تصويبات في فهم بعض الآياتالجزء 1 · ص 66 - 74

11 - ابن عباس يزيل التعارض الموهوم بين النصوص

11 - ابن عباس يزيل التعارض الموهوم بين النصوص

روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل لابن عباس فقال: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ. قال: ما هو؟.

قال: قال الله: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلايَتَساءَلون﴾، وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلون﴾.

وقال: ﴿لا يَكْتُمونَ اللهَ حَديثًا﴾، وقال: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَا مُشْرِكين﴾، وقد كتموا في هذه الآية.

وفي النازعات: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء.

وقال: ﴿وَكانَ اللهً عَزيزًا حَكيمًا﴾، وقال: ﴿وَكَانَ اللهُ سَميعًا بَصِيرًا﴾، فكأنه كان، ثم مضى.

66

قال ابن عباس: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى، ينفخ في الصور فيُصعق مَنْ في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون. ثم في النفخة الثانية: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.

وأما قوله: ﴿وَلا يَكْتُمونَ اللهَ حَديثًا﴾، و﴿وَاللهِ رَبِّنا ماكنّا مُشْرِكين﴾، فإن الله يغفر لأهل الإِخلاص ذنوبهم، فيقول المشرك: تعالوا نقول: ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم. فعند ذلك عرف أن الله لا يُكتَم حديثًا. وعنده: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (1).

وخلق الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء فسوَّاهنَّ سبع سموات في يومين آخرين. ثم دحى الأرض، أي بسطها، وأخرج منها الماء والمرعى، وخلق منها الجبال والأشجار والآكام وما بينهما في يومين آخرين. فذلك قوله: ﴿وَالْأرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾، فخُلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخُلقت السماء في يومين.

وقوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، سمَّى نفسه ذلك، أي: لم يزل، ولا يزال كذلك، وإن الله لم يُرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد.

ويحك. فلا يختلف عليك القرآن، فإن كُلًا من عند الله.

ونحن نتحفَّظ على بعض توجيهات ابن عباس - رضي الله عنهما - في التوفيق بين الآيات المتعارضة في ظاهرها. وبخاصة حديثه عن مدة خلق الأرض والسماء وأيهما خلق أولًا.

  • (1) ما ذكره ابن عباس - رضي الله عنهما - في خلق السماوات والأرض هو ما عليه المحققون، ولا أدري على أي شيء يعترض المؤلف. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).
67

ولا يسمح المقام بالكلام المفصل حول هذا.

لكننا نسجل سبقًا فريدًا للإمام ابن عباس رضي الله عنهما في الجمع بين الآيات المتقاربة، وإزالة التعارض الموهوم بينها، وإزالة اللبس والإشكال عند بعض الناس حولها.

12 - حوار علمي بين الصحابة في رؤية الرسول - ﷺ - لربِّه

ونختم هذه الروايات التي أوردناها عن تصحيحات الصحابة لمعاني بعض الآيات وتصويباتهم لبعض الأفهام حولها بهذا الحوار العلمي الطريف بين الصحابة حول رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام لربِّه: نسجل فيها اختلاف الصحابة في هذه المسألة، وبيان كلٍّ منهم لدليله الذي استدل به لقوله من القرآن، وإبطاله لاستدلال خصمه بالقرآن كذلك.

روى البخاري ومسلم والترمذي عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: يا أُمَّتاه: هل رأى محمد ربَّه؟ فقالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت. أين أنت من ثلاث، من حدثهم فقد كذب:

1 - من حدَّثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب. ثم قَرأتْ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.

و﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾.

68

2 - ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب. ثم قرأتْ: ﴿وَما تَدْري نَفْسٌ مَاذا تَكْسِبُ غَدًا﴾.

3 - ومن حدَّثك أنه كتم، فقد كذب. ثم قرأتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرسولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك﴾.

ولكنه رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين.

وفي رواية عن مسروق قال: قلتُ لعائشة: فأين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾؟ قالت: ذاك جبريل عليه السلام، كان يأتيه في صورة الرجل. وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدَّ الأفق.

وفي رواية أخرى عن مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة: ثلاثٌ من تكلم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت: من يزعم أن محمدًا رأى ربه، فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنتُ متكئًا فجلستُ، فقلت: يا أم المؤمنين: أَنْظِريني ولا تَعجليني. ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ المُبين﴾، و﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾.

فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل ذلك رسول الله ﷺ، فقال: إنما هو جبريل، ولم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، ورأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء والأرض.

69

فهذه عائشة رضي الله عنها تصحح لمسروق رأيه وتصوب له فهمه من الآيات، وتقرر أن الرسول عليه السلام لم ير ربه ليلة المعراج، وتُقدِّم آياتٍ تستنبط منها هذا الرأي. وتبين لمسروق المعنى الحقيقي للآيات التي فهم منها عكس ما قرَّرته عائشة.

ونحن مع عائشة - رضي الله عنها - في هذه المسألة تمامًا، لأن هذا ما توحي به النصوص القرآنية والحديثية.

ومما يقوّي أدلة عائشة، ويجعل رأيها هو الراجح، ما رواه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله ﷺ: هل رأيت ربَّك؟ قال: نورٌ أَنَّى أراه.

وعلى هذا الرأي ابن مسعود رضي الله عنه: فقد روى البخاري ومسلم والترمذي عنه في قوله تعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾، وفي قوله: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾، قال فيها كلها: رأى جبريل عليه السلام، له ستمائة جناح.

وبهذا يقول أبو هريرة رضي الله عنه: حيث روى عنه مسلم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾. قال: رأى جبريل عليه السلام.

أما ابن عباس رضي الله عنهما، فقد كان له رأي آخر، يخالف عائشة وابن مسعود وأبا هريرة.

فقد روى عنه مسلم والترمذي في قوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾، وفي قوله: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبهِ الكُبْرى﴾ قوله رآه بفؤاده مرتين.

70

وفي رواية الترمذي: قال ابن عباس: رأى محمدٌ ربه. قال عكرمة: قلت: أليس الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾. قال: ويحك. ذاك إذا تجلَّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين.

لكن هل هناك خلاف بين ابن عباس وباقي الصحابة في موضوع رؤية الرسول ﷺ لربه؟.

الخلاف قد يبدو لذوي النظر المتعجل في النصوص، بينما في الحقيقة لا خلاف. فابن عباس الذي يقول بحصول الرؤية لم يقصد أن الرسول عليه السلام رأى ربه مرتين بعيني رأسه، وإنما يعني أنه رآه بقلبه، فكانت رؤيا قلبية لا عينية، معنوية لا حسّية. وأخذْنا هذا من قوله " رآه بفؤاده مرتين ". كما أخذناه من قول ابن عباس فيما رواه عنه ابن مردويه: " لم يره رسول الله ﷺ بعينيه، وإنما رآه بقلبه ".


71

تزايد نسبة الأفهام الخاطئة في هذا الزمان

يعجب الناظر في أحوال المسلمين في هذا الزمان، والملاحِظ لصلتهم بالقرآن وتعاملهم معه، من أمر غريب، وهو تزايد نسبة الأفهام الخاطئة لمعاني آيات من القرآن، وتزايد نسبة الاستدلالات المرفوضة من الآيات، والأحكام الباطلة التي بنوها عليها، والتحريفات لبعض المفاهيم القرآنية.

آيات من القرآن يحرِّفون معانيها ومفاهيمها لتشهد لهم على أخطائهم السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو السلوكية، أو الفنيَّة، أو التعليمية، أو العلمية، أو الثقافية، أو النظرية، أو العملية، إلخ.

منهم من يعتمد على آية في أخطائه في العقيدة والإيمان، أو في الفقه والأحكام، أو في التشريع والنظم. ومنهم من يعتمد على آية -أو آيات- في تزيين القعود عن أداء الواجب، وضعف الهمَّة، وخور العزيمة، وسقوط الإرادة. ومنهم من يعتمد على آية في متابعته لهواه ومزاجه وميوله وانحرافاته ورغباته. ومنهم من يعتمد على آية في تضييع الحق وإخفاء معالمه، أو في نصرة الباطل وتأييده والدعاية له.

ومنهم من يعتمد على آية في تأييد الظالمين، وموالاة الفاسقين، والضعف أمام الكافرين. ومنهم من يعتمد على آية في جبنه وذلِّه وضعفه واستعباده. ومنهم من يعتمد على آية في إجازة البغي، ونصرة الظلم، ومباركة الطغيان. ومنهم من يعتمد على آية في مباركة النفاق والانتهازية والمصلحية.

72

ومنهم من يعتمد على آية في محاربة الحق وأهله، وإيذاء واضطهاد حملته وأنصاره، بل وفي قتل هؤلاء وإعدامهم.

كثيرٌ من الفروض والواجبات ضيَّعها محرفون في هذا الزمان، واعتمدوا فيها على تحريفهم لمعاني الآيات. كثيرٌ من الحلال المطلوب اعتبروه حرامًا ممنوعًا، اعتمادًا عليها. كثيرٌ من الأباطيل والأخطاء والمعاصي والفواحش أصبحت مطلوبةً في هذا الزمان. كثير من الحرام أصبح مطلبًا وأملًا لكثيرين أيضًا.

أقبل هؤلاء المحرفون لمعاني الآيات على القرآن، وبحثوا فيه عن آيات يمكن أن يحرِّفوا معانيها لتشهد لهم، تعاملوا مع القرآن بخلفية مسبقة، ونيَّة خبيثة محددة، ودخلوا عالمه الرحيب بمزاجية ومصلحية وهوى.

انطبق عليهم في نظرتهم لآيات القرآن قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.

وانطبق عليهم ذم القرآن لليهود، في تعاملهم مع أنبيائهم وكتبهم، بمزاجيةٍ وهوى، قادهم إلى التحريف والتزوير والرفض والمعاداة و" القرطسة "، فنالوا بذلك غضب الله واستحقوا عذابه، وخرجوا من دينه.

لقد ذم الله يهود في تحريفهم لمفاهيم كتبهم، وفي تجزئتها وتقسيمها وقرطستها، بحيث قسَّموها إلى أقسام، آمنوا ببعضها وكفروا بالآخر، وقرطسوها إلى كتب، أظهروا بعضها وأخفوا الآخر. ذم الله فعلهم بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾.

وبقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.

73

وهاتان الآيتان -وأشباههما- تنطبقان على مسلمين معاصرين، حرَّفوا مفاهيم القرآن، وقسَّموه إلى أقسام، آمنوا ببعضها وكفروا ببعض، وقرطسوا القرآن، فأخفوا بعض موضوعاته التي لا تُرضي الظالمين والمعتدين، وأظهروا بعضها مما يوافق هواهم ومزاجهم.

لا يريد هؤلاء المحرِّفون -ولا أسيادهم من الظالمين- بيان مدلولات الآيات ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية، تلك التي تتحدث عن الجهاد، وتحدِّد الصلة بالأعداء، وتتكلم عن السلم والحرب، والعزة والذلة، والحكم والتشريع، والألوهية والحاكمية.

لا مانع عند هؤلاء -وأسيادهم من الظالمين- سماع وإسماع وتفسير الآيات، التي تتحدث عن الثواب والعقاب والجنة والنار، والصلاة والزكاة، والذكر والصوم والحج.

قرطسوا القرآن، فأظهروا بعضه، وأخفوا الكثير من معانيه. وجزَّءوا القرآن، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالكثير من معانيه.

وطُمِس على قلوب هؤلاء وبصائرهم، ووصلت الفتن إلى قلوبهم وسيطرت عليها، وأصبحوا يتحركون بقلوب مفتوفة، لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، إلا ما يوافق مزاجها وهواها وشهواتها.

أصبح الواحد من هؤلاء، كما قال رسول الله ﷺ، فيما رواه عنه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: " لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أُشْرب من هواه " (1).

  • (1) رواه مسلم. انظر جامع الأصول 10: 22
74