منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 10 - 18

التمهيد ترجمة موجزة لابن عقيل

التمهيد ترجمة موجزة لابن عقيل

10

التمهيد

قبل الدخول في منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير يحسن أن أذكر ترجمة موجزة تعرف به فأقول:

أولًا: اسمه ونسبه وكنيته

علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي الظَّفَري (^1) المقرئ الفقيه الحنبلي الأصولي الواعظ المتكلم، أبو الوفاء، أحد الأئمة الأعلام، وشيخ الإسلام (^2).

  • (^1) الظَّفَري: بالتحريك نسبة إلى الظَّفَرية، وهي محلة كبيرة شرقي بغداد، ينظر الأنساب للسمعاني 4/ 102، معجم البلدان 4/ 61.
    (^2) الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب 1/ 142، وقال: (كذا قرأت نسبه بخطه).
11

ثانيًا: مولده

ولد ابن عقيل في بغداد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة في جمادى الآخرة.

قال ابن رجب (^1): (كذا نقله عنه ابن ناصر السلفي) (^2).

وقال ابن الجوزي (^3): (وكذا رأيته بخطه) (^4).

وقيل: سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة (^5).

وقيل: سنة ثلاثين وأربعمائة (^6)، قال ابن رجب: (والأول أصح) (^7).

  • (^1) هو الإمام زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي، من مصنفاته: شرح علل الترمذي، وشرح قطعة من البخاري، والذيل على طبقات الحنابلة، مات في رجب سنة 795 هـ، له ترجمة في: طبقات الحفاظ ص 540.
    (^2) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 142.
    (^3) هو أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي بن الجوزي البغدادي الحنبلي، صاحب التصانيف في أنواع العلوم، مات سنة 597 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 21/ 365، طبقات السيوطي ص 50.
    (^4) المنتظم 9/ 212.
    (^5) طبقات الحنابلة 2/ 259.
    (^6) مناقب الإمام أحمد ص 635.
    (^7) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 142.
12

ثالثًا: أسرته

يقول ابن عقيل عن نفسه: (وأما أهل بيتي: فإن بيت أبي كلهم أرباب أقلام وكتابة، وشعر وآداب، وكان جدي محمد بن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة، وهو المنشئ لرسالة عزل الطايع وتولية القادر، ووالدي أنظر الناس وأحسنهم جزلًا وعلمًا، وبيت أمي (^1) بيت الزهري صاحب الكلام والدرس على مذهب أبي حنيفة) (^2)، وله ولدان ماتا في حياته أحدهما: أبو الحسن عقيل، يقول عنه والده: (مات ولدي عقيل، وكان قد تفقه وناظر وجمع أدبًا حسنًا) (^3)، والآخر: أبو منصور هبة الله، يقول عنه والده: (قال لي ابني لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقت وبالغت في الأدوية والطب والأدعية، ولله تعالى فيّ اختيار، فدعني مع اختياره، قال: فوالله ما أنطق الله سبحانه وتعالى ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحاق لإبراهيم: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:102] إلا وقد اختاره الله تعالى للحظوة) (^4).

  • (^1) قيل إن أبا الفضل الزهري يكون جدًا لابن عقيل من جهة أمه، وأبو الفضل: هو عبيدالله بن عبدالرحمن بن عوف، ينظر: المنتظم 7/ 166، وفي بعض المصادر (أبي) ولا أستطيع الجزم بشيء منهما، لأن ابن عقيل لم يذكر شيئًا عن أحد والديه أكثر من النص الوارد، ونقله عنه من ترجم له دون إضافات تتعلق بوالده لكن يفهم إغفال المصادر وسكوت ابن عقيل عن والده أنه نشأ يتيمًا، ومما يؤكد هذا ما أشار إليه من معاناته من الفقر حيث قال: (وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة) مما يدل على فقد من يعوله واعتماده على نفسه حتى هيأ الله له من يعوله ليتفرغ للعلم والتعليم، وستأتي الإشارة إليه في: مكانته العلمية، والله أعلم.
    (^2) المنتظم 9/ 213، الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 143.
    (^3) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 164.
    (^4) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 165.
13

رابعًا: شيوخه

نهل ابن عقيل علمه عن عدد كبير من العلماء في فنون متعددة، وقد نقل عنه ابن رجب أنه كان يقول: (شيخي في القراءة: ابن شيطا.

وفي النحو والأدب: أبو القاسم بن برهان.

وفي الزهد: أبو بكر الدينوري، وأبو بكر بن زيدان، وأبو الحسين القزويني، وذكر جماعة غيرهم من الرجال والنساء.

وفي آداب التصوف: أبو منصور صاحب الزيادة العطار.

وفي الحديث: ابن التّوّزي، وأبو بكر بن بشران، والعشارى، والجوهري، وغيرهم.

وفي الشعر والترسل: ابن شبل، وابن الفضل.

وفي الفرائض: أبو الفضل الهمذاني.

وفي الوعظ: أبو طاهر بن العلاف صاحب ابن سمعون.

وفي الأصول: أبو الوليد، وأبو القاسم ابن التبان.

وفي الفقه: القاضي أبو يعلى، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر بن الصباغ.

إلى أن قال: ومن مشايخي: أبو محمد التميمي، ومنهم أبو بكر الخطيب ... الخ) (^1).

وليس من ذَكَر ابن عقيل هم كل مشايخه، وكثرتهم إنما تدل على همته العالية وشغفه في جمع أنواع العلوم.

وفيما يلي ذكر نُبَذٍ موجزة عن بعض مشايخه:

1 - ابن شيطا: وهو أبو الفتح عبدالواحد بن الحسين بن أحمد بن عثمان بن شيطا البغدادي المقرئ، صنف كتاب [التذكار في القراءات العشر]، وهو شيخ ابن عقيل في القراءة، مات سنة 450 هـ (^2).

2 - أبو القاسم: عبدالواحد بن علي بن عمر بن برهان العكبري، من علماء النحو والتاريخ وأيام العرب، أخذ عنه ابن عقيل الأدب والنحو، مات سنة 456 هـ (^3).

  • (^1) المنتظم 9/ 212، الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 142 - 143.
    (^2) ينظر: المنتظم: 8/ 199، معرفة القراء الكبار للذهبي 2/ 791.
    (^3) ينظر: تاريخ بغداد 11/ 17، البداية والنهاية 12/ 100.
14

3 - أبو الحسين القزويني: وقيل أبو الوفاء (^1)، علي بن عمر بن محمد بن الحسن الحربي، شيخ ابن عقيل في الزهد (^2)، مات سنة 442 هـ (^3).

4 - أبو يعلى ابن الفراء: محمد بن الحسين بن خلف بن الفراء البغدادي القاضي شيخ الحنابلة في وقته، وهو أول من أخذ عنه ابن عقيل الفقه، مات سنة 458 هـ (^4).

5 - أبو بكرالخطيب: أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد الخطيب البغدادي الحافظ المحدث المؤرخ، أحد مشايخ ابن عقيل في الحديث، مات سنة 463 هـ (^5).

6 - أبو إسحاق الشيرازي: إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبدالله الفيروزآبادي الشافعي، من مشايخ ابن عقيل في الأصول والمناظرة (^6)، مات سنة 476 هـ (^7).

7 - أبو الفضل الهمذاني: عبدالملك بن إبراهيم بن أحمد الهمذاني، كانت له يد طولى في العلوم الشرعية والحساب، مات سنة 489 هـ (^8).

  • (^1) ينظر: المنتظم 9/ 212.
    (^2) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 143.
    (^3) ينظر: سير أعلام النبلاء 17/ 609، وذكر أنه أبا الحسن.
    (^4) ينظر: تاريخ بغداد 2/ 252، سير أعلام النبلاء 18/ 89.
    (^5) ينظر: تاريخ دمشق 5/ 31، البداية والنهاية 12/ 109.
    (^6) ينظر: المنتظم 9/ 213.
    (^7) ينظر: سير أعلام النبلاء 18/ 453، البداية والنهاية 12/ 134.
    (^8) ينظر: المنتظم 9/ 100، البداية والنهاية 12/ 165.
15

خامسًا: تلاميذه

درَّس ابن عقيل علومًا كثيرة، وأخذ عنه العلم عدد كبير من أهل العلم من أبرزهم:

1 - ابنه أبو الحسن عقيل: قال ابن رجب: (تفقه على أبيه، وناظر في الأصول والفروع)، مات سنة 510 هـ (^1).

2 - المغازلي: عمر بن ظفر أبو حفص البغدادي المغازلي، المقرئ المحدث المشهور، مات سنة 542 هـ (^2)، ذكره ابن رجب فيمن روى عن ابن عقيل الحديث (^3).

3 - أبو المعمر الأنصاري (^4): المبارك بن أحمد بن عبدالعزيز الأزجي الأنصاري، ممن حدث وروى عن ابن عقيل، مات سنة 549 هـ (^5).

4 - ابن ناصر: محمد بن ناصر بن محمد السلامي أبو الفضل البغدادي، كان حافظًا ضابطًا متقنًا، روى عن ابن عقيل، مات سنة 550 هـ (^6).

5 - ابن الدجاجي: سعدالله بن نصر بن سعيد أبو الحسن المعروف بابن الدجاجي، الفقيه الواعظ المقرئ، وهو راوي كتاب: [الانتصار لأهل السنة والحديث] عن ابن عقيل، مات سنة 564 هـ (^7).

  • (^1) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 163.
    (^2) معرفة القراء الكبار 2/ 966، شذرات الذهب 4/ 131.
    (^3) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 155.
    (^4) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 155.
    (^5) ينظر: سير أعلام النبلاء 20/ 260، شذرات الذهب 4/ 154.
    (^6) ينظر: سير أعلام النبلاء 20/ 265، الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 155، 225.
    (^7) ينظر: المنتظم 10/ 228، الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 302 - 303.
16

سادسًا: مكانته العلمية

عانى ابن عقيل أول حياته من قلة ذات اليد فكان يحاول الكسب لسد حاجته، يقول عن نفسه: (وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة) (^1).

ولم يستمر هذا بل سخر الله له الشيخ أبا منصور عبدالملك بن يوسف (^2) الذي تكفل بمؤونة البحث عن رزقه؛ ليتفرغ لطلب العلم وتعليمه (^3)، وبالفعل تفرغ ابن عقيل وبدأ في طلب العلم، وسهل له الطريق كثرة توافر العلماء في بغداد على اختلاف مذاهبهم، وساعده كذلك ما من الله به عليه من ذكاء مفرط، وهمة عالية، وتوفيق بز به أقرانه، يقول ابن تيمية (^4) عنه: (فإنه من أذكياء العالم) (^5)، وقال ابن رجب: (وكان ابن عقيل رحمه الله من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم) (^6)، فكان في هذا حفظ له من الانشغال بالملهيات والمغريات في هذه الحياة الدنيا، يقول عن نفسه: (وعصمني الله تعالى في عنفوان شبابي بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطت لعابًا قط، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم) (^7).

  • (^1) المنتظم 9/ 213، الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 143.
    (^2) هو أبو منصور عبدالملك بن محمد بن يوسف البغدادي، سبط الإمام أبي الحسين أحمد بن عبدالله السوسنجردي وكان يلقب بالشيخ الأجلّ، مات سنة 460 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 18/ 333.
    (^3) ينظر: سير أعلام النبلاء 19/ 447.
    (^4) هو أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحراني الدمشقي الحنبلي أبو العباس تقي الدين ابن تيمية، ذكر في الدرر الكامنة لابن حجر 1/ 185: أن تصانيفه ربما تزيد على أربعة آلاف كراسة، له ترجمة في: فوات الوفيات 1/ 35 - 45، البداية والنهاية 14/ 135.
    (^5) درء تعارض العقل والنقل 8/ 60.
    (^6) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 151.
    (^7) المنتظم 9/ 213، الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 143.
17

ونال ابن عقيل مكانة علمية عالية عند كثير من علماء عصره على اختلاف مشاربهم، ولم يكن مقلدًا ولا متعصبًا لرأي، وكان يقول: (الواجب اتباع الدليل، لا اتباع أحمد) (^1)، مع أنه تفقه على مذهب أحمد، قال عنه ابن رجب: (وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب) (^2).

وكان حريصًا على قضاء وقته بالعلم فظهر أثر هذا في كلامه ومعارفه؛ يقول ابن الجوزي: (وأفتى ابن عقيل، ودرس وناظر الفحول، واستفتي في الديوان في زمن القائم في زمرة الكبار، وجمع علم الفروع والأصول وصنف فيها الكتب الكبار، وكان دائم التشاغل بالعلم، حتى أني رأيت بخطه: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره) (^3).

فلما كان منه هذا صار ممن يشار إليهم بالبنان، يقول السِّلَفي (^4): (ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء بن عقيل؛ ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته) (^5).

ويقول الذهبي (^6): (وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير) (^7).

  • (^1) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 157.
    (^2) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 157.
    (^3) المنتظم 9/ 213.
    (^4) هو أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني الجرواني، أتقن مذهب الشافعي، وجود القرآن بالروايات، مات سنة 576 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 21/ 5، شذرات الذهب 4/ 255، الأنساب 3/ 374.
    (^5) سير أعلام النبلاء 19/ 446، طبقات الداوودي 1/ 422.
    (^6) هو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الشافعي، من مصنفاته: سير أعلام النبلاء، معرفة القراء الكبار، مات سنة 748 هـ، له ترجمة في: طبقات الشافعية 3/ 55، شذرات الذهب 6/ 154.
    (^7) سير أعلام النبلاء 19/ 445.
18