تحقيق الوصال بين القلب والقرآنالجزء 1 · ص 57 - 64

إعادة ترتيب الأولويات

ويقول: هذا الكتاب يعرف الناس بربهم، على أساس من إثارة العقل، وتعميق النظر، ثم يحول هذه المعرفة إلى مهابة لله، ويقظة في الضمير، ووجل من التقصير، واستعداد للحساب (1).

إعادة ترتيب الأولويات

من هنا نقول بأننا لا نريد الاستغناء بالقرآن عن السنة، أو عن كتب العلم المختلفة، ولا نريد الانشغال بغير القرآن على حساب القرآن، بل نريد الأمرين معًا، على أن يُعطي القرآن الأولوية في الاهتمام والرعاية، ليتحقق الهدف الذي من أجله أنزله الله عز وجل ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15، 16].

كلمة أخيرة عن الصحابة والقرآن:

إن أكثر أجيال الأمة إدراكًا لقيمة القرآن هم جيل الصحابة، فقد عاشوا الحياة قبله، وعاشوها بعده، لذا فقد أدركوا - أكثر من غيرهم - معنى السعادة الحقيقية، والربانية، والتغيير .. ويكفيك في ذلك حزنهم على انقطاع الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر رضي الله عنه: انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها .. فلما انتهيا إليها، بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ، فقالت: ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكني أبكى أن الوحي قد انقطع من السماء! فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (2).

من هنا ندرك أهمية صيحات التحذير التي أطلقوها، والوصايا التي كانوا يوصون بها من بعدهم حول القرآن.

فهذه الوصايا كانت تنطلق من استشعارهم للقيمة العظيمة للقرآن، وكانت تنطلق كذلك من خوفهم من عدم إدراك الأجيال اللاحقة لتلك القيمة، فينزوى القرآن جانبا ولا يأخذ دوره المرسوم له في قيادة الحياة، وتشكيل الشخصية المسلمة الصحيحة من جميع جوانبها، وإمدادها الدائم بالإيمان، ومن ثمَّ تفقد الأمة مكانتها العالية بين الأمم، فتتراجع إلى الوراء .. إلى الذلة والمهانة، وكيف لا وقد ربط الله عز وجل علو هذه الأمة بالإيمان ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

فهل أخذت الأجيال المتتابعة هذه الوصايا مأخذ الجد؟!

للأسف لم يحدث ذلك، بل حدث العكس، وابتعد الكثيرون من المسلمين عن الانتفاع الحقيقي بكتابهم.

فكانت النتيجة هي الحال البائس والوضع المرير الذي نحياه، فالقرآن رفع قدر الجيل الأول وأعلى من شأنه وجعل الأمة الإسلامية في مقدمة الأمم، بينما أوصلنا هجر الانتفاع بالقرآن إلى هذا المستوى الذي لا يخفى وصفه على أحد ..

فإن كنت في شك من هذا فتأمل قوله ﷺ: «إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضع به آخرين» (3).


  • (1) المصدر السابق ص 20.
  • (2) رواه مسلم.
  • (3) سبق تخريجه.
57

الفصل السادس لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!

58

لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!

رأينا كيف أثَّر القرآن العظيم على الجيل الأول، ورأينا كيف كان أثر القرآن على مشركي مكة .. ليبقى السؤال: لماذا لا يفعل القرآن معنا مثل ما فعل معهم؟! ..

إننا حتى لم نقل عنه ما قاله الوليد بن المغيرة: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه يعلو ولا يعلى عليه ..».

إن القرآن هو القرآن، وأدوات الانتفاع به التي نملكها من أذن وعين ولسان وقلب هي نفس الأدوات التي استخدموها فأوصلتهم لتلك المرتبة العالية في تعاملهم مع القرآن، بل إن فرصتنا في الاستفادة أوسع منهم مع وجود المصاحف في كل مكان.

فلماذا لا يحدث معنا مثل ما حدث معهم؟!

لماذا لم يحدث معنا مثل ما حدث لمشركي مكة - على الأقل - من تأثرهم بالقرآن؟!

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة نقرأ سويا هذه الكلمات للإمام حسن البنا - رحمه الله -:

حين أنزل الله القرآن على نبيه محمد ﷺ وقرأه هذا النبي الكريم على الأمة العربية حينذاك، عمل في نفوسهم عمل السحر، وبلغ أثره أعماق هذه القلوب، وتغلغل في حنايا الضلوع، وتمكن من مكامن الأرواح، وبدل الله به هذه الأمة خلقًا آخر، فكان البون بعيدًا، والفارق عظيمًا بين الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها.

ولقد أثر القرآن في نفوس المشركين والمؤمنين على السواء، ولكن أثره في نفوس المشركين كان أثرًا وقتيًا سلبيًا، وكانوا يفرون منه، ويضعون الحوائل فيما بينهم وبينه، ويقول بعضهم لبعض: ﴿لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26].

أما المؤمنون فكانوا ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ [الزمر: 18].

فكان أثر القرآن في نفوسهم دائمًا إيجابيًا .. بدَّلهم وغيَّرهم، وحوَّلهم من حال إلى حال، ودفعهم إلى كرائم الخصال وجلائل الأعمال ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَّشَاءُ﴾ [الزمر: 23].

وها هو القرآن يُتلى علينا، ويُقرأ بين ظهرانينا، فهل تغيرت به نفوسنا، وانطبعت عليه أخلاقنا، وفعل في قلوبنا كما كان يفعل في قلوب أسلافنا؟!

لا أيها الإخوان .. لقد صرنا نقرأ القرآن قراءة آلية صرفة .. كلمات تتردد، ونغمات تتعدد، ثم لا شيء إلا هذا، أما فيض القرآن وروحانيته، وهذا السيل الدافق من التأثير القوي الفعال، فمن بيننا وبينه حجاب، ولهذا لم نكن صورة من النسخة الأولى التي تأثرت بالقرآن وتبدَّلت نفوسها به (1).

هل اللغة هي السبب؟!

فإن قلت: إن الجيل الأول تأثر هذا التأثر البالغ بالقرآن لأن العرب كانوا يتذوقون اللغة بالسليقة ويدركون معانيها ومراميها، أما نحن فلسنا مثلهم، لذلك يصعب علينا فهم القرآن ومن ثمَّ التأثر والانتفاع الحقيقي به.

بلا شك أن (من يتذوق العربية يدرك معاني قد تخفى على غير أهل اللغة) (2) ولكن هذا الأمر ليس شرطًا للانتفاع بالقرآن كهداية وشفاء.

فالذي أنزل القرآن وجعله للعالمين نذيرًا يعلم أن الناس جميعًا ليسوا من أهل اللغة المتذوقين لها ..

  • (1) مجلة الأخوان المسلمين العدد
  • (21) السنة الأولى 18 رمضان 1362هـ، 18 سبتمبر 1943م.
  • (2) التعبير القرآني ص 568.
59

وفي نفس الوقت فلأنه لا يمكن لأحد أن يهتدي بهدى القرآن ويتأثر به، ويكون له بمثابة البشير، والنذير، والهادي، والنور، والروح، والتذكرة، والتبصرة .. إلا إذا تعلم اللغة العربية كلغة تخاطب يفهم خطابها وألفاظها فهما عاما؛ كان تعلم هذا القدر من اللغة ضروري للأعجمي لفهم خطاب القرآن المباشر له، ولو فهما إجماليًا ..

يقول الإمام ابن تيمية: إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (1).

ومما لا شك فيه أن عاقل مهما كان مستوى علمه وإدراكه محدودًا يستطيع - إذا ما أعمل عقله فيما يقرأ أو يسمع من آيات - أن يفهم الخطاب القرآني بدرجة ما ..

هذه الدرجة تمكنه - بعون الله - من بلوغ الهداية القرآنية، وهذا من صور

إعجاز القرآن، أن يسر الله فهمه للجميع، كلٌ على قدره مستواه +وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ" [القمر: 17].

لذلك فإن بلوغ الهداية من القرآن، والتأثر بمعانيه، ومن ثم الانتفاع الحقيقي به، في وسع وطاقة أي عاقل مهما كان مستوى إدراكه.

يقول الإمام محمد عبده: يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته، لا فرق بين عالم وجاهل. يكفي العامي من فهم قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1، 2] ما يعطيه الظاهر من الآيات، وأن الذين جُمعت أوصافهم في الآيات الكريمة لهم الفوز والفلاح عند الله تعالى (2).

ويقول: ومن الممكن أن يتناول كل أحد من القرآن بقدر ما يجذب نفسه إلى الخير، ويصرفها عن الشر، فإن الله تعالى أنزله لهدايتنا وهو يعلم منا كل أنواع الضعف الذي نحن فيه (3).

تفسير لا يعذر أحد بجهالته

ومما يؤكد هذا المعنى ما قاله ابن عباس رضي الله عنه:

تفسير القرآن على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى (4).

فالوجه الأول: كما يقول د. يوسف القرضاوي، والذي تعرفه العرب من كلامها: أن القرآن نزل بلسان العرب، وهو ما جاء على معهود كلامهم من الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية .. فالعرب تعرف القرآن من خلال معرفتها بأسلوب كلامها وطرائقه.

الوجه الثاني: (لا يعذر أحد بجهالته): هو ما كان واضحًا بحيث يتبادر إلى الأذهان معرفته، دون حاجة إلى كد الذهن، وإجهاد العقل.

الوجه الثالث: (تفسير يعلمه العلماء): ما لا يعرفه إلا أهل العلم، مما يحتاج إلى استنباط وتدقيق ومعرفة بعلوم أخرى، حتى يحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص ..

الوجه الرابع: ما لا يعلمه إلا الله: مثل شؤون الغيب، التي لا يعلم حقائقها إلا الله سبحانه، كأحوال البرزخ، وأمور الآخرة، وموعد قيام الساعة (5) ...

وعلق الإمام الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) على قول ابن عباس في تقسيم التفسير إلى أربعة أنواع فقال:

هذا تقسيم صحيح.

فأما الذي تعرفه العرب فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك اللغة والإعراب.

فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها، ولا يلزم ذلك القارئ.

وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى وجب على المفسر والقارئ تعلمه، ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم، ويسلم القارئ من اللحن (6) ..

  • (1) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص 320.
  • (2) مقدمة تفسير سورة الفاتحة ص 11.
  • (3) المصدر السابق ص 12.
  • (4) ذكره الطبري في مقدمة تفسيره.
  • (5) كيف نتعامل مع القرآن العظيم ص 202.
  • (6) قال الحليمي فيما نقله عنه البيهقي في الشعب (5/ 243، 244): ومعنى إعراب القرآن شيئان: أحدهما أن يحافظ على الحركات التي بها يتميز لسان العرب عن لسان العجم، لأن أكثر كلام العجم مبني على السكون وصلا وقطعا، ولا يتميز الفاعل من المفعول، والماضي من المستقبل باختلاف حركات المطالع .. والآخر: أن يحافظ على أعيان الحركات، ولا يُبدَّل شيئًا منه بغيره، لأن ذلك ربما أوقع في اللحن أو غير المعنى. أ. هـ.
    وبفضل الله يتم تعليم النطق السليم للكلمات مع تعلم أحكام التجويد في حلقات القرآن المنتشرة في كل مكان.
60

وأما ما لا يعذر أحد بجهله، فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدًا جليًا يُعلم أنه مراد الله تعالى.

فهذا القسم لا يلتبس تأويله، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد: 19]، وأنه لا شريك له في إلهيته، وإن لم يعلم أن (لا) موضوعة في اللغة للنفي، و(إلا) للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر.

فما كان من هذا القسم لا يُعذر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه، لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة (1).

المرونة في النص القرآني

وهنا تجدر الإشارة إلى أن (العبارة القرآنية فيها من المرونة والسعة بحيث يفهمها العقل العربي في عصر نزول القرآن، كما يفهمها كل قارئ لكتاب الله في كل جيل، ويجد فيها ما يُشبع فكره ووجدانه معًا فهما فطريًا ميسرا) (2).

وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:

العبارة القرآنية فيها مرونة تجعل معاني كثيرة تخرج منها أو تتحملها الآية وكان لا بد أن تكون في الصياغة هذه المرونة لكي تبقى وتكون ممتدة مع الزمن .. ففيها مرونة ظاهرة بحيث أنه إذا تكلم في التاريخ .. أو تكلم في شيء: تنزل العبارة لها نسيج معين بحيث يمكن أن يستقبلها العبقري ويغوص فيها، ويمكن أن يصل إليها العامي ويستقر عند حدودها الأولى .. فهذا من خصائص القرآن (3).

ويضرب مثلًا لذلك فيقول:

فكلمة ﴿لاَ رَيْبَ فِيه﴾ وسعتني وأنا صغير: أفهم أن الريبة الشك وعدم الصحة، لكن وسعتني وأنا كبير أعرف الأصول التي يستند إليها الكلام لكي يكون مقبولا (4).

الدليل الواقعي:

وهناك دليل واقعي واضح يؤكد على أن السبب لعدم انتفاعنا بالقرآن ليس هو افتقادنا للتذوق اللغوي.

هذا الدليل يتمثل في وجود نماذج كثيرة ممتدة عبر التاريخ الإسلامي من غير العرب ممن تعلموا اللغة العربية، فتأثروا بالقرآن تأثرًا بالغًا، وانتفعوا به انتفاعًا عظيمًا.

يقول أبو الحسن الندوي:

لا تَقِلُّ قصص العلماء والمشايخ الصالحين الذين ولدوا في العجم وكانت لغتهم غير العربية، في تذوقهم لتلاوة القرآن الكريم، وعنايتهم بحفظه، وشغفهم به، وانصرافهم كليا إليه، واستغراقهم فيه، لا تقل هذه القصص إثارة للرغبة وتأثيرًا في النفوس وعظة وعبرة عن غيرهم من الذين كانت لغتهم الأصلية هي العربية، ونجتزئ من مئات هذه القصص - فيما يلي - بعض الحكايات المؤثرة:

يذكر في سيرة الإمام المجدد أحمد السرهندي أنه كان يبدو عند تلاوته لكتاب الله تعالى، ويظهر على وجهه أن الحقائق القرآنية تفيض عليه، وأن بركاته تنسكب وفيوضه تنهمر، وكان إذا قرأ آيات العذاب أو الآيات التي جاءت بصيغة التعجب والاستفهام، تجاوب معها، وتكيف بها.

كان الشيخ فضل الرحمن الكنج مراد آبادي (م 1313هـ) يقرأ القرآن ذات يوم إذ غلبه الوجد (التأثر والاستغراق المشاعري الشديد مع الآيات)، فقال للشيخ السيد تجمل حسين: إن اللذة التي نجدها في القرآن، لو وجدتم منها ذرة، لما صبرتم على الجلوس مثلنا، ولخرجتم تمزقون ثيابكم إلى الصحراء، ثم قال: آه، ودخل حجرته ومرض لعدة أيام.

وقال ذات مرة: إن الصلة الحقيقية بالقرآن غاية السلوك والإحسان.

  • (1) كيف نتعامل مع القرآن العظيم ص 202، 203.
  • (2) التعبير القرآني ص 563.
  • (3) كيف نتعامل مع القرآن، ص 205 باختصار.
  • (4) المصدر السابق ص 206.
61

ويقول الشيخ الجليل عبد القادر الرائيفوري - أحد كبار المشايخ المعروفين في عصره - وهو يصف حال مربيه وشيخه عبد الرحيم الرائيفوري (م 1919م - الموافق 1337هـ): لقد رأيت الشيخ يقرأ القرآن الكريم، فكان يطيل قراءته في صلاة الليل أيما إطالة، فتارة يبكي، وإذا جاء ذكر العذاب، بكى واستغفر الله تعالى وتضرع إليه تضرعا عجيبًا يتمثل حال من يسأل العفو عن جريمته في ضراعة ولهف، وإذا جاءت آية فيها ذكر رحمة الله - عز وجل - استبشر وسرَّ تارة، وهدأ صامتا أخرى (1).

محمد إقبال

ومن نماذج الأعاجم الذين تأثروا بالقرآن واستفادوا منه استفادة عظيمة: شاعر الإسلام محمد إقبال.

يقول أبو الحسن الندوي:

لقد أثَّر (القرآن الكريم) في عقلية إقبال، وفي نفسه ما لم يؤثر فيه كتاب ولا شخصية، ولم يزل محمد إقبال إلى آخر عهده بالدنيا يغوص في بحر القرآن، ويطير في أجوائه، ويجوب في آفاقه، فيخرج بعلم جديد، وإيمان جديد، وإشراق جديد، وقوة جديدة.

وكلما تقدمت دراسته، واتسعت آفاق فكره، ازداد إيمانًا بأن القرآن هو الكتاب الخالد، والعلم الأبدي وأساس السعادة، ومفتاح الأقفال المعقدة، وجواب الأسئلة المحيرة، وأنه دستور حياة، ونبراس الظلمات.

ولم يزل يدعو المسلمين وغير المسلمين إلى التدبر في هذا الكتاب العجيب، وفهمه، ودراسته، والاهتداء به في مشكلات العصر، واستفتائه في أزمات المدنية، وتحكيمه في الحياة والحكم، ويعتب على المسلمين إعراضهم عن هذا الكتاب، الذي يرفع الله به أقوامًا، ويضع به آخرين.

يقول إقبال:

إنك أيها المسلم لا تزال أسيرًا للمتزعمين للدين، والمحتكرين للعلم، ولا تستمد حياتك من القرآن رأسًا، إن الكتاب الذي هو مصدر حياتك ومنبع قوتك، لا اتصال لك به إلا إذا حضرتك الوفاة، فتُقرأ عليك سورة «يس» لتموت بسهولة. فواعجبا! قد أصبح الكتاب الذي أُنزل ليمنحك القوة يتُلى الآن لتموت براحة وسهولة (2).

ويقول: أقول لكم ما أؤمن به وأدين: إنه ليس بكتاب فحسب، إنه أكثر من ذلك، إذا دخل القلب تغير الإنسان، وإذا تغير الإنسان تغير العالم (3) ..

بديع الزمان النورسي

وبديع الزمان سعيد النورسي من نماذج الأعاجم الذين تأثروا بالقرآن تأثرًا بالغًا، وفاضت عليه معانيه، وكتب الكثير حولها في «رسائل النور» وحفظ الله به الإسلام في تركيا فترة سقوط الخلافة وتحويل تركيا إلى دولة علمانية ..

قبل أن يُقبل النورسي على القرآن إقبالًا صحيحًا كان يشعر بالحيرة، ويبحث عن مرشد روحي يسير وراءه، وأخذ يوازن بين كلام عبد القادر الجيلاني في كتابه «فتوح الغيب» وبين كلام أحمد السرهندي في كتابه «المكتوبات» ..

يقول رحمه الله: احترت كثيرًا، أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة؛ إذ بخاطر رحمانيَّ يخطر على قلبي ويهتف بي: إن بداية هذه الطرق جميعها، ومنبع هذه الجداول كلها .. وشمس هذه الكواكب السيارة .. إنما هو القرآن الكريم، فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلا في القرآن الكريم .. فالقرآن هو أسمى مرشد .. وأقدس أستاذ على الإطلاق ..

ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن، واعتصمت به، واستمددت منه.

صرفت كل همي ووقتي إلى تدبر معاني القرآن الكريم، وبدأت أعيش حياة «سعيد الجديد» .. أخذتني الأقدار نفيًا من مدينة إلى أخرى .. وفي هذه الأثناء تولدت من صميم قلبي معان جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم ..

  • (1) المدخل إلى الدراسات القرآنية ص 104 - 106 بتصرف يسير.
  • (2) روائع إقبال: 28 - 40 باختصار.
  • (3) المصدر السابق 158.
62

أمليتها على من حولي من الأشخاص، تلك الرسائل التي أطلقتم عليها «رسائل النور» إنها انبعثت حقا من نور القرآن الكريم (1) ..

النماذج كثيرة

وإليك أخي القارئ بعضا من النماذج في العصر الحديث من الأعاجم الذين أسلموا وتأثروا بالقرآن.

فهذه عائشة برجت هوني التي نشأت في أسرة إنجليزية مسيحية، وشغفت بالفلسفة، ثم سافرت إلى كندا لإكمال دراستها، وهناك في الجامعة أتيح لها أن تتعرف على الإسلام، وأن تنتهي إليه ..

تقول هوني: .. لن أستطيع مهما حاولت، أن أصف الأثر الذي تركه القرآن في قلبي، فلم أكد انتهى من قراءة السورة الثالثة من القرآن حتى وجدتني ساجدة لخالق هذا الكون، فكانت هذه أول صلاة لي في الإسلام (2) ..

وهذا فنسامي مونتاي الفرنسي: رجل بحث وترحال، اختص بدراسة القضايا الإسلامية والعربية عن كثب، قضى سنوات عديدة في المغرب والمشرق وأفريقيا وآسيا، ونشر عشرات الأبحاث والكتب عن الإسلام والحضارة الإسلامية، وانتهى الأمر به إلى إعلان إسلامه في صيف عام 1977.

يقول مونتاي: إنني لا أشك لحظة في رسالة محمد ﷺ، واعتقد أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنه بُعث للناس كافة، وأن رسالته جاءت لختم الوحي الذي نزل في التوراة والإنجيل. وأحسن دليل على ذلك هو القرآن المعجزة .. ويقول: إن مثل الفكر العربي الإسلامي المبعد عن التأثير القرآني كمثل رجل أفرغ من دمه (3) ..

وهذا كات ستيفنز: المغنى البريطاني المشهور في الستينات وأوائل السبعينيات، اعتنق الإسلام عام 1976م بعد أن تعرف على القرآن بواسطة شقيقه.

يقول ستيفنز: في تلك الفترة من حياتي (فترة الشهرة والنجاح) بدا لي وكأنني فعلت كل شيء، وحققت لنفسي النجاح والشهرة والمال والنساء .. كل شيء، ولكن كنت مثل القرد أقفز من شجرة إلى أخرى، ولم أكن قانعًا أبدًا، ولكن كانت قراءة القرآن بمثابة توكيد لكل شيء بداخلي كنت أراه حقا، وكان الوضع مثل مواجهة شخصيتي الحقيقية (4).

وهذا ايتين دينيه (1861 - 1929): تعلم في فرنسا، وأشهر إسلامه وتسمى بناصر الدين (1927) يقول عن القرآن:

إن معجزة الأنبياء الذين سبقوا محمدًا ﷺ كانت في الواقع معجزات وقتية، وبالتالي معرضة للنسيان السريع. بينما نستطيع أن نسمى معجزة الآيات القرآنية: (المعجزة الخالدة) وذلك أن تأثيرها دائم ومفعولها مستمر، ومن اليسير على المؤمن في كل زمان وفي كل مكان أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة في كتاب الله.

ويقول: أحسًّ المشركون في دخيلة نفوسهم، أنه قد غزا قلوبهم ذلك الكلام العجيب الصادر من أعماق قلب الرسول ﷺ، وكلهم كثيرًا ما كانوا على وشك الخضوع لتلك الألفاظ الأخاذة التي ألهمها إيمان سماوي، ولم يمنعهم عن الإسلام إلا قوة حبهم لأعراض الدنيا (5) ..

هذه النماذج السابق ذكرها كانت -كما ترى - لأناس ليست اللغة العربية هي لسانهم، بل تعلموها كما يتعلم الواحد منا لغة أخرى غير لغته العربية.

  • (1) كليات رسائل النور - سيرة ذاتية ص 161 - 162 باختصار.
  • (2) قالوا عن القرآن لعماد الدين خليل، ملحق لكتاب إشارات الإعجاز للنورسي، ص 287.
  • (3) المصدر السابق ص 287.
  • (4) المصدر السابق ص 268.
  • (5) المصدر السابق ص 263.
63

ومما لا شك فيه أن أقصى ما كانوا يطمحون إليه في تعاملهم مع اللغة العربية؛ أن يصلوا إلى المستوى اللغوي لأي شخص يعيش في البلاد العربية، وينطق بها بسلاسة وطلاقة، تمامًا مثلما يطمح من يتعلم منا اللغة الإنجليزية - على سبيل المثال - وبلا ريب أن مستوى تذوقهم للغة العربية وأساليبها وبلاغتها سيكون أقل منا بمراحل، ومع هذا فقد رأينا تأثرهم البالغ بالقرآن والذي عبرَّ بعضهم عنه بالكلمات السابقة (1).

عودة إلى العصر الأول لنزول القرآن

فإذا ما عدنا للعصر الأول لنزول القرآن نجد نماذج -لها علم بالعربية لكنها ليست لسانها- قد تأثرت تأثرًا عظيمًا بالقرآن كالنجاشي الذي تأثر بسماعه آيات من سورة مريم، وبكى حتى أخضلت دموعُهُ لحيته، ثم قال: إن هذا والذي جاء به عيسى - عليه السلام - ليخرج من مشكاة واحدة (2). وأسلم رحمه الله.

وليس معنى هذا هو التقليل من شأن أهل اللغة العربية أصحاب التذوق الصحيح لها، بل العكس؛ فهم الأئمة الذين ينبغي أن ينتشروا بين المسلمين فيبينوا لهم ما أشكل عليهم فهمه من القرآن فيزدادوا به هداية.

كل ما نقصده أن تعلم العربية من كل جوانبها ليس شرطًا أساسيًا للانتفاع بالقرآن.

أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن أن الحارث بن قيس قال: كنت رجلًا في لساني لكنة (3)، فقيل لي: لا تَعَلَّم القرآن حتى تَعَلَّم العربية، فأتيت عبد الله فذكرت ذلك له، فقلت: إنهم يضحكون مني، ويقولون: تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن، فقال: لا تفعل، فإنك في زمان تحفظ فيه حدود القرآن، ولا يبالون حفظ كثير من حروفه، وإن بعدك زمان تحفظ فيه الحروف وتُضيَّع فيه الحدود (4).

من هنا يتضح لنا أن عدم انتفاعنا بالقرآن في تحقيق الهداية والشفاء والربانية ليس بسبب ضعف تذوقنا للغة العربية ..

ولكن ما السبب إذن؟!

هب أن شخصًا ما قد أصابه مرض شديد له أعراض كثيرة، وتم تشخيص مرضه ووصف الدواء المناسب له بواسطة طبيب من الأطباء، وعندما سأل عن الدواء اكتشف بأنه (الأسبرين) فقط والذي تمتلئ به الأدراج في بيته.

أليس من المفترض أن يبدأ في تناول الدواء؟!

ولكن إن لم يفعل ذلك، وأصر على الذهاب، لطبيب آخر .. فبماذا تبرر هذا التصرف؟!

أليس هو استخفافه بهذا الدواء، وعدم إيمانه بأن يكون الأسبرين سببًا في التخلص من مرضه الشديد، وذهاب أعراضه المؤلمة.

إن أمر القرآن معنا أشد من أمر الأسبرين مع هذا المريض.

  • (1) .. لم نذكر في نماذج تأثر الأعاجم بالقرآن، أولئك الذين لا يفهمون العربية، ومع ذلك فعندما استمعوا إلى القرآن - وهم لا يفهمونه - حدثت عندهم تغيرات وتأثر بشكل ما .. لم نتحدث عنهم لأن هذا الأثر الذي أحدثه فيهم القرآن ليس هو مقصدنا الحقيقي، لأنهم يتأثرون بجرس القرآن وجماله التوقيعي ونغمه أو كما يسميه الشيخ محمد عبد الله دراز - ﵀ - يتأثرون بالقشرة الخارجية للقرآن.
    وهذا ليس التأثر الإيماني الذي نريده، فالتأثر الإيماني هو فهم المعنى والانفعال معه لينشأ الإيمان به في القلب، ومما يساعد على نجاح هذه العملية هو ترتيل القرآن بصوت حزين، ويتأكد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 198، 199] فكيف يؤمنون بشيء لا يفهمونه ولا يعرفون كنهه؟!
  • (2) السيرة النبوية لابن هشام 1/ 207.
  • (3) لكنة: أي عيّ (مثل الأعجمي الذي لا ينطق كل حروف اللغة بطريقة صحيحة).
  • (4) فضائل القرآن لابن الضريس برقم
  • (1) و(3).
64