عناية الإسلام بتربية الأبناء كماالجزء 1 · ص 167 - 180

المظهر الثالث التربية بالقدوة

المظهر الثالث التربية بالقدوة

مفهوم القدوة في اللغة والاصطلاح

مفهوم القدوة لغة: القدوة: هي الأسوة، وتأتي في اللغة بالكسر والضم ويراد بها الاقتداء بالغير ومتابعته والتأسي به (^1).

  • (^1) التوفيق على مهمات التعريف، تأليف زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031 هـ) - تحقيق محمد رضوان الداية -ط 1 - دار المفكر المعاصر بيروت- دار الفكر دمشق- (1410 هـ-1 - 577) باب القاف- فصل الدال-مادة: القدوة.
167

- قال ابن منظور: «يقال: قدوة وقدوة لما يقتدى به، والقدوة الأسوة» (^1).

- وقال الجوهري: «القدوة: الأسوة يقال: فلان قدوة يقتدى به، وقد تضم فيقال: قدوة وقدوة» (^2).

مفهوم القدوة في الاصطلاح

- قال المناويّ: «القدوة: هي الاقتداء بالغير ومتابعته والتّأسّي به» (^3).

والقدوة إن كانت حسنة كان الاقتداء حسنًا، وإن كانت فاسدة كان الاقتداء فاسدًا.

إذًا فالقدوة على ضربين: حسنة، وسيئة

أولًا القدوة الحسنة

والقدوة الحسنة هي المثال العملي للأخلاق والفضائل المثلى، وهذا المثال العملي قد يكون مثالًا حيًّا مشاهدًا ملموسًا يعيش بين الخلق فيُتأسى به، وقد يكون مثالًا ماثلًا في النفس البشرية، بسيرته الحميدة وأفعاله السديدة وما أشيع ونقل عنه من محامد وشيم كريمة وسيرة حسنة وصفات صالحة وأخلاق فاضلة، وما نقل عنه من الأنباء والأقوال والأعمال المرضية.

ثانيًا القدوة السيئة

والقدوة السّيّئة هي: الاقتداء بأهل الباطل ومتابعتهم والتّأسّي بهم في فعل السّيّئات وترك الحسنات (^4).

قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)﴾ [الزخرف: 23].

الحاجة إلى القدوة الحسنة في التربية:

أولًا- القدوة الحسنة تشجع على بلوغ الفضائل وتجعل ذلك ممكنًا، فهي تعتبر من أكثر أساليب التربية تأثيرًا في سلوك ونفوس الناشئة، فهي المثال الحي للسلوك التربوي السَّويّ، وهي تولد في نفوس الناشئة القناعة بأن ما يتصف به القدوة من أخلاق وشيم حسنة وصفات طيبة كريمة، أمر ليس بمعجز؛ بل هو

  • (^1) ابن منطور -لسان العرب- مصدر سابق (15 - 171) - باب فصل القاف-مادة: (قدا).
    (^2) الجوهري: الصحاح - مصدر سابق (6/ 2459) -باب الباء فصل القاف- مادة: (قدا).
    (^3) ينظر: التوقيف، للمناوي (269).
    (^4) ينظر: شجرة المعارف والأحوال، للعز بن عبد السلام (ص 344).
168

أمر واقع ماثل أمام أعينهم، يمكنهم التأسي به ومحاكاته.

- قال الإمام الشاطبي - رحمه الله -: «إذا وقع القول بيانًا فالفعل شاهد له ومصدق، وبيانه وتفصيله أن العالم إذا أخبر عن إيجاب عبادة من العبادات أو لزوم فعل من الأفعال ثم فعله هو لم يخل به في مقتضى ما قاله فيه، عند ذلك يقوى اعتقاد إيجابه وينتهض العمل به عند كل من سمعه وأخبر عنه ورآه يفعله» (^1).

ثانيًا- مهما وضع القائمون على مناهج التربية من برامج ومناهج تربوية متكاملة، محكمة، ومهما وضعوا من أسس تربوية مؤصلة لتربية الناشئة، ومهما يكن من ذلك كله، فإنه لا يغني أبدًا عن وجود أخلاق عملية وصفات حية تتمثل في (القدوة) ليغرس في نفوس الناشئة بصفاته وأخلاقه العملية-وبفعله قبل قوله -كل ما يرمون إليه من مبادئ ومفاهيم وأهداف تربوية سامية.

ثالثًا- القدوة الحسنة تثير في نفوس العقلاء والنبلاء الاستحسان والتقدير والإجلال.

ومن هنا تحرك في نفوسهم محاولة التقليد،، والبشر قد فُطِرُوا على افتقاد القدوة الحسنة لتكون لهم مشعل هداية، ومثالًا حيًّا يهديهم سبيل الرشاد، لذا كان من حكمته جل في علاه إرسال الرسل ليكون واسطة بين الخالق والمخلوق في إبلاغ الحق للخلق، بلسان المقال بالبلاغ، وبلسان الحال بالاقتداء والتأسي بهم.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)﴾ [النحل: 43 - 44].

  • (^1) الموافقات
  • (317) للإمام الشاطبي- بتصرف.
169

رابعًا: إن مستوى الإدراك والاستيعاب يتفاوت بين الناس

رابعًا: إن مستوى الإدراك والاستيعاب يتفاوت بين الناس، ولكن أمام رؤية العين المجردة المثال العملي الحي وهو (القدوة) يتساوى فيه كل البشر، لذا كانت الحاجة ضرورية وملحة لوجود القدوة الحسنة لتستوعب عموم طبقات البشر، فَيُوَلِّد لديهم الحوافز القوية والفعالة لأن يتمثلوا أخلاقه وأفعاله.

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ [الأحزاب: 21].

- قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: «هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله -ﷺ- في أقواله وأفعاله وأحواله; ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي -ﷺ- يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه - عز وجل -، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين; ولهذا قال تعالى للذين تقلقلوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله؟ ولهذا قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ [الأحزاب: 21]».

ففي هذا الآية إرشاد عظيم من الله تبارك وتعالى لعموم المؤمنين أن يتخذوا من رسول الله -ﷺ- قدوة وأسوة حسنة لهم، يقتدون به، في أعماله، وأقواله، وأخلاقه، وكلِّ أمره فهو خير أسوة وقدوة يقتدي بها.

يقول ابن حزم (^1):

  • (^1) أبو محمد علي بن حزم الأندلسي (30 رمضان 384 هـ/ 7 نوفمبر 994 م) قرطبة - (28 شعبان 456 هـ/ 15 اغسطس 1064 م) هو: الإمامُ الأوحدُ، البحرُ، ذو الفنون = = والمعارف، الفقيهُ الحافظُ، المتكلِّمُ الأديبُ، الوزيرُ الظَّاهريُّ، صاحبُ التَّصانيف؛ أبو محمَّدٍ عليُّ بنُ أحمدَ بنِ سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد، الفارسيُّ الأصل، ثمَّ الأندلسيُّ القرطبيُّ اليزيديُّ؛ مولى الأمير يزيد بن أبي سفيان بن حرب الأموي -﵁- المعروف بيزيد الخير، نائب أمير المؤمنين أبي حفصٍ عمر بن الخطَّاب -﵁- على دمشقَ. فكان جده يزيد؛ مولىً للأمير يزيد أخي معاوية، وكان جدُّه خلف بن معدان هو أول من دخل الأندلس في صحابة ملك الأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام المعروف بالدَّاخل، وفاته: قال صاعد: ونقلتُ من خطِّ ابنه أبي رافعٍ؛ أنَّ أباه توفي - -﵀- - عَشية يوم الأحد، لليلتين بقيتا من شعبان، سنة ستٍّ وخمسين وأربع مئة. فكان عُمُره إحدى وسبعين سنةً وأشهرًا، رحمه الله تعالى. زيادة من: «تذكرة الحفَّاظ).
    وللاستزادة ينظر: سير أعلام النبلاء (18/ 184 - 212): (99)، وتاريخ الإسلام، (الطبقة: 46/ الترجمة: 168)؛ كلاهما للإمام شمس الدين الذَّهبيِّ (748 هـ)، وسياق الكلام فيها له -﵀- مِنَ: السِّيَر، غير أنِّي عمدت إلى النص؛ فاختصرته، وهذَّبته، ورتبته.
    عقيدة ابن حزم ومنهجه:
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وَإِنْ كَانَ «أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ» فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْقَدَرِ أَقْوَمَ مِنْ غَيْرِهِ وَأَعْلَمَ بِالْحَدِيثِ وَأَكْثَرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَلِأَهْلِهِ مَنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ قَدْ خَالَطَ مِنْ أَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ مَا صَرَفَهُ عَنْ مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي مَعَانِي مَذْهَبِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَوَافَقَ هَؤُلَاءِ فِي اللَّفْظِ وَهَؤُلَاءِ فِي الْمَعْنَى. وَبِمِثْلِ هَذَا صَارَ يَذُمُّهُ مَنْ يَذُمُّهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ بِاتِّبَاعِهِ لِظَاهِرٍ لَا بَاطِنَ لَهُ. كَمَا نَفَى الْمَعَانِيَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالِاشْتِقَاقِ، وَكَمَا نَفَى خَرْقَ الْعَادَاتِ وَنَحْوَهُ مِنْ عِبَادَاتِ الْقُلُوبِ. مَضْمُومًا إلَى مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ الْوَقِيعَةِ فِي الْأَكَابِرِ وَالْإِسْرَافِ فِي نَفْيِ الْمَعَانِي، وَدَعْوَى مُتَابَعَةِ الظَّوَاهِرِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ وَالْعُلُومِ الْوَاسِعَةِ الْكَثِيرَةِ مَا لَا يَدْفَعُهُ إلَّا مُكَابِرٌ وَيُوجَدُ فِي كُتُبِهِ مِنْ كَثْرَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْأَقْوَالِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالْأَحْوَالِ، وَالتَّعْظِيمِ لِدَعَائِمِ الْإِسْلَامِ، وَلِجَانِبِ الرِّسَالَةِ: مَا لَا يَجْتَمِعُ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ، فَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا حَدِيثٌ، يَكُونُ جَانِبُهُ فِيهَا ظَاهِرَ التَّرْجِيحِ. وَلَهُ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الصَّحِيحِ = =وَالضَّعِيفِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَقْوَالِ السَّلَفِ مَا لَا يَكَادُ يَقَعُ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ» انتهى.
    مجموع الفتاوى (4/ 19 - 20).
    وقال شيخ الإسلام -﵀- أيضًا: «وكذلك أبو محمد بن حزم مع معرفته بالحديث وانتصاره لطريقة داود وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر قد بالغ في نفي الصفات وردها إلى العلم، مع أنه لا يثبت علمًا هو صفة ويزعم أن أسماء الله كالعليم والقدير ونحوهما لا تدل على العلم والقدرة، وينتسب إلى الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة، ويدعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث، ويذم الأشعري وأصحابه ذمًّا عظيمًا، ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات، ومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله في ذلك» انتهى.
    درء تعارض العقل والنقل (3/ 24).
    وقال شيخ الإسلام أيضًا: «وزعم ابن حزم أن أسماء الله تعالى الحسنى لا تدل على المعاني، وهذا يشبه قول من يقول بأنها تقال بالاشتراك اللفظي، وأصل غلط هؤلاء شيئان: إما نفي الصفات والغلو في نفي التشبيه، وإما ظن ثبوت الكليات المشتركة في الخارج، فالأول هو مأخذ الجهمية ومن وافقهم على نفي الصفات، قالوا: إذا قلنا: عليم يدل على علم، وقدير يدل على قدرة؛ لزم من إثبات الأسماء إثبات الصفات. وهذا مأخذ ابن حزم؛ فإنه من نفاة الصفات مع تعظيمه للحديث والسنة والإمام أحمد، ودعواه أن الذي يقوله في ذلك هو مذهب أحمد وغيره، وغلطه في ذلك بسبب أنه أخذ أشياء من أقوال الفلاسفة والمعتزلة عن بعض شيوخه، ولم يتفق له من يبين له خطأهم، وَنَقَل المنطق بالإسناد عن متَّى الترجمان» انتهى.
    منهاج السنة النبوية (2/ 353).
    وقال ابن كثير -﵀-: «كان كثير الوقيعة في العلماء بلسانه وقلمه، فأورثه ذلك حقدًا في قلوب أهل زمانه، وما زالوا به حتى بغضوه إلى ملوكهم، فطردوه عن بلاده، حتى كانت وفاته في قرية له في شعبان من هذه السنة، وقد جاوز السبعين، والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهريًّا حائرًا في الفروع، لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره، وهذا= =الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيرًا في نظره وتصرفه، وكان مع هذا من أشد الناس تأويلًا في باب الأصول، وآيات الصفات وأحاديث الصفات؛ لأنه كان أولًا قد تضلع من علم المنطق، أخذه عن محمد بن الحسن المذحجي الكناني القرطبي، ذكره ابن ما كولا وابن خلكان، ففسد بذلك حاله في باب الصفات» انتهى.
    البداية والنهاية (12/ 113). وينظر: طبقات علماء الحديث. لابن عبد الهادي (3/ 349).
    وقال أعضاء اللجنة الدائمة: «من العلماء المبرزين في الأصول، والفروع، وفي علم الكتاب والسنة، إلا أنه خالف جمهور أهل العلم في مسائل كثيرة أخطأ فيها الصواب؛ لجموده على الظاهر، وعدم قوله بالقياس الجلي المستوفي للشروط المعتبرة، وخطؤه في العقيدة بتأويل نصوص الأسماء والصفات أشد وأعظم» انتهى.
    فتاوى اللجنة الدائمة (12/ 223).
170

«فمن أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد -ﷺ- وليستعمل أخلاقه وسيرته ما أمكنه» (^1).

والله سبحانه يوجه رسوله -ﷺ- ومعه أمته إلى الاقتداء بالمرسلين الذين اختارهم لنبوته ورسالته وأنزل عليهم كلامه؛ فقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)﴾ [الأنعام: 89 - 90].

- يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: «يقول تعالى ذكره: (أولئك) هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين، هم الذين هداهم الله لدينه الحق،

  • (^1) ابن حزم، الأخلاق والسير (ص 24).
173

وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه والقيام بحدوده، واتباع حلاله وحرامه والعمل بما فيه من أمر الله، والانتهاء عما نهى فيه من نهيه، فوفقهم جل ثناؤه لذلك ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] يقول تعالى ذكره: فبالعمل الذي عملوا، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم، والتوفيق الذي وفقناهم اقتده يا محمد، أي: فاعمل وخذ به واسلكه فإنه عمل لله فيه رضًا ومنهاج من سلكه اهتدى» (^1).

- يقول ابن سعدي - رحمه الله -: «أيها الرسول، اتبع ملة هؤلاء الأنبياء الأخيار، وقد امتثل فاهتدى بهدي الرسل من قبله وجمع كل كمال فيهم فاجتمعت لديه فضائل وخصائص فاق بها جميع العالمين» (^2).

ولقد اقتدى -ﷺ- بالقرآن فكان خلقه القرآن، كما وصفته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - بعد صحبة طويلة لمّا سُئِلَت عن خُلُقِهِ -ﷺ- قالت: «كان خُلُقُهُ القُرآنَ» (^3).

واقتدى الصحابة - رضي الله عنهم - برسولهم - صلى الله عليه وآله وسلم - في عبادته، وحلمه، وتواضعه، وزهده، وجوده، وكرمه، ورحمته، وشجاعته، وقوته، وحسن سياسته، وتدبيره، وثباته على المبدأ، والتابعون اقتدوا وتأسوا بالصحابة الكرام - رضي الله عنهم -، ولذا يقول ابن مسعود - رضي الله عنه - للتابعين: «اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كُفِيتُمْ» (^4).

  • (^1) الطبري: محمد بن جرير: جامع البيان في تفسير القرآن. دار الهجرة، ط 1، الجزء: 9، (ص 391).
    (^2) تفسير السعدي (2/ 49).
    (^3) الألباني في كل من: صحيح الجامع
  • (4811) صحيح، وصحيح الأدب المفرد (234)، صحيح لغيره.
    (^4) الاعتصام للشاطبي (1/ 79).
174

ولئن انتقل الرسول صلوات الله عليه إلى الرفيق الأعلى، فإنَّ سيرته التي تحتوي على جزئيات سلوكه ماثلة لنا، وفيما بلغنا من تراجم أصحابه رضوان الله عليهم ما يكفي لتجسيد القدوة الحسنة للمجتمع المسلم.

ثم إنَّ كلَّ عصر من العصور من بعدهم لا يخلو من وجود طائفة من أمة محمد -ﷺ- تصلح لأن تكون قدوة حسنة، قَلَّت هذه الطائفة، أو كَثُرت

فعن الْمُغِيرَةِ بن شعبة - رضي الله عنه -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» (^1).

وقد قيل قديمًا: «لا يخلو زمان ليس فيه قائم لله بحجة».

وفي محض وصف عباد الرحمن، يقول الحق جل في علاه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)﴾ [الفرقان].

يقول ابن سعدي - رحمه الله -: «أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الإمامة في الدين وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم، يقتدى بأفعالهم، ويطمأن لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم، فيهدون ويهتدون؛ ولهذا لما كانت هِممهم ومطالبهم عالية، كان الجزاء من جنس العمل» (^2).

أهم سمات ومقومات المربي القدوة

إن المربي القدوة يجب أن يتحلى بأَجَلِّ الصفات وأعظمها قدرًا عند الله،

  • (^1) البخاري (3640)، ومسلم (1921).
    (^2) السعدي: عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ط 1 (1420)، (ص 688 - 689).
175

حتى يصبح أهلًا لهذه المكانة السامية، وليصبح محل تأثير أبلغ في نفوس المتأسين والمقتدين به وينال الرفعة والمكانة العالية.

ومن أهم تلك الصفات ما يلي:

أولًا- الصلاح والتقوى

- تعريف التقوى: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي (^1) - رحمه الله -: «أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه» (^2).

قال ابن القيم - رحمه الله - في التقوى: «حقيقتها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالآمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالناهي وخوفًا من وعيده» (^3).

والتقوى من أَجَلِّ وأعظم الصفات التي أمر الله تعالى بها أهل الإيمان على أن يتحلوا ويتصفوا بها، لما لها من عظيم الأثر في تطهير قلوبهم واستقامة نفوسهم

  • (^1) ابن رجب (736 - 895 هـ) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، أبو الفرج، زين الدين، وجمال الدين أيضًا، ولد ببغداد، وتوفي بدمشق من علماء الحنابلة؛ كان محدثًا حافظًا فقيهًا أصوليًّا ومؤرخًا، أتقن فن الحديث وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق، تخرج به غالب أصحابه الحنابلة. من تصانيفه: تقرير القواعد وتحرير الفوائد. المشهور بقواعد ابن رجب في الفقه، وجامع العلوم والحكم. وهو شرح الأربعين النووية، وشرح سنن الترمذي، ومعه شرح العلل آخر أبوابه، وذيل طبقات الحنابلة.
    الدرر الكامنة (2/ 221)، وشذرات الذهب (3/ 339)، ومعجم المؤلفين (5/ 118).
    (^2) جامع العلوم والحكم (1/ 158).
    (^3) زاد المهاجر (1/ 10).
176

وصلاح أحوالهم، وهي من أهم وأسمى وأعظم وأَجَلِّ مقاصد الشريعة الإسلامية، وعليها يدور مدار جميع التكاليف الشرعية في دين رب البرية.

والتقوى رتبة من مراتب الإيمان العالية والغالية، ولأهلها عند الله درجة رفيعة ومكانة سامية، لا ينالها المؤمن إلا بالصبر والمصابرة ومجاهدة النفس على طاعة الله ومراقبته وخشيته، وأطرها على لزوم الأمر واجتناب النهي والتقرب إلى الله بما يحب ويرضى من جميع أنواع العبادات الظاهرة والباطنة.

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ [الأحزاب: 70، 71].

- قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا (قَوْلًا سَدِيدًا). أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ [الأحزاب: 71] وذلك أنه يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم» (^1).

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].

وبَيَّنَ ربنا تبارك وتعالى أن خير الزاد الذي ينفع العبد في الآخرة هو التقوى

  • (^1) تفسير ابن كثير (جـ 3) (ص 629).
177

فقال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197)﴾ [البقرة: 197].

والتقوى في القرآن الكريم هي وصية الله - عز وجل - للأولين والآخرين، قال -جل وعلا-: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].

- قال الإمام الطبري - رحمه الله - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، يقول: «ولقد أمرنا أهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل «وإياكم»، يقول: وأمرناكم وقلنا لكم ولهم: «اتقوا الله»، يقول: احذروا الله أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه» (^1).

وبَيَّنَ ربنا تبارك وتعالى أن خير الزاد الذي ينفع العبد في الآخرة هو التقوى فقال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197)﴾ [البقرة: 197].

ولقد أمر الله تعالى عباده بالتقوى في مواضع شتى من كتابه المجيد، فقال -جل وعلا-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾ [آل عمران: 102].

- قال ابن مسعود - رضي الله عنه - في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: «أن يطاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَرَ فلا يُكْفَر».

- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: «لم

  • (^1) تفسير الطبري (جـ 9) (ص 295).
178

تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم».

وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: «لا يتقي اللهَ العبدُ حق تقاته حتى يخزن لسانه» (^1).

وقال الإمام الطبري - رحمه الله -: «يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر من صدّق الله ورسوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، خافوا الله ورَاقبوه بطاعته واجتناب معاصيه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، حقّ خوفه، وهو أن يُطاع فلا يُعْصَى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر، ويُذْكَرَ فلا يُنْسَى ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾، أيها المؤمنون بالله ورسوله ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لربكم، مذعنون له بالطاعة. مخلصون له الألوهيةَ والعبادة» (^2).

والتقوى وصية الله تعالى لأتقى الخلق -ﷺ-، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: 1].

ولعظم شأن التقوى: كان -ﷺ- يسأل ربه ويتزلف إليه بأن يرزقه التقوى فيقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (^3).

فالله أمره بالتقوى فسألها، ولزمها، ودعا أمته لزومها، فعن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - أن النبي -ﷺ- قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها،

  • (^1) تفسير ابن كثير (جـ 1) (ص 476).
    (^2) تفسير الطبري (جـ 7) (ص 64).
    (^3) صحيح مسلم (2721).
179

وخالق الناس بخلق حسن» (^1)، ويقول -ﷺ-: «اتق المحارم تكن أعبد الناس» (^2).

وختامًا فإن التقوى من أَجَلِّ وصايا الأنبياء - عليهم السلام - لأقوامهم:

* فهذا نوح - عليه السلام - ينادي قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (106)﴾ [الشعراء: 106].

* وهذا هود - عليه السلام - يأمر قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (124)﴾ [الشعراء: 124].

* وهذا صالح - عليه السلام - يوصي قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (142)﴾ [الشعراء: 142].

* وهذا لوط - عليه السلام - يخوف قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (161)﴾ [الشعراء: 161].

* وهذا شعيب - عليه السلام - يحذر قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (177)﴾ [الشعراء: 177].

* وهكذا كان شأن جميع الرسل في دعوتهم لأممهم، وعلى هذا سار الأمراء والمصلحون في كل زمان مع أتباعهم، جعلنا الله وإياكم من عباده المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

والتقوى قاعدة من أهم قواعد هذا الدين وأساسه المتين الذي تقوم عليه شرائعه العظام وتوجيهاته وأخلاقه وآدابه الكبار، فيجب أن يكون المربي القدوة صالحًا في نفسه تقيًّا لربه، فالتقوى تؤهله للقيادة والريادة، وأن يصبح قدوة حسنة يصلح أن يتأسى به العباد، ويكون قدوة صالحة يأتم به الحاضر والباد.

كما هو شأن عباد الرحمن في دعائهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)﴾ [الفرقان: 74].

- قال قتادة: «أي: قادة في الخير، ودعاة هدى يؤتم بنا في الخير» (^3).

  • (^1) أخرجه الترمذي في سننه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (97).
    (^2) أخرجه الترمذي في سننه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة حديث (رقم: 93).
    (^3) فتح الباري (13/ 251).
180