/ 143)، أسباب النزول للواحدي (338)، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 132).
- (7) الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخرساني، المفسر، صدوق كثير الإرسال، خرج أحاديثه الأربعة، مات بعد المائة.
انظر: سير أعلام النبلاء (4/ 598)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 222).
يوما (1) فقال المشركون: إن محمدًا قد ودعه ربه فأنزل الله تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)﴾ [الضحى: 3] ونزل ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9)﴾ ونزل ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والكهف: الغار في الجبل. مجاهد: تفريج بين جبلين (2).
المبرد (3): " مدخل في الجبل " (4).
وفي الرَّقِيمِ أقوال:
ابن عباس، رضي الله عنهما: اسم للجبل الذي فيه الكهف (5)، وعنه أيضا: اسم القرية التي كانوا منها (6).
سعيد بن حبير (9):
- (1) انظر: بحر العلوم للسمرقندي (2/ 290).
- (2) المصدر السابق (6/ 98).
- (3) المُبَرِّد محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، الأزدي، البصري، الإمام في النحو واللغة والأخبار، كان فصيحًا، بليغًا، مفوهًا، صنف معاني القرآن، الكامل، المقتضب، وغيرها، توفي سنة خمس وثمانين ومائتين.
انظر: سير أعلام النبلاء (13/ 576)، بغية الوعاة (1/ 269). - (4) لم أقف عليه، والله أعلم.
- (5) انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 160)، تفسير ابن كثير (3/ 77).
- (6) انظر جامع البيان لابن جرير (15/ 157).
- (7) الضحاك: انظر ترجمته ص: 48
- (8) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (15/ 158)، وذكره أيضًا عن عطية، وقتادة.
وانظر: تفسير ابن كثير (3/ 77). - (9) سعيد بن جبير بن هاشم الأزدي، مولاى بني والية بن الحارث، كان فقيهًا ورعًا، من علماء التابعين، قرأ القرآن على ابن عباس، ﵄، قتله الحجاج سنة خمس وسبعين ومائة.
انظر: سير أعلام النبلاء (4/ 321)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 188).
اسم كلبهم (1).
مجاهد: الرَّقيم: الكتاب الذي كتب فيه شأنهم وأيامهم وكان من رصاص (2).
وقيل: من حجر، فعيل بمعنى مفعول كقوله: كتاب مرقوم (3).
- (1) وهو قول أنس، والشعبي.
انظر: النكت والعيون (3/ 287)، البحر المحيط لأبي حيان (6/ 98). - (2) ذكره السيوطي في الدر (9/ 488) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وهو قول ابن عباس ﵄، وسعيد بن جبير كما في جامع البيان لابن جرير (15/ 159)، واختاره ابن جرير، وهو أظهر الأقوال.
انظر: جامع البيان لابن جرير (15/ 161)، معالم التنزيل للبغوي (5/ 145)، تفسير ابن كثير (3/ 77). - (3) انظر: معاني القرآن للنحاس (4/ 219).
- (4) محمد بن حبيب الماوردي، البصري، من فقهاء الشافعية، ولي القضاء بعدة بلدان، كان رجلًا عظيم القدر، صنف الحاوي، النكت والعيون، الأحكام السلطانية، وغيرها، توفي خمس وأربعمائة.
انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 64)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 427). - (5) انظر: النكت والعيون (3/ 287)، وعزاه لأبي صالح، وهو قول عكرمة.
انظر: البحر المحيط (6/ 98). - (6) وهو قول قتادة.
انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/ 357). - (7) محمد بن الهيصم، أبو عبد الله، شيخ الكرامية وعالمهم في وقته بخراسان، وليس للكرامية مثله في معرفة الكلام والنظر في زمانه.
انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي (356).
جاء في الخبر: أن الرقيم جماعة، روى النعمان بن بشير الأنصاري (1)
- (1) النعمان بن بشير بن ثعلبة الأنصاري، من بني كعب بن الحارث، ولد عام اثنين من الهجرة، وهو أول مولود في الإسلام من الأنصار بعد الهجرة بأربعة عشر شهرًا، ولاه معاوية ﵁ الكوفة ثم حمص، ثم ناصر ابن الزبير فقتله أهلها.
انظر: الاستيعاب (4/ 60)، الإصابة (6/ 440).
أنه سمع النبي ﷺ يذكر الرَّقِيم قال: " إن ثلاثة نفر خرجوا يرتادون لأهليهم فبينا هم يمشون إذا أصابتهم السماء، فأووا إلى كهف فانحطت صخرة من الجبل فانطبقت على باب الكهف فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله تعالى برحمته يرحمنا. فقال رجل منهم: عملت حسنة مرة؛ كان لي أجراء يعملون عملًا لي استأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجائني رجل ذات يوم وسط النهار فاستأجرته بشرط أصحابه فعمل في بقية نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت علي في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله، فقال رجل منهم اتعطي: هذا مثل ما أعطيتني ولم يعمل إلا نصف النهار؟ قلت يا عبدالله لم أبخسك شيئًا من شرط، وإنما هو مالي أحكم بما شئت. قال: فغضب وترك أجره فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت به فصيلة من البقر فبلغت ما شاء الله، فمر بي بعد حين شيخ ضعيف لا أعرفه فقال لي: إن لي عندك حقًا فذكره حتى عرفته، قلت: إياك أبغي وهذا حقك فعرضتها عليه جميعًا فقال: يا عبدالله لا تسخر بي، إن لم تَصَدَّق علي فاعطني حقي. قلت: والله ما أسخر إنها لحقك مالي فيه شيء. فدفعتها إليه جميعًا، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك لوجهك فافرج عنا فانصدع (1)
- (1) في ب: "فانفرج" ..
الجبل حتى رأوا وأبصروا، وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة كان فيّ فضل وأصابت الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفًا فقلت: والله ما هو دون نفسك، فأبت عليّ وذهبت ثم رجعت، فذكرتني فأبيت وقلت: لا والله ما هو دون نفسك فأبت عليّ وذهبت وذكرت لزوجها فقال لها: أعطيه نفسك وأغيثي عيالك، فرجعت إلي ونشدتني بالله فأبيت عليها وقلت لها: والله ما هو دون نفسك فلما رأت تلك أسلمت لي نفسها، فلما تكشفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي فقلت لها: ما شأنك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين. فقلت لها: خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ما يحق عليّ بكشفها اللهم (1) إن فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا، فانصدع حتى عرفوا وتبيّن لهم، وقال الآخر: قد عملت مرة حسنة كان لي أبوان شيخان كبيران وكانت لي غنم وكنت أطعم أبوي وأسقيهما ثم ارجع إلى غنمي، قال: فأصابني يومًا غيث حبسني حتى أمسيت فأتيت أهلي فأخذت محلبي فحلبت غنمي وتركتها قائمة فمضيت إلى أبوي فوجدتهما قد ناما فشق علي أن أوقظهما وشق علي أن أترك غنمي فما برحت جالسًا ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما، اللهم إن فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا. قال النعمان (2): لكأني أسمع من رسول الله عليه السلام قال: " قال الجبل: طاق فَفَرَّجَ الله عنهم فخرجوا " (3).
- (1) "اللهم" ساقط من (أ).
- (2) النعمان بن بشير، تنظر ترجمته ص: 50
- (3) أخرجه الطبراني في الأوسط (2307، 2308)، وذكره السيوطي في الدر (9/ 489) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، قال عنه ابن حجر في الفتح (6/ 585) إسناده حسن، وأخرج البخاري نحوه عن ابن عمر (ك: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار، ح: 3465).
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: اذكر يا محمد إذ أوى، وقيل: العامل فيه (عجبًا)،
ومعنى ﴿أَوَى﴾ صار إليه وجعله مأواه، والفتية: جمع فتى كغلمة وصبيةٍ، واختلف المفسرون في سبب مسيرهم:
قال ابن عباس، رضي الله عنهما: " كانت مدينة بالروم (1) ظهر عليها ملك من الروم يقال له (2) دقيانوس فغلب على مدينتهم وأرضهم، واسم مدينتهم افسُوس فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان فمن كفر بالله واتبع دينه تركه، ومن لم يتبع دينه قتله، فهدا الله شابًا من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام فجعل يدعوا الناس سرًا حتى هدا الله على يده خمسة أغلمة، ففطن لهم الملك فأخذهم ودفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم، فأرسل إليهم فهربوا وقال الآباء: خرجوا من عندنا أمس فما ندري أين هم (3) ومروا بغلام راع ومعه كلب له فدعوه إلى أمرهم فأعجبه ذلك فتابعهم عليه، فمضى معهم واتبعه كلبه " (4).
وقال كعب الأحبار (5):
- (1) في ب: " كانت مدينة ظهر عليها ملك من الروم ".
- (2) في ب: "يقال لها".
- (3) من قوله: "ومروا بغلام" إلى قوله " فتابعهم عليه " ساقط من ب.
- (4) انظر: انظر: بحر العلوم للسمرقندي (2/ 290).
- (5) كعب الأحبار، أبو إسحاق بن ماتع الحميري، اليماني، أسلم في خلافة أبي بكر ﵁، وقدم من اليمن في خلافة عمر ﵁، وهو من مسلمة أهل الكتاب، روى عن جملة من الصحابة، سكن الشام ومات بحمص سنة اثنيتن وثلاثين.
انظر: الثقات لابن حبان (5/ 333)، تذكرة الحفاظ (1/ 52).
" مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مرارًا فقال لهم الكلب: ما تريدون مني لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم، ثم أتوا الكهف فدخلوا ثم أرسلوا بعضهم إلى السوق، قيل: هو الذي اسمه يمليخا ليشتري لهم طعامًا من السوق وركب الملك والناس معه في طلبهم وهم يسألون عنهم، فسمع يمليخا بذلك فعجل أن يشتري لهم كل الذي أرادوا واشترى بعضًا فأتاهم (1) به وأخبرهم أن الناس والملك في طلبهم فأكلوا ما أتاهم به ولم يشبعوا، ثم ناموا على جوعهم فضرب الله على آذانهم بالنوم وسار الملك والناس معه حتى انتهوا إلى باب الكهف فوجدوا آثارهم داخلين ولم يجدوا آثارهم خارجين، فدخلوا الكهف فطلبوهم فأعمى الله عليهم فلم يجدوا شيئًا فقال الملك: سدوا عليهم باب الكهف حتى يموتوا فيه فيكون قبورهم إن كانوا فيه، ثم انصرف الملك، فعمد رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما إلى لوح من رصاص وكتبا فيه أسماء الفتية وأسماء آبائهم ومدينتهم وأنهم خرجوا فرارًا من دقيانوس الملك الكافر فمن ظفر بهم فإنهم مسلمون وألزقاه في السد من داخل الكهف " (2).
وروي عن السدي (3) أنه قال: " كان في المدينة فتية ليس منهم أحد يعرف صاحبه، فخرج ملكهم مخرجا كان له وخرج الناس معه وخرج الفتية ومعهم واحدٌ معه كلبٌ وليس منهم أحد إلا وفي نفسه يقول: إن رأيت أحدًا استضعفته دعوته، فلما رجع الناس تخلف الفتية فاجتمعت على باب المدينة وقد أغلق فطلبوا أن يدخلوا فلم يفتح لهم فقال بعضهم: إني أسر إليكم فإن تابعتموني عليه رشدنا فقصّ عليهم أمره فقالوا جميعًا: نحن على هذا فذلك قوله
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فصاروا إلى الكهف فدخلوا الكهف فرقدوا ورقد الكلب بفناء الكهف فضرب على آذانهم بالنوم، فلما فقدوا أهلهم انطلقوا إلى الملك فأخبروه (1) خبرهم فدعا بصخرة فكتب عليها أنهم هلكوا في زمان كذا ثم ضربها في سور المدينة على الباب، قال: وهو الرقيم " (2).
وفي رواية عبيد بن عمير (3):
كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسوّرين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي ومركب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله وقد قذف الله تعالى في قلوب الفتية الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك فآمنوا وأخذ كل واحد منهم الإيمان من صاحبه فقالوا في أنفسهم: من غير أن يظهر بعضهم لبعض نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسًا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره (1) من غير أن يظهر ذلك فجلس إليه ثم خرج الآخرون فجاؤا فجلسوا إليهما واجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟، وقال الآخر ما جمعكم؟ وكل واحد يكتم صاحبه إيمانه مخافةً على نفسه، ثم قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوا ثم يفش كل واحد منهم لصاحبه، فأقبلوا مستبشرين أن قد اتفقنا على أمر واحد فإذا هم جميعًا على الإيمان وإذا كهف في الجبل قريب منهم فقال بعضهم لبعض: أُؤوا ﴿(إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)﴾ فدخلوا الكهف ومعهم كلبُ صيدهم فناموا ثلثمائة سنين، قال: وفقدهم قومهم فطلبوهم فعمىّ الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدموا كتبت أسماءهم وأنسابهم في لوح؛ فلان وفلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان بن فلان ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك وجاء قرن بعد قرن (2).