تفسير المنتصر الكتانيالجزء 107 · ص 1 - 7

النور [36 - 40]

النور [36 - 40]

تفسير سورة النور [36 - 40]

لقد اهتم الإسلام ببيوت الله تعالى فأمر برفعها، وذلك يشمل الرفع الحسي والرفع المعنوي، فأما الرفع الحسي فهو ببنائها وتنظيفها والاعتناء بها، وأما الرفع المعنوي فهو بعمارتها بالصلوات والذكر، وحلقات العلم.

وهذه البيوت لم تبن للبيع ولا للشراء ولا للصخب وهيشات الأسواق، وإنما بنيت لذكر الله وما والاه.

1

تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع)

قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:36 - 37].

ارتباط هذه الآية بما قبلها أن هذه الأنوار وهذه المصابيح والأضواء المشرقة، وهذه الهداية العامة مكانها بيوت الله، وأعظمها وأكملها وأشرفها وأسماها البيت الذي بناه وأقام قواعده نبيان كريمان: أب وابن؛ إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وأشرف بيوت الله بعد المسجد الحرام المسجد النبوي الذي بناه نبينا محمد ﷺ بيده، وحمل الحجارة بيده، وأعانه عليه أصحابه من المهاجرين والأنصار، وأشرف بيت بعد المسجد النبوي المسجد الأقصى الذي بناه داود وسليمان، وهما نبيان كريمان، وكذلك ما سوى هذه المساجد هي مساجد فاضلة، ولذلك شرع لنا إذا دخلنا بيت الله أن نستقبله بتحية إلهية، فهي مكان عبادته، وأمرنا الله بتقديسها واحترامها ورفع شأنها فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:36] أي: أن تقدس وتحترم وتطهر وتجمر وتبخر وتعطر، وأن تصان من المجانين والأطفال القذرين، وأن تصان من إقامة الحدود فيها، ومن اللغو والعبث والبيع والشراء، وما لا يليق أن يكون في بيت الله.

2

اهتمام الإسلام ببيوت الرحمان وباجتماع المسلمين فيها

قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:36] أي: أن تحترم، وكان النبي ﷺ يأمر بكنس مسجده، وقال لنا: (من أنشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردها الله عليك، ومن باع فيها واشترى فقولوا له: لا أربح الله تجارتك) وهكذا ﷺ فسر لنا الآية قولًا وعملًا وقال: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم)، وهكذا ﷺ علمنا وأدبنا وفسر لنا هذه الآية الكريمة في احترام المساجد ورفع شأنها وتقديرها، وألا ندخلها ونحن جنب، وألا تدخلها حائض ولا نفساء، وألا يدخلها مشرك.

وإن قال بعض الأئمة بدخول المشركين فيها بإذن مسلم أو بإذن حاكم، وذلك لا دليل عليه، فالله ﷻ يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:28]، فاعتبرهم عين النجاسة فقال: نَجَس، ولم يقل نَجِس، والنجاسة لا تطهر إلا بزوالها، فلو أن المشرك اغتسل في البحر طوال عمره ما زالت نجاسته، كما أن العذرة لا يطهر من نجاستها إلا بزوالها، وأما أن تطهرها نفسها فإنك كمن يريد أن يطهر الخنزير والجيفة ولن تطهر أبدًا؛ لأنها عين النجس، ولما كان المشرك عين النجس أمر الله ألا يدخل مسجدًا، وأن يصان المسجد من دخوله.

ومنه قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:36] أي: أمر وأوصى وأوجب أن تطهر، ويرفع شأنها وتقدس، والمساجد حث الله ورسوله عليها وعلى بنائها وعمارتها، وقال لنا النبي ﷺ: (من رأيتموه يتعهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان)، واعتبر النبي ﷺ الجالس في المسجد -حتى ولو لم يكن يصلي وإنما ينتظر الصلاة- في صلاة، فكيف إذا ضم للجلوس في المسجد ذكرًا وتلاوةً وصلاةً ومذاكرةً وتعليمًا وبيانًا لكتاب الله وبيانًا لسنة رسول الله ﷺ! فإن ذلك نور على نور.

وحث الله ورسوله على بنائها، والأحاديث في ذلك مستفيضة وقد وصلت إلى حد التواتر، منها: (من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة)، ومنها: (من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة) أي: ولو كعش طائر.

ولكن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، فينبغي أن تكون هذه الأموال من حلال، ومع ذلك هناك نوع من المساجد حرمه الله وهي مساجد الضرار، وقد ذكر في القرآن الكريم، وهو أن يؤتى إلى مسجد كبيت الله الحرام فيبنى بجواره مساجد أخرى بلا سبب؛ لأن صلاة الجماعة على كثرة ما تعددت على ما كانت الصلاة أكثر أجرًا وثوابًا من صلاة الفرد، مع أن صلاة الجماعة وصلاة الفرد سواء في ركعاتها وذكرها وتلاوتها وحركاتها، لكن الله تعالى أعطى ثوابًا وأجرًا لصلاة الجماعة على مقدار سبع وعشرين درجة من صلاة الفرد، مع أن فعلها وقولها شيء واحد، فالجماعة مطلوبة عند الشارع.

ولذلك فإن الشارع جعل للمسلمين جماعات تكون في مسجد الحي، وفي المسجد الجامع للصلاة، وفي مصلى الأعياد، فجعل المسلمين يجتمع بعضهم ببعض خمس مرات في اليوم، وإن شغل شاغل فصلاتان أو صلاة واحدة، ولكن في يوم الجمعة لابد أن يجتمع المسلمون في المساجد الجامعة؛ ليرى المسلم المسلم الآخر الذين عقد الله أخوتهما، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10]، ولا توجد دار تجمع عموم المسلمين في الأرض كقصر واسع المرافق مثلًا فلا يجمع عموم المسلمين إلا بيوت الله.

وفرض على المسلمين أن يجتمعوا في السنة مرتين في عيدي الفطر والأضحى، ويكون ذلك في الصحراء لا في المساجد ولا في الدور، فيجتمع فيها كل أهل البلدة، وهذه من السنن والشعائر التي تكاد تكون قد تركت في الشرق، ولا نزال نحتفظ بها في المغرب.

وفرض الله حقًا واجبًا على جميع مسلمي الأرض أن يجتمعوا مرة في العمر في بيت الله الحرام في المناسك في عرفات ومنى؛ ليرى المسلم أخاه المسلم فيواسيه إن احتاج لذلك، ويتعرف على أمراضه وعلى آلامه، وليعينه إن استطاع باليد، فإن لم يستطع فبكلمة طيبة، وهذه اللغة التي أصبحت في هذا العصر لغة مؤتمرات والتي لا تكاد تنتهي منه مدينة، والإسلام من جملة عقيدته وأعماله أن يجتمعوا لإغاثة رجل واحد على الدواب، فلا طائرات ولا سيارات ولا بواخر، إن هي إلا سفن شراعية، فقد يتنقل الإنسان شهرًا وشهرين ولا يكاد يصل إلى الشاطئ إلا وتأتي رياح معاكسة فتعيده إلى المكان الذي جاء منه وكأنه لم يأته.

ولهذا يقول الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

وكان المسلمون مع ذلك حريصين على أداء هذا الركن الخامس؛ ركن حج بيت الله الحرام، فيجتمعون ويكتبون الراحلات: وجدنا إخواننا في المشرق، واجتمعنا بمغارب وهنود وصينيين وسود وبيض، واجتمعنا بصالحين وعلماء، والكل قد جمعهم حب الله، ونشر دينه، والقيام بعبادته وطاعة كتابه وطاعة نبيه ﷺ، وهكذا فإن الاجتماع في حد ذاته مطلوب، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:36].

وشعار اسم الله في المساجد أن ينادى باسمه واسم نبيه وعبده ورسوله ﷺ في الأذان خمس مرات في اليوم والليلة، فيؤذن المؤذن فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ويختم بالله أكبر، ثم يعيد هذا في الإقامة، ويدخل المصلي المسجد فيذكر الله بما شاء من أنواع الأذكار، وبالصلاة على نبيه ﷺ وهو من ذكر الله، فهذه المساجد يتلى فيها كتاب الله، ويصلى فيها الفرائض والنوافل، والمقام في المسجد نفسه يعتبر عبادة قائمة بنفسها انتظارًا للصلاة واعتكافًا.

ولذلك قال فقهاؤنا: من دخل المسجد فنوى أنه معتكف مدة مقامه في المسجد فإنه يؤجر أجر المعتكف، على أن يحرص على التلاوة وعلى الذكر، وأن يكون دائم الطهارة وهو جالس في المسجد، ويزداد بيت الله الحرام على المساجد الأخرى بالطواف بالكعبة المقدسة، وبالسعي بين الصفا والمروة.

ولذلك لا يوجد مسجد في الأرض سوى بيت الله الحرام يفعل فيه ذلك، لذا أمر النبي ﷺ أن تبقى أبوابه شارعة ليلًا ونهارًا، وقال: (يا بني عبد مناف لا تغلقوا باب الكعبة المشرفة)، فالصلوات الخمس لها أوقات، وأما السعي والعمرة والطواف فلا وقت لهن، فيطوف الإنسان ليلًا ويطوف نهارًا، وفي جميع الفصول صيفًا وشتاءً ربيعًا وخريفًا، فهذه عبادة دائمة مستمرة، وقد قال العلماء: إن الكعبة هي سرة الأرض وتعلو إلى سرة السماوات السبع التي تحاذيها، ويكون فيها الملائكة، كما قال عنهم النبي ﷺ: (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع يقول: سبوح قدوس)، ويذكرون الله بأنواع الأذكار، ففي الوقت الذي يكون فيه المؤمنون يطوفون بهذه البنية المقدسة كذلك في السماء الأولى فالثانية إلى السماء السابعة ملائكة يفعلون هذا الفعل ساجدين وراكعين وذاكرين وتالين، يرجون رحمة ربهم، نفسهم الذكر، لا يأكلون ولا يشربون.

قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:36 - 37]، والتسبيح يشمل الصلاة والذكر والتلاوة، ويشمل السعي والطواف، ويشمل جميع أنواع العبادات القولية والعملية، ويشمل نشر علم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، ويشمل العلوم الموصلة لذلك من علوم عربية وبلاغية تؤدي إلى فهم كتاب الله الذي نزل عربيًا على النبي العربي صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

والغدو: جمع غداة، وهو الصبح والبكور، والآصال: جمع أصيل، وهو العشاء والمساء، فبالغدو صلاة الصبح، ومن الظهر إلى العصر إلى المغرب إلى العشاء كلها صلاة الآصال، فبمجرد ميلان الشمس عن كبد السماء يدخل المساء؛ لأنها مالت إلى الغروب وانتهى إشراقها إلى كبد السماء، وهو ما يسمى بالزوال، ومنه سميت المزولة، والساعة الزوالية هي الساعة التي تقدر بالزوال، والمزولة: ساعة كانت عند العرب من أسلافنا، وبها تعرف الأوقات، وهي موجودة في جميع المساجد الكبيرة في الأرض، وبها كان يعرف الزمان والوقت بالثانية، وأضبط شيء للأوقات هي المزولة.

قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:36 - 37]، ولم يقل: نساء، ومعنى ذلك: أن المساجد وصلاة الجماعة تجب على الرجال، ولا يحل لهم أن يتركوا الجماعة إلا لعذر شرعي قاهر، وقد قال النبي ﷺ: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، والجيرة للمسجد هي قريب من ميل، (وجاءه يومًا عبد الله بن أم مكتوم وكان أعمى فقال: يا رسول الله! أيجب علي أن أحضر صلاة الجماعة وأنا كما ترى؟ قال: أتسمع الأذان؟ قال: نعم، قال: لا أرى لك عذرًا)، فكان يأتي على مرضه وزمانته الصلاة مع الجماعة، (ومرة أذن المؤذن، وأقام المقيم، وقام ﷺ ليستقبل القبلة، فبينما هو يسوي الصفوف افتقد فلانًا وفلانًا وأفرادًا لم يأتوا للجماعة، فقال ﷺ: لقد هممت أن آتي لأقوام لم يحضروا الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم، وأنيب عني من يصلي إمامًا بالناس)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

ولم يقل: نساءً؛ لأن النساء لا تجب عليهن جمعة ولا جماعة، وقد قال ﷺ كما في الصحاح: (لا تمنعوا إماء الله من بيوت الله، وبيوتهن أفضل لهن)، وقال ﷺ: (صلاة المرأة في بيتها خير لها من الصلاة في المسجد، وصلاتها في مخدعها خير لها من الصلاة في البيت، والصلاة في قعر البيت أفضل لها من صلاتها في المخدع وفي البيت).

لكن مع ذلك نهى عليه الصلاة والسلام الرجال عن منع النساء من حضور صلاة الجماعة، وعبد الله بن عمر اشتكى له نساء أولاده بأن أولاده يمنعونهن من حضور الجماعة في المسجد ال

3

تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع)

قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:37].

أثنى الله على رجال يلزمون المساجد، ويصلون فيها الصلوات الخمس وإن شغلهم شاغل، وإذا تركوا صلاة الجماعة في المسجد صلوها جماعة في أي مكان؛ لعذر أو لمرض أو لسبب ما، ولكنهم يحرصون على ألا يتركوا المساجد ولا صلاة الجماعة فيها، فالله أشاد بهؤلاء وأثنى عليهم وقال: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:37]، وهؤلاء على شغلهم بالتجارة وشغلهم بالبيع والشراء لا يقدمون دنياهم على دينهم، ولا تشغلهم مادتهم عن روحانيتهم، ولا يظهرون الشدة على جمع الدنيا، بل يريدون أن يتاجروا كذلك ويتزودوا للآخرة بصلاة في جماعة، وبعبادة الله ذكرًا وصلاةً وزكاةً وحضورًا في بيوت الله.

وذات مرة رأى ابن عمر المؤذن يؤذن وإذا بأصحاب الدكاكين يغلقون دكاكينهم ويذهبون للمسجد، فقال لهم: فيكم نزل قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:37].

وكثيرًا ما يستفتينا أشخاص ويقولون: وقت الأذان والصلاة نكون منشغلين بالتجارة أو بعمل في الدائرة أو نكون في اجتماع، فنقول لهم: كل ذلك اجعلوه في هذه الساعة هباءً، فقد دعاكم الله على لسان المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح، أي: أقبل أيها المسلم للصلاة وللفلاح والعبادة والذكر والاجتماع في بيت الله، فكيف إذا كان النداء من بيت الله الحرام أو من المسجد النبوي أو من المسجد الأقصى فك الله أسره، وأعاده للمسلمين وأنوف اليهود في التراب راغمة.

قال: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور:37] أي: لا يلتهون ولا يلعبون ولا يضيعون أوقاتهم في التجارة، ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:37] (ذكر الله) كلمة عامة فتشمل الصلاة، والتلاوة، والذكر بأنواعه: ذكر اللسان وذكر القلب.

وقوله: (وإقام الصلاة) أكثر من إتيان الصلاة، والإقامة: هي المحافظة عليها في أول أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها وأدائها، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أول الوقت رضوان الله، ووسطه رحمة الله، وآخره عفو الله)، وشتان بين الرضا والعفو، فالعفو يكون عمن صدر منه خطأ أو ما لا يليق، فيعفو الله عنه؛ إذ كان ينبغي أن تكون في أول وقتها، وأما الصلاة في أول وقتها فهو رضا الله، فقبل الصلاة وجازى فاعلها عليها، والوسط رحمة الله، ولكن الرضا أفضل وأكمل.

وكذلك لا تشغلهم تجارة ولا بيع، وفرّق هنا بين البيع والتجارة؛ لأن الجالس في الدكان أو المخزن يسمى بائع، وأما الذي يشتري ويبيع فهو تاجر.

وكذلك عندما يحل وقت الزكاة ويتم النصاب في الزرع وفي المواشي وفي الدراهم وفي الذهب والفضة بمجرد تمام سنة، فلا ينشغل عن أدائها ويقول: غدًا أزكي، أو بعد غد أزكي؛ لأنه قد حل الفرض والركن وحلت ملكية الفقراء والمساكين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:60]، وعلماؤنا يقولون: إن هذه اللام في الآية للملكية، ولا يجوز للإنسان أن يمنع المالك من ملكه، ولا أن يتصرف فيه بعد تملكه له، فإن فعل فإنه يكون ظالمًا، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لي الظالم يوجب عقوبته وأدبه) أي: عليَّ أدبه وعقوبته.

فمن وجب عليه حق للإنسان وحل وقت أدائه ولم يفعل، كأن يؤخر ويقول: لو أتيتني غدًا، لو أتيتني بعد غد، لو جئتني وأنا غير مشغول، فإن هذا يوجب عقوبته وعرضه، أما عرضه فتقول عنه: آكل أموال الناس بالباطل، ولا تعد هذه شتيمة ولا سبًا؛ لأنه ارتكب ذلك واستحقه.

وأما العقوبة فيباع عليه ماله؛ ليؤدى الحق ويؤخذ منه غلابًا وقهرًا، وقد يعزر على تأخيره واتجاره في مال ليس له، فمن أبقى عنده الزكاة أكثر من وقتها بعد تمام نصابها فإنه يكون كمن أخذ مالًا لإنسان بغير حق، فأخذ يتاجر فيه ويربح به، فيجب عليه أن يؤدي المال لأصحابه، وإذا أراد أن يرفع عنه الأخذ فإنه يعطيه إما مناصفة أو يعطي الربح لأصحاب الزكاة؛ لأنه اتجر في مال لا يملكه.

قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:37]، فهؤلاء يلازمون وقت الأذان والذكر والصلاة وأداء الزكاة، وهم في هذه الحالة يخافون في يوم القيامة ألا تقبل صلاتهم ولا زكاتهم، ولذلك تجدهم في خوف ووجل من يوم القيامة، فهذا اليوم تتقلب فيه القلوب وتصعد من مكانها إلى الحناجر، وتكاد قلوبهم تخرج من مكانها رعبًا وفزعًا وهلعًا، والأبصار تزيغ وترى: هل سيأخذون كتابهم بأيمانهم أو بشمائلهم، وهل سيدخلون الجنة أو النار، وهل سيرحمهم الله أو لا، وهل سيقبل الله أعمالهم أو يرمي بها على وجوههم.

ولذلك يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة وخائفة ألا تقبل منهم، وقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها نبي الله ﷺ: هل هؤلاء الذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة خائفة مرتعبة هم الزناة وشاربو الخمر والسارقون؟ قال: (لا يا عائشة، لا يا ابنة الصديق! ولكن هؤلاء قوم صلوا وتصدقوا وعبدوا، ولكنهم يخافون يوم القيامة ألا يقبل منهم ذلك).

4

تفسير قوله تعالى: (ليجزيهم الله أحسن ما عملوا)

قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:38].

يتركون التجارة والبيع والشراء، ويؤدون الصلاة، ويزكون ومع ذلك يخافون، فمن رحمة الله ومجازاته لهم أن يغفر ذنوبهم، ويرفع درجاتهم، ويرحمهم بالجنة، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور:38] أي: يجازيهم على حسناتهم ويغفر لهم سيئاتهم ﷻ، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:38]، أي: يجعل الحسنة عشرًا، والعشر يضاعفها أضعافًا مضاعفة، فيجازيهم على العمل القليل بالجزاء الكثير، والحسنة بعشر أمثالها ويضاعفها سبحانه إلى ما يشاء، فعطاء الله كثير فهو يعطي بغير حساب ﷻ.

قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:38] ولا حصر للضعف ولا حصر للأجر والثواب، فقد يجازي على الحسنة أضعافًا مضاعفة، وقد يجازي على كلمة يوم القيامة بدخول الجنان ولم يقل سواها، وحديث البطاقة معروف، وذلك أن رجلًا يأتي يوم القيامة ليحاسب، وإذا به لا يجد حسنات فتوزن أعماله فتطيش كفة الحسنات وتثقل كفة السيئات، فيؤمر به إلى النار، وبينما الملائكة تأخذه إلى النار إذ يقول الله ﷻ: (ردوه لا ظلم اليوم، فيؤتى ببطاقة، ويقول الله لملائكته: ضعوها في ميزانه، فيقول: ماذا عسى أن تكون هذه البطاقة مع كثرة ذنوبي وآثامي؟! وإذا بهذه البطاقة توضع في الكفة الطائشة فتثقل للأرض وتطيش كفة السيئات)، وهذه البطاقة كما قال نبينا ﷺ: فيها لا إله إلا الله، ولذلك يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (من مات وهو يقول: لا إله إلا الله دخل الجنة)، ومن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة، ومعنى ذلك أنه قد يدخل الجنة دون أن يدخل النار، ويغفر الله له ذنوبه كصاحب هذه البطاقة، وقد يعذب على ذنوبه بما شاء الله، ولكن العبرة بالخواتيم، أي: الخروج من النار والدخول للجنة.

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:38] هذا جزاء المؤمنين الصالحين، من أنار الله أقوالهم وأعمالهم وقلوبهم، أنارها الله بالقرآن والإسلام والهداية الإلهية وبدين محمد ﷺ، هؤلاء الذين أنار الله قلوبهم فعمروا بيوته ذاكرين ومصلين ومزكين ووجلين ألا تقبل أعمالهم، جزاؤهم من الله أضعاف مضاعفة من الحسنات، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:38].

5

تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة)

هذه آيات وعيد وتهديد للكافرين المقصرين الذين ماتوا على الكفر والشرك، ضرب الله فيها لهم أمثالًا معنوية وأمثالًا حسية، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:39].

هذا الكافر الذي يصف نفسه بالحضارة والعلم والمعرفة والفهم والإدراك، وقد يقول: أنا تصدقت وأحسنت وأعطيت، فمثل هذا أعماله كسراب تذهب هباء منثورًا لا تقبل ولو كانت صالحًا؛ لأن الشرك قد غطى على كل حسنة، ولأن الكفر بالله أعظم أنواع الظلم، فكل عمل صالح وصدقة وتعليم وغيره أمام كفره وجحوده ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور:39]، والسراب معروف وهو ذلك الشعاع الذي يكون عند شدة الشمس في الأراضي المستوية، والقيعة: جمع قاع: وهي الأرض الفسيحة المتسعة.

فعند اشتداد الحر وضياء النهار ترى من بعد كما لو كانت نهرًا أو نبعًا أو مياهًا، فيراها الظمآن بعينه فيأتي مسرعًا ومهرولًا إلى ذلك المكان لشدة عطشه يريد أن يشرب، فإذا أتاه وجده سرابًا ولم يجد ماءً ولا شرابًا.

قال تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور:39] يظنه العطشان ماءً، كذلك هؤلاء يأتون يوم القيامة ويظنون أن أعمالهم حسنة، وأنهم يعاملون عليها معاملة الموحدين المؤمنين، وإذا بهم عندما يحاسبون ويسألون: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ لا يحسنون جوابًا، وهكذا يجدون أنفسهم بلا عقيدة ولا إيمان بالله ولا برسول الله ﷺ، وفجأة يجدون أعمالهم هباءً لا نفع لها، وهم يظنون أنها أعمال صالحة، وأنها أعمال حضارية وتقدمية، وأنهم أحسنوا للشعوب بنشر الحضارة وأنواع المخترعات، وأعانوا الإنسان على كذا وكذا.

فعقولهم ونفوسهم مليئة بالسراب والخواء، ومليئة بما لا معنى له، إن هي إلا الجهالات والضلالات حسبوها علمًا ومعرفة ويوم القيامة عرفوا أنها سراب، وقد جاءوا إلى أعمالهم عطشى فلم يجدوا شيئًا، هذا مثل ضربه الله لهؤلاء الكفار.

قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:39] أي: حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده بالمرصاد لمحاسبته وعقوبته وعذابه: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:26]، فقد كان في دار الدنيا يملك نفسه، ويستطيع أن يستغل حياته، ويستفيد من شبابه ومن قوته ورزقه، فيؤمن بالله ورسوله، ويصلي مع المصلين، ويزكي مع المزكين، ويحج مع الحاجين، ويصوم مع الصائمين، لكنه في دنياه كان يسخر من الصالحين ويلمزهم بالألقاب: رجعيون خرافيون متأخرون، ويقول: إن هي إلا أرحام تدفع وقبور تبلع، ولا قيامة ولا آخرة ولا حساب ولا عقاب، فهذه عقول ضائعة، ونفوس هزيلة، وعلم كاذب، ودعوى عريضة، وعند الموت تنكشف لهم الحقائق ولكن هيهات ولات حين مندم، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهكذا يُقطعون.

فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:39] أي: وجد الله له بالمرصاد يرصد أعماله، فقد كلف لرصدها ملكين عن يمينه ويساره؛ ليشهدا عليه بالنقير والقطمير، حتى إذا جاء يوم القيامة فإنه يستلم كتابه بشماله، ومعنى ذلك: الخسارة والخزي والعار، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان.

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:39] أي: والله ﷻ يسرع في حساب هؤلاء، وعقوبتهم، والنكال بهم، وإدخالهم النار خزايا مغضوبًا عليهم أبد الآباد؛ جزاء ما جحدوا من النعم الإلهية الظاهرة والباطنة، وجزاء سخريتهم بأنبيائهم والمؤمنين من أتباعهم، فهذا مثل معنوي ضربه الله لهم.

6

تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي)

قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:40].

إن الأنوار التي وصف الله بها المؤمنين أنهم ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:35]، وأن هؤلاء الكافرين يعيشون في ظلمات بعضها فوق بعض، قال عنهم الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:40] أي: بحر كثير الماء والأمواج المتلاطمة، ومع هذه الأمواج ظلمات الليل.

7