منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 318 - 324

سورة الرعد

سورة الرعد

قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)﴾ [الرعد:11].

81/ 1 - قال ابن عقيل: (﴿مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد:11]، مكان: بأمر الله اهـ) (^1).

الدراسة:

أراد ابن عقيل تفسير [من] في هذه الآية.

ومن المعلوم أن الحرف له ارتباط من ناحية المعنى بما قبله وما بعده، وقد وفَّى المفسرون ما قيل في معنى: معقبات، وفي المقصود: بالحفظ، وفي المراد: بأمر الله (^2).

لكن خلاصة الخلاف في معنى [من] ما يلي:

القول الأول: أن [من] بمعنى [الباء] كما هو قول ابن عقيل، وهو مروي عن قتادة (^3)، وهو ما عليه أكثر المفسرين (^4)، وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، والمعنى: يحفظونه بأمر الله.

  • (^1) الواضح 1/ 122.
    (^2) ينظر: جامع البيان 13/ 456 وما بعدها، معاني القرآن للنحاس 3/ 478، النكت والعيون 3/ 98، زاد المسير 4/ 238.
    (^3) ينظر: جامع البيان 13/ 464، تفسير عبدالرزاق 2/ 332.
    (^4) ينظر: تفسير السمرقندي 2/ 219، تفسير السمعاني 3/ 81، معالم التنزيل 3/ 6، الجلالين ص 250.
318

القول الثاني: أن [من] بمعنى [عن]، أي: يحفظونه عن أمر الله، والقولان متقاربان معنى، ومؤداهما واحد كما قال القرطبي: (يحفظونه من أمر الله أي: بأمر الله وبإذنه فـ[من] بمعنى [الباء] وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وقيل: [من] بمعنى [عن] أي: يحفظونه عن أمر الله، وهذا قريب من الأول، أي: حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم، وهذا قول الحسن، تقول: كسوته عن عري، ومن عري، ومنه قوله عز وجل: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش:4] أي: عن جوع) (^1).

القول الثالث: أن [من] باقية على بابها، والمعنى: يحفظونه من أمر الله.

وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد حيث قالا: (الملائكة من أمر الله) (^2).

والذي يظهر لي أن المعاني كلها متقاربة؛ لأن هذا المعنى أيضًا لا يخرج عما قبله، فالملائكة (^3) يحفظونه بأمر الله أو من أمر الله حتى يأتي أمر الله، أما من ناحية اللفظ فبقاء الحرف على بابه هو الأولى.

وكل حرف من حروف الصفات له عدة معاني، وتؤدي بعض الحروف معنى الآخر، دون إخلال بالمعنى، والنصوص دالة على صحة هذا الاستعمال:

فـ[من] تأتي بمعنى [الباء]، كما في قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:45]، أي: بطرف خفي.

وتأتي بمعنى [عن]، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:22]، أي: عن ذكر الله (^4).

  • (^1) الجامع لأحكام القرآن 9/ 292، وينظر: رصف المباني ص 389.
    (^2) ينظر: جامع البيان 13/ 464.
    (^3) وهذا على الراجح من تفسير المعقبات للأدلة الصحيحة، ينظر: معاني القرآن للنحاس 3/ 479.
    (^4) ينظر: العدة 1/ 211، مغني اللبيب ص 315، الجنى الداني ص 311، 314، شرح الكوكب المنير 1/ 243، من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم ص 348 وما بعدها.
319

ومما يؤيد جواز كل المعاني: أن كلًا من [الباء] و[من] و[عن] تأتي بمعنى التعليل، فبينها معنى مشترك، ومن أمثلة ذلك:

قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:25]، أي: بسببها.

وقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:40]، أي: بسببه.

وقال تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود:53]، أي بسببه (^1).

فلو جعل معنى الآية التي معنا إجمالًا: يحفظونه بسبب أمر الله، لكان ذلك صوابًا.

ومن المعاني التي ذكرها الزمخشري في الآية قوله: (يحفظونه من أجل أمر الله) (^2).

وذكر ابن الجوزي من المعاني: (يحفظونه لأمر الله فيه حتى يسلموه إلى ما قدر له) (^3).

وبهذا تجتمع الأقوال. والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾ [الرعد:25].

82/ 2 - قال ابن عقيل في قوله تعالى: (﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:25]: بمعنى عليهم اللعنة اهـ) (^4).

الدراسة:

فسر ابن عقيل [اللام] بـ[على]، وهذا هو ما قال به جمع من العلماء (^5).

  • (^1) ينظر: مغني اللبيب ص 111، 155، 314.
    (^2) الكشاف 2/ 487، وينظر: تفسير البيضاوي 3/ 321، فتح القدير 3/ 85.
    (^3) زاد المسير 4/ 239.
    (^4) الواضح 1/ 120.
    (^5) ينظر: تأويل مشكل القرآن ص 299، الجنى الداني في حروف المعاني ص 100.
320

قال السمعاني: (قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:25] أي: عليهم اللعنة) (^1). ومثله قال ابن الجوزي (^2)، والرازي (^3).

وذكروا لذلك شواهد منها: قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107)﴾ [الإسراء:107] أي: على الأذقان (^4)، وقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس:12] أي: على جنبه (^5)، قال ابن قتيبة: (والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي: على فيه) (^6).

أقول: وإن جاز استعمال اللام بمعنى [على] حسب دلالة السياق إلا أن الأولى البقاء على المعنى الأصلي لللام: وهو الاستحقاق والاختصاص (^7) ما دام له محمل صحيح دون معارض (^8)، فتقول: للكافرين اللعنة، أي: يستحقون اللعنة، وهي خاصة بهم دون غيرهم.

قال الراغب: (ولام الاستحقاق نحو قوله: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾ [الرعد:25] ... وقال بعض النحويين: اللام في قوله: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:25] بمعنى: على، أي: عليهم اللعنة، وفي قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ [النور:11]، وليس ذلك بشيء) (^9).

وقال الزركشي ضمن كلامه على معاني اللام: (وتأتي للاستحقاق، كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)﴾ [المطففين:1]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾ [الرعد:25]) (^10). والله تعالى أعلم.

  • (^1) تفسير السمعاني 2/ 41.
    (^2) زاد المسير 4/ 249.
    (^3) التفسير الكبير 22/ 54.
    (^4) الجنى الداني في حروف المعاني ص 100.
    (^5) مغني اللبيب ص 216.
    (^6) تأويل مشكل القرآن ص 299.
    (^7) مغني اللبيب ص 211.
    (^8) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسرين 2/ 387.
    (^9) المفردات ص 497، وينظر: رصف المباني في شرح حروف المعاني ص 297.
    (^10) البرهان 4/ 339.
321

سورة الحجر

قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)﴾ [الحجر: 42].

83/ 1 - قال ابن عقيل: (فَصْلٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الحجر:42]، ذهب كثير من الوعاظ والقصاص إلى أنها خاصة في صلحاء عباده والأنبياء، وليس على ما وقع لهم (^1)؛ لأن ظاهر القرآن يشهد بأنه لا سلطان له على الكفار، حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:22]، فأقر في آخر الأمر بنفي السلطان تصديقًا لقوله سبحانه في أول الأمر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:42]، ولأن السلطان الذي نفاه يعم؛ إذ ليس كل مستجيب له يكون له عليه سلطان؛ لأن الشيطان يسوّل ويغيّر، ويخلف (^2) فيكذب، ومن كان أمره كذا لم يكُ سلطانًا، إنما السلطان من أَمَرَ وكَشَف أمْرَه وحرّمه فأُطِيع، دون أن يدلّس ويلبّس، فإن من سوّل كان متلصّصًا وخادعًا وغارًّا، لا سلطانًا اهـ) (^3).

  • (^1) أي: ليس الأمر على ما فهموا.
    (^2) هكذا في المطبوع، ولعلها: ويحلف؛ لأنه أنسب للسياق.
    (^3) الفنون 1/ 355.
322

الدراسة:

أشار ابن عقيل إلى أن فهم كثير من الوعاظ لنفي السلطان عن الشيطان بأنه خاص بالمؤمنين غير صواب (^1)، ولكنه يميل إلى تعميم نفي السلطان للشيطان عن المؤمنين وغيرهم؛ لما ذكر، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:22]، ولأنه ليس للشيطان حجة وإلزام على ما يدعو إليه.

وهذا الكلام لا يخرج عما ذكره العلماء والمفسرون، وذلك للنفي العام لسلطان الشيطان في بعض الآيات كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:21]، وقوله تعالى حاكيًا عنه مقررًا له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:22]، والتصريح بأن له سلطان على أوليائه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:100]، وعلى أتباعه الغاوين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)﴾ [الحجر:42].

والجمع في ذلك أن يقال: إن السلطان المثبت عليهم غير السلطان المنفي عنهم، وذلك من وجوه /

  • (^1) وهذا ليس على إطلاقه؛ بل التفسير به صحيح لتقييده في الآية بذلك، ولم أجد من خلال البحث من يخص نفي السلطان عن المؤمنين فقط في كل الآيات، بل الآيات يوضح بعضها بعضًا، وتفسير العلماء عند كل آية بحسبها، ينظر: معاني القرآن للنحاس 4/ 174، البحر المحيط لأبي حيان 5/ 535.
323

الأول: أن السلطان المنفي: هو سلطان الحجة والبرهان والإقناع وإخراجهم عن دينهم، والسلطان المثبت: هو وسوسته وتحسينه وتزيينه لهم ما فيه ضلالهم (^1).

الثاني: أن السلطان المنفي: هو ابتداء التسلط فإن الله لم يثبت له عليهم السلطان ابتداء، ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعته ودخولهم في حزبه، فتسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم، وهذا هو السلطان المثبت (^2).

الثالث: أن السلطان المنفي: فيمن آمن بالله وتوكل عليه، وحفظه الله وأخلصه، والسلطان المثبت: فيمن تولاه وأشرك بالله وضل وغوى (^3).

الرابع: أن السلطان المنفي: هو الأصل وفي أكثر الأوقات والأحوال، والسلطان المثبت: هو الطارئ ممن شذ وتنكب الصراط المستقيم (^4). وبهذا يتبين أن قول ابن عقيل موافق لما أشار إليه المفسرون كما سبق في التوجيه الأول دون تعارض أو عدم فهم (^5). والله أعلم.

  • (^1) ينظر: جامع البيان 14/ 71، تفسير السمرقندي 2/ 256، تفسير السمعاني 4/ 330، الوجيز 2/ 641، زاد المسير 4/ 306، إغاثة اللهفان ص 108، تفسير النسفي 2/ 321.
    (^2) ينظر: دفع إيهام الاضطراب ص 137، أضواء البيان 2/ 192.
    (^3) ينظر: مجموع الفتاوى 14/ 282، البحر المحيط لأبي حيان 5/ 535.
    (^4) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 10/ 29.
    (^5) ينظر: إغاثة اللهفان ص 109.
324