تفسير المنتصر الكتانيالجزء 101 · ص 1 - 4

النور [23 - 26]

النور [23 - 26]

تفسير سورة النور [23 - 26]

بين الله تعالى في هذه الآيات أن الذين يرمون المؤمنات المحصنات الغافلات ملعونون في الدنيا والآخرة، وأن لهم عذابًا عظيمًا.

ثم بين أن النساء الخبيثات إنما يكن للرجال الخبثاء فقط، ولا يكن للرجال الطيبين المطيبين وعلى رأسهم رسول الله ﷺ، وأن النساء الطيبات هن للرجال الطيبين المطيبين.

1

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات)

قال الله جلت قدرته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:23].

هنا آيتان: آية لمن قذف المحصنات من المؤمنات عمومًا، وقد مضت، وهذه الآية لمن يرمي المؤمنات المحصنات الغافلات من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.

فالآية الخاصة برمي المؤمنات أمهات المؤمنين هي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ [النور:23].

أي: الذين يفذفونهن بالفاحشة ويتهمونهن، كما فعلت فئة من مغفلي القوم ومن المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام، وكان ذلك لأول مرة، فاكتفي بجلدهم وإقامة الحد عليهم، وكشفهم أمام الملأ، وضربهم بمحضر جماعة من المسلمين.

وأنذر الله من يفعل مثل ذلك مرة أخرى بالقتل؛ وذلك لأنه يقذف عرض سيد البشر ﷺ، وأعراض أمهات المؤمنين، فلهن من القداسة والحرمة ما للأم زيادة على كونها زوجة لرسول الله ﷺ.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ [النور:23]، والمحصنات: هن العفيفات الطاهرات البريئات الغافلات عن معنى الفاحشة، فذلك لم يخطر لهن على بال يومًا من الأيام ولا ساعة من الساعات، فهؤلاء المؤمنات الصالحات القانتات من يقذفهن يلعنه الله في الدنيا والآخرة، يلعن في الدنيا بإقامة الحد عليه قتلًا، وقد كان الجلد أولًا، وأما بعد الفعلة الأولى فقاذف أم المؤمنين عائشة وبقية أمهات المؤمنين عذابه في الدنيا القتل، وله في الآخرة عذاب عظيم.

فإن قيل: كيف فهم ذلك؟ وكيف أدركنا ذلك؟ ف

الجواب

أن المفسرين رحمهم الله وجدوا في ذلك آيتين: آية ذكرت فيها التوبة بعد إقامة الحد مع عقوبة الفسق، وعقوبة إلغاء الشهادة البتة، وآية ذكر فيها العقوبة في الدنيا والآخرة، ولم تذكر فيها توبة.

فالتي ذكرت فيها التوبة هي: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:4 - 5].

فمن قذف المؤمنات الغافلات المحصنات من غير أمهات المؤمنين فله عقوبات ثلاث: يجلد ثمانين جلدة، وتلغى شهادته، ويفسق، ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:4].

ولكنه بعد إقامة الحد، وإلغاء شهادته، وإعلان فسقه، إذا تاب وأناب وأصلح بأن لم يعد إلى قذف المؤمنات، تاب الله عليه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:5].

وأما الآية الثانية فلم تذكر فيها توبة، بل ذكرت بعد الوعيد والتهديد، وبعد أن أمر الله ألا يعود الناس لمثل هذا أبدًا، وبعد أن استفظع الله ذلك واستعظمه، وقال للمؤمنين: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:15].

قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:23]، فلم يذكر توبة لهم، ثم عاد فقال ﷻ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ [النور:24].

وهكذا دفعوا دفعًا لعذاب الآخرة، وحسابهم على قذفهم لأمهات المؤمنين الحساب العسير: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:24]، ولا يكون ذلك إلا يوم القيامة؛ يوم العرض على الله، فلم تذكر في هذه الآية توبة.

فهؤلاء يحاسبون وهم ناكسو الرءوس، وفي غاية الشدة والبلاء، ويُسألون: ألم تفعلوا كذا وكذا؟ فيحاولون أن يجحدوا ويكذبوا وإذا بالله الكريم يخرس ألسنتهم أولًا، فتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم، فينطق الله -الذي أنطق اللسان في الدنيا- جوارح الإنسان في الآخرة، من يد ورجل وجلد، فتشهد اليدان عليه بأنه صنع كذا وكذا، وتشهد الرجلان عليه، يشهدن عليه بما قدم، ويشهدن عليه بأنه كذب وقذف، وأنه ارتكب وأساء، وعند ذلك ينطق اللسان ويقول للأيدي والأرجل: كيف تشهدن علي وأنا ما كنت أناضل إلا عنكن؛ لكيلا تدخلوا النار ولا تعذبوا؟! فيقلن: ﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:21].

وهكذا يضطر بعد ذلك أن يشهد عليه لسانه كما شهدت يداه ورجلاه عليه، وكما يشهد الرقباء عن اليمين والشمال من ملائكة الله المكلفين بتسجيل الخير وتسجيل الشر.

قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور:24] وهي جمع لسان، ﴿وَأَيْدِيهِمْ﴾ [النور:24] جمع يد، ﴿وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور:24] جمع رجل ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:24] في دار الدنيا من سوء وإجرام وقذف للمحصنات العفيفات الغافلات عن السوء والفحشاء، المؤمنات بالله ورسوله من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.

2

تفسير قوله تعالى: (يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق)

قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:25].

يومئذ: أي: يوم حسابهم، يوم شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم عليهم.

﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ﴾ [النور:25] أي: يحاسبهم بالوفاء والتمام والكمال، فإن كانت حسنة حفظها لهم، وإن كانت سيئة حفظها لهم وقد يغفرها.

لكن هؤلاء الذين يقذفون أمهات المؤمنين ويؤذون رسول الله في عرضه وفي كرامته وشرفه، لا مغفرة لهم، بل يعذبون.

قوله: ﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:25].

حسابهم، فالدين هنا: الحساب، أي: حسابهم الحق الذي لا ظلم فيه ولا جور، إن كان لهم خير حُسِبَ لهم، وإن كان لهم شر حسب لهم، ويغفر الله ما دون الشرك.

وفي هذه الآية يتوعد الله من يقذف أمهات المؤمنين بعد أن صدر عنهم ما صدر، فقد استعظم الله ذلك جدًا واستفظعه، وقال عنه: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:15].

فقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحق﴾ [النور:25] أي: حسابهم الذي لا باطل فيها ولا ظلم ولا جور، يحاسبهم بما قدموا بالوفاء والكمال والتمام حسابًا حقًا، لا ريب فيه ولا ميل ولا شك ولا زيف.

قوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:25] أي: يعلم هؤلاء المتشككون من المنافقين، وقد فسر البعض هذه الآية أنها خاصة بالقذفة المنافقين وحدهم، وإلا فالتوبة بابها مفتوح عمومًا، حتى الكافر إذا تاب ثم أصلح بعد ذلك تاب الله عليه، فقالوا: هذه الآية في المنافقين الذين ماتوا على ذلك، وقذفوا عرض رسول الله ﷺ، كـ عبد الله بن أبي بن سلول ومن آزره وقال بقوله، فهؤلاء يعلمون أن الله هو الحق، ولا يأتي ولا ينطق إلا بالحق، وما كانت شريعته إلا حقًا، وما كان رسوله إلى الناس إلا حقًا أتى بالحق ونطق به، جل ربنا وصلى على نبينا.

3

تفسير قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات)

قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:26].

لا يزال الله ﷻ يقرّع أولئك ويوبخهم، ويحذرهم نفسه وينذرهم؛ حتى لا يعود إنسان لمثل ذلك، فكان هذا أمرًا ووحيًا نزل على نبينا ﷺ لمن عاصر حادثة الإفك، وبقي حكمًا مستمرًا إلى يوم القيامة لمن يجيء بعد حادثة الإفك ويأفك ويكذب ويزور ويقول ما لم يكن له حق، مما لم تره له عين بل ولم يعاصره البتة.

يقول ﷻ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:26] أي: النساء الخبيثات والنساء الفاحشات الزواني لا يكن زوجات إلا لأمثالهن من الخبيثين من الرجال، وهذه السيدة الجليلة زوجة لسيد الخلق والبشر، وزوجة للطيب المطيب صلى الله عليه وعلى آله، فكيف تظنون في الزوجات الخبيثات أن يتزوجهن الطيب المطيب المبرأ المعصوم سيد الخلق والبشر، وإمام الأنبياء والمرسلين ﷺ؟! هذا ما لا يقبله منطق، ولم ينزل به وحي، ولم يجعل الله للطيبين من الرسل والأنبياء إلا الطيبات القانتات الصالحات المحصنات العفيفات الطاهرات، فقال ﷻ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:26].

فلا يليق بالطيب المطيب والطاهر المطهر ﷺ، أن تكون له زوجة خبيثة، يصدر عنها ما قاله هؤلاء الأفاكون الكذابون عندما قالوا ما قالوا وهم لا يلقون بالًا لما قالوه.

والنبي ﷺ يقول: (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالًا، فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفًا)، يقول هذا للمؤمنين؛ ليحفظوا ألسنتهم من السوء من إيذاء أعراض المسلمين عمومًا، فكيف بعرض سيد البشر ﷺ! قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور:26]، ولا يليق بالخبيثة من النساء إلا خبيث مثلها، وإن لم يكن خبثًا في الأصل لكنه إذا رأى الخبث وسكت عنه يصبح خبيثًا، فهو إذا كان مؤهلًا للخبث قبل ذلك -وهي الدياثة التي عبر بها ﷺ من يرى السوء في أهله ويسكت عنه- لا يطلق ولا يؤدب ولا يلاعن، هذه هي الدياثة التي لا تقبلها رجولة، فكيف برجولة مؤمن صادق؟ قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:26].

فسيد الرسل هو الطيب المطيب، وهذه حقيقة مسلمة ومفروغ منها عند كل مؤمن ومسلم، والكلام هنا للمسلمين الذين قالوا ما لم تر أعينهم، فكيف يتصور أن يكون للطيب غير طيبة؟ وما دام قد ثبت أنه النبي المعصوم، وأنه الطيب الطاهر صلوات الله وسلامه عليه، إذًا: فكل نسائه طيبات وطاهرات، وكلهن عفيفات صالحات قانتات، وعلى ذلك فمجرد كون السيدة أمًا للمؤمنين وزوجةً لرسول الله ﷺ، كان ينبغي ألا يخطر هذا ببال مسلم، فضلًا عن أن ينطق به.

قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:26].

أي: أولئك المطيبون من الأنبياء والرسل، وأولئك المطيبون من الصحابة من الرعيل الأول ومن الصالحين المؤمنين، هم مبرءون مما يقول السفهاء والمنافقون والبله المغفلون.

وقد برأ ﷻ عرض النبي ﷺ، وبرأ السيدة عائشة أم المؤمنين مما قذفها به المنافقون والبله المغفلون، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:26].

فبرأهم الله في سلسلة منسقة من الآيات آخرها هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:26].

فهؤلاء الطيبون الطاهرون غفر الله ذنوبهم، وحتى الخواطر التي خطرت في أنفسهم غفرها لهم، وعوض ذلك رزقًا كريمًا، وهو الرزق الخالد في الجنة.

ومعنى ذلك: أن الله بشر السيدة عائشة في الدنيا قبل الآخرة بأنها طيبة مطيبة، وأنها زوجة الطيب المطيب، وهي مغفور ذنوبها والخواطر التي تخطر بنفسها، وأن الله عوضها بهذا الذي قذفت به رزقًا كريمًا في الجنان.

وعندما أخطأت عائشة رضي الله عنها وقامت تقاتل علي بن أبي طالب في فتنة الهودج، وحدث الذي حدث حاول بعض المنافقين أن يلعب دورًا في ذلك، فإذا بـ علي يقول: والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وإنها لحبيبة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولو صح أن تكون امرأة خليفة لكانت عائشة، وبذلك قطع لسان كل أفاك، وقطع لسان كل من أراد أن يصطاد في الماء العكر، فهذه فتنة كانت وانتهت، فُتِنَ بها من فتن، وآب بالمغفرة من آب.

4