مدخل إلى القرآن الكريم: عرضالجزء 1 · ص 175 - 182

علاقة ابن سلام وسلمان الفارسي ومريم القبطية

عظيمة. فقد كان اليهود يعتبرون هذا الرجل، أوسعهم علما، وأحسنهم خلقا.

وذلك قبل إعلان إسلامه مباشرة، فلما أعلن إسلامه أنكروا عليه كل ذلك بعد اتخاذه قراره مباشرة وفي نفس الجلسة (^1).

وبين هاتين الفئتين المعادية والخاضعة، لم يترك التاريخ مكانا «لأصدقاء معلمين» للرسول ﷺ.

علاقة ابن سلام وسلمان الفارسي ومريم القبطية

أما الادعاء بأن محمدا ﷺ تلقي علمه من ابن سلام هذا، فلا ينطوي ذلك على تحريف للحقائق التاريخية فحسب بالخلط بين دور التابع والمتبوع، وإنما ينطوي أيضا على قلب في ترتيب الأحداث التاريخية (^2) المعروفة لأن جوهر حقائق التوراة كله كان قد أعلن بدقة في مكة، وقبل أن تتاح الفرصة لأمثال عبد الله بن سلام أن «يروا وجه الرسول ﷺ» (^3) والجدير بالملاحظة أن الآيات القليلة التي نزلت بالمدينة تتعلق في أغلبها بالحقائق الدينية المسيحية التي ينكرها اليهود تماما.

إذن مهما بذل المغرضون من محاولات لتجميع نقط التشابه بين الحقائق القرآنية والحقائق اليهودية والمسيحية (^4)، سنقول: جهد ضائع بل إن ذلك سيكون معناه

  • (^1) سيرة ابن هشام المجلد الأول ص 141 - 142 والبخاري كتاب الهجرة الباب الأول.
    (^2) وخلط تاريخي آخر مع فاصل زمني أكبر يستحق الذكر هنا عن الدور المزعوم لسلمان الفارسي ومريم القبطية كمعلمين لمحمد عن الديانة الزرادشتية والديانة المسيحية. والواقع أن إسلام سلمان كان بعد الهجرة بقليل وكان لا يزال يعاني من وطأة الرق مدة أربع سنوات وهو في خدمة سيد يهودي مستبد ولم يتمكن من مصاحبة الرسول ﷺ إلا في معركة الخندق في العام الخامس الهجري (سيرة ابن هشام المجلد الأول ص 141 - 142) أما مريم المصرية فقد وصلت بعد هذا التاريخ في العام السابع الهجري. هل هناك ضرورة لأن نذكر أنه إذا كان القرآن مرتبطا بالتوراة كأنهما أعضاء أسرة واحدة فإنه يوجد انفصال بين دعوته وبين مباديء «أفستا».
    (^3) الترمذي كتاب صفات القيامة باب 40.
    (^4) وهو ما تركزت عليه جهود الدكتور س. تسدال في كتابه باللغة الانجليزية عن «مصادر القرآن» إلا أنه وهو يحاول أن يثبت أن القرآن يرتبط بالأساطير التاريخية أكثر من ارتباطه بالحقائق التاريخية (ص 61 - 62) أغفل هذا المؤلف عن عمد ذكر أي تشابه بين القرآن وبين العهد القديم والعهد الجديد، منذ خلق الكون حتى نهايته، وينهمك بصفة خاصة في الكشف عن ارتباط بعض التفاصيل في القرآن بما ورد في التلمود والآثار اليهودية والمسيحية البعيدة عن التوراة والانجيل.
175

بالحرف الواحد اصطناع أسلحة تفيد منها المبادئ القرآنية. إذ أن هذه التعاليم موجودة في الكتب المنزلة السابقة ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196] ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ [الأعلى: 18 - 19] كما أن شهادة علماء بني إسرائيل دليل كاف على صدقها ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: 197].

تطابق وليس اقتباس

ولكن الاتفاق شيء، والاقتباس شيء آخر، وبينهما فراغ شاسع لم يحظ - حتى الوقت الحاضر على الأقل - بأن يجد من يملأه.


176

خاتمة

نتيجة البحث السلبية عن مصادر طبيعية

لقد بحثنا - مسترشدين بالوقائع التاريخية - افتراض وجود مصدر بشرى لتعاليم القرآن. فتتبعنا مؤسس الإسلام في مراحل حياته المزدوجة: الحياة العادية وحياة الرسالة، في مسقط رأسه أو في موطنه الأخير، في رحلاته وفي اتصالاته، وتعرضنا لقدرته على القراءة ولمدى توفر الوثائق تحت يده.

فجميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح له فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرا كافيا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون ... الخ.

الوحي نقطة تحول في علم الرسول ﷺ لا في خلقه

وفي مواجهة ذلك يطلعنا القرآن الكريم على تحول ضخم في حياة الرسول ﷺ بنزول الوحي عليه. إذ تحول من رجل عادي إلى رسول ونبي. إنهما حياتان مختلفتان تمام الاختلاف (^1). فكل ما يمكننا معرفته عن حياته قبل البعثة ينحصر في خط أساسي، وهو أنه كان على درجة ممتازة من الأخلاق (^2). فلقد عرف في شبابه بين مواطنيه باسم «الأمين» كما يحدثنا مؤرخوه.

  • (^1) قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ [يونس: 16].
    (^2) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4].
177

شهادة خصومه عن صدقه وإخلاصه

وفي مشاغله اليومية لم يرتكب عملا يشينه، ولم يشترك في عبادة الأوثان، وطبقا لما يقول أعداؤه، فإنه لم يكذب أبدا، والشهادة النموذجية العلنية في هذا الموضوع، قدمها أبو سفيان زعيم المعسكر المناويء للإسلام، والذي لم يعتنق الإسلام إلا بعد عامين من هذه الشهادة التي استخلص منها الأمبراطور هرقل أنه «لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله (^1).

  • (^1) هذه الجملة جزء من رواية تاريخية عربية رومانية ذات قيمة عظيمة، وإن كانت غير معروفة في المراجع الأوروبية وهي تتعلق باستجواب دقيق أجراه هرقل لزعيم قريش أبي سفيان، والاستجواب منهجي وكله ذكاء وحكمة ويستحق النقل هنا. فبعد أن انتصر هرقل على فارس عام 628 م كان الأمبراطور الروماني بسوريا عندما جاءه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام مما أثار دهشته. ورغبة منه في التأكد من مضمون الكتاب أمر الأمبراطور بأن يحضر إليه بعض مواطني هذا الرسول ﷺ لكي يسألهم عنه. يقول أبو سفيان: «إن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ عاهد فيها أبا سفيان وكفار قريش. وكان ذلك أثناء الهدنة المعقودة بينهم وبين النبي ﷺ في السنة السادسة للهجرة، فدعاهم هرقل إلى مجلسه وحوله عظماء الروم ودعا بترجمانه فقال أيكم أقرب نسبا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبا، فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره ثم قال لترجمانه قل لهم إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه فو الله لولا الحياء من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم، قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله قلت: لا. قال فهل كان من آبائه من ملك قلت: لا. قال: أفاشراف الناس يتبعونه أو ضعفاؤهم فقلت بل ضعفاؤهم. قال أيزيدون أم ينقصون: قلت بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، قلت: لا. قال: فهل يغدر، قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه، قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه، قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم، قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، قلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه ... قال أبو سفيان: فلما -
178

وفيما عدا هذه الحقائق وأمثالها. لا يوجد من الناحية العملية أي ضوء يمكن أن يكشف لنا أنه كان يتوفر عنده في ذلك الوقت بعض المعارف المذهبية أو الاستعداد لمهمة النبوة. لأنه لم يكن يدري ﴿مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ [الشورى:

52] ولم يكن حظه أكثر من حظ قومه من حيث معرفة القصص الديني (^1).

ولم يكن يتوقع هو أيضا أن يكلّف بدور المرسل من عند الله (^2). كما لم يكن يعرف كيف يرشد نفسه إلى (^3) الطريق القويم.

فهل حاول أن يسأل الطبيعة أو يسأل نفسه؟ من المحتمل ذلك ولكن الرد الذي يمكن أن يتلقاه لم يكن يتعدى الحقائق المبهمة والدارجة لما جرى العرف على تسميته «بالديانة الطبيعية». أما العلم الصحيح والحقائق المفصلة في كل مجال فلم تكن لتصله إلا قطرة بعد قطرة على مدي ثلاثة وعشرين سنة.

خصائص الوحي المتقطعة

والواقع أن الناس جميعا يعرفون أن نزول القرآن كان منجما ومجزءا. وفي مقدورنا أن نحدد لكل دفعة من الآيات تاريخا تقريبيا لنزولها، بل إن معاصري الرسول ﷺ كثيرا ما حضروا كشهود عيان، وشاهدوا بأنفسهم الأعراض الخارجية لظاهرة الوحي. التي كانت بالنسبة للرسول ﷺ تجربة عاشها، ولم يصطنعها. إنها حادث يتلقاه بكل سلبية، وليس في قدرته الهروب منه عند مجيئه. ولا في استطاعته أن يتهيأ له إذا احتاج إليه (^4).

  • (^1) - قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا:
    لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر فما زلت موقنا أن سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام (البخاري عن عبد الله بن عباس كتاب الجهاد باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة ج 6 ص 450).
    (^1) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [هود: 49].
    (^2) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص: 86].
    (^3) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى [الضحى: 7].
    (^4) إن قصة الإفك التي لفقها أعداؤه لمس شرفه العائلي معروفة، وتبرئة عائشة بكشف الحقيقة كانت مطلوبة بأقصى سرعة. ولكن الوحي تأخر شهرا كاملا، ولم يكن في مقدور محمد ﷺ أن يتعجله، أو يتقول بشيء أو يؤكد أو ينفي الشائعات. ألم يكن يستطيع أن يفض الموضوع بلباقة ثم ينسب قوله إلى الوحي، إذا كان الأمر يتوقف على تحكمه الشخصى؟ (البخاري عن عائشة كتاب المغازي باب حديث الإفك ج 8 ص 436).
179

في مجال هذه التجربة الحية يتعين علينا أن نبحث عن المصدر الحقيقي لتعاليم الرسول ﷺ. فإن كل درس من القرآن كان فصلا جديدا يضاف إلى ذخيرته العلمية. إنه كالمصباح الذي تنطفئ أضواؤه في الوقت الذي تتوقف فيه صلصلة النص المنزل. وبعيدا عن ضوء هذا العلم الرباني. يعود النبي ﷺ إلى حدود قدرته البشرية. فأمام الماضي والمستقبل، وأمام كل ما يصعب على الذكاء الإنساني السليم اختراق حجبه، لا يسعه إلا أن يضع علامة استفهام كغيره من الناس بكل أمانة وبكل تواضع.

من أين ينبع إذن هذا الوحي؟ أليس من أعماق نفسه؟

إن الوقائع تثبت لنا عكس ذلك: فطابع الأفكار التي تبلّغ إليه عن طريق الوحي إما تجريبي، وإما فوق مستوى العقل. أي أنها بعيدة كل البعد عن مجال العقل الصافي، وكذلك عن الشعور المحصور في منابعه العادية. والجدير بالملاحظة هنا - وهو ما يتعارض تماما مع إلهام الشعراء والفلاسفة - أن الأمر ليس أفكارا تنبع من داخل نفسه. وإنما هو سماع صوتي صافي. أي أن الأفكار لا تسبق الحديث هنا.

فضلا عن أنها تلازمه. ولقد انزعج الرسول ﷺ ذاته من هذه الظاهرة السمعية في بداية الأمر. فعندما أراد أن يلتقط آيات الوحي التي يتعين عليه تبليغها حرفيا إلى قومه فيما بعد، وجد نفسه مضطرا لأن يكرر النص لنفسه كلمة كلمة أثناء تلقي الوحي. ولم يتوقف عن اتباع هذه الطريقة إلا عندما تلقى أمرا صريحا في هذا الشأن، مع ضمان بأن الله سيعلمه إياه ويشرحه له (^1). ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ هذه كلمة تستحق أن تسترعي الانتباه وتضعنا أمام وحي نصي بدون قيد ولا شرط.

ومن المعلوم أيضا موقف الرسول ﷺ المليء بالخشية والتقديس نحو القرآن المنزل عليه، وإيمانه بأنه كلام الله ذاته، ولم يكن في مقدوره أن يدخل عليه أي

  • (^1) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: 16 - 19].
180

تعديل (^1). وعند تفسيره كان موقفه كموقف أي مفسر أمام نص ليس له (^2).

وكان يرتعد لفكرة أن ينسب إلى الله قولا لم يقله، مهما كان هذا القول بسيطا (^3) ... كما كان يشعر بحرس من السماء وبمراقبين يقظين يحيطون به ويراقبونه فيما يقوم به تجاه رسالته (^4).

الوقائع تثبت العكس

وليس صحيحا أن القرآن يعكس شخصية الرسول ﷺ. ففي أكثر الأوقات لا يذكر شيئا عنه، ويتجرد تماما من الإشارة إليه. وعندما يورد شيئا عنه فلكي يحكم عليه أو يضبط سلوكه أو يسيطر عليه. وفيما يتعلق بأفراحه وأحزانه، نعلم كم كان حزنه لوفاة أبنائه وأصدقائه حتى اطلق اسم «عام الحداد» على العام الذي فقد فيه زوجته وعمه، وفقد معهما العون المعنوي الذي كان يسانده أمام الصعوبات التي كانت تقابله في سبيل نشر دعوته. فهل نجد في القرآن أقل صدى لكل هذا؟ ولكن بمجرد أن يتعلق الموضوع بسلوك أخلاقي، نرى التعارض جليا بين السلطة التشريعية، والنفس الخاضعة المستسلمة. كما يتعارض التشدد مع التساهل؛ والصراحة القصوى مع الحياء؛ والحلم وطول الأناة مع نفاذ الصبر

وليس من النادر أن يتضمن الدرس اللوم الشديد لأقل مخالفة منه للمثل الأعلى المنشود (^5) (¬،6).

  • (^1) قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي (يونس 15).
    (^2) قارن اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (التوبة 80).
    (^3) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة: 44 - 47].
    (^4) إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [الجن: 27 - 28].
    (^5) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: 67] عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: 43 - 113] عَبَسَ وَتَوَلّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى * وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى * وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى * وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى [عبس: 1 - 10].
    (^6) وإذا بحثنا الوقائع التي اعترض القرآن بشأنها على الرسول ﷺ، فإننا نندهش عندما نجد أنها تتصف بخصائص -
181

القرآن لا يعكس شخصية الرسول ﷺ

وطالما أنه ليس لديه أمرا أو تعاليم صريحة من الوحي في أمر ما، نرى محمدا ﷺ ذا طبيعة خجولة حيية ووديعة (^1) حساسا لما قد يقال عنه (^2)، لا يقطع دون أصحابه برأي (^3) يمتنع عن اتخاذ أية خطوة عند أقل شك (^4)، معترفا بعدم علمه بمصيره الشخصي ومصير غيره (^5).

التعارض بين موقف محمد ﷺ قبل وبعد كل تنزيل

ولكن بمجرد أن يتلقي علمه من الوحي نراه يبلغ رسالته في ثقة وقوة، لا تستطيع أية قوة في الأرض أن تضلله. ويقف موقف المعلم والمرّبي لجميع الناس المتعلمين منهم وذوي الجهالة (^6). ومنذ قبل الهجرة يعلن أن من جوهر رسالته أن

  • (^6) - مشتركة، وهو أنه أمام حلين كل منهما مباح (وفي الغالب يوجد نص صريح بإباحتها انظر الآيات: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [سورة محمد: 4] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ [النور: 62] اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [التوبة: 80] ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الأحزاب: 4] ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ [الأحزاب: 38] اختار الرسول ﷺ الحل الذي رآه أنسب للصالح العام وكان اوفق الحلين أمام أي عقل إنساني أو أوفقهما في ذاته لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ [التوبة: 47] أما في نظر الحكمة الإلهية فقد كان الاختيار ذا معنى أقل في الدرجة: مبكرا قليلا (في الحالتين الأوليين) متسامحا قليلا (الحالة الثالثة) أقل جرأة (الحالة الرابعة) أو مستهدفا غرض غير ممكن التنفيذ (الحالة الخامسة).
    (^1) إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ [الأحزاب: 53].
    (^2) وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: 37].
    (^3) وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159].
    (^4) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا [الجن: 25].
    (^5) وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: 9].
    (^6) وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران: 20].
182