تصويبات في فهم بعض الآياتالجزء 1 · ص 181 - 190

{أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَ}

﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَ﴾

قال تعالى:

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.

إذا أراد الله إهلاك قرية من القرى فإنه يقيم عليهم الحجة قبل إهلاكهم، إنه يأمرهم بالطاعة والعبادة وينهاهم عن الفسوق والعصيان. ولكن المترفين في تلك القرية يعصون أمر الله، ويرفضون طاعته، ويختارون الفسوق والعصيان. عندها يحق عليها أمر الله، ويوقع بها عذابه، ويدمرها تدميرًا.

هذا هو المعنى الصحيح، والفهم المستقيم للآية.

لكن بعض المسلمين قد يخطئ النظر فيها، ويخطئ فهم معناها، ويخطئ القول في تفسيرها، فيقول كلامًا، ينسب فيه لله ما لا يليق، ويثير منه إشكالاتٍ وهمية.

معنى الآية عند هؤلاء: أنّ الله يأمر المترفين في الآية بالفسق والعصيان، فيفسقون ويعصون، فيدمرهم الله تدميرًا.

وهذا كلامٌ خاطئٌ، فيه نسبة ما لا يليق إلى الله، وزَعْم أنه سبحانه يأمر بالفسق والعصيان.

181

والقرآن صريحٌ في نفي هذا عن الله سبحانه بآيات صريحة.

من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾.

وقد سبق أن تحدثنا عن هذه الآية، وصحَّحْنا القول فيها، وصوَّبْنا الفهم لها.

اتفق المفسرون على أن الأمر في هذه الآية: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقوا فيها﴾، ليس من باب الأمر بالفسق والمعصية لأن الله لا يأمر بالفحشاء.

ثم اختلفوا في المراد بالأمر.

فالإمام الزمخشري يرى أنه أمْرٌ لهم بالفسق مجازًا وليس حقيقة، ووجه المجاز عنده، أنه أنعم عليهم بالمال ليشكروا، فجعلوا هذا المال وسيلةً للفسق والعصيان.

قال في الكشاف: " أمرناهم بالفسق ففعلوا. والأمر مجاز، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا، وهذا لا يكون. فبقي أن يكون مجازًا.

ووجْه المجاز: أنه صب عليهم النعمة صبًا، فجعلوها ذريعةً إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك، لتسبب إيلاء النعمة فيه. وإنما خوَّلهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية. فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب، فدمرهم ".

182

وكلام الزمخشري هنا لطيفٌ وطيبٌ وحسن. حيث اعتبر نعمة الله على الناس، ذريعةً للطاعة، وسببًا للتقوى، ووسيلة للشكر.

وهؤلاء المترفون لم يستخدموا هذه النعمة كما يريد الله، ولم يؤدوا فيها حق الله، بل جعلوها ذريعة للفسق والمعصية، وهم لولا هذه النعمة لما تمكنوا من المعصية، ولولا الترف لما تمكنوا من الفسوق واتباع الشهوات.

لقد لاحظ الزمخشري تصرفهم في المال، واستخدامهم للنعمة. وهذا الْتفاتٌ منه إلى أهمية السلوك والتصرف والممارسة العملية، لأن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، ومجال العمل أكثر دلالة على حقيقة ما في النفس.

وذهب كثيرٌ من المفسرين إلى أن المراد بالأمر في الآية، الأمر بالمعروف الذي هو ضد النهي، وأنه على ظاهره، وأن متعلقه محذوف، وأن فيها تقديرًا.

ومعنى الآية عند هؤلاء: ﴿أمرنا مترفيها﴾: بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله، واتباعهم فيما جاءوا به. ﴿ففسقوا﴾: أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله. ﴿فحق عليها القول﴾: أي وجب عليها الوعيد. ﴿فدمرناها تدميرًا﴾: أي أهلكناها إهلاكًا مستأصلًا، وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم.

وقد علق الإمام الشنقيطي في أضواء البيان على هذا القول الذي أورده بقوله: " وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة ".

وبقوله: " وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني، أي أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى: أمرته بالعصيان ".

183

وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمر في الآية: أمرٌ كونيٌّ قدَريّ. أي قدَّرنا عليهم ذلك وسخرناهم له، لأن كُلًا ميسرٌ لما خلق له.

وقال بعضهم بأن (أَمَرْنا) بمعنى أكثرنا، أي أكثرنا مترفيها ففسقوا فيها.

وقال بعضهم بأن الميم فيها مشددة " أَمَّرْنا " من التأمير والسلطان، وليس من الأمر، أي جعلنا المترفين أمراء وسلاطين. فيتسلطون على الآخرين ويحكمونهم، وينتج عن حكمهم الفسق والعصيان، لأن الفسق ملازمٌ للترف الفاجر.

قال الإِمام الراغب في المفردات: " وقوله: ﴿أَمَرْنا مترفيها﴾، أي أمرناهم بالطاعة، وقيل: معناه كثّرناهم. وقال أبو عمرو: لا يقال: أَمَرت بالتخفيف في معنى كثرت، وإنما يقال: أمَّرْت، وآمَرْت.

وقال أبو عبيدة: قد يقال: أَمَرْت بالتخفيف، نحو خير المال مُهْرَة مأمورة. وقُرئ: أَمَّرنا: أي جعلناهم أمراء، وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا في كُل قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِميها لِيَمْكُروا فيها﴾. وقُرئ أَمَّرنا: بمعنى أكثرنا ".

القراءات في الآية ثلاث:

1 - أَمَرْنا: بالقصر والتخفيف، من الأمر الذي هو ضد النهي.

2 - آمَرْنا: بالمد والتخفيف، بمعنى كثّرنا المترفين.

3 - أَمَّرْنا: بالقصر والتشديد، من التأمير بمعنى التسليط والحكم.

وقد وردت أقوال العلماء والسلف بهذه المعاني الثلاثة. أوردها الإمام الطبري في تفسيره الجامع، والسيوطي في الدر المنثور.

184

قال ابن عباس: أمرنا مترفيها بحقٍّ فخالفوه، فحق عليهم بذلك التدميرُ.

وقال ابن عباس مرجحًا قولًا آخر فيها: أمرنا مترفيها: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾.

ولذلك لما سال نافعُ بن الأزرق -زعيم الخوارج- ابنَ عباس رضي الله عنهما في موسم الحج عن آياتٍ من القرآن. سأله عن معنى ﴿أمرنا مترفيها﴾، فقال: سلطنا الجبابرة عليهم فساموهم سوء العذاب.

قال له نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة:

إنْ يُعْطِبُوا يَبْرِموا، وَإنْ أُمِّروا ... يَوْمًا يَصيروا لِلْهُلْكِ والْفَقَدِ

وعن أبي العالية: أمرنا مترفيها: أمّرنا عليهم أمراء.

وعن ابن عباس أنه قرأ: آمرنا. قال: أكثرنا فساقها.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثُروا في الجاهلية: قد أَمروا بني فلان.

وبعد هذه الأقوال: نقول: المعنى الراجح للآية: أنّ المراد بالأمر حقيقته التي هي ضد النهي. وأن الله يأمر المترفين بالطاعة، فيخالفون أمره، ويقومون بالفسق والمعصية، فيحق عليهم أمر الله، ويوقع بهم العذاب والدمار.

والملاحظ في الآية أنها أثبتت الفسق للمترفين، ولكنها أوقعت التدمير بكل أهل القرية، مترفين وغير مترفين! فما ذنب الآخرين؟

185

الملاحظ أن غير المترفين معذبون معهم، إما لأنهم شاركوهم الفسوق والعصيان واتباع الشهوات، وذلك لأن المعصية تُعدي، والمترفون يحرصون على إفساد الآخرين ونشر المنكرات والمعاصي والشهوات بينهم، وطالما أنهم المتنفذون فإن الآخرين ينقادون لهم، ويستجيبون لإفسادهم. وتيار الشهوات جارف، ووباؤها منتشر.

وإما لأنهم جبُنوا عن الإنكار، وسكتوا عن الأمر بالمعروف، ولاذوا بالصمت، فلم ينكروا على المترفين فسقهم وفسادهم، ولم يأخذوا على أيديهم، ولم يُحذروا الناس من خلالهم. والله عز وجل يقول: ﴿وَاتَقوا فِتْنَةً لا تُصِيبَن الذينَ ظَلَموا مِنْكُمْ خاصَّة﴾.

إن هذه الآية تقرر سنة ربانية ثابتة من سنن الله في حياة البشر:

إن المترفين هم سبب الهلاك والدمار. وإن المترفين حريصون على الشر والفسق والفساد بين الآخرين. وإن المترفين مخالفون لأوامر الله، مرتكبون للنواهي والمحرمات. وإن المترفين فاسقون عصاة. وإن الترف ملازمٌ للفسق. وإن الدمار والهلاك والعذاب هو النتيجة المنطقية لكل هذه الجرائم. ولا يظلم ربك أحدًا.


186

﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾

وقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

تَنهى هذه الآية المؤمنين عن أكل الربا، وتصف هذا الربا المنهي عنه بأنه أضعافٌ مضاعفة. وتطالبهم بتقوى الله وترك الربا، إن أرادوا فلاحًا وفوزًا، وتوفيقًا وسعادة.

وينظر بعض المتلاعبين بالنصوص، أو المستهزئين بالأحكام الشرعية، أو ممن باعوا دينهم بدنيا غيرهم، من الذين تَزَيَّوا بزي العلماء، وشغلوا مراكز إسلاميةً رسميةً، عند حكوماتٍ قائمة، تتعامل بالربا وتأكله وتعيش عليه، وتجعله قاعدة نظامها الاقتصادي، فيسارع هؤلاء التجار بإصدار الفتاوى لحكامهم يبيحون لهم فيها الربا.

ينظر هؤلاء في هذه الآية، فيحرفونها عن معناها، ويسيئون فهمها، ويعتبرونها دليلًا على إباحة الربا، إذا كانت فائدته قليلة.

ويقول التجار هؤلاء بأن الربا ليس حرامًا، إلا إذا كان أضعافًا مضاعفة تتجاوز الثلث أو النصف. أما إذا كان الربا قليلًا لا يتجاوز العشرة أو الخمس

187

عشرة بالمائة، فإنه مباحٌ وليس محرَّمًا في دين الله. وعندما تطالبهم بالدليل على هذه الفتوى الجائرة، يقدمون هذه الآية: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.

وهم مغالطون محرِّفون، وهم يعلمون أنهم مغالطون محرفون، وأنهم يكذبون على الله ورسوله ودينه. ولكنه الضلال والانحراف. وصدق الله حيث يقول فىِ هؤلاء: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ﴾.

لقد صدرت عدة فتاوى في العصر الحاضر، من عدد من الشيوخ الذين شغلوا مناصب رسميةً عليا، في دول عربية وإسلامية، أباحوا فيها لهذه الدول التي تتعامل بالربا، أن تتعامل بنوكها بالربا، وأن تُصدر قروضًا بالربا لمواطنيها، وأن عملها ليس حرامًا ما دام الربا دون العشرة بالمائة.

كما أباح بعضهم للدولة، أن تأخذ قروضًا بالربا من الدول الأخرى والبنوك الدولية، لأن المحرم عند هؤلاء، هو الذي يكون بين الأفراد، وليس ذلك الذي يكون بين الدول.

وهذه الفتاوى ما أرادوا بها وجه الله، بل التزلف للحاكمين، وإرضاء انحرافاتهم، وتبرير منكراتهم، وهم بذلك نالوا غضب الله سبحانه.

الآية -موضوع البحث- لا تدل على إباحة الربا القليل. كل ما يؤخذ منها: أنها تشير إلى طبيعة الربا المتداول بين الناس في العصر الجاهلي القديم، وهو أنه يتضاعف أضعافًا مضاعفة. فإذا عجز المدين عن السداد في الوقت المحدد طالب بتمديد المدة مقابل مضاعفة الربا، وبهذا يتضاعف عدة مرات.

188

﴿أضعافًا مضاعفة﴾ في الآية، ليس قيدًا للربا المحرم، وإنما هو وصفٌ لبيان الواقع التاريخي، الذي كان يعيشه الناس في ذلك الزمان.

أما القرآن فإنه صريحٌ في تحريم الربا كله، قليله وكثيره، ولو كان درهمًا واحدًا، ولو كان أقل من واحدٍ بالمائة.

قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرمَ الرِّبا﴾.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.

قال الأستاذ سيد قطب في تفسير الآية: " نقف عند الأضعاف المضاعفة، فإن قومًا يريدون في هذا الزمان، أن يتواروا خلف هذا النص، ويتداروا به، ليقولوا إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة، أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة. فليست أضعافًا مضاعفة، وليست داخلة في نطاق التحريم!

ونبدأ فنحسم القول، بأن الأضعاف المضاعفة وصفٌ لواقع، وليست شرطًا يتعلق به الحكم. والنص الذي في سورة البقرة قاطعٌ في حرمة أصل الربا - بلا تحديد ولا تقييد ﴿وَذَروا ما بَقيَ مِنَ الرِّبا﴾ أيًا كان!

فإذا انتهينا من تقرير المبدأ، فرغنا لهذا الوصف، لنقول: إنه في الحقيقة ليس وصفًا تاريخيًا فقط للعمليات الربوية التي كانت واقعةً في الجزيرة، والتي توَجَّه إليها النهي هنا بالذات. إنما هو وصفٌ ملازمٌ للنظام الربوي المقيت، أيًّا كان سعر الفائدة.

189

إن النظام الربوي معناه إقامة دورة المال كلها على هذه القاعدة. ومعنى هذا أن العمليات الربوية ليست عملياتٍ مفردة ولا بسيطة. فهي عملياتٌ متكررةٌ من ناحية، ومركبَّةٌ من ناحيةٍ أخرى، فهي تُنشئ مع الزمن والتكرار والتركيب، أضعافًا مضاعفة بلا جدال.

إن النظام الربوي يحقق بطبيعته دائمًا هذا الوصف. فليس هو مقصورًا على العمليات التي كانت متبعة في جزيرة العرب. إنما هو وصفٌ ملازمٌ للنظام في كل زمان ".


190