تحقيق الوصال بين القلب والقرآنالجزء 1 · ص 49 - 56

كيف كانوا يحفظون آيات القرآن؟

كيف كانوا يحفظون آيات القرآن؟

ومع اهتمام الصحابة الشديد بالقرآن، والحرص على تلاوته كل يوم، والإكثار من مدة المكث معه، إلا أن هذا لم يدفعهم للإسراع في حفظ الآيات، باعتبار أن من أهم أهداف التلاوة هو الزيادة المستمرة للإيمان، وتوليد الطاقة الدافعة للعمل، وفي نفس الوقت فإن هدف الحفظ يختلف، فالذي يحفظ ألفاظه لابد وأن يدرك معانيها، ويعمل بما تدل عليه حتى يُصبح حاملًا حملًا صحيحًا لهذه الألفاظ ولا يكون ممن عناهم الله عز وجل بقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5].

لذلك نجد التمهل وعدم الإسراع هو سمة الصحابة في حفظ القرآن، وليس أدل على ذلك من قول أبي عبد الرحمن السُّلمى: حدثنا الذين كانوا يُقرؤننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا العلم والعمل جميعًا (1)، وزاد في رواية الفريابي: وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا، وأشار بيده إلى حنكه (2).

لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم- يدركون قيمة القرآن وأنه ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]. يقول عبد الله بن عمر: كنا صدر هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ما معه إلا السورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلًا عليهم، ورزقوا العمل به، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن، حتى يقرأه الصبي والأعجمي فلا يعملون به (3).

ولقد أخبرهم الرسول ﷺ بذلك حين قال: «يخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن» (4).

لذلك لما بدأ المسلمون في عصر التابعين يقبلون على حفظ القرآن بشكل مختلف عما كان يفعله الصحابة، ازداد تحذير الصحابة لهم وتخويفهم من خطورة حمل ألفاظ القرآن دون إدراك معانيه ومعرفة أحكامه، والعمل بما تدل عليه آياته. فقد جمع أبو موسى الأشعري الذين حفظوا القرآن في الكوفة، وكان عددهم يبلغ قرابة الثلاثمائة، فعظَّم القرآن، وقال:

«إن هذا القرآن كائن لكم ذخرًا، وكائن عليكم وزرًا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زجَّ به في قفاه فقذفه في النار» (5).

وعندما جاء رجل إلى أبي الدرداء وقال له: إن ابني قد جمع القرآن، فانزعج أبو الدرداء وقال له: اللهم اغفر. إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع (6).

وكيف لا يقول هذا، وهو القائل: أخاف أن يقال لي يوم القيامة علمت أم جهلت؟

فأقول: علمت. فلا تبقى آية في كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا وتسألني فريضتها.

تسألني الآمرة: هل ائتمرت؟ وتسألني الزاجرة: هل ازدجرت؟!

فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع (7).

وكان يقول: لو أعيتني آية من كتاب الله عز وجل فلم أجد أحدًا يفتحها عليَّ إلا رجلًا بِبَرْك الغماد لرحلت إليه (8).

  • (1) منهج السلف في العناية بالقرآن الكريم لبدر ناصر ص 104.
  • (2) فضائل القرآن للفريابي ص241.
  • (3) أخلاق حملة القرآن للآجرى ص 49.
  • (4) صحيح رواه الفريابي، والطبراني، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 229 وقال: رجاله ثقات.
  • (5) أخلاق حملة القرآن للآجري ص 20.
  • (6) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 133.
  • (7) حديث القرآن عن القرآن لمحمد الراوي ص 46.
  • (8) فضائل القرآن لأبي عبيد، ص 101، وبَرْك الغماد: موضع في أقاصي هجر باليمن.
49

وفي المقابل كانوا يجتهدون في تعليم من بعدهم القرآن بطريقة تربط بين اللفظ والمعنى، وتحقق مفهوم «التعليم، وكانوا يقتصرون في الجلسة الواحدة على آية أو بضع آيات حتى يتم الانتفاع الصحيح بها.

فهذا عبد الله بن مسعود كان إذا أصبح فخرج أتاه الناس إلى داره، فيقول: على مكانكم، ثم يمر بالذين يقرئهم القرآن، فيقول: أبا فلان، بأي سورة أنت؟ فيخبره، فيقول: في أي آية؟ فيخبره؟ فيفتح عليه الآية التي تليها، ثم يقول: تعلمها، فإنها خير لك مما بين السماء والأرض، فيظن الرجل أنه ليس في القرآن آية لعلها خير منها، ثم يمر بالآخر فيقول له مثل ذلك، حتى يقول ذلك لكلهم (1).

وقال أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، إنه أحفظ لكم، وإن جبريل صلوات الله عليه كان ينزل بخمس آيات متواليات (2).

وقال أبو رجاء العطاردي: كان أبو موسى يعلمنا القرآن خمس آيات خمس آيات (3).

خوف الصحابة على القرآن

بعد أن ذاق الصحابة - رضوان الله عليهم - حلاوة القرآن، وأدركوا قيمته الحقيقية، والسر الأعظم لمعجزته، ووظيفته المتفردة في إنشاء الإيمان، وبناء اليقين الصحيح، ومن ثمَّ التقويم والتغيير .. بعد أن تأكدوا من هذا كله، ورأوا بأعينهم ثمار التعامل الصحيح مع هذا الكتاب في شتى الدوائر والمجالات، كان من أهم ما يشغل بالهم هو توصيل هذه الرسالة لمن بعدهم من الأجيال حتى لا يتحول القرآن من وسيلة عظيمة للتغيير إلى مجرد كتاب مقدس يُقرأ للتبرك والثواب فقط ..

لذلك كانوا حريصين على متابعة من بعدهم في كيفية تعاملهم مع القرآن، فالسيدة عائشة تسمع رجلا يقرأ القرآن قراءة سريعة، فقالت: ما قرأ هذا وما سكت (4).

* وجاء رجل يقال له: نُهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود فقال له: يا أبا عبد الرحمن: كيف تقرأ هذا الحرف، ألفا تجده أم ياء «من ماء غير آسن» أو «من ماء غير ياسن» فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟

قال نُهيك: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذًّا كهذِّ الشعر؟ إن أقواما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع (5) ..

* وقيل لعبد الله بن عمرو بن العاص: الرجل يقرأ في ليلة؟ فقال: أقد فعلتموها؟ لو شاء الله أنزله جملة واحدة، إنما فُصل ليعطي كل سورة حظها من الركوع والسجود (6).

* ورأى عبد الله بن مسعود مصحفًا مزينًا بالذهب فقال: إن أحسن ما زُينت به المصحف تلاوته ليلًا ونهارًا في الخلوة (7).

وكان أبو الدرداء يقول: إذا حليتم مصاحفكم، وزوقتم مساجدكم، فالدمار عليكم (8).

توجيهات ووصايا الصحابة نحو القرآن

عن الحسن قال: كان رجل يكثر غشيان باب عمر رضي الله عنه، فقال له: اذهب فتعلم كتاب الله، فذهب الرجل، ففقده عمر ثم لقيه فكأنه عاتبه، فقال: وجدت في كتاب الله ما أغناني عن باب عمر (9).

أوصى جُندب بن عبد الله أهل البصرة بوصية فقال فيها: وعليكم بالقرآن، فإنه هدى النهار، ونور الليل المظلم، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة (10).

أما الحسن بن على فيوصى وصية مهمة وضابطة لقراءة القرآن فيقول: اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرؤه (11).

  • (1) لمحات الأنوار 1/ 272.
  • (2) فضائل القرآن للمستغفري 1/ 321.
  • (3) معرفة القراء 1/ 59.
  • (4) الزهد لعبد الله بن المبارك برقم (1197).
  • (5) صحيح مسلم (1905).
  • (6) مختصر قيام الليل ص 152.
  • (7) التذكار في أفضل الأذكار ص 192.
  • (8) الزهد لابن المبارك برقم (746).
  • (9) صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن الكريم ص 154.
  • (10) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 78.
  • (11) المصدر السابق ص 134.
50

وقال على بن أبي طالب: ألا أنبئكم بالفقيه حق الفقيه، من لم يُقَنِّط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معصية الله، ولم يُؤَمَّنهم مكر الله، ولم يترك القرآن إلى غيره ..

ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا خير في فقه ليس فيه تفهم، ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر (1).

وكان عبد الله بن مسعود يقول: أُنزل القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا، إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يُسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به (2).

وقال أبو الدرداء:

إياكم والهذاذين، الذين يهذون القرآن، يسرعون بقراءته، فإنما مثل أولئك كمثل الكُنة: لا أمسكت ماء، ولا أنبتت كلأ (3).

والكنة هي الظلة التي تكون فوق الدار.

وهذا خباب بن الأرت يقول لجار له: يا هناه! تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه (4).

وجاء رجل إلى أبي الدرداء فقال له: إن إخوانًا لك من أهل الكوفة يقرئونك السلام، ويأمرونك أن توصيهم. فقال: أقرئهم السلام ومُرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه يحملهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة (5).

والخزائم جمع خزامة وهي حلقة توضع في أنف البعير ليشد بها الزمام، والمراد: استسلم للقرآن، وأعطه زمامك، واتركه يقودك، وسر وراءه تابعًا مطيعًا.

ومن وصايا عبد الله بن عمرو بن العاص: عليكم بالقرآن فتعلموه وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه تُسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظًا لمن عقل (6).

وكان أبو أمامة الباهلي يقول: اقرأوا القرآن، ولا يغرنكم هذه المصاحف المعلقة، فإن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن (7).

ومن أقوال عبد الله بن مسعود: من قرأ في ليلة أكثر من ثلث القرآن فهو راجز، ومن قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز (8).

وعن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة، فأدبرها وأرتلها، أحب إلىَّ من أن أقرأ كما تقول (9).

وقال أبو موسى الأشعري لقراء البصرة: اتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم، كما قست قلوب من كان قبلكم. (10)

تحذيرات الصحابة من رفع القرآن

كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يحذرون من بعدهم، ويخوفونهم من زمن يُرفع فيه القرآن، فعن شدَّاد بن معقل عن عبد الله بن مسعود قال: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وإن آخر ما يبقى منها الصلاة، وليصلين أقوام لا دين لهم، وإن هذا القرآن الذي بين ظهرانيكم سينُتزع منكم، قال: قلت: كيف ينتزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ فقال: يسرى عليه في ليلة واحدة، فينتزع ما في القلوب، ويذهب ما في المصاحف، ثم قرأ عبد الله ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 86] (11).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوىٌّ كدوى النحل، فيقول الرب: مالك؟ فيقول: يا رب أُتلى ولا يعمل بي، أُتلى ولا يُعمل بي، ثلاث مرات.

  • (1) مختصر قيام الليل ص 148.
  • (2) إحياء علوم الدين 1/ 426.
  • (3) مختصر قيام الليل ص 135.
  • (4) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 77.
  • (5) المصدر السابق ص 72.
  • (6) المصدر السابق ص 71.
  • (7) سنن الدارمي (3320).
  • (8) لمحات الأنوار 3/ 1202، ومعنى راجز: أي يقرؤه كقراءة الشعر بالسجع والرجز فتتوالى فيه الحركة والسكون حتى تنتهي أجزاؤه.
  • (9) المرشد الوجيز ص 197.
  • (10) أخرجه مسلم. .
  • (11) رواه عبد الرزاق 3/ 363، وابن أبي شيبة 7/ 256، 505، والحاكم 4/ 549، والبيهقي في السنن 6/ 289.
51

قال الليث بن سعد: إنما يُرفع القرآن حين يقبل الناس على الكتب، ويكبون عليها، ويتركون القرآن (1).

وعن عبد الله بن مسعود قال: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع، فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع، قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الناس؟ قال: يسرى عليه ليلا، فيرفع من صدورهم، فيصبحون فيقولون: كأنا لم نعلم شيئًا، ثم يفيضون في الشعر (2).

وعن معاذ بن جبل قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فَيَتَهافت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قَصَّروا قالوا: سنبلغ، وإن أساؤا قالوا: سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئًا (3).

وكان الإمام المقرئ خلف بن هشام البزار يعتب على أهل زمانه عدم العناية بفهم القرآن والعمل به، فيقول رحمه الله:

ما أظن القرآن إلا عارية في أيدينا، وذلك أنا روينا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حفظ البقرة في بضع عشرة سنة، فلما حفظها نحر جزورا شكرًا لله، وإن الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ ثلث القرآن لا يُسقط منه حرفا، فما أحسب القرآن إلا عارية في أيدينا (4).

خوف الصحابة من انشغال الناس بغير القرآن

أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يكتب السنن، فاستشار أصحابه، فأشاروا عليه بذلك، ثم استخار الله شهرًا، ثم قال: إني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله عز وجل، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا (5).

وخطب على بن أبي طالب رضي الله عنه في الناس وقال: أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم (6).

وبلغ عبد الله بن مسعود أن عند ناس كتابًا يعجبون به، فلم يزل بهم حتى أتوه فمحاه، ثم قال: إنما هلك أهل الكتاب قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا كتاب ربهم (7).

وعن ابن سيرين أن زيد بن ثابت قال:

أرادني مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة أن أكَتُبَه شيئًا، قال: فلم أفعل، قال: فجعل سترًا بين مجلسه وبين بقية داره، وكان أصحابه يدخلون عليه ويتحدثون في ذلك الموضع، فأقبل مروان على أصحابه فقال: ما أرانا إلا قد خُنَّاه، ثم أقبل علىَّ، قلت: وما ذاك؟ ما أرانا إلا قد خناك، قلت: وما ذاك؟ قال: إنا أمرنا رجلا يقعد خلف هذا الستر فيكتب ما تفتى هؤلاء وما تقول (8).

وقال عمرو بن قيس: وفدت مع أبي إلى يزيد بن معاوية (بحوارين) حين توفى معاوية نُعزَّيِّه، ونُهنيه بالخلافة فإذا رجل في مسجدها يقول: ألا إن من أشراط الساعة أن تُرفع الأشرار وتوضع الأخيار، ألا إن من أشراط الساعة أن يظهر القول، ويُخزن العمل، ألا إن من أشراط الساعة أن تُتلى المثُناة فلا يوجد من يغيرها.

قيل له: وما المثناه؟

قال: ما استُكتب من كتاب غير القرآن، فعليكم بالقرآن فبه هُديتم، وبه تجزون وعنه تسألون.

فحدثت بهذا الحديث بعد ذلك بحمص، فقال لي رجل من القوم: أو ما تعرفه؟

قلت: لا. قال: ذاك عبد الله بن عمرو (9).

وقال عبد الله بن مسعود: إن ناسا يسمعون كلامي ثم ينطلقون فيكتبونه، وإني لا أُحِل لأحد أن يكتب إلا كتاب الله (10).

  • (1) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر ص 179.
  • (2) شعب الإيمان للبيهقي 2/ 355، والزهد لابن المبارك ح (752).
  • (3) سنن الدارمي (3347).
  • (4) منهج السلف ص 123.
  • (5) جامع بيان العلم وفضله برقم (343).
  • (6) جامع بيان العلم وفضله برقم (337).
  • (7) رواه الدارمي (473).
  • (8) رواه الدارمي (478).
  • (9) رواه الدارمي (480).
  • (10) رواه الدارمي (485).
52

وأراد عمر بن الخطاب أن يكتب السُّنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: «من كان عنده شيء فليمحه» (1).

وعن الأسود بن حلال قال: أُتى عبد الله (ابن مسعود) بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فمحاها، ثم أمر بها فأخرجت، ثم قال: أُذكِّر بالله رجلا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدار الهند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (2).

وعن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد الخدري: ألا نكتب ما نسمع منك؟

قال: «أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟ إن نبيكم ﷺ كان يُحدَّثنا فنحفظ، فاحفظوا كما كنا نحفظ (3).

هذه الأخبار وغيرها تعكس تخوف الصحابة الشديد من انشغال الناس بغير القرآن، فيحرموا أنفسهم من نوره العظيم، وأثره المبارك والذي لا يوجد له مثيل ولا بديل.

هذا التخوف جعلهم يتشددون في موضوع كتابة العلم وتقييده.

وهنا أمران لا بد من التنويه عليهما في هذا المقام: الأول خاص بالسنة ومكانتها، والثاني خاص بتقييد العلم وكتابته.

منزلة السنة النبوية

يقول عبد الفتاح أبو غده رحمه الله: فالسنَّة والكتاب توأمان لا ينفكان، ولا يتم التشريع إلا بهما جميعًا.

والسنة مبيَّنة للكتاب وشارحة له، وموضَّحة لمعانيه، ومفسَّرة لمبهمه، فهي من الكتاب بمنزلة الشرح له، يُفصّل مقاصده ويُتَّم أحكامه (4).

وقد أتى رجل إلى عمران بن حصين رضي الله عنه فسأله عن شيء، فحدثه، فقال الرجل: حدثوا عن كتاب الله ولا تُحدَّثوا عن غيره.

فقال - عمران بن حصين - إنك امرؤ أحمق! أتجد في كتاب الله تعالى صلاة الظهر أربعا لا يُجهر فيها؟ ثم عدَّد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟! إن كتاب الله قد أبهم هذا، وإن السنة تفسر ذلك (5).

فالسنة من الكتاب بمنزلة الجزء من الكل، ولقد تعهد الله سبحانه بحفظ كتابه الكريم فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

وحفظ السنة من حفظ الكتاب ولا ريب، فهي محفوظة بحفظ الله تعالى لها (6).

لماذا لم تدوَّن السنة في عهد الرسول ﷺ

يقول د. مصطفى السباعي - رحمه الله:

لا يختلف اثنان من كتاب السيرة وعلماء السنة وجماهير المسلمين في أن القرآن الكريم قد لقى من عناية الرسول ﷺ والصحابة ما جعله محفوظا في الصدور، ومكتوبا في الرقاع، والسعف، والحجارة، وغيرها، حتى إذا توفى رسول الله ﷺ كان القرآن محفوظا مرتبا لا ينقصه إلا جمعه في مصحف واحد.

أما السنة فلم يكن شأنها كذلك، رغم أنها مصدر مهم من مصادر التشريع في عهد الرسول ﷺ ولا يختلف أحد في أنها لم تدون تدوينا رسميا كما دُون القرآن، ولعل مرجع ذلك إلى أن الرسول ﷺ عاش بين الصحابة ثلاثًا وعشرين سنة، فكان تدوين كلماته وأعماله ومعاملاته تدوينا محفوظا في الصحف والرقاع من العسر بمكان، لما يحتاج ذلك إلى تفرغ أناس كثيرين من الصحابة لهذا العمل الشاق.

  • (1) جامع بيان العلم وفضله 1/ 275 برقم (345).
  • (2) جامع بيان العلم وفضله برقم (350).
  • (3) جامع بيان العلم وفضله برقم (339).
  • (4) لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث لعبد الفتاح أبو غدة ص 10، 11.
  • (5) المصدر السابق ص 15.
  • (6) المصدر السابق ص 19.
53

(ومن الأسباب كذلك) خوف اختلاط بعض أقوال النبي الموجزة الحكيمة بالقرآن، سهوا من غير عمد، وذلك خطرٌ على كتاب الله يفتح باب الشك فيه لأعداء الإسلام، مما يتخذونه ثغرة ينفذون منها إلى المسلمين لحملهم على التحلل من أحكامه، والتفلت من سلطانه .. كل ذلك وغيره- مما توسع العلماء في بيانه - من أسرار عدم تدوين السنة في عهد الرسول ﷺ (1)، وبهذا نفهم سر النهي عن كتابتها الواردة في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ: «لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه».

موقف الصحابة من الحديث بعد وفاة الرسول ﷺ

أوصى رسول الله ﷺ صحابته بتبليغ السنة إلى من وراءهم «نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فحفظها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (2).

وشدد عليهم في التثبت فيما يرون «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (3).

فلم يكن بدٌ من أن يصدع الصحابة بالأمر ويبلغوا أمانة الرسول ﷺ إلى المسلمين، وخصوصا وقد تفرقوا في الأمصار، وأصبحوا محل عناية التابعين والرحلة إليهم، فكان التابعون يتتبعون أخبارهم ومواطنهم فيرحل إليهم من يرحل على بُعد المشقة وعناء الأسفار.

هذا كله كان عاملا في انتشار الحديث وانتقاله بين المسلمين (4).

(ومهما يكن من إكثار بعض الصحابة التحديث عن رسول الله، فقد كان ذلك قليلا في عصري الشيخين أبي بكر وعمر، إذ كانت خطتها حمل المسلمين على التثبت من الحديث من جهة، وحمل المسلمين على العناية بالقرآن أولًا (5) ..

فقد كانت رغبة عمر رضي الله عنه ألا يكثروا من التحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام كي لا ينشغل الناس بالحديث عن القرآن، والقرآن غض طرى. فما أحوج المسلمين إلى حفظه وتناقله، والتثبت فيه، والوقوف على دراسته!!

روى الشعبي عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى (صرار)، فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لِمَ مشيت معكم؟

قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا.

فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوىٌّ بالقرآن كدوى النحل، فلا تصدوهم بالحديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقِلُّوا الرواية عن رسول الله ﷺ، وامضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حَدَّثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب (6).

ويعلق الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - على هذا الأمر فيقول:

فعمر وغيره من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القرآن حظه الأوفر من الحفاوة والإقبال، وذلك هو الترتيب الطبيعي، فلا بد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه (7).

تقييد العلم وكتابته

أما بخصوص تقييد العلم وكتابته وتخوف الصحابة من ذلك - كما مر علينا - فيقول الخطيب البغدادي:

فقد ثبت أن كراهة من كره الكتابة من الصدر الأول، إنما هي لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ، لأنه لا يعرف حقها من باطلها، وصحيحها من فاسدها، مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمنا عليها.

  • (1) السنة ومكانتها في التشريع لمصطفى السباعي ص 58، 59.
  • (2) صحيح، رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث (6766).
  • (3) رواه مسلم.
  • (4) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 62.
  • (5) المصدر السابق ص 64.
  • (6) المصدر السابق ص 63.
  • (7) فقه السيرة لمحمد الغزالي ص 37.
54

ويقول: إنما اتسع الناس في كَتْب العلم، وعوَّلوا على تدوينه في الصحف، بعد الكراهة لذلك، لأن الروايات قد انتشرت، والأسانيد طالت، والعبارات بالألفاظ اختلفت، فعجزت القلوب عن حفظ ما ذكرنا ..

وقال النووي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف (1).

وقال ابن حجر العسقلاني: السلف اختلفوا في ذلك عملا وتركا، وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يَبعُد وجوبه على من خشى النسيان ممن يتبين عليه تبليغ العلم (2).

ولكن هل من كلمة سواء في هذا الموضوع؟!

بلا شك أنه لا يمكن الاستغناء بالقرآن عن السنة، وكيف يكون هذا والله عز وجل يقول لرسول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].

ويقول للمسلمين جميعًا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

(فالحديث هو الذي تولى بيان ما أُجمل من القرآن، وتفصيل أحكامه، ولولاه لم نستطع أن نعرف الصلاة والصيام، وغيرهما من الأركان والعبادات على الوجه الذي أراده الله تبارك وتعالى، وما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب) (3).

ونؤكد أيضًا على ضرورة تقييد العلم بالكتابة حتى لا تختلط الروايات، وتتداخل العبارات وغير ذلك من المفاسد الكثيرة ..

فلا بد من كتابة الحديث والعناية به، متنا، وسندا، وشرحا. ولكن أليس من الطبيعي أن يكون الاهتمام بالقرآن أولًا ثم بالسنة ثانيًا؟!

ولا بد كذلك من كتابة العلم، والانتفاع بآراء العلماء وجهودهم الفكرية، ولكن أليس الاهتمام بالقرآن - لفظا ومعنى - يسبق ذلك.

فمع كل ما قيل عن أسباب عدم تقييد العلم في البداية - وهي أسباب صحيحة - إلا أن أحد أهم الحِكم من ذلك هو خوف الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته من بعده على انشغال المسلمين بغير القرآن كمصدر متفرد للتغيير والتقويم، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان أعلم الناس بقدر القرآن، وبأنه لا يقوم مقامه شيء آخر في عمله داخل الإنسان، وكان يخشى من الانشغال بغيره حتى لا يفقد القلب أهم مصدر لإنشاء الإيمان وإحداث التغيير.

وكذلك كان الصحابة يدركون أهمية القرآن، ويخشون من الاهتمام بغيره، مع حرصهم على تبليغ سنة رسول الله ﷺ والأخذ بها.

ومما يدعو للأسف أنه قد حدث ما كان يخشاه الرسول عليه الصلاة والسلام، وصحابته من بعده، فكان انجذاب الأجيال اللاحقة نحو العلم وفروعه على حساب الاهتمام بالقرآن من حيث كونه مصدرا للهداية والشفاء.

يقول الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله -:

هجر المسلمون القرآن إلى الأحاديث ..

ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة ..

ثم هجروا أقوال الأئمة إلى أسلوب المقلدين.

وكان تطور الفكر الإسلامي على هذا النحو وبال على الإسلام وأهله .. روى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم:

يأتي على الناس زمان يُعلق فيه المصحف حتى يعشش عليه العنكبوت، لا ينتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث (4) ..

وعن بشر الحافي قال: سمعت أبا خالد الأحمر يقول: يأتي زمان، تُعطَّل فيه المصاحف، يطلبون الحديث والرأي، فإياكم وذلك فإنه يُصفِّقُ الوجه، ويَشغل القلب، ويُكثر الكلام (5).

  • (1) انظر: تحقيق أبي الأشبال الزهيري لكتاب جامع بيان العلم وفضله 1/ 269، 270.
  • (2) فتح الباري 1/ 271 - 273.
  • (3) تعليق أبي الأشبال على كتاب جامع بيان العلم 1/ 270 نقلا عن ناصر الدين الألباني.
  • (4) فقه السيرة للغزالي ص (42، 43).
  • (5) سير أعلام النبلاء 9/ 21.
55

من آثار هجر القرآن

اهتم أكثرية الصحابة رضوان الله عليهم بتبليغ ما يحفظونه من أحاديث رسول الله ﷺ لمن بعدهم، وبدأ بعد ذلك الاهتمام الشديد بتدوين الأحاديث خوفًا من النسيان أو موت من يحفظها، وقد بذلوا في ذلك مجهودًا كبيرًا، ثم تفرع العلم إلى فروع كثيرة كالفقه والسير، وظهر علم الكلام والفرق المختلفة كالمعتزلة والمرجئة وما صاحبها من خلافات فكرية ضخمة، ومواجهات كثيرة شغلت الأمة وأضاعت الكثير من جهود العلماء في الرد على بعضهم البعض.

وبدأ الكلام عن أسماء الله وصفاته، وعن القَدَر، وعن مفهوم الإيمان والإسلام وعن مرتكب الكبيرة، وغير ذلك من الأمور ..

والذي يقرأ في هذه الخلافات - بعد أن يعيش مع القرآن ويقرؤه مرات ومرات بتدبر وترتيل وتأثر - فإنه سيخرج بنتيجة مفادها أن هذه الخلافات ما هي إلا ثمرة من ثمار هجر القرآن، وأن صيحات التحذير التي أُطلقت من الجيل الأول والتي تحذر من الانشغال بغير القرآن، أو قراءته بدون فهم ولا تأثر لم تأخذها الأجيال المتلاحقة مأخذ الجد، بل وبدأ الانبهار بالموروثات الثقافية للحضارات المختلفة، وكان ما كان من خلافات شغلت الأمة كثيرًا عن وظيفتها الأساسية.

بناء الإيمان من خلال القرآن

إن الذي يقرأ القرآن ويتدبره ويرتله، وينشغل به كما انشغل الصحابة، سيجد معانيه قد انطبعت في عقله، وتحولت إلى يقين، وامتزجت بعاطفته فصارت إيمانًا راسخًا رسوخ الجبال الرواسي، فالقرآن يُشرب في القلب محبة الله، وتعظيمه، ومهابته، وتقديسه ..

فالإيمان بالله، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا دون تعطيل أو تشبيه أو تأويل يصل لقارئ القرآن بسهولة ويسر، وإن لم يستطع التعبير عنه، والدليل على هذا أن إيمانه لا يهتز إذا ما استمع أو قرأ عن شبهة من شبهات الفلاسفة وأهل المنطق، وكيف لا، والقرآن قد أفرد مساحات كبيرة للحديث عن ألوهية الله سبحانه وربوبيته وقيوميته على خلقه، وقدرته المطلقة، وعلمه المحيط، وعزته، وجلاله، وكماله ..

وليس ذلك فحسب فقد أَوْلى قضية الإيمان باليوم الآخر اهتمامًا كبيرًا، وكذلك سائر أركان الإيمان.

كل ذلك من خلال خطاب سهل ميسر يجمع بين القناعة العقلية، والتفاعل القلبي، لينشأ الإيمان كنتيجة لتعانق الفكر مع العاطفة.

وعندما انشغل الجيل الأول بالقرآن لم تظهر تلك التساؤلات والشبهات والخلافات التي ظهرت بعد ذلك.

يقول الشيخ محمد الغزالي- يرحمه الله-: .. إن دراسة هذا القرآن الكريم، أورثتنى إحساسًا بعظمة الله، لم أحسه في قراءة كتاب آخر (1).

أحسست أن الكتاب الذي بين يدي، يبدئ ويعيد في قيادة الناس إلى الله، واستثارة مشاعرهم من الأعماق، كي يرتبطوا به، ويتوجهوا إليه، ويستعدوا للقائه ..

الحديث دائم متصل عن الله، وما ينبغي له! وعن جَعْل هذه الحياة مهادا لما بعدها (2) ..

ويقول: ليت المسلمين استقوا عقائدهم من القرآن وحده! إذن لأراحوا واستراحوا، إن بعض هواة الجدل لم يتورعوا عن كثرة اللغط في قضايا العقيدة، فضلوا وأضلوا، ويشبه هؤلاء في الانحراف قوم غرتهم فلسفة اليونان وخيالاتهم النظرية .. تحدثوا في أصل الإيمان، فزادوا الطين بلة ..

ولا عاصم من هذه المزالق كلها، إلا التزام المنهج، والسير في معالمه (3) ..

إنني أتلو القرآن وأترك معانيه تنطبع في فؤادي دون تقعر ولا تجرؤ (4) ..

  • (1) المحاور الخمسة في القرآن ص 12.
  • (2) المصدر السابق ص 11، 12.
  • (3) المصدر السابق ص 14.
  • (4) المصدر السابق ص 15.
56