تفسير المنتصر الكتانيالجزء 298 · ص 9 - 13

نشر اللغة العربية مع الإسلام

نشر اللغة العربية مع الإسلام

وكما يجب نشر الإسلام يجب نشر لغته، ولقد كان الأمر كذلك منذ القرن الأول إلى بعد القرن الثاني الهجري بقرنين أو ثلاثة قرون إلى مدة مائتي سنة، حتى جاءت وثنية الوطنية والقومية فتعصب لذلك؛ نتيجة نفاق المنافقين وكفر الكافرين وصد الصادين عن الله ورسوله ﷺ.

وابن تيمية في كتابه (الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) والذي ينبغي أن يسمى: الدولة العربية الإسلامية قال: لقد كان المسلمون في عصرهم الثاني في جميع شعوبهم عربًا وعجمًا وفرسًا ورومًا وأحباشًا وهنودًا وعلوجًا يتكلمون العربية كأهلها.

وفي عصره جاء الرحالة المغربي ابن بطوطة من أرض طنجة من المغرب ورحل لمدة ثلاثين عامًا في ديار المسلمين في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، ولم يكن يعرف إلا اللغة العربية، فكان يتكلم بها مسافرًا ومهاجرًا ورحالة، وتقلد في أكثر هذه الأقطار مناصب عالية كحاكم وقاض، وما كان يتكلم إلا بلغته العربية فيفهمون عنه ويفهم عنهم، وتزوج زوجات في كل مصر دخله زوجتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وكن يمتنعن من السفر معه فيطلقهن ويترك لهن أولاده، فلم يعودوا يتصلون به.

فهو كان عمليًا يتكلم اللغة العربية وكانت كل شعوب الإسلام تتكلم بها.

فـ ابن تيمية ذكر هذا علمًا، وابن بطوطة المغربي ذكر هذا جلوسًا ووقوفًا بنفسه على ذلك، وما تغير هذا إلا منذ قرنين بعد فساد الأزمان وانتشار الجهل وتولي الكافرين مصالح المسلمين وشئونهم، فاخترعوا لهم التعصّب للوطن وللأقوام، وهي عقائد وثنية جاهلية.

والمسلم جميع ديار الإسلام وطنه، وجميع المسلمين إخوانه؛ ولذلك الكفرة من بعض الحكام إذا أرادوا امتحان موظف سألوه: هل المواطن اليهودي أو النصراني أقرب إليك أو المسلم الهندي أو الأندونيسي؟ فإن قال: المسلم أخي حيث كان أسقطوه ولم يعدوه وطنيًا أو قوميًا، مع أن كتاب الله وعقيدة المسلمين على خلاف ذلك، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10].

فالمؤمن أخي حيث كان في أرض الله، في أمريكا أو في أوروبا أو في الهند أو في الصين، فجميع من قال: لا إله إلا الله فهو أخي، وليس أخي من أشرك بالله ولم يؤمن بالإسلام دينًا ولو كان من أقرب الأقربين إليّ، فذاك أخي؛ لأن الله آخى بيني وبينه، وذاك عدوي أو تحت ذمتي وليس أخًا لي بحال من الأحوال.

9

معنى قوله تعالى: (لقوم يعلمون)

إذًا: فقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:3].

أي: لقوم يدركون ويفهمون لغة العرب، ولا حجة بعد ذلك لهم، فمن لا يعرفها يتعلمها ويدرسها، وإن كان كبيرًا ترجم له (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما يتعلق بالصلوات.

ومن هنا لابد أن يعلم الكل أن الصلاة التي هي في الدرجة الثانية بعد كلمة الشهادتين لا يجوز أن يُقرأ فيها بلغة العجم قط، بل لابد أن تقرأ الفاتحة بالعربية والسورة بالعربية، فمن لم يفعل ذلك عد متلاعبًا ولم يصل أبدًا.

وكذلك أذكار الحج من التلبية، وغيرها كلها كذلك يجب أن تكون بلغة العرب.

والتلاوة إذا كُتبت بالحروف اللاتينية أو تُرجمت ثم قرئت لا تُعتبر تلاوة ولا أجر عليها ولا ثواب، بل القارئ بذلك يعود بالوزر وبالخزي؛ لأنه حرّف كلام الله العربي ونقله إلى لغة ليست عربية لم ينزل الله الوحي بها.

10

تفسير قوله تعالى: (بشيرًا ونذيرًا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)

﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:4].

قوله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت:4]، أي: حال هذا القرآن ونزوله أنه نزل بشيرًا لأوليائه المؤمنين، يبشرهم بالجنة وبالطاعة وبالرضا، ونذيرًا للكافرين وللمشركين ينذرهم بعذاب الله وبالنار وبخزي الدنيا والآخرة.

قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:4]، أي: أعرض أكثر الناس وابتعدوا وأعطوا ظهورهم لدعوة الله وللا إله إلا الله، ولدعوة الرسل ولدعوة خاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم، فأعرضوا عن ذلك، ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:4].

أي: لا يريدون سماعًا، فقد أصموا آذانهم وابتعدوا عن الفهم وعن الوعي، فهم كالصم الذين لا يسمعون، وإن سمعوا فهم لا يفقهون ولا يفهمون ولا يعون.

11

تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه)

قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:5].

أي: أنهم لا يسمعون ولا يريدون السماع، ومع ذلك فإنهم وبكل تحد وشرك وكفر يقولون: قلوبنا في أكنة، أي: إن القلوب التي تفهم وتعي وتحفظ وتسمع في أكنة: جمع كنان، أي: في أغطية مغلفة فهي لا تسمع، قد غطاها الران، ولذلك يقولون لأنبيائهم وخلفاء أنبيائهم من العلماء والدعاة إلى الله: لا تسمعونا فنحن قلوبنا مغلّفة لا تسمع ولا تحفظ ولا تعي.

فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يدعونهم إلى لا إله إلا الله وإلى الإسلام وإلى التزام الحلال وترك الحرام، وإلى الآداب وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإلى مؤاخاة كل مسلم ومعاداة غير المسلم؛ وهم يقولون لهم: دعوتكم إلى التوحيد والحلال والحرام والرقائق والآداب لا تسمعها قلوبنا ولا تفهمها، فهي مغلّفة ومغطّاة، فلا تتعبوا أنفسكم.

«وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ».

أي: يقولون إن في آذانهم صممًا، والأصم لا يسمع، وآذاننا: جمع أذن، وقر أي: ثقل وصمم، فهم لا تسمع آذانهم ولا تعي قلوبهم.

﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت:5]، أي: بيننا وبينك يا محمد! حجاب من الكفر ومن الفسق، فقد حجبوا أنفسهم خلف الكفر فكفروا بالله وبكتابه وبرسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحجبوا أنفسهم بالشرك وبالجحود وبالضلال وبارتكاب المعاصي والمخالفات على كل أشكالها وأنواعها.

﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:5].

أي: اعمل على دينك وعلى توحيدك واصنع ما تشاء في نفسك.

«إِنَّنَا عَامِلُونَ»، أي: أنهم عاملون بكفرهم وبشركهم، وعلى حسب صممهم والأغلفة التي على قلوبهم والحجب التي حجبوا بها قلوبهم وعقولهم من الشرك والكفر عن سماع كلمة الحق والتوحيد.

وهذا وإن كان وصفًا للكفار المعاصرين فهو وصف لكل كافر قبلهم وبعدهم، وفي عصرنا شاهدنا هذا وعلمناه وعاشرنا أصحابه، فإنك إذا أسمعتهم كلمة الله وشعروا بأن الحاضرين على وشك أن يسمعوا ويفهموا ويتقيدوا به صاحوا: لا نريد أن نسمع، ونحن لا نعقل، وآذاننا لا تقبل هذا، هذا تخريف ورجعية! فالكفر واحد، ولذلك فالكافر يرجع لكفر آبائه وأجداده في الجاهلية.

والمسلم هو الذي يجدد الإسلام في كل حين ويبينه كما بيّنه السلف الصالح من غير تحريف ولا زيادة ولا تأويل.

«فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ»، أي: فليعمل النبي والمؤمنون على دينهم وبمقتضاه فإنهم سيعملون حسب ظنهم وكفرهم وشركهم، وحسب ما هم فيه من غضب ولعنة.

12

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد)

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:6].

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ومع ذلك لست إلا عبدًا من عبيد الله وبشرًا كبقية البشر، آكل كما تأكلون، وأمشي في الأسواق كما تمشون، وأمرض كما تمرضون، وأجوع كما تجوعون، وأسرّ كما تسرّون، وأتألم كما تألمون، ولكنني أزيد عليكم بأن الله أوحى إلي وجعلني رسوله ونبيه إليكم.

وقد كانوا يتصورون أن النبي لا يكون إلا ملكًا، ولا يمكن التفاهم بين الملك والبشر، ولو حضر الملك على خلقته الأصلية لفجعوا وفروا، ولربما أصابهم الصرع والصمم فعلًا، وربما ذهلوا عن أنفسهم وغابوا عن عقولهم، ولو نزل بشرًا -كما كانت الملائكة في بعض الأحيان تنزل على نبي الله عليه الصلاة والسلام - لقالوا له: أنت بشر ولست ملكًا، ولا يؤمنون، وهم ليس لهم خيار في ذلك وإنما ضلت عقولهم وأخذوا يهرفون بما لا يعرفون.

فقوله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ»، أي: قل يا محمد! شكلي شكلكم ونوعي نوعكم، ولي أب وأم وزوجة وأولاد كما أن لكم ذلك.

13