تصويبات في فهم بعض الآياتالجزء 1 · ص 150 - 161

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾

قال تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

تقرر هاتان الآيتان حقيقةً أساسيةً من حقائق التصوّر الإسلامي الثابتة، وقاعدةً من قواعده الطردة، وأساسًا هامًا في مبدأ الثواب والعقاب.

إن الثواب والعقاب على الأعمال التي يعملها الإنسان، فمن عمل خيرًا جُوزِي به ثوابًا، ومن عمل شرًا عرَّض نفسه للعقاب.

وهذا المبدأ الرباني الثابت بشأن الثواب والعقاب، مظهرٌ من مظاهر عدل الله المطلق، الذي لا يظلم أحدًا، والذي يرتب النتيجة على المقدمة، ويجعل الجزاء من جنس العمل. واعمل ما شئت، كما تَدين تُدان.

وهذا المبدأ من مظاهر علم الله الشامل لكل ما يعمله الإنسان، حيث لا يغيب عن الله شيء، وما يعمله الإنسان مثبّتٌ ومسجّلٌ ومحفوظٌ في سجل أعماله، ويوم القيامة يُحضَر هذا السجل للحساب، ويوضع في الميزان الحساس الدقيق الذي لا يلغي مثقال ذرة، ولا يضيعها.

150

من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، مهما كان انتماؤه ودينه، حتى لو كان كافرًا. ومن يعمل مثقال ذرّة شرًا يره، مهما كانت عبادته، حتى لو كان وليًّا.

وقد يأتي أحد الكافرين -وبخاصة اليهود النصارى- فيتوكأ -لهدفٍ خاصٍّ في نفسه- على هذه الآية، ويجعلها شاهدةً على قبول أعماله الحسنة التي يقوم بها، وعلى إثابته عليها عند الله يوم القيامة، وعلى كونه بسببها من أهل الجنة.

فيقول هذا اليهودي أو النصراني للمسلمين: إن قرآنكم يدل على أن أعمالنا الخيّرة مقبولةٌ عند الله، ولهذا نحن نقدم أموالًا طائلةً للمدارس والمشروعات الخيرية، وها هم أحبارنا ورهباننا يُكثرون من الذكر والصلاة والصيام والقيام -على الطريقة اليهودية أو النصرانية طبعًا- وقرآنكم يشهد على قبول أعمالهم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، وفهم هؤلاء مغلوطٌ خاطئ، وكلامهم تحريف لمعنى الآية.

والمثير للعجب والدهشة والاستغراب هو أن يفهم هذا الفهم المغلوط بعض المسلمين، وأن يردد هذا الكلام بعض حملة العلم من المسلمين.

نقل سيد قطب عبارةً عجيبةً للشيخ محمد عبده بهذا الخصوص. قال: جاء في تفسير الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾: وما نقله بعضهم من الإجماع على أن الكافر لا تنفعه في الآخرة حسنة، ولا يخفف عنه عذاب سيئة ما، لا أصل له.

لا بد من قرْن هاتين الآيتين بآياتٍ أخرى صريحة، تحدد مبدأ قبول الأعمال عند الله، وتشترط الإِيمان والدخول في الإِسلام لقبول أعماله، ونجاته من العذاب يوم القيامة.

151

قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾.

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثورًا﴾.

نقرر هذه الآيات الثلاث حقيقةً قرآنيةً قاطعة، تُعتبر أساسًا من أسس التصور الإسلامي في قبول الأعمال.

إن الإيمان بالله، والتصديق بكتب الله، واتِّباع رسل الله، والدخول في دين الإسلام -الذي هو الدين عند الله، ولن يقبل الله دينًا غيره يوم القيامة- إن هذا كله شرطٌ لقبول الأعمال عند الله، ومنح الثواب لأصحابها يوم القيامة، وإدخالهم جنّة الله سبحانه.

ومن هذا نفهم أن أعمال الكافرين الصالحة غير مقبولةٍ منهم يوم القيامة، وأن الخيرات التي يقوم بها اليهود والنصارى لا يثابون عليها يوم القيامة.

وأنه لا يجوز لأحد هؤلاء الكافرين أن يُحرّف معاني الآيات، كما لا يجوز لمسلم أن يخالف مقرراتٍ أساسيةً لنصوص القرآن الصريحة.

بعد هذا البيان قد يتساءل أحدهم: إن الكافر قد يعمل أعمالًا حسنة،

152

وقد يقوم ببعض الأمور الخيرية، وُيقدم أموالًا لمشاريع خيرية. وطالما أن القرآن يقرر عدم قبولها يوم القيامة فماذا يأخذ صاحبها عليها؟ هل تُلغى في الدنيا كذلك؟ وهل يخرج منها صفر اليدين؟ إن هذا لا يتفق مع عدل الله الذي لا يضيع شيئًا!.

نقول: لا يعني هذا عدم قبولها منهم في الدنيا، بمعنى أن الله لا يحاسبهم عليها في الدنيا.

إن الله يحاسب هؤلاء على أعمالهم في الدنيا، ويثيبهم عليها في الدنيا، ويكون هذا من باب تعجيل حسناتهم لهم في الدنيا، لأنها غير مقبولة يوم القيامة. ويكون هذا الثواب في صورة تيسير سبل الحياة التي يعيشونها، كأنْ يوسِّع لهم في الرزق، ويمتّعهم بصحة الأبدان، والتوسع في العمران، وكثرة الأموال والثمرات. فإذا بقي لأحد هؤلاء الكافرين عند ربه حسنات، سهَّل الله عليه الموت، حتى يموت وليس له عند الله حسنة واحدة. لأنه سيذهب إلى نار جهنم يوم القيامة.

بينما المسلم إذا أذنب ذنوبًا، عاجله الله بالعقوبة في الدنيا -إن أراد العفو يوم القيامة- فضيَّق عليه في رزقه وحياته، وابتلاه بالأمراض والغمّ والهمّ والحزن والألم، فإذا بقي عليه سيئاتٍ، شدّد الله عليه الموت، بحيث يموت نظيفًا وليس عليه سيئة واحدة.


153

﴿وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾

قال تعالى:

﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.

تسجل هذه الآية حجة العصاة والمذنبين في الدفاع عن أنفسهم وهم يرتكبون الفواحش، وتبرير ارتكابهم لها.

إذا فعلوا فاحشةً قالوا: وجدنا عليها آباءنا، أي أن هؤلاء مقلِّدين للآباء والأجداد، أسرى للعادات والتقاليد، مقيَّدين بالواقع الذي وجدوه وعاشوه، فكلما وجدوه أمامهم فهو مقبول، أليس آباؤهم الذين يقدِّرونهم فعلوه؟.

وهذا التحريف المفضوح والتبرير المرذول، يهون أمام ما يقولونه بعد ذلك: "وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا! ".

الله أمرنا بهذه المعصية وهذه الفاحشة، الله قدَّرها علينا، والله كتبها علينا، والله طلبها منا، وأزادها منّا. أليس الله على كل شيءٍ قدير؟ فإذا كان لا يريد هذه المعصية، فلماذا لم يَحُل بيننا وبين فعلها؟ ولماذا لم يمنعنا منها؟ أليس كل ما نفعله بقدر، والله الخالق لكل شيء؟ إذن الله هو الذي قدَّر فعل الفاحشة علينا. أليس كل ما يحدث في الكون إنما هو بإذن الله

154

وإرادته ومشيئته؟ ووفق أمره؟ إذن الله هو الذي أمرنا بفعل هذه المعاصي والفواحش، أمرنا بالكفر والشرك والضلال!

وقد أشار القرآن في موطنٍ آخر إلى كلام الكافرين والمشركين، في تبرير ذلك منهم، وإحالة ذلك على إرادة الله ورضاه وأمره وقدره.

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾.

هذه هي سمة المشركين والكافرين وطبيعتهم، إنهم يُسندون كفرهم وشركهم وضلالهم إلى أمر الله ورضاه ومشيئته، في أي زمان ومكان، حتى لو كانوا في القرن العشرين.

وهذه هي سمة العصاة والمذنبين وطبيعتهم، إنهم يُسندون الإذن بالمعاصي والفواحش إلى الله، ويزعمون أنه هو الذي أمرهم بها، وطلبها منهم، ورضيها لهم.

والعصاة والمذنبون في هذا الزمان يقومون بهذا الزعم والمغالطة والتحريف والتبرير. وإن الإنسان المسلم البصير ليتساءل بعجب واستغراب: ما بال الكافرين ورب العالمين؟ وطالما أنهم كفروا بالله، فلماذا يتحجّجون بإرادته وقدره ومشيئته؟ ..

وإن هذا المسلم البصير يتساءل بعجب واستغراب: ما بال العصاة ورب العالمين؟ ولماذا يلجأ هؤلاء في تبرير معاصيهم وفواحشهم وانحلالهم إلى مشيئة الله وقدَره ورضاه؟ أليسوا قد تجرَّأوا على الله واستهانوا بأوامره وأحكامه؟ أليسوا قد ارتكبوا ما نهاهم عنه؟ وأي تعظيمٍ لله بقي عندهم؟ وأي شعور بخشية الله والحياء منه بقي في قلوبهم -إن كانت لهم قلوب-؟

155

وهل يريد هؤلاء أن يضيفوا إلى هذه الفواحش والذنوب والكبائر، ذنوبًا وفواحش وكبائر جديدة -لعلّها أشدّ فُحشًا من تلك-؟ هل يريدون أن يضيفوا إلى قلّة الحياء وموت القلوب، الافتراء على الله والتحريف لكلامه؟ أم أن الأمرين متلازمان؟ فكل من تجرّأ على مقام ربه استهان بكلامه وافترى عليه؟؟.

المهم أن نلجأ نحن إلى القرآن، في ردّه على تحريف هؤلاء لكلام الله، وافترائهم على الله، وإسنادهم ارتكابهم المعاصي إلى رضى الله!.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.

وبإمعان النظر في الآيات، واستخلاص طريقتها في إبطال مزاعم العصاة، نجد ما يلي:

1 - إن الله لا يأمر بالفحشاء. إن زَعْمَ هؤلاء كذبٌ على الله وافتراء عليه، وإنه لا يتفق مع صفات الله وأسمائه، ولا مع فعله وأمره.

2 - إنهم كاذبون على الله، مفترون عليه، لأن الله قد أبطل كلامهم ورده، وأكذبهم فيه.

3 - إنهم لا يتصفون بعلم، فهم يقولون على الله ما لا يعلمون.

وكلامهم السابق يصنَّف ضمن هذا، إنه ناتج عن عدم علمهم باللهِ وصفاته

156

وأفعاله، ولذلك فهو جهلٌ محضٌ، وخطأٌ ظاهر، لا يملكون حجةً ولا برهانًا ولا دليلًا.

4 - فإذا كان قد أكذبهم، وأبطل زعمهم، وبيَّن أنه لا يأمر بالفحشاء أبدًا. فما هو الذي يأمر الله به ويريده، ويطلبه من المخلوقين؟

إنه القسط والعدل والحق والصواب، ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالقِسْط﴾.

إنها العبادة والطاعة والإخلاص والتضرع إلى الله ﴿وَأَقيموا وَجوهَكُمْ عِنْدَ كُلً مَسْجِد وَادْعوُه مُخْلِصينَ لَهُ الدّين﴾.

5 - إن هؤلاء العصاة والكافرين متبعون للشيطان لا للرحمن، منفذون الشيطان وتعاليمه، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون. إن الشيطان هو الذي أمرهم بالفواحش والمعاصي والكفر والضلال، فلماذا يُسندون هذا الأمر إلى الله الذي لا يأمر بالفحشاء؟.

وكيف عرفوا أن الله أمرهم بالفحشاء؟ هل اطَّلعوا على الغيب؟ هل قرأوا ما في علم الله وقدره ومشيئته؟ هل وقفوا على ما قدَره الله عليهم في اللوح المحفوظ؟ إن هذا كله مستحيل. وقد أبطل القرآن مزاعم هؤلاء في موضع آخر:

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

157

1 - إنهم كاذبون في هذا القول.

2 - إنهم تابعون للكاذبين من قبلهم. فالذين من قبلهم من الكافرين زعموا هذا الزعم، وافتروا هذا الافتراء.

3 - إن الله ما أراد منهم الكفر، ولا رضي لهم الشرك، لا هم ولا الذين من قبلهم.

4 - والدليل على أن الله ما رضي لهم ولا لمن قبلهم الكفر والشرك، أن الله قد عذّب السابقين الكافرين، وأوقع بهم بأسه وانتقامه، وحصل لهم بسبب كفرهم وشركهم التدمير والهلاك. وأنَّ الله سبحانه عادلٌ في أفعاله وقضائه، فلو رضي منهم الكفر وأراد لهم الشرك، لما عذّبهم ودمّرهم. وطالما علمنا علم اليقين أنهم قد عُذِّبوا ودُمَّروا وأهلكوا، وعلمنا علم اليقين أنه بسبب كفرهم وشركهم وضلالهم، علمنا علم اليقين أن الله ما رضي منهم الكفر والشرك والضلال، ولا طلبه منهم، ولا أمرهم به.

5 - إنهم في كلامهم السابق لا يصدرون عن علم، ولا يملكون عليه حجةً ولادليلًا ولا برهانًا، فإذا كان كذلك فكيف يقبلون هذا الكلام؟ ويصدِّقون أنفسهم فيه؟.

6 - إنهم في هذا الزعم الباطل متبعون للظن الخادع، والتخريص الواهمٍ، والحدس المضلّل، والتخمين المشكّك، فكيف يجعلون هذا علمًا وحجة، ويزعمون بها النجاة يوم القيامة.

قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

158

وهذه الآية هي بيانٌ لما يرضاه الله ومايامر به. وتقريرٌ لما يليق به سبحانه في هذا الموضوع -ارتكاب المحرمات والمعاصي والذنوب-.

إن الإِنسان هو الفاعل لما يختار. فهو الذي قد يقوم بالكفر والمعصية والفاحشة -ونلاحظ الفاعل في فعل " تكفروا "- فإذا فعل ذلك، فإنه لن يضر الله بجريمته، لأن الله غنيٌّ عنه، وسبحان من لا تضرّه معصية!.

ثم إن الله لا يقبل من هذا كفره وفجوره ومعصيته، ولا يرضاه -ونلاحظ الفاعل في فعل " لا يرضى لعباده "- فالإنسان هو الذي يختار الكفر، والله هو الذي لا يرضاه له.

أما إذا اختار الإنسان الإيمان والطاعة، وقام بالشكر لربه -فهو فاعل " تشكروا "- فإنه ينال بذلك رضوان الله، لأن الله هو الذي يرتب عليه الرضى -فهو فاعل " يرضه " والمفعول به هو الشكر- ويحقق له القبول، ويفيض على عبده الشاكر ما يفيض من رضوانه وتوفيقه وإنعامه.

إن الله خلق الإنسان مزدوج الاستعداد، عنده استعدادٌ للسير في طريق الخير، واستعدادٌ للسير في طريق الشر. ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السبيل إِمّا شاكِرًا وَإِمْا كَفورًا﴾، وإن الله جعل فيه القدرة على اختيار أي الطريقين، ومتابعة السير فيها. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ -وَنَدعو إلى إمعان النظر في الأفعال الستة، وملاحظة الفاعل في كل فعل منها، وتوظيف هذا في استخلاص لفتات إيمانية عقيدية في موضوع الهدى والضلال-.

وهذا الإنسان في اختياره لجانب الهدى أو الضلال، لن يخرج عن مشيئة الله سبحانه وعلمه، فإن الله هو الذي شاء له ذلك، وعلم ما سيقوم به:

159

﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

إنه لن يخرج عن مشيئة الله، لأنه لا يقع في الكون شيء إلا بعلم الله ومشيئته سبحانه -وإلا ما كان إلهًا- فهو الخالق لكل شيء: ﴿إِنّا كل شَيْء خَلَقْناه بِقَدَر﴾.

ولهذا: فهو شاء كُفْر هؤلاء وشركهم، بمعنى أنهم لم يفعلوه رغمًا عنه -سبحانه- ولا أنه لم يكن عالمًا بما سيختارونه - سبحانه -: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.

كل شيء يحدث -ومنه كفر الكافرين ومعصية العصاة- فبمشيئة الله سبحانه الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

ولكن مشيئة الله لها مظهران وجانبان:

1 - مشيئة العلم: بمعنى علم الله بما سيكون، وما سيفعله هذا الإِنسان من خير أو شرّ، قبل أن يفعله هذا الإِنسان، وكون هذا الفعل في مشيئة الله وعلمه وتقديره قبل أن يخلق الكون وما فيه ومن فيه. وعلى هذا نحمل هذه النصوص:

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

160

2 - مشيئة الرضا: بمعنى رضى الله عن ما يفعله الإنسان وقبوله له، وأمره به وطلبه منه، فهذه لا تكون للكافرين والعصاة وأصحاب الذنوب والفواحش، بل تكون للمؤمنين الشاكرين العابدين ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.


161