تحقيق الوصال بين القلب والقرآنالجزء 1 · ص 41 - 48

الوصية بالقرآن

الوصية بالقرآن

لا عجب إذًا -أخي القارئ- أن تكون الوصية التي أوصى بها رسول الله ﷺ أمته من بعده هي القرآن.

ففي صحيح البخاري عن طلحة قال: سألت عبد الله بن أبي أوفي: أأوصي النبي ﷺ؟ فقال: لا، فقلت: كيف كتب على الناس الوصية؟، أُمروا بها ولم يُوص؟ قال: أوصى بكتاب الله» (1).

وعندما أخبر ﷺ حذيفة بن اليمان بالاختلاف والفرقة التي ستحدث بعده، فقال له حذيفة: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟! قال: «تعلَّم كتاب الله عز وجل واعمل به فهو المخرج من ذلك».

قال حذيفة: فأعدت عليه ثلاثا. فقال ﷺ: «تعلم كتاب الله واعمل به فهو النجاة» (2).

وقال يوما لأصحابه: «ستكون فتن» فسألوه: وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله ..» (3).

فالقرآن كان خُلُقه ﷺ، ووصيته، وميراثه .. مر أعرابي بعبد الله بن مسعود وعنده قوم يتعلمون القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد ﷺ (4).


  • (1) صحيح البخاري.
  • (2) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
  • (3) رواه الترمذي (2906)، والدارمي (3332)، وأورده الألباني في السلسلة الضعيفة.
  • (4) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 51.
41

الفصل الخامس النموذج العملي والدفعة الأولى لمدرسة القرآن

42

النموذج العملي

والدفعة الأولى لمدرسة القرآن

الدفعة الأولى:

ذاق صحابة رسول الله ﷺ حلاوة الإيمان من خلال القرآن، وأدركوا قيمته وقدرته الفذة على التغيير وبث الروح، فأقبلوا عليه، وانشغلوا به، وأعطوه الكثير من أوقاتهم، وانجذبت مشاعرهم نحوه عند لقائهم به لدرجة الاستغراق والهيمنة، حتى أصبحوا لا يملكون دمعهم حين يبدأون التلاوة، بل إن بعضهم كان يمرض من شدة أثر القرآن عليه، والبعض الآخر كانت الأنوار تشاهد في داره عند قراءته، والكثير منهم كان يعيش مع آية من الآيات ساعات طوالًا يقرؤها ويكررها ويبكي، ولا يملُّ من ذلك.

وإليك أخي بعضًا من الأخبار التي وردت عن مظاهر تأثر الصحابة رضوان الله عليهم بالقرآن:

* في أثناء مرض الرسول ﷺ قال لمن حوله: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس».

فقالت عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه (1).

* وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء - بنت أبي بكر - كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله (2).

* وكان عمر بن الخطاب يمر بالآية فتخنقه، فيبقى في بيته أيامًا يُعاد، يحسبونه مريضًا (3).

* وفي يوم من الأيام قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح؟! قال: «فلعله قرأ بسورة البقرة»، فسُئل ثابت، فقال: قرأت سورة البقرة (4).

* وقال رجل من أهل مكة لمسروق - أحد التابعين-: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، يركع ويسجد ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ فلم يزل يرددها حتى أصبح (5).

  • (1) متفق عليه.
  • (2) الدر المنثور 5/ 610.
  • (3) صحابة رسول الله - ﷺ - وجهودهم في تعليم القرآن الكريم/ 156.
  • (4) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 66.، وابن كثير في فضائل القرآن، وقال: إسناده جيد.
  • (5) المصدر السابق/ 145.
43

* وهذا أسيد بن حضير يقول: لو أني أكون كما أكون محل حال من أحوال ثلاث لكنت من أهل الجنة وما شككت في ذلك: حين أقرأ القرآن أو أسمعه يُقرأ، وإذا سمعت خطبة رسول الله ﷺ، وإذا شهدت جنازة (1).

* وكان عباد بن بشر يقوم بحراسة المسلمين بعد أن عسكروا في مكان، وأخلدوا للنوم وهم في طريق عودتهم من غزوة ذات الرقاع، ولما وجد الجو هادئًا بدأ في الصلاة وقراءة القرآن، وفي أثناء ذلك لمحه أحد المشركين فأصابه بسهم فلم يتحرك من مكانه، بل نزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بسهم ثان فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بثالث فنزعه وركع وسجد وسلَّم وأيقظ صاحبه عمار بن ياسر، ولما سأله عمار لماذا لم توقظني منذ أول سهم؟ قال له: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع عليَّ الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أُضيَّع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (2).

لقد كان شعوره رضي الله عنه بلذة القراءة، أشد بكثير من شعوره بالألم!!

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما نزلت +إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا" وأبو بكر الصديق قاعد فبكى حين أنزلت، فقال له رسول الله ﷺ: ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: يبكيني هذه السورة (3).

وهذا أسيد بن حضير بينما كان يقرأ في الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت. فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه في السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ، فقال له: «اقرأ يا ابن الحضير، اقرأ يا ابن الحضير» قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُلَّة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: «وتدري ما ذاك؟ «قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم» (4).

وعن البراء قال: قرأ رجل الكهف، وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «اقرأ فلان! فإنها السكينة تنزلت عند القرآن، أو تنزلت للقرآن» (5).

وعن أبي غزية الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار قائمًا يقرأ، فجاءت كهيئة القبة السوداء، فيها كهيئة الصلاصل، حتى أظلته، ففزع، ونفر فرسه، فانصرفت على فرسه فارتفعت، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فقال له رسول الله ﷺ: «تلك السكينة أَذِنَتْ القرآن حين سمعته، أما إنك لو ثبت رأيت منها عجبا» (6).

وروى الزهري أن عبد الله بن عباس كان يُقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب .. قال عبد الله بن عباس: لم أر أحدًا يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة (7).

ولما قدم أهل اليمن المدينة في زمن أبي بكر رضي الله عنه فسمعوا القرآن، فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر الصديق: هكذا كنا ثم قست القلوب (8).

  • (1) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر/ 148.
  • (2) السيرة النبوية لابن هشام.
  • (3) أورده ابن جرير الطبري في تفسيره 24/ 553، وانظر صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن، 129.
  • (4) رواه البخاري (5018)، ومسلم (1856).
  • (5) رواه مسلم (1854).
  • (6) رواه أبو نعيم، وأورده المستغفري في فضائل القرآن برقم (473).
  • (7) الانتصار للقرآن للباقلاني 1/ 201، ومختصر قيام الليل لمحمد بن نصر / 145.
  • (8) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 135.
44

عن عبيد بن عمير قال: صلى بنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة الفجر فافتتح سورة يوسف فقرأها حتى إذا بلغ ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84] بكى حتى انقطع فركع (1).

وهذا عبد الله بن مسعود يقول: إذا وقعت في (سور) آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن (2).

ومعنى أتأنق فيهن: أي أعُجب بهن وأستلذ بقراءتهن، وأتتبع محاسنهن (3).

وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يصلي ركعتين، فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفا حرفا، ويكثر في ذلك من التسبيح والنحيب (4).

الأثر المباشر للقرآن في سلوك الصحابة

إذا أردت - أخي - أن تعرف قدر تأثير القرآن على قلوب الصحابة، وكيف أن معانيه قد استحوذت على مشاعرهم، وأصبحت تواجههم وتوجههم حيثما اتجهوا فانظر إلى آثار ذلك من الناحية العملية لترى كيف كان ذلك الأثر سريعا في إذعانهم للحق، ومبادرتهم لفعل الخير، وعدم التلكؤ أو التباطؤ تحت أي دعوى.

ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟!

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، فلما قال مسطح ما قال في السيدة عائشة في حادثة الإفك، قال أبو بكر: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال في عائشة، ما قال. فأنزل الله: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22].

قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي.

فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها أبدًا (5).

أعرض عن الجاهلين

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأتيه الحُر بن قيس وعمه عيينة بن حصن فيقول عيينة للخليفة عمر: هيَّ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين.

يقول ابن عباس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله (6).

أقرضت ربي حائطي

لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245].

قال أبو الدحداح: يا رسول الله!، وإن الله يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك يا رسول الله! فناوله يده. قال: إني قد أقرضت ربي حائطي (بستان) فيه ستمائة نخلة.

وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح. قالت لبيك. قال: أخرجي فقد أقرضته ربي - عز وجل - قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح! ونقلت منه متاعها وصبيانها (7).

  • (1) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 137.
  • (2) المصدر السابق ص 255.
  • (3) آيات الخشوع لعبد الله المغربي/ 232.
  • (4) صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن ص 318، نقلًا عن الإصابة.
  • (5) رواه البخاري (4750).
  • (6) رواه البخاري (4642).
  • (7) رواه الإمام أحمد في المسند (3/ 346).
45

ثابت بن قيس من أهل الجنة

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2].

كان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت، فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ، وأنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في بيته حزينا ففقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ، مالك؟!

قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي، وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار.

فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال. فقال النبي ﷺ: «لا بل هو من أهل الجنة».

قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قُتل رضي الله عنه (1).

سمعًا لربي وطاعة

عن معقل بن يسار قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].

فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجها إياه (2).

وفي رواية: فسمع ذلك معقل بن يسار فقال: سمعا لربي وطاعة، فدعا زوجها فزوجها إياه (3).

والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت

عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أملى عليه: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾.

فجاء ابن أم مكتوم وهو يُملِّها علىَّ، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسوله ﷺ (غير أولى الضرر) (4) أي: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [النساء: 195].

لا حاجة لي في أرضك

نزل رجل من العرب على عامر بن ربيعة، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ، فجاء الرجل إليه بعد ذلك، فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ واديا ما في العرب أفضل منه، ولقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك.

فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1] (5).

قرأت البارحة سورة براءة

خرج عبد الرحمن بن يزيد مرة، وهو يريد أن يجاعل في بعث خرج عليه (الجُعل هو ما يُجعل للغازي إذا وجب على الإنسان غزو فجعل مكانه رجلًا آخر بجُعل يشترطه)، ثم أصبح فتجهز، فقيل له: ألم تكن أردت أن تجاعل؟ فقال: بلى، ولكن قرأت البارحة سورة براءة فسمعتها تحث على الجهاد (6).

  • (1) رواه أحمد في المسند (12422)، ومسلم بنحوه.
  • (2) رواه البخاري (5130).
  • (3) فتح الباري 9/ 234.
  • (4) رواه البخاري (4592).
  • (5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
  • (6) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 243.
46

وهذا أبو طلحة يقرأ سورة (براءة) فأتى على هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: 41] فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبابًا جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه فيها (1).

زينوا القرآن بالفعال

ولشحذ همم المسلمين قبل القتال كان الصحابة يقرؤون القرآن، ويذكِّرون بعضهم البعض بأخلاق القرآن.

قال هشام بن عروة كان شعار أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم يوم اليمامة: «يا أصحاب سورة البقرة» (2).

وقال أبو حذيفة يشحذ الهمم في ذلك اليوم المشهود: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال.

وكان الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم (3).

ولما أخذ سالم مولى أبي حذيفة الراية بعد مقتل زيد بن الخطاب قال له المهاجرون: أتخشى أن نؤتي من قبلك؟ فقال: (بئس حامل القرآن أنا إذًا) (4).

وفي القادسية وقبل بدء المعركة: صلى سعد بن أبي وقاص بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105] وقرأ القرَّاء على الناس: آيات الجهاد وسوره (5).

وبعد انتهاء المعركة وانتصار المسلمين كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب كتابا يخبره فيه بالفتح، فكان مما فيه: .. وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم .. كانوا يُدووّن بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود (6) ..

هذه الأجواء القرآنية جعلتهم يترفعون عن الدنيا وما فيها، وشمخت نفوسهم إلى الرضوان الأكبر لذلك كانوا آسادًا بالنهار لا تشبههم الأسود .. يقول جابر بن عبد الله: والله الذي لا إله إلا هو، ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة (7).

انشغال الصحابة بالقرآن ومحافظتهم على وردهم اليومي

هذه الأمثلة الرائعة لأثر القرآن على سلوك الصحابة ما كانت لتظهر لولا حرص الصحابة على كثرة قراءة القرآن بتفهم وترتيل، فقد كان للواحد منهم حزب يومي من القرآن - قل أو كثر - لا يتكاسل عن القيام به.

فعن الحسن قال: «قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علىَّ يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان رضي الله عنه حتى خرَّق مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه (8).

وعندما دخل عليه المعتدون ليقتلوه كان المصحف في حجره يقرأ فيه، فمدَّ يده فضُربت، فسال الدم، فقطرت قطرة على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137] (9).

وعن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل البيت نشر المصحف فقرأ فيه (10).

  • (1) تفسير ابن كثير 2/ 327.
  • (2) فضائل القرآن للمستغفري برقم 713.
  • (3) البداية والنهاية لابن كثير 6/ 367.
  • (4) المصدر السابق 6/ 381.
  • (5) البداية والنهاية 7/ 47.
  • (6) المصدر السابق 7/ 50.
  • (7) آيات الخشوع / 228، نقلًا عن تاريخ الطبري 2/ 19.
  • (8) حياة الصحابة للكاندهلوى 3/ 168.
  • (9) صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن الكريم ص179، نقلا عن معرفة الصحابة لأبي نعيم 1/ 254.
  • (10) حياة الصحابة 3/ 168.
47

وقيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر - رضي الله عنهما - في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف بينهما (1).

وعن خيثمة قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو يقرأ في المصحف فقلت له، فقال: هذا حزبي الذي أقرأ به الليلة (2).

وكان الحسن بن على يقرأ ورده من أول الليل، وحسينا كان يقرأه من آخر الليل (3).

وقالت عائشة: إني لأقرأ حزبي، أو قالت: سُبعي، وأنا جالسة على فراشي أو سريري (4).

وكان أبو موسى يقول: إني لأستحي أن أنظر كل يوم في عهد ربي عز وجل مرة (5).

وذات يوم قام عبد الرحمن بن عبد القارئ بزيارة عمر بن الخطاب في داره، فتركه عمر وحيدا لمدة طويلة، ثم أذن له بالدخول عليه، وقال له معللا ما فعل: إني كنت في قضاء وردي (6).

لقد كانت هناك مساحة معتبرة للقرآن في يومهم، لدرجة أن بعضهم كان يختمه في ثلاثة أيام والبعض في سبع، والبعض في عشر، مع التدبر والترتيل والتجاوب مع الآيات كما مر علينا، والذي ساعدهم على المداومة على ذلك هو استشعارهم لقيمة القرآن من ناحية، ولتحذيرات الرسول ﷺ المتكررة لهم بعدم الانشغال بغيره من ناحية أخرى .. لذلك كان القرآن يصحبهم في كل وقت، حتى في المعارك لم يتركوا قراءة القرآن كما مر علينا في معركة القادسية ..

والذي كان يسير في طرقات المدينة ليلا فلن تخطئ أذناه آيات القرآن وهي تنساب من كل بيت، فالجميع يقرأ ويترنم ويبكي، ويستشعر حلاوة الإيمان، ولذة الوصال، فيدفعه ذلك إلى مزيد من القراءة بتدبر وترتيل .. يستوي في ذلك الرجال والنساء، ولقد مر علينا قوله ﷺ: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (7).

وكان ﷺ يسير فمر على امرأة تقرأ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فقام يستمع ويقول: «نعم قد جاءني» (8).

لقد كان القرآن هو محور حياتهم، ومادة حياة قلوبهم .. يحرصون على تحصيلها أكثر من حرصهم على تحصيل الطعام والشراب والراحة، ولم لا وهم يدركون بأن الحياة الحقيقية هي حياة القلب .. انظر إليهم بعد دخولهم مكة فاتحين مع رسول الله ﷺ بعد أيام حافلة بالمجهود العظيم والسفر الطويل .. أليس من الطبيعي أن يخلدوا للراحة في الليل بعد انتهاء مهمتهم؟! ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل ظلوا حول الكعبة يصلون ويقرأون القرآن ويركعون ويسجدون ويتضرعون إلى الله يحمدونه ويشكرونه على عظيم فضله.

جاءت هند بنت عتبة زوجها أبي سفيان بن حرب صبيحة فتح مكة، فقالت له: أريد أن أبايع محمدًا.

قال أبو سفيان: قد رأيتك تكفرين. قالت أي والله، والله ما رأيت الله تعالى عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، والله إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا (9).

فلا عجب إذن - أخي القارئ- أن تظهر هذه النماذج الفريدة، وبهذه الأعداد الكبيرة، فالمدرسة واحدة، والمنهج واحد، والنبع صافٍ فياض لا ينضب.

  • (1) حياة الصحابة 3/ 168.
  • (2) فضائل القرآن للمستغفري 1/ 421
  • (3) المصدر السابق 1/ 421.
  • (4) المصدر السابق 1/ 422.
  • (5) التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي /184.
  • (6) فضائل القرآن لأبي عبيد/ 185.
  • (7) سبق تخريجه.
  • (8) أورده ابن كثير في تفسيره 4/ 456.
  • (9) رهبان الليل لسيد العفاني 1/ 310.
48