إشارات الإعجاز في مظان الإيجازالجزء 1 · ص 88 - 97

وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ امَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤمِنِينَ

وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ امَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤمِنِينَ

وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ امَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤمِنِينَ 8

وجه النظم:

انه كما يُعطف المفرد على المفرد للاشتراك في الحكم، والجملة على الجملة للاتحاد في المقصد؛ كذلك قد تُعطف القصة على القصة للتناسب في الغرض. ومن الأخير عطف قصة المنافقين على الكافرين. أي عطف ملخص اثنتي عشرة آية على مآل آيتين؛ اذ لما افتتح التنزيل بثناء ذلك الكتاب فاستتبع ثمرات ثنائه من مدح المؤمنين، فاستردف ذم اضدادهم بسر "انما تعرف الأشياء باضدادها" ولتتم حكمة الارشاد، ناسَبَ تعقيب المنافقين تكميلا للاقسام.

ان قلت: لِمَ أوجز في حق الكافرين كفرًا محضًا بآيتين واطنب في النفاق باثنتي عشرة آية؟

قيل لك: لنكات؛

منها: ان العدوّ اذا لم يُعْرَف كان اضرَّ. واذا كان مخنسًا كان أخبث. واذا كان كذابًا كان أشد فسادًا. واذا كان داخليًا كان أعظم ضررًا؛ اذ الداخلي يفتت الصلابة ويشتِّت القوة بخلاف الخارجي فانه يتسبب لتشدد الصلابة العصبية. فأسفًا! ان جناية النفاق على الاسلام عظيمة جدًا. وما هذه المشوشية 1 الاّ منه. ولهذا أكثر القرآن من التشنيع عليهم.

ومنها: ان المنافق لاختلاطه بالمؤمنين يستأنس شيئًا فشيئًا، ويألف بالايمان قليلا قليلا، ويستعد لأن يتنفر عن حال نفسه بسبب تقبيح أعماله وتشنيع حركاته؛ فتتقطر كلمة التوحيد من لسانه الى قلبه.

ومنها: ان المنافق يزيد على الكفر جناياتٍ اُخَر كالاستهزاء والخداع والتدليس والحيلة والكذب والرياء.

  • 1 شوّش الامر: خلطه، صيّره مضطربًا.
88

ومنها: ان المنافق في الأغلب يكون من أهل الكتاب ومن أهل الجربزة الوهمية فيكون حيّالا دسّاسًا ذا ذكاء شيطانيّ، فالاطناب في حقه أعرق في البلاغة.

أما تحليل كلمات هذه الآية، فاعلم! ان (مِن الناس) خبر مقدم لـ (مَن) على وجه.

ان قلت: كون المنافق انسانا بديهيٌّ....؟

قيل لك: اذا كان الحكم بديهيًا يكون الغرض واحدًا من لوازمه وهنا هو التعجيب. كأنه يقول كون المنافق الرذيل انسانًا عجيب؛ اذ الانسان مكرّم، ليس من شأنه ان يتنزل الى هذه الدركة من الخسة.

ان قلت: فَلِمَ قدّم؟

قيل لك: من شأن انشاء التعجب الصدارة وليتمركز النظر على صفة المبتدأ التي هي مناط الغرض وإلا لانتظر ومرّ الى الخبر.

ثم ان عنوان (الناس) يترشح منه لطائف:

منها: انه لم يفضحهم بالتعيين، بل سترهم تحت عنوان "الناس" إيماءً الى ان سترهم وعدم كشف الحجاب عن وجوههم القبيحة أنسب بسياسة النبيّ عليه السلام؛ اذ لو فضحهم بالتشخيص لتوسوس المؤمنون؛ اذ لايُؤْمَن من دسائس النفس. والوسوسة تنجر الى الخوف والخوف الى الرياء والرياء الى النفاق.. ولأنه لو شنّعهم بالتعيين لقيل ان النبي عليه السلام متردد لايثق باتباعه.. ولان بعضا من الفساد لو بقي تحت الحجاب لانطفأ شيئًا فشيئًا واجتهد صاحبُه في اخفائه ولو رُفع الحجاب - فبناءً على ما قيل "اِذا لمْ تسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ" 1 - لَيقول فليكن ما كان، ويأخذ في النشر ولا يبالي.

ومنها: ان التعبير بـ (الناس) يشير الى انه مع قطع النظر عن سائر الصفات المنافية للنفاق فأعمّ الصفات أعني: الانسانية أيضًا منافية له؛ اذ الانسان مكرم ليس من شأنه هذه الرَذالة.

  • 1 هذا المثل اصله حديث نبوى رواه البخارى عن ابى مسعود عقبة بن عمرو الانصارى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ان مما ادرك الناسُ من كلام النبوة الاولى: اذا لم تستح فاصنع ما شئت) .
89

ومنها: انه رمز الى ان النفاق لا يختص بطائفة ولا طبقة بل يوجد في نوع الانسان أية طائفة كانت.

ومنها: انه يُلَوِّح بان النفاق يخلّ بحيثية كل من كان انسانًا فلابد ان يتحرك غضب الكل عليه، ويتوجه الكل الى تحديده، لئلا ينتشر ذلك السمّ؛ كما يخلّ بناموس طائفة ويهيِّج غضبهم شناعةُ فرد منهم.

وأما (مَن يقول آمنا)

فان قلت: لِمَ افرد "يقول" وجمع "آمنا" مع ان المرجع واحد؟

قيل لك: فيه اشارة الى لطافة ظريفة هي:

اظهار ان المتكلم مع الغير متكلم وحده فـ "يقول": للتلفظ وحده و"آمنا" لأنه مع الغير في الحكم.. ثم ان هذا حكاية عن دعواهم ففي صورة الحكاية اشارة الى رد المحكيّ بوجهين، كما ان في المحكيّ اشارة الى قوته بجهتين؛ اذ "يقول" يرمز بمادته الى ان قولهم ليس عن اعتقاد وفعل، بل يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.. وبصيغته يومئ الى ان سبب استمرار مدافعتهم وادعائهم مراآة الناس لامحرك وجداني.. وفي الدعوى ايماء منهم بصيغة الماضي الى: "إنّا معاشر أهل الكتاب قد آمنا قبل فكيف لانؤمن الآن".. وفي لفظ "نا" رمز منهم الى: "انّا جماعة متحزبون لسنا كفرد يَكذِب أو يُكذَّب".

وأما (بالله وباليوم الآخر) فاعلم! ان للتنزيل ان يأخذ المحكيّ بعينه، أو يتصرف فيه بأخذ مآله، أو تلخيص عبارته: فعلى الأول ذكروا الأول والآخر من أركان الايمان اظهارًا للقوي، ولما هو أقرب لأن يُقبَل منهم، وأشاروا الى سلسلة الأركان بتكرار الباء مع القرب. وعلى الثاني بأن يكون كلامه تعالى؛ ففي ذكر القطبين فقط اشارة الى ان أقوى ما يدّعونه أيضًا ليس بايمان؛ اذ ليس ايمانهم بهما على وجههما. وكرر الباء للتفاوت؛ اذ الايمان بالله ايمان بوجوده ووحدته، وباليوم الآخر بحقيته ومجيئه كما مرّ.

90

واما (وما هم بمؤمنين)

فان قلت: لِمَ لم يقل "وما امنوا" الأشبه بـ "آمنا"؟

قيل لك: لئلا يُتوهم التناقض صورة 1، ولئلا يرجع التكذيب الى نفس "آمنا" الظاهر انشائيته المانعة من التكذيب. بل ليرجع النفي والتكذيب الى الجملة الضمنية المستفادة من "آمنا"، وهي "فنحن مؤمنون".. وأيضا ليدل باسمية الجملة على دوام نفي الايمان عنهم.

ان قلت: لِمَ لا يدل على نفي الدوام مع ان "ما" مقدم؟

قيل لك: ان النفي معنى الحرف الكثيف، والدوام معنى الهيئة الخفيفة، فالنفي أغمس وأقرب الى الحكم.

ان قلت: ما نكتة 2 الباء على خبر ما؟

قيل لك: ليدل على انهم ليسوا ذواتًا أهلًا للايمان وإن آمنوا صورة، اذ فرقٌ بين "ما زيد سخيا" و"ما زيد بسخي"؛ اذ الأول: لهوائية الذات، معناه: زيد لايسخو بالفعل وان كان أهلا ومن نوع الكرماء. وأما الثاني: فمعناه زيد ليس بذاتٍ قابل للسماحة وليس من نوع الأسخياء وإن أحسن بالفعل.


  • 1 اي بين "آمنا" التى جاءت في الآية، وبين "وما آمنوا" المذكورة في السؤال.
    2 نكتة في غاية الدقة (المؤلف) .
91

يُخادِعُونَ الله

يُخادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ اِلاَّ اَنْفُسَهُمْ

وَمَا يَشْعُرُونَ 9 في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ

بِمَا كانُوا يَكْذِبُونَ 10

اعلم! ان وجه النظم: اشارات جملها: الى التوبيخ على النفاق.. ثم تشنيعه.. ثم تقبيحهم.. ثم التهديد عليه.. ثم ترهيبهم.. ثم التعجب منهم.. ثم بيان مقصدهم من قولهم المذكور ... ثم بيان علة قولهم.. ثم بيان أول الجنايات الأربع الناشئة من النفاق وهي الخداع، والافساد، وتسفيه المؤمنين، والاستهزاء بهم.. ثم تمثيل جناياتهم وحيلهم باسلوب استعارة تمثيلية هكذا: بان صوّر معاملتهم مع احكام الله تعالى ومع النبي عليه السلام والمؤمنين - باظهارهم الايمان لأغراض دنيوية مع تبطّن الكفر، ومعاملة الله والنبي والمؤمنين معهم باجراء أحكام المؤمنين عليهم استدراجا، مع انهم أخبث الكفرة عند الله - بصورة خداع شخصين، أو الصياد مع الصيد الذي يحس الصياد بالخروج عن القاصعاء ثم يفر من النافقاء. 1

أما نظم جمل الجناية الأولى من (يخادعون) الى (بما كانوا يكذبون) فانظر الى ما تضمنت من النتائج المتسلسلة المترتبة في الجمل السبع، وهي: تحميقهم بطلب المحال.. ثم تسفيههم باضرار أنفسهم بنية المنفعة.. ثم تجهيلهم بعدم التمييز بين الضر والنفع.. ثم ترذيلهم بخبث الطينة ومرض معدن الصحة وموت منبع الحياة.. ثم تذليلهم بتزييد المرض في طلب الشفاء.. ثم تهديدهم بألم محض يولد ألمًا صرفًا.. ثم تشهيرهم بين الناس بأقبح العلامات أعني الكذب.

وأما اتساقُ وانتظام تلك الجمل السبع وانصباب الحكم فيما بينها فهو: أنك كما اذا اردت زجر واحد عن شئ ونصحه تقول له اولًا: ياهذا! ان كان لك عقل فهذا محال.. ثم: ان كنت تحب نفسك فهذا يضرها.. ثم: ان كان لك حسّ فلِمَ لاتميز بين الضر والنفع؟. ثم: إن لم يكن لك اختيار فلا اقل من ان تعرف فساد سجيتك،

  • 1 كلاهما من جحرة اليربوع، يظهر الاولى ويخفى الثانية (ش)
92

وفيها مرض يحرِّف الحقيقة، ويريك الحلو مرًا.. ثم: ان تطلب الشفاء فهذا يزيد مرضك ولايشفي، مثلك كمثل من ابتلى بداء السهر فاجتهد في النوم فانتج له قلقا طيّر نعاسه أيضا، أو كمن أصيب قلبه بداء "المرق" 1 فاغتمّ لوجود المصيبة حتى صير المصيبة مصيبتين.. ثم: ان تتحرَّ اللذة فهذا فيه ألم شديد ينتج ألمًا أشد ليس كأمثاله التي فيها لذة مزخرفة.. ثم: ان لم تنتبه ولم تنزجر لا يبقى الا ان يوسمَ على خرطومك بوسم قبيح، وتُعلَن بين الناس لمنع سراية فسادك الى الناس؛ كذلك ان الله تعالى قال لزجر المنافقين (يخادعون الله) بدل "يخادعون النبيّ" لتحميقهم، أي: كيف يخادعون النبيّ عليه السلام والنبيّ مبلِّغ عن الله تعالى، فحيلتهم راجعة الى الله، والاحتيال مع الله تعالى محال، وطلب المحال حمق. ومثل هذا الحمق مما يُتعجب منه.. ثم اتبعه (وما يخدعون الا انفسهم) لتسفيههم، أي: ليس في فعلكم نفع بل فيه ضرر، وضرره يعود على أنفسكم، فكأنكم تخادعون أنفسكم.. ثم عقّبه (وما يشعرون) لتجهيلهم أي: ايّها الجهلاء! قد صرتم أضلّ من الحيوان، كالاحجار الجامدة لاتحسون بالفرق بين الضر والنفع.. ثم اردفه (في قلوبهم مرض) لترذيلهم بانفساد الجوهر، أي: ان لم يكن لكم اختيار فلا أقل من أن تعرفوا المرض مرضًا، وان سجيتكم فسدت. وان النفاق والحسد مرض في الروح من شأنه تحريف الحقيقة وتغييرها حتى تظنون الحلو مرًا والمرّ حلوًا والسوداء بيضاء والأبيض أسود فلا تتبعوه.. ثم زاد (فزادهم الله مرضًا) لتذليلهم، أي: إن كنتم تطلبون بهذا الدواء والتشفي من غيظكم وحسدكم فهذا داء لا يزيدكم الا مرضا على مرض. فأنتم كمن كَسرَ احدٌ يدَه فأراد الانتقام فضرَبَه بتلك اليد المكسورة فازداد كسرًا على كسر.. ثم قال (ولهم عذاب أليم) لتهديدهم، أي: ان تتحروا اللذة فما نفاقكم هذا الا فيه ألم شديد عاجل ينتج ألمًا أشد آجلا، ليس كسائر المعاصي التي فيها نوع من اللذة السفلية العاجلة.. ثم أتمه بقول (بما كانوا يكذبون) لتوسيمهم بأشنع الوسم، أي: ان لم تنتبهوا ولم تنتهوا لم يبق الا ان تُشَهَّروا بين الناس بالكذب المانع للاعتماد لئلا يتعدى مرضكم.

  • 1 المرق: كلمة اعجمية تعنى الاهتمام واللهفة والامل وحب التطلع.
93

أما وجه النظم بين أجزاء كل جملة:

ففي الأُولى: أعني جملة (يخادعون الله والذين آمنوا) هو:

ان في التعبير عن عملهم بالخداع مع المضارعية، لاسيما من باب المشاركة، خصوصًا مع اقامة لفظة "الله" مقام النبيّ واقامة "الذين آمنوا" مقام "المؤمنين" تنصيصًا وتصريحًا بمحالية غرضهم من حيلتهم، وجعل المحالية نصب العين بصورة تتنفر عنها النفوس وترتعد، اذ فيما في الخداع من الاستعارة التمثيلية ما يوقظ النفرة.. وفيما في المضارعية من التصوير مع الاستمرار ما يَشْمَئِزّ منه القلب.. وفيما في المشاركة من المشاكلة نظِير (وجَزَاؤا سيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) 1 ما ينتج عدم انتاج حيلتهم؛ اذ في باب المشاركة فعل الفاعل سبب لفعل المفعول، وهنا فعل المفعول صار سببًا لعقم خداع الفاعل وعدم تأثيره، بل جعل الخداع صورة واهية كانعكاس المقصد فيما اذا استهزيتَ بأحدٍ لجهله، مع أنه مستبطنٌ علمًا ومستخفٍ استهزاءً بك.. وفيما في التصريح بلفظة "الله" من التنصيص على محالية الغرض - اذ خداع النبي عليه السلام ينجر اليه تعالى - ما يشيط العقلَ عن الحيلةِ.. وما في "الذين آمنوا" من جعل الصلة مدارًا، اشارة الى ان المنافقين يتحببون اليهم بصفة الايمان ويهيِّجون عرق ايمانهم للتحبب والتداخل فيهم.. وفيه ايماء أيضا الى ان جماعة المؤمنين المنورين عقولهم بنور الايمان لا تتستر عنهم الحيلة فينتج أيضا عقم حيلتهم..

وفي الثانية: أعني جملة (وما يخدعون الا أنفسهم) هو:

ان في هذا الحصر اشارة الى كمال سفاهتهم بعكس العمل في معاملتهم كمن رمى حجرًا الى جدار فانثنى لكسر رأسه؛ اذ رشوا النبال لضرر المؤمنين فاُصيبت أنفسهم فكأنهم يخادعون بالذات ذواتهم.. وفي تبديل "يضرون" بـ (يخدعون) اشارة الى نهاية سفاهتهم، اذ يوجد في أهل العقل من يضر نفسه قصدًا ولا يوجد من يخادع نفسه عمدًا الا ان يكون حمارًا في صورة انسان. وفي عنوان "انفسهم" رمز خفي الى أن نفاقهم وحيلتهم لما كان لحظّ نفسانيّ وغرض نفسيّ انتج نقيض مطلوبهم لنفسهم.

  • 1 سورة الشورى: 40
94

ان قلت: هذا الحصر يومئ الى ان خداعهم ما ضر الاسلام والمسلمين مع ان الاسلام ما رأى من شئ ضررًا مثل ما رأى من أنواع النفاق وشعباته المنتشرة كالسّم في عناصر العالم الاسلاميّ؟

قيل لك: وما تراه من الضرر المتعدي والسمّ الساري انما هو من طبيعتهم المتفسدة وفطرتهم المتفسخة ووجدانهم المتعفن نظير سراية المرض؛ وليس نتيجة حيلتهم وخداعهم باختيارهم اذ يريدون خداع الله والنبي وجماعة المؤمنين، والله عالم بكل شئ والنبي عليه السلام يوحى اليه، وجماعة المؤمنين لاتستطيع الحيلة ان تتستر عنهم مدة مديدة فهم لاينخدعون. فثبت انهم لا يخدعون الا أنفسهم فقط.

وفي الثالثة: أعني جملة (وما يشعرون) أي لا يحسون، هو:

ان في هذه الفذلكة تجهيلا أيّ تجهيل لهم، لأنها تشعر بأنهم إن كانوا عقلاء فهذا ليس من شأن العقل، وإن كانوا حيوانات يتحركون بميل نفسانيّ فشأنهم ان يحسوا ويشعروا بمثل هذا الضرر المحسوس. فثبت انهم صاروا مثل جمادات لا اختيار لها.

وفي الرابعة: أعني جملة (في قلوبهم مرض) هو:

ان سوقها يفيد انهم لما لم يعملوا بمقتضى المحاكمة العقلية والشعور الحسيّ ظهر أن في روحهم مرضًا فلا أقل من ان يعرفوا انه مرض ليجتنبوا عن القضايا ولايحكموا عليها؛ اذ من شأن المرض تغيير الحقيقة وتشويه المزين وتحلية المرّ كما مر.. وفي لفظ (في) رمز الى ان حسدهم وحقدهم مرض في ملكوت القلب وهي اللطيفة التي مر ذكرها.. وفي عنوان "القلب" اشارة الى انه كما ان جسم القلب اذا مرض اختل جميع أفعال البدن؛ كذلك اذا مرض معنى القلب بالخداع والنفاق انحرف كل أفعال الروح عن منهج الاستقامة اذ هو منبع الحياة ومَاكِنَتُها.. وفي تقديم (في قلوبهم) على (مرض) ايماء الى الحصر بجهتين، ومن الايماء اشارة بطريق التعريض الى ان الايمان نور، شأنه أن يعطي لجميع أفعال الانسان وآثاره صحة واستقامة.. وأيضًا في ايماء الحصر رمز الى ان الفساد في الأساس فلا يجدي تعمير الفروعات.. وفي لفظ "المرض" رمز الى قطع عذرهم وإلقامهم الحجر بان الفطرة مهيأة للحقيقة. وما الفساد والخراب الاّ مرض عارض.. وفي تنوين التنكير اشارة الى انه في مكمن عميق لا يرى حتى يداوى.

95

وفي الخامسة: أعني جملة (فزادهم الله مرضًا) هو:

انهم حينما لم يعرفوا انه مرض حتى يتجنبوا منه بل طلبوه مستحسنين له زادهم الله تعالى؛ اذ "مَن طلب وَجَد".. وفي "الفاء" التي هي للتعقيب السببي - مع ان وجود المرض ليس سببا لزيادته - رمزٌ الى انهم لما لم يشخصوا المرض فلم يتحروا وسائل الشفاء بل توسلوا بأسباب الزيادة كمن يضارب خصمًا غالبًا بيده العليلةصاروا كأنهم طلبوا الزيادة فزادهم الله مرضًا بقلبِ أملهم يأسًا مزعجا، بسبب ظفر المؤمنين، وقلب خصومتهم حقدًا محرقًا للقلب بسبب غلبة المؤمنين، فتولد من مرضَي اليأس والحقد داء الخوف وعلة الضعف ومرض الذلة فاستولت على القلب.

ثم ان الله تعالى لم يقل "فزاد الله مرضهم" بل جعل المفعول تمييزًا للإشارة الى ان المرض الباطنيّ القلبيّ سرى الى الظاهر أيضًا وتعدى الى جميع الأفعال، فكأن هذا الداء الخبيث استولى على وجودهم فكأن وجودهم نفس الداء فزيادة جراحات المرض ونفطاته 1 زيادة لنفس ذواتهم؛ اذ "اِشْتَعَلَ الْبَيْتُ نارًا" يفيد ان النار سرت الى تمام البيت حتى كأن تمام الْبَيْت نار تلتهب بخلاف "اِشْتَعَلتَ نَارُ الْبَيْتِ" فانه يصدق بتلهب النار من أيّ جانب كان.

وفي السادسة: أعني جملة (ولهم عذاب اليم) هو:

ان "اللام" التي هي للنفع، اشارة الى انه لو كان لهم منفعة لكانت البتة ألمًا معذبًا دنيويًا، أو عذابًا اخرويًا مؤلمًا، وكونه منفعة من المحال، فمحال لهم المنفعة.. وفي وصف العذاب بالأليم أي المتألم، مع ان الأليم هو الشخص رمز الى ان العذاب استولى على وجودهم وأحاط بذواتهم ونفذ في بواطنهم بحيث تحولوا بنفس العذاب، وصار العذاب عين ذواتهم، كانقلاب الفحم جمرة نار بنفوذ النار 2. فاذا نظر الخيال الى صورة العذاب واستمع من جوانبه أنينًا وتألمًا وعويلًا تتولد من الحياة المتجددة تحت العذاب يتخيل ان العذاب هو الذي يئنّ ويتألم. فما أشد التهديد لمن تأمل!. .

  • 1 نفطاته: بثراته.
    2 بنفوذ النار فيها (ش) .
96

وفي السابعة: أعني جملة (بما كانوا يكذبون) هو:

ان في تعليق العذاب من بين جناياتهم المذكورة بالكذب فقط اشارة الى شدة شناعة الكذب وقبحه وسماجته. وهذه الاشارة شاهد صدق على شدة تأثير سمّ الكذب؛ اذ الكذب أساس الكفر، بل الكفر كذب ورأس الكذب، وهو الأُولى من علامات النفاق. وما الكذب الا افتراء على القدرة الالهية، وضد للحكمة الربانية.. وهو الذي خرّب الأخلاق العالية.. وهو الذي صيّر التشبثات العظيمة كالشبحات المنتنة.. وبه انتشر السمّ في الاسلام.. وبه اختلت احوال نوع البشر.. وهو الذي قيّد العالم الانساني عن كمالاته، واوقفه عن ترقياته.. وبه وقع أمثال مسيلمة الكذاب في أسفل سافلي الخسة.. وهو الحمل الثقيل على ظهر الانسان فيعوقه عن مقصوده.. وهو الاب للرياء والأم للتصنع.. فلهذه الأسباب اُختص بالتلعين والتهديد والنعي النازل من فوق العرش..

فيا أيّها الناس! لاسيما ايّها المسلمون! ان هذه الآية تدعوكم الى الدّقة!

فان قلتم: ان الكذب للمصلحة عفو؟

قيل لكم: اذا كانت المصلحة ضروريةً قطعية، مع انه عذر باطل؛ اذ تقرر في اصول الشريعة: ان الأمر الغير المضبوط (أي الذي لايتحصل بسبب كونه قابلا لسوء الاستعمال) لا يصير علة ومدارًا للحكم، كما ان المشقة لعدم انضباطها ما صارت علة للقصر، بل العلةُ السفر. ولئن سلّمنا فغلبة الضرر على منفعة شئ تفتى بنَسخه وتكون المصلحةُ في عدمه. وما ترى من الهَرْج والمَرج في حال العالم شاهد على غلبة ضرر عذر المصلحة. الا ان التعريض والكناية ليسا من الكذب. فالسبيل مَثْنَى: إما السكوت؛ اذ "لايلزم من لزومِ صدقِ كلِّ قولٍ قولُ كلِّ صدق". وإما الصدق؛ اذ الصدق هو أساس الاسلامية، وهو خاصة الايمان، بل الايمان صدق ورأسه.. وهو الرابط لكل الكمالات.. وهو الحياة للأخلاق العالية.. وهو العرق الرابط للأشياء بالحقيقة.. وهو تجلّي الحق في اللسان.. وهو محور ترقي الانسان.. وهو نظام العالم الاسلامي.. وهو الذي يُسرع بنوع البشر في طريق الترقي - كالبرق - الى كعبة الكمالات.. وهو الذي يصيّر اخمد الناس وافقره أعزّ من السلاطين.. وبه تفوّق أصحابُ النبيّ عليه الصلاة والسلام على جميع الناس.. وبه ارتفع "سَيّدنا محمد الهاشميّ" عليه الصلاة والسلام الى أعلى عليي مراتب البشر.

97