مدخل إلى القرآن الكريم: عرضالجزء 1 · ص 74 - 81

الديباجة

الديباجة

إذا كان القرآن - بعيدا عن أي عامل خارجي قد أثر بصفة دائمة على عقول جد مختلفة فلا بد أن يكون ذلك راجعا إلى ما له من جاذبية خاصة بتوافقه الكامل مع أسلوب الناس الفطري في التفكير والشعور، وباستجابته لما تتطلع إليه نفوسهم في شؤون العقيدة والسلوك، وبوضعه الحلول الناجحة للمشكلات الكبرى التي تقلق بالهم. وبمعنى آخر لا بد أنه ينطوي على ما يشبع حاجتهم إلى الحق والخير والجمال بما يجمع من صفات العمل الديني والأخلاقي والأدبي في آن واحد.

74

الفصل الأول الحق أو العنصر الديني

المظاهر الخارجية للحقيقة: اتفاق ذوي الاختصاص

إن أول ملامح القوة الجارفة التي تتمتع بها الدعوة الإسلامية تكمن - في رأينا - في الصورة التي قدمت بها الحقيقة الدينية في محاولة منها لوضع حد للخلافات التي ثارت بشأنها.

فردا على السؤالين العقيديين الرئيسيين اللذين تنازع واختلف بصددهما الفكر الفلسفي: «ما هو مصدر الكون؟» «وما مصيره؟» نعلم كيف أن الديانات السماوية بعد أن قدمت إجابة دقيقة عليهما، أسست على هذه الإجابة نظاما كاملا في العقيدة والعبادة، اختلف باختلاف الأزمنة والمجتمعات وتباين أمام أنظارنا في أشكاله وحتى في مبادئه الجوهرية، غير أن الإنسان - بنوع من الفطرة المنطقية - لا يقبل بسهولة أن تتناقض حقيقة دينية مع حقيقة دينية أخرى. فما قدم لنا بالأمس على أنه حقيقة خالدة، هل يمكن أن نعتبره بالغد باطلا لا يصلح إلا ليحل محله ما يناقضه؟ هل يمكن أن يحدث هذا دون أن يلقي في قلوبنا ونفوسنا الاضطراب والشك، ومن غير أن يجعلنا نفترض فساد وبطلان المبدأين على السواء؟ إن اتفاق وإجماع ذوي العلم والاختصاص على صدق فكرة معينة، علامة في نظر سائر الناس، على صحة هذه الفكرة. رغم أن هذا الإجماع عامل خارجي، غريب عن ذات الفكرة. ومن هذه الناحية نستطيع إذن أن نقول إنه بقدر ما تتمتع به أية دعوة من تأييد أهل العلم لها وزيادة الثقة بها. يتضاعف تأثيرها على الناس. فاختلاف القادة والزعماء يلقي في نفوسنا الحيرة والاضطراب. وفي إجماعهم نجد التوازن الذي لا غنى عنه لراحة ضمائرنا. إننا نجد راحتنا في الواقع عندما نعلم أن الناس يفكرون تماما كما نفكر، وأن عقول الإنسانية المستنيرة

75

اتفقت على رأى واحد. وأن رسل الله جميعا عليهم السلام يعزز بعضهم بعضا ويتضامنون في تبليغ حقيقة واحدة. فموسى يعلن أنه من ابراهيم واسحق ويعقوب عليهم السلام وعيسى عليه السلام لم يأت إلا ليؤيد الرسل والشرائع السابقة.

تعريف القرآن للإسلام باعتباره الإيمان بجميع الأديان المنزلة السابقة

ولقد ركز القرآن على هذه الفكرة تركيزا كبيرا، وأكد صراحة أن جميع الأنبياء عليهم السلام أمة واحدة مجتمعة تحت لواء الله تبارك وتعالى (^1)، وأن هذه الوحدة كانت تجمع سائر الناس فيما مضى. وإنما الأجيال اللاحقة هي التي بذرت الخلاف والفرقة (^2)، إما بنسيان حظ من التعاليم الربانية (^3) أو نتيجة الأساليب الرديئة التي عرضت بها (^4) هذه التعاليم أو بدافع الغرور والمصالح الذاتية (^5).

ويعرض القرآن دعوة الإسلام بطريقته المنطقية لا على أنها دعوة محمدية مستقلة تنافس الموسوية والمسيحية وتنازعهما الحقيقة، وإنما يقرر أن المسلم هو من يؤمن في نفس الوقت بموسى وعيسى وجميع رسل الله عليهم السلام، ويوقرهم من غير تمييز بينهم (^6)، كما يؤمن بمبادئهم جميعا، أي أنه يستسلم

  • (^1) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 92] وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: 52].
    (^2) وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة: 253] وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [يونس: 19].
    (^3) وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: 14].
    (^4) وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 75] يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [المائدة: 13].
    (^5) وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 146] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة: 174].
    (^6) آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: 285].
76

لله ولإرادته التي أعلنت متتابعة على ألسنتهم (^1). وعندئذ يعلو الناس فوق الإنشقاق والتنافس (^2) لأنه إذا كانت العقيدة التي يعلنها هذا الرسول ﷺ مطابقة لعقيدتي، إنتفت الأسباب التي تبرر صدى هذه العقيدة، ما لم يكن رفضي لها بدافع من الأنانية (^3) أو الحمد (^4) أو الغرور (^5).

العودة إلى الوحدة الأولى

إن القرآن يدعو إذن إلى العودة إلى الوحدة الدينية الأصلية التي يستجيب لها ويعتز بها ذوو النفوس السامية، ويكفي أن يرتفع صوت باسم هذه الوحدة المقدسة حتى تتفتح له قلوبهم المتلهفة. ولا شك أن هذه خطوة أولى ضرورية ولكن كل شيء بعد ذلك يعتمد على النظام والمنهج.

الجزء الأول من المبادئ الدينية في القرآن: فكرة عالمية وغالبا مغمورة

ونعتقد أن نقطة الانطلاق والنواة التي يدور حولها نظام الإقناع القرآني تنحصر في هذه الفكرة الرئيسية: وهي أن صانعا يتصف بالكمال المطلق والقوة المطلقة، والخير المطلق، خلق كل شيء في الوجود، وأخضعه لإرادته خضوعا مطلقا. وسر نجاح هذه الفكرة أنها، من ناحية تنسجم تماما مع الوحدة الدينية التي يستهدف الإسلام إعادتها من جديد إلى الوجود، حيث أن الفرقة لا تنشأ إلا في التعدد (^6).

  • (^1) قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 84)].
    (^2) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: 159] شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13].
    (^3) قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ [البقرة: 91].
    (^4) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: 109].
    (^5) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ [المائدة: 18].
    (^6) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 64] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [العنكبوت: 46].
77

ومن ناحية أخرى فإن سمو هذه الفكرة فوق كل الاعتبارات الضيقة في الديانات المختلفة، تذكر الناس بالحقيقة الخالدة التي عرفوها أو التي يسهل عليهم معرفتها.

والواقع أنه حتى العرب المشركين كانوا يعترفون بوجود إله أعظم. خالق للكون ومدبر لشؤونه (^1). ولا يرجع هذا الاعتراف فقط إلى بعض الآثار المحفوظة عندهم، من ديانة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وإنما توجد نواته في أعماق النفس الإنسانية (^2) ولكن هذا التوحيد الأولي أو هذه الديانة الفطرية، كما يسميها القرآن (^3) لم تكن إلا فكرة نظرية محجوبة ومغمورة في الواقع تحت معتقدات وعبادات كانت تؤدي إلى عدد لا يحصى من الآلهة (^4) فهم لا يدعون الله الواحد إلا إذا ألم بهم خطر كبير (^5). ولا يقدمون له من القرابين إلا ما قل (^6) وحقر.

ولاتصالهم الوثيق بالطبيعة ومظاهرها المختلفة، كانوا ينسبون إلى النجوم (^7)

والكواكب (^8) بعض الفضل وكانوا يخرون لها ساجدين.

وصف الوثنية العربية من وحدانية الله الخالق إلى وحدانية الله المعبود

وأما بين الله الواحد وبين الناس فقد ابتكروا قوى وسيطة قادرة على أن تقّرب الناس إلى خالقهم (^9)، أو تتشفع لهم عنده (^10). ولهذا كانوا يعبدون

  • (^1) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ... [العنكبوت: 61].
    (^2) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ... [الأعراف: 172].
    (^3) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: 30].
    (^4) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: 106].
    (^5) حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ [يونس: 22].
    (^6) وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا .. [الأنعام: 136].
    (^7) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى [النجم: 49].
    (^8) لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصلت: 37].
    (^9) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى [الزمر: 3].
    (^10) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ [يونس: 18].
78

الملائكة (^1) ويزعمون أنهم بنات الله. أما الأوثان (^2) والأنصاب (^3) التي كانت تتنبأ لهم بخفايا الأمور أو ترمز - في نظرهم - إلى بعض الآلهة المستترة، فقد حضيت مع مرور الأيام بنفس التقديس والعبادة التى كانت لله. ولقد استطاعت العقليات الخيالية أن تخترع تدريجيا عددا لا يحصى من الآلهة الصغيرة التي وضعوها في مرتبة أقل من الخالق، وجعلوا لها اختصاصات محدودة تناسبها. إذ قياسا على أمور الناس لم يستطيعوا أن يتصوروا ملكا ليس له معاونين وحاشية يستحقون التقديس والعبادة. ولقد احتفظ لنا الأثر من هذا الاعتقاد العجيب - حيث نجد الآلهة مملوكة لله الخالق وشريكة له في نفس الوقت - ببعض الصيغ التي كان الحجاج الوثنيون يبتهلون بها أثناء الحج «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ..» فالقول بأن الآلهة إله واحد كان في نظرهم قولا عجيبا (^4) وكاذبا، لدرجة أنهم زعموا أنهم لم يسمعوا به في مجتمعهم، ولا في الديانات السماوية السابقة (^5)، أي في المسيحية التي انتقلت إلى الجزيرة العربية من الشمال ومن الجنوب عن طريق بعض الطوائف اللاجئة. ورغم الاختلاف بين الشخصيات المؤلهة هنا وهناك، كانوا يجدون نوعا من التشابه بينها لاستخلاص بعض الحجج في صالح الوثنية (^6)، لأن أهل الكتاب نجحوا هم أيضا في الجمع بين توحيد الله الخالق وبين عدد من الآلهة الأخرى المعبودة.

العلاج القرآني

فمع هؤلاء وأولئك، وضد هؤلاء وأولئك، استند القرآن على العقيدة الأولى

  • (^1) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا ... وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [الزخرف 20:19].
    (^2) فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30].
    (^3) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 90].
    (^4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: 5].
    (^5) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ [ص: 7].
    (^6) وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا .. [الزخرف 58:57].
79

لهدم العقيدة الثانية. إنه يأخذ باعتراف خصومه هؤلاء ليثبت لهم جحودهم بهذا الإشراك (^1) وهذا الخلط، فضلا عن منافاة ذلك للعقل. فالوحدة الدينية التي يدعو إليها القرآن تنبني على فكرة كانت موجودة من قبل وقائمة بالفعل، ولكنها كانت مغمورة تحت أنقاض الأفكار المناقضة. فيستخرجها القرآن من بين هذا كله ويعيد إليها صفاءها وينقيها من كل شائبة، وهو بهذا لا يخترعها ولا يكتشفها، فطريقته إذن قائمة على حذف الشوائب لا على إضافة الجديد.

فكرة الأسباب والمسببات

وهكذا نرى - كما ألمحنا فيما سبق - أن قوة الفكرة الدينية لا تكمن في أصالتها بل على العكس، في طابعها المتأصل. إنها تدفعنا إلى الإيمان بها بنفس القوة التي تغوص بها جذورها في أعماق معتقدات آبائنا الأولين الموغلة في القدم.

ولهذا نرى القرآن - فضلا عن التدليل المنطقيّ السابق - يؤسس دعوته إلى التوحيد على تاريخ الأنبياء في كل الأزمنة السابقة (^2) فيتجلى بوضوح أن العقل والنقل يشاركان القرآن في إثبات عقيدة التوحيد، ورفض الوثنية والإشراك على اختلاف صورهما (^3).

  • (^1) يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة 22:21] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام: 17] يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا [الحج: 73].
    (^2) قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا (البقرة - 133) ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: 79] أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي .. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 24 - 25] مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا .. [الحج: 78] وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: 45].
    (^3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الأحقاف: 4].
80

ولكن كيف يمكن أن نفسر أن قضية مثل هذه، تستند إلى المنطق ورسوخ الأصل، وتتجدد على الدوام بتعاليم الرسل الإيجابية - كيف يمكن أن تختفي بهذه السهولة من الأذهان لتحتل مكانها أفكار مناقضة لها؟ السبب هو أن الإنسان بطبيعته يشعر أنه مدفوع إلى الإعجاب بالقوة الخلاقة أينما وجدها، والمرحلة من الإعجاب إلى العبادة متصلة ولا تتضمن إلا اختلافا في الدرجة؛ فالشمس التي تضيء لنا الدنيا وتمنحنا الدفء والحياة؛ والشجرة التى تحمينا بظلها وتمنحنا ثمارها؛ والنبع الذي يتفجر بالماء من بين الصخور. كل هذه القوى الطبيعية، التي تتحرك في سكون وفاعلية، عجائب تأخذ بألباب المتأملين. وما بالك بالخوارق التي تتم على يد ساحر أو صانع للمعجزات؟ فبإرشاد من الحواس الخارجية، يميل الإدراك بسهولة إلى أن ينسب منشأ أية ظاهرة إلى المصدر المباشر الذي انطلقت منه. إنه ينسبها إلى الشيء التي انطلقت منه كأثر لسبب حقيقي فعال ومستقل، ولا يرتفع الإدراك من تأثير الظاهرة إلى مصدرها، ومن الملموس إلى المعقول، إلا بمجهود فكري إرادي. ونادرا ما يبذل هذا الجهد. ومن أول أهداف القرآن تزكية هذا المجهود بقوة، إذ يذكرنا دائما باستحالة خروج أي مخلوق من العدم من غير قوة خالقة؛ وباستحالة أن يخلق ذاته؛ أو أن يخلق أي شيء على الإطلاق في السماوات أو الأرض (^1). ولا حتى أية حشرة على فرض تضافر كل القوى والجهود لهذا الغرض (^2) والأكثر من ذلك أنه إذا استولت ذبابة على شيء يملكه أقوى إنسان في الدنيا فلن يستطيع أن يستعيده منها (^3). فالجميع - ما عدا الله سبحانه وتعالى - لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض لا بالمشاركة ولا

  • (^1) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [الطور: 35 - 36] أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف: 190 - 191].
    (^2) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: 73].
    (^3) وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [نفس الآية السابقة].
81