فصلت [1 - 6]
تفسير سورة فصلت [1 - 6]
القرآن الكريم كتاب الله المحكم، فصلت آياته ووضحت عباراته باللغة العربية، ولكن الجاحدين يعرضون عن الإذعان له وكأنهم لا يسمعون، بل يجاهرون بأن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقر، فالله يتكفل بجزائهم وعقوبتهم.
فصلت [1 - 6]
تفسير سورة فصلت [1 - 6]
القرآن الكريم كتاب الله المحكم، فصلت آياته ووضحت عباراته باللغة العربية، ولكن الجاحدين يعرضون عن الإذعان له وكأنهم لا يسمعون، بل يجاهرون بأن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقر، فالله يتكفل بجزائهم وعقوبتهم.
قال ربنا ﷻ: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:1 - 4].
هذه السورة سورة مكية، نزلت في مكة المكرمة، وهي مشتملة على 54 آية.
وأول ما سمعت من رسول الله ﷺولعل ذلك كان سبب نزولها- أنه اجتمع كفار قريش في ناديهم حول الكعبة المشرفة فقال قائل منهم -قيل هو أبو جهل -: لقد التبس علينا أمر محمد، فهذا الذي أتى به ودعا إليه ما هو؟ هل هو سحر أم كهانة أم شعر؟ وكان عتبة بن ربيعة أعلمهم بالشعر وبالكهانة وبالسحر وكان سيدًا من ساداتهم وكبيرًا من كبرائهم، فقالوا له: يا أبا الوليد اجتمع بمحمد واسمع خبره وكلمه لعله يكف عما هو قائم به نحونا.
وكان ذلك منهم عندما أسلم حمزة وعمر معًا وأخذ أتباع النبي عليه الصلاة والسلام يكثرون يومًا بعد يوم.
فجاء إليه عتبة وقال: يا محمد! يا أبا القاسم! لم تر العرب رجلًا مثلك شتت قومه وعاب آباءه، وشتم دينهم وذكر أبناءهم وآباءهم بسوء، فما هذا الذي أتيت به؟ هل أنت خير أم أبوك عبد الله أم جدك عبد المطلب أم جدك هاشم أم جدك قصي؟ والنبي عليه الصلاة والسلام ساكت لا يجيبه.
فأخذ يزيد ويقول له: إن كان هذا الذي بك مرض جمعنا لك من أموالنا، حتى نأتيك بأطباء يعالجون مرضك، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا ورفعنا راياتك على رءوسنا، وإن كانت بك الباءة زوجناك عشرًا من عقائل قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك من المال حتى تكون أغنى رجل في قريش أنت وعقبك! فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (أفرغت يا أبا الوليد؟! قال: نعم.
قال: فاسمع مني، قال: كلي لك سمع! فقرأ عليه النبي عليه الصلاة والسلام: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:1 - 4]، إلى أن تلا إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:13])، وإذا بـ عتبة عندما وصل رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى هذه الآية يضع يده على فمه ويقول: نشدتك الله والرحم التي بينك وبيننا، فأتم السورة إلى أن وصل إلى السجدة فسجد وعتبة يرى ذلك في ذهول، ثم تركه وذهب إلى قريش فقالوا قبل أن يصل: والله لقد عاد إليكم عتبة بغير الوجه الذي ذهب به إلى محمد! فجاء فقالوا له: ما وراءك؟ فقال لهم: اجعلوها علي ودعوا محمدًا وما يدعو إليه واعتزلوه واتركوه للعرب، فإنهم إن غلبوه كفيتموه وإن انتصر عليهم فملكه ملككم وعزّه عزّكم وشرفه شرفكم، فوالله لقد قلت الشعر وسمعته فما قوله بالشعر، ورأيت الكهانة واستعملتها فما قوله بالكهانة ولا هو بالكاهن، ورأيت السحر واستعملته وما هو بالساحر ولا قوله بالسحر.
فصاح فيه أبو جهل وقال له: يا أبا الوليد! لقد صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فغضب عتبة وقال: والله لا كلمت محمدًا بعد اليوم، وإنكم لتعلمون أني أكثركم مالًا وأرفعكم نسبًا.
فكانت هذه السورة وهي إحدى الحواميم التي قال عنها ابن مسعود وابن عباس: الحواميم لباب القرآن، وقالوا عنها: هي عرائس القرآن.
وكان شعار النبي ﷺ وكلمة السر في بعض غزواته: حم لا ينصرون.
قال تعالى: ﴿حم﴾.
هذه الحروف المقطّعة في تفسيرها، هل هي كلمات ورموز لمعان؟ وهل هي أسماء للسور التي يبتدأ بها؟ حكي في ذلك الكثير من الأقوال، وقد تكلمنا على ذلك في بداية سورة البقرة وقلنا: إن معناها: أن هذه الحروف المقطّعة هي أجزاء من حروف الهجاء العربية التي ينشأ منها كلام العرب، فبها نطق القرآن وبها تكلم الله، فيا أيها السامعون من العرب ومتقني لغة العرب! القرآن نزل معجزًا في اللفظ وفي المعنى، فإن استطعتم أن تأتوا بمثله فأتوا، ولن تستطيعوا ولو كان بعضكم لبعض ظهيرًا، ولو تواطأ الجن والإنس على ذلك لعجزوا ولما استطاعوا.
وتفسير ذلك كأن يقول مثلًا الطبيب الكيميائي: الإنسان عبارة عن عناصر ماء وفحم وكربون وملح وسكر وما إلى ذلك من العناصر الأخرى، ويقول لك: هذه المواد أمامك فاصنع منها إنسانًا كما صنعه الله ﷻ، فإن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [غافر:67]، إلى بقية الأطوار، وها هو التراب أمامكم فخذوا منه وزن رجل واصنعوا منه إنسانًا، أو اصنعوا من النطفة إنسانًا! أيستطيع أحد ذلك؟ ذلك هو الإعجاز، وذلك هو كلام الله المعجز في لفظه ومعناه.
وقد يأتي إنسان إلى بناء عظيم الطول والعرض، شاهق في عنان السماء، فيعجبه شكله وهندسته ومكانته ويبني مثله، أما أن يأتي بكتاب في البلاغة والفصاحة والإعجاز كالقرآن فما كان ذلك ولن يكون يومًا من الأيام.
وقد حاول المتنبئون الكذبة منذ مسيلمة الكذاب الدجّال إلى المعري -فيما ذكروه- أن يُعارضوا القرآن ويأتوا بمثله، فأتوا باللفظ المضحك الذي يضحك الثكلى وتنسى موت ولدها وحزنها وبأسها وما ابتليت به.
وكتاب الله هو المعجزة الدائمة المسترسلة المستمرة التي آمن بها من سبقنا في عصر الصحابة والنبوة، ونحن جئنا بعدهم بأربعة عشر قرنًا والأمر كما قاله كتاب الله، لم يستطع أحد خلال هذه القرون المتطاولة أن يأتي بمثله أو بسورة منه، فقد بقي معجزًا في لفظه ومعناه، وتلك معجزة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدائمة كما أخبر عنها الله، وجميع المعجزات الماضية أدت مهمتها وقامت بوظائفها فآمن بها من آمن وانتهت بموت من أتى بها.
وأما القرآن فهو المعجزة الدائمة المستمرة الذي يرى كل جيل معجزته، سواء جاء في عصر القرآن أو من بعده إلى يوم القيامة، فهذا الكتاب العظيم هو كلام الله وخاتم كتبه بما فيه من إعجاز لفظي ومعنوي.
﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:2].
أي: هذا الكتاب المنطوق به المكون من مثل حروفكم هو تنزيل من الرحمن الرحيم، أنزله الله على قلب محمد ﷺ، نزل به الروح الأمين على قلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو تنزيل من الرحمن الرحيم، أي: من الله الكريم، وليس هو قول محمد ﷺ ولا قول أحد من الخلق، فهو ﷺ لبث فيهم عمرًا من دهره ومن حياته، وكان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، فمن أين له هذه العلوم والمعارف التي تجاوز بها علوم الأولين والآخرين؟ وكما قال العارف: كفاك بالعلم في الأميّ معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم فقد عاش أربعين سنة بين قومه وكلهم أميون، وكلهم لا يحسبون ولا يكتبون وهو منهم، ثم جاءه جبريل روح الله في غار حراء وقال له: اقرأ، فقال: (ما أنا بقارئ؟)، فأخذه وضمه إليه أولًا وثانيًا وثالثًا وهو يقول: (ما أنا بقارئ؟)، أي: أنا أمي، فقال: اقرأ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:1] ومن يومئذ ألهم الله تعالى نبيه وخاتم أنبيائه ﷺ، وأوحى إليه من العلوم والمعارف ما لم يسبقه فيها أحد منذ آدم أبي البشر إلى عصره، وما أعلم منه إلا الله ﷻ، فلقد أحاط بعلوم الأولين والآخرين.
وقد خطب ﷺ يومًا في مسجده النبوي في المدينة المنورة خطبة ابتدأها عقب صلاة الصبح ولم ينهها إلا عند صلاة المغرب، فلما أذّن الظهر نزل فصلى ثم صعد المنبر، ولما أذّن العصر نزل فصلى ثم صعد المنبر، وبقي إلى أذان المغرب، وقد ذكر في هذه الخطبة التي استمرت أكثر من عشر ساعات ما كان وما يكون من بدء الخلق من يوم خلق السماوات والأرض، وتكلّم على خلق الدنيا وخلق بني آدم والخلائق وما كان من الأنبياء وأممهم إلى حياته، وتكلم على ما بعده إلى يوم القيامة والحشر والنشر، وتكلم على الجنة ومن يدخلها وعلى النار ومن يدخلها.
وقد قال الرواة الذين حضروا هذه الخطبة وهم العشرات من الصحابة منهم عمر وعلي وحذيفة بن اليمان وأبو هريرة وغيرهم: (حدثنا رسول الله ﷺ بكل ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، ما من قائد فتنة ومعه رجل أو رجلان إلا وحدثنا باسمه واسم أبيه ونسبه والوقت الذي سيظهر فيه، ما من طائر يطير في السماء إلا وذكر لنا منه علمًا، ولكن أعلمنا أحفظنا).
وقال حذيفة: إني أنسى الشيء زمنًا ثم أراه كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فأتذكّر قوله وكلامه، فأذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد حدّثنا عن ذلك يومًا.
قوله: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:2]، أي: هذا القرآن تنزيل من الله الرحمن الرحيم، وليس كما زعم الكفرة الفجرة غير البررة بأن هذا القرآن من صنع بشر، وقد تمالأ عليه أقوام آخرون، بل هو وحي الله وكلامه أرسل به جبريل روح الله إلى قلب خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:3] وهذه كلمة من مبتدأ وخبر، ومعناها: أنه كامل، فهو كتاب بيّنت آياته ووضّحت، وقد تكلم هذا الكتاب بتفاصيل الحلال والحرام والعقائد والآداب، وتكلم عن الأنبياء وعن شعوبهم وعمن آمن من هذه الشعوب ومن كفر، وكيف خلق الله السماوات والأرض، وكيف خلق الملك والجن والإنس، فقد احتوى هذا الكتاب على كل شيء، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:38] ففيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، وما حكم به مؤمن إلا وأعزّه الله وشرّفه.
قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:3] أي: فصّلت وبيّنت ووضّحت وتكلمت بتفاصيل الأحكام وما ينفع البشر في دنياهم وما ينفعهم في أخراهم وما ينفعهم فيما بينهم وبين أسرهم ومجتمعهم وحكّامهم وأعدائهم وإخوانهم.
ففيه كل ما يفيد البشر والجن، وفيه ما لو تمسكوا به لسعدوا به سعادة الدنيا والآخرة، وفيه كل شيء تقر به عين المؤمن وتذل به نفس الكافر، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:3].
أي: ومع هذا أنزله الله تعالى قرآنًا عربيًا، أي: أنه نزل بلغة العرب وبقواعدهم نحوًا ولغة ومعاني وبديعًا، ولذلك يُفهم القرآن كما تُفهم لغة العرب الفصحى بقواعدها من مرفوع ومنصوب ومجرور، وبقواعدها من الاستعارة والصراحة والمجاز والكلام البيّن بلا مجاز، ومن هنا فسّره علماؤنا تبعًا لتفسير الصحابة له.
والعرب كانوا يتكلمون بعربيتهم الفصحى سليقة وفطرة، ولم يكونوا يحتاجون لـ سيبويه الفارسي ولا للأصمعي ولا للكسائي؛ لأن القرآن نزل بلغتهم جملًا ومفردًا، فكانوا يفهمونه مباشرة، ولكنهم مع ذلك كانوا بشرًا، وكان لكل قوم لهجتهم، ولذلك كان هناك من يفهم القرآن فهمًا بيّنا واضحًا ومن يفهمه فهمًا خاطئًا، ومن هنا نزل القرآن الكريم بلغة قريش، ونزل على أفضلهم أكرمهم وأنبلهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، سيد العرب لغة وفصاحة ونسبًا وحسبًا، وقد كلفه الله بفهمه وشرحه وبيانه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:44].
وقد تنازع العلماء والصحابة في بيان وتفسير النبي عليه الصلاة والسلام لبعض الآيات؛ لأنه وإن نزل بلغة قريش فقد كان يكثر أن يتكلم النبي عليه الصلاة والسلام فيسأله سائل من العرب من أهل قريش: ما معنى هذه الكلمة يا رسول الله؟! كقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى يُكذّب الصادق ويُصدّق الكاذب، ويؤتمن الخائن ويخوّن الأمين، وينطق فيكم الرويبضة، فقال قائل: ما الرويبضة يا رسول الله؟! قال: المرء التافه يشتغل بأمر العامة).
وهذا كزعماء عصرنا ورؤساء أحزابهم ونواب برلماناتهم المتكلمين في شئون العامة من الجهلة أشباه الأميين الذين قد يعرفون اللغة الفرنسية والإنجليزية ولا يعلمون عن الشريعة وعن دين الله وعن لغة كتابه ونبيه ﷺ قليلًا ولا كثيرًا، فهم كالأعجام في ذلك أو أكثر.
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:3] فقد نزل هذا الكتاب على قوم يعلمون لغة العرب ويفهمونها ويعلمون دقائقها وظواهرها كما يعلمون بواطنها، ولذلك لا يعذرون في الكفر بها، وكانوا هم الذين نشروا لغتهم بعد ذلك بعد الوفاة النبوية وعند زحف عرب الجزيرة بقيادة قريش بعد أن هداها الله للإسلام في عهد الخلفاء الراشدين وخاصة أبا بكر وعمر.
فخرجوا بالإسلام عن حدود الجزيرة وضموا إليه أقاليم وشعوبًا كأرض الشام والعراق وفارس ومصر والمغرب، ونشروا دينهم الذي هو دين الله بلغة الإسلام ولغة العرب، وما كاد ينتهي الجيل الأول حتى جاء الجيل الثاني وكان يتكلم العربية كأهلها، بل إن بعضهم كان أعلم بها من أهلها، ولم تتبلبل ألسنتهم وتختلط بلهجات فارسية أو حبشية أو رومانية، فقد تعلموها منذ الصغر فنطقوا بها بلهجاتها كما كان ينطق بها عبد المطلب وكما كان ينطق بها الأصحاب في الحياة النبوية.
وعندما ننظر إلى علوم الإسلام على اختلاف فنونها وأنواعها نجد أن أئمتها غير عرب، فمثلًا نجد إمام النحو العربي هو رجل فارسي، ولا يزال اسمًا فارسيًا، وهو سيبويه، والذي قاد المحدثين إلى جمع الصحيح وكان كتابه أعظم كتاب بعد كتاب الله هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه الجعفي البخاري، فهو جعفي ولاءً وبخاري حسبًا ونسبًا، وقل مثل ذلك على أكثر أئمة علوم وفنون الإسلام لغة وبيانًا وقرآنًا وحديثًا وجميع علوم الإسلام.
والعلم بالتعلم، وقد تعلم أبناؤنا ومعاصرونا لغة الأوروبيين والأمريكيين على اختلاف لهجاتهم وما تجاوزوا به الحد، وكان ذلك على حساب لغتهم العربية لغة الإسلام، ويا ليتهم عندما تعلموا ذلك تعلموا العربية بقواعدها وفنونها؛ حتى يستطيعوا فهم كتاب الله وحديث رسوله ﷺ.
وقد تجد بعضهم أساتذة كبارًا في جامعات كبرى وأساتذة لدراسات عليا إذا نطق أحدهم بلغة العرب خطيبًا أو متكلمًا أو كاتبًا تجده يلحن ويحرف الكلام عن مواضعه، وهذا الذي يكون كذلك إذا فهم آية أو حديثًا فإن فهمه لهما يكون محرفًا، ومن هنا تضاءل العلم ورجع إلى الوراء.
قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت:3] هذا المعنى ذكر في غير ما سورة وآية؛ ليؤكد به عربية القرآن، ومعنى ذلك: أن من يحاول ترجمته أو نقل معانيه أو ألفاظه فمهما صنع فلن يصل إلى الحقيقة البتة.
ويوجد اليوم بين الناس من يزعمون أنهم ينشرون الإسلام ويترجمون كتاب الله إلى مختلف لغات الأرض، وتلك بدعة في هذا العصر ومصيبة لم تكن في عصر الصحابة رضي الله عنهم، ولم تكن في عصر التابعين، بل ولم تكن من قبل مائة سنة؛ لأن لغة القرآن يجب تعلمها كتعلم القرآن فرضًا لازمًا على كل مسلم، وطلب العلم فريضة على كل مسلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والقرآن عربي ونبي الإسلام عربي والسنة عربية، ولا يتم فهم القرآن وحديث رسول الله ﷺ إلا بتعلم لغة العرب وإلا ضل الناس وأضلوا كما حدث في عصرنا.
ونحن نعلم أشخاصًا أئمة في الدعوة إلى الإسلام ولا يعرفون العربية فأخطؤا وزلوا بما يعتبر خروجًا عن الإسلام؛ نتيجة جهلهم بلغة الإسلام وبلغة القرآن، وبلغة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي لغة السنة المحمدية ولغة الحديث الشريف، في حين أن عمر رضي الله عنه عندما خرج فاتحًا بجحافل المسلمين وقبله أبو بكر رضي الله عنه ومن جاء بعدهما ممن وصل إلى الصين وإلى عمق أوروبا وما بينهما، كانوا يعلمون العربية مع لا إله إلا الله؛ لأنه بدون تعلمها لا يُعرف كتاب ولا سنة ولا إسلام.
ولم يكن هناك مترجمون ولم يكلفوا أحدًا بالترجمة لا من أنفسهم ولا من الشعوب المفتوحة، وإنما كانوا يعلمون اللغة العربية للأجيال الصغيرة، وكانت تكفيهم سنتان أو ثلاث سنين ليتعلموها، كما هو حاصل اليوم عندما نرسل أطفالنا إلى المدارس الابتدائية أو الثانوية، فإنه لا يكاد يمر على ذلك سنتان أو ثلاث سنوات إلا ويتحدثون الإنجليزية والفرنسية أحيانًا أكثر من أهلها فهمًا وبلاغة وكلامًا، ويكون على حساب لغتهم العربية، فقد أصبحوا يجهلونها، وإذا علموا منها شيئًا علموا سطحها مما لا يكادون يفهمون به حكمًا من أحكام الله في كتابه أو حكمًا من أحكامه في سنة نبيه ﷺ.
وعلى ذلك فالترجمة لا تجوز بحال إلا عند البيان.