تفسير المنتصر الكتانيالجزء 4 · ص 1 - 8

الكهف [17 - 19]

الكهف [17 - 19]

تفسير سورة الكهف [17 - 19]

وصف الله تعالى الكهف الذي أوى إليه الفتية المؤمنون، وبين أنه يقع موقعًا بحيث تدخله الشمس والهواء فتنفع الفتية النائمين صحيًا ولا تصيبهم الشمس، ثم وصف كلبهم وتقليبهم حال نومهم وغير ذلك.

1

تفسير قوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين)

2

معنى تزاور الشمس عن الكهف ذات اليمين

قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف:17].

ومعنى ذلك أنهم دخلوا الكهف بعد أن اتفقوا عليه، ثم بعد ذلك أصابهم النوم، حيث ضرب الله على آذانهم كما سبق ذكره في مجمل قصتهم، فَحُذِفَ من السياق كلام علم بما أتى بعده.

يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:17].

فالله تعالى أنامهم ففقدوا الإحساس كما يفقده النائم، وضرب على آذانهم، وللحفاظ عليهم ببقاء سلامة أبدانهم من البلى ومن الفناء صنع بهم ما ذكره تعالى، ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف:17].

يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف:17].

فعند الشروق كانت الشمس إذا طلعت عليهم تزاور، أي: تميل عنهم، فلا تشرق على أجسادهم، ولا على ذواتهم، ولو أشرقت الشمس عليهم صباحًا ومساء مع الأيام والسنين والقرون لأحرقتهم، ولبدلت ألوانهم، ولكن الله كان يكرمهم بدخول الشمس بغير أذى، والمكان الذي تدخله الشمس تدخله الصحة والعافية.

ومن تمام المكان الصحي أن يدخله الهواء والشمس، وليس من الضروري أن تصيبك الشمس، بل يكفي أن تدخل الشمس بشعاعها وضيائها.

يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:17].

فإذا دخلت الشمس صباحًا تميل عن أجسادهم فلا تمسهم، ويكونون في فيئها وفي ظلها، وإذا هي غابت وقت الغروب تقرضهم ذات الشمال، أي: تتركهم.

يقول تعالى: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف:17]، أي: في ساحة واسعة من الكهف، بحيث تدخل الشمس إلى الكهف، فينتفعون بضيائها وشعاعها وما جعله الله فيها مما يعود على البدن بالصحة والعافية، فهي تشرق في الصباح، فتطهر الكهف من الأنفاس التي احترقت، ومن الهواء العفن إن كان، ومما يمكن أن يحدث، فيبقى الكهف مدة رقادهم صحيًا.

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ [الكهف:17] أصل القرض: القطع، بمعنى: تمر وتتجاوز عن أجسادهم، بمعنى أن الشمس تدخل في الصباح، وتدخل في المساء فتطهر المكان مما عسى أن يكون قد وقع فيه من أنفاس محترقة، ولكن أجسامهم لا تصيبها الشمس، حتى لا تسود ألوانهم.

3

معنى قوله تعالى: (ذلك من آيات الله)

قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف:17].

أي: من قدرة الله، حيث مكث هؤلاء ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، وهذا الجسم الذي هو من لحم ودم وعظم يؤثر فيه دوام الليل والنهار، وخلايا البدن التي في الجسم تعد بالملايين، فينتفع منها الحي ما دامت الحياة في بدنه، وما دامت أنفاسه تدخل وتخرج، أما إذا حدث الموت فليست هناك مسام ولا منافذ يمكن للجسد أن يستريح بها، فإن حدث ذلك فهو الموت، فهؤلاء تركهم الله أحياء، ولكنهم رقود.

وكان لا بد من هذا، وذلك من آيات الله، ولم يصنعوا بأنفسهم شيئًا لأنهم رقود، ولأن الله ضرب على آذانهم فناموا، ولكنه تعالى هو الذي صنع بهم ذلك، فألهمهم الدخول في الكهف كما تمنوا، فدخلوا كهفًا تدخله الشمس صباحًا ومساء، فتنظف الكهف ولا تضر الأجساد.

يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف:17]، أي: من قدرة الله، ومن بديع صنع الله، ببقائهم ثلاثمائة سنة ونيفًا، ولم تفن الأجساد ولم تنته ولم تنقرض.

4

معنى قوله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا)

قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الكهف:17].

وقد هداهم الله لعبادته، وهداهم لتوحيده، وهداهم للفرار بدينهم من ظلم الظالمين وكفر الكافرين.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:17].

فمن أبى إلا الضلالة، ففسد قلبه الذي هو مناط العقيدة، فلن تجد له وليًا مرشدًا.

وإن يعلم الله من قلوبنا خيرًا يؤتنا خيرًا، وإن يعلم سوى ذلك يؤتنا على ما في قلوبنا من غش وفساد وعدم رغبة في الخير والهداية والصلاح.

يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:17].

و(لن) للتأبيد، فمن يضله الله فلن تجد له من دون الله من يرشده ومن يدله على الخير.

وقوله تعالى: ﴿وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:17] أي: ناصرًا مؤازرًا هاديًا.

ولذلك فلا طريقة للهداية إلا طريقة الرسل، وخاتمهم محمد ﷺ، ورضي عن الأصحاب الذين رووا لنا شريعته وسنته، وهذا الكتاب الذي أكرمنا الله به وأكرم به البشرية كلها.

5

تفسير قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظًا وهم رقود)

6

معنى قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظًا وهم رقود)

قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:18].

يقول تعالى: لو صح لك -يا رسولنا- أن تراهم لحسبتهم أيقاظًا، ولظننت من رؤيتك لهم أنهم ليسوا براقدين ولا نائمين.

قالوا: لأن أعينهم كانت مفتحة، وذلك لأن العين تحتاج إلى أن تفتح ليدخلها الهواء، ولتنتفع بشعاع الشمس وضياء القمر، فلو بقيت مغمضة طول هذا الدهر لفسدت وعميت، ولالتحم أعلاها بأسفلها، ولكن الله كما جعل الشمس تدخل كهفهم صباحًا ومساء، فتفيدهم بضيائها ولا تحرقهم بحرها ولهيبها، كذلك ضرب على آذانهم، وترك عيونهم مفتحة.

وقد حكوا عن الذئب أنه في الليل كله ينام بعين ويفتح الأخرى، ويراوح بين هذه وهذه، وذلك لشدة حذره، ولشدة خوفه، وخوفه من الكلاب أكثر من خوفه من الناس، فقد يجرؤ الذئب على الناس، ولا يجرؤ على الكلب.

7

معنى قوله تعالى: (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال)

يقول تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:18].

وهذا من حفظ الله لأجسامهم، فلو بقوا على حالة واحدة لأكلت الأرض أبدانهم، فهم يميلون كما نفعل عادة، حيث نتقلب عشرات المرات في الليل ونحن لا نشعر، ولو قدر لإنسان ألا يتقلب يمينًا وشمالا، لقام خبيث النفس معذب البدن، يكاد يشعر بأن أعضاءه ينحل بعضها عن بعض.

فالله كان يقلبهم في نومهم بين اليمين والشمال ليحفظ أجسامهم، وليصونها عن الفناء في هذه المدة.

فكانوا يتقلبون يمينًا ثم يتقلبون شمالًا، لتأخذ أبدانهم حظها من الحركة، وتبقى دورة الدم جارية.

فالإنسان عندما يظل مقيمًا في مكان قد يصاب بالشلل، ولذلك كان المشي من تمام العافية، ومن تمام الصحة، والتزام الجلوس والرقاد دومًا، والتزام الوقوف على حالة من الحالات يضر بالبدن.

فهؤلاء ضرب الله على آذانهم، وذلك من آيات الله، وهو أنهم يتقلبون في هذه السنوات الطوال عن اليمين وعن الشمال.

8