مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبرالجزء 1 · ص 199 - 209

القسم الثَّاني: التَّدبُّر والاستنباط

ذكره للقائلين به، وفساد ما خالفه، بما قد أوضحناه قبل» (1).

وهذا المثال - مع طوله - يبيِّن صورة التَّدبُّر الذي يكون من أجل فهم المعنى المراد.

القسم الثَّاني: التَّدبُّر والاستنباط

عند تأمُّلِ عملية الاستنباط يظهر أنَّ فيها إعمال فكر ونظر، وقد يكون التدبر الذي ينتج عنه استنباط من آية ظاهرة المعنى لا تحتاجُ إلى تفسيرٍ، وقد يكون من آية ظهر معناها الصحيحُ، فيكون التدبُّر في هذه الحال بعد معرفةِ التفسير، فيتدبَّرُ المتدبر ما يحتويه معنى الآيةِ من وجوه الاستنباطاتِ والفوائد، وهو تدبُّرٌ لاستخراجِ الحِكَمِ والأحكامِ والآدابِ وغيرِها مما يستنبطُه المستنبطُ، وهذا يعني أنَّ الاستنباطات نتيجةٌ للتَّدبُّرِ.

ومن أمثلةِ هذا القسم من التَّدبُّرِ، ما ذكره ابن القيِّمِ (ت:751) في كتابه «زاد المهاجر» من تفسير قصَّةِ إبراهيم عليه السلام في سورة الذَّارياتِ، قال: «فصل في: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82، محمد: 24].

  • (1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:418 - 424).
199

فإن قلتَ: إنَّك قد أشرْتَ إلى مقامٍ عظيمٍ، فافتحْ لي بابَه واكشفْ لي حجابَه، وكيف تَدَبُّرُ القرآنِ وتَفَهُّمُهُ والإشرافُ على عجائبه وكنوزه؟! وهذه تفاسيرُ الأئمَّةِ بأيدينا، فهل في البيانِ غيرُ ما ذكروه؟.

قلتُ: سأضرب لك أمثالًا تَحْتَذِي عليها، وتجعلها إمَامًا لك في هذا المقصدِ.

قال اللهُ تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ *إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ *فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ *فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَاكُلُونَ *فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ *فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ *قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: 24 - 30].

فعهدي بكَ إذا قرأتَ هذه الآية، وتطلَّعتَ إلى معناها، وتدبَّرتها، فإنَّما تَطْلُعُ منها على أنَّ الملائكةَ أتَوا إبراهيمَ في صورةِ الأضيافِ يأكلونَ ويشربون، وبشَّرُوه بغلامٍ عليمٍ، وإنَّما امرأتُه عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة: أن اللهَ قال ذلك، ولم يتجاوزْ تَدَبُّرُكَ غير ذلك.

فاسمعِ الآنَ بعضَ ما في هذه الآيات من أنواعِ الأسرارِ، وكم قد تضمَّنت من الثَّنَاءِ على إبراهيم؟.

200

وكيف جمعتِ الضِّيافةَ وحقوقَها؟ وما تضمَّنتْ منَ الرَّدِّ على أهلِ الباطلِ من الفلاسفةِ والمعطِّلةِ.

وكيف تضمَّنتْ علمًا عظيمًا من أعلام النُّبوَّةِ؟.

وكيف تضمَّنتْ جميعَ صفاتِ الكمالِ التي رَدَّهَا إلى العلمِ والحكمةِ؟

وكيف أشارت إلى دليلِ إمكانِ المعاد بألطفِ إشارة وأوضحِها، ثُمَّ أفصحتْ وقوعَه؟.

وكيف تضمَّنتْ الإخبار عن عدلِ الرَّبِّ وانتقامِه من الأممِ المكذِّبةِ، وتضمَّنتْ ذِكْرَ الإسلامِ والإيمانِ والفرقِ بينهما، وتضمنتْ بقاءَ آياتِ الرَّبِّ الدَّالَّةِ على توحيدِه وصدقِ رُسُلِهِ وعلى اليوم الآخرِ، وتضمَّنتْ أنَّه لا ينتفعُ بهذا كلِه إلاَّ من في قلبِه خوفٌ من عذابِ الآخرةِ، وهم المؤمنون بها، وأمَّا من لا يخافُ الآخرةِ ولا يؤمنُ بها، فلا ينتفعُ بتلك الآياتِ؟ فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملةِ» (1).

ثُمَّ بدأ يسردُ فوائدَ واستنباطاتٍ من هذه الآيات، ولولا طولُها، لذكرتُها.

  • (1) زاد المهاجر إلى ربِّه، لابن القيِّم (ص:63 - 68).
201

القسم الثَّالث: - التدبر والتأويل: ما تؤول إليه حقيقة الشيء

أغلب ما تؤول إليه حقيقة الشيء يرتبط بما استأثر الله بعلمه، وهو ما يسمى بالمتشابِه الكليِّ، وهذا لا يمكن وقوع التدبر فيه؛ لأنَّه لا يعلمُه إلاَّ اللهُ، كما سبقَ بيانُه، ومن هنا فالتَّدبُّرُ لا يدخلُ في الغيبيَّاتِ التي استأثرَ اللهُ بعلمها؛ كزمنِ وقوعِ ما أخبرَ اللهُ بوقوعِه أو كيفيَّاتِ هذه المغيَّباتِ.

وبما أنَّ هذا القسم لا يمكنُ أن يقعَ فيه تدبُّرٌ، فإنه ليسَ له مثالٌ يُحكى، واللهُ أعلمُ.

وخلاصة الأمر أنَّ التدبر يقع في المعلوم، وهو معرفة التفسير والاستنباط من القرآن، أما ما لا يدركه العقل من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها فالواجب الإيمان بها دون الدخول في اجتهادات لبيانها، وهي مما لا يحصل بيانه من جهة العقل، ومتى وقع طلبها من جهته حصل الانحراف والزيغ في شرع الله.

المعاني المقاربةِ للتَّدبرِ

ويقربُ من معنى التَّدبُّرِ التَّفكُّرُ والتَّذكُّرُ والنَّظرُ والتَّأملُّ والاعتبارُ والاستبصارُ، وقد وردت هذه المعاني في القرآن في مواطن.

202

قال ابن القيِّمِ (ت:751): «... وهذا يسمَّى تفكُّرًا وتذكُّرًا ونظرًا وتأمُّلًا واعتبارًا وتدبُّرًا واستبصارًا، وهذه معانٍ متقاربةٌ تجتمعُ في شيءٍ وتتفرقُ في آخر.

ويسمَّى تفكُّرًا؛ لأنه استعمالُ الفكرةِ في ذلك، وإحضارُه عنده.

ويسمَّى تذكُّرًا؛ لأنَّه إحضارٌ للعلمِ الذي يجب مراعاته بعد ذهولِه وغيبتِه عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

ويسمَّى نظرًا؛ لأنَّه التفاتٌ بالقلبِ إلى المنظورِ فيه.

ويسمَّى تأمُّلًا؛ لأنه مراجعةٌ للنَّظرِ كرَّةً بعد كرَّةٍ، حتى يتجلَّى له وينكشفَ لقلبِه.

ويُسَمَّى اعتبارًا، وهو افتعالٌ من العبورِ؛ لأنَّه يَعْبُرُ منه إلى غيرِه، فَيَعْبُرُ من ذلك الذي قد فَكَّرَ فيه إلى معرفةٍ ثالثةٍ، وهي المقصود من الاعتبار، ولهذا يُسَمَّى عِبْرَةً، وهي على بناءِ الحالاتِ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ والقِتْلَةِ إيذانًا بأنَّ هذا العلمَ والمعرفةَ قد صار حالًا لصاحبِه يَعْبُرُ منه إلى المقصودِ به، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 26]،

203

وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: 13].

ويُسمَّى تدبُّرًا؛ لأنَّه نظرَ في أدبارِ الأمورِ، وهي أواخرُها وعواقبها، ومنه تدبُّرُ القول ...» (1).

الفرقُ بين التَّدبُّرِ والتَّأثُّرِ من سماعِ القرآن

يخلطُ بعضُ النَّاسِ بين التَّدبُّرِ والتَّأثُّرِ من سماعِ القرآن، فيجعلونَ القشعريرةَ التي تصيبُ الإنسان والخشوعَ الذي يلحقُه بسبب تأثيرِ القرآنِ عليه هو التَّدبُّرُ، وليسَ الأمرُ كذلك.

فالتَّدبُّرُ عمليَّةٌ عقليَّةٌ تحدثُ في الذِّهنِ، والتَّأثُّرُ انفعالٌ في الجوارحِ والقلبِ، وقد يكونُ بسبب التَّدبُّرِ، وقد يكونُ بسبِ روعةِ القرآنِ ونظمه، وقد يكونُ بسبب حالِ الشَّخصِ في تلكَ اللَّحظةِ، واللهُ أعلمُ.

  • (1) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (1:182).
204

مفهوم المفسِّرِ

205

لم يحظ مصطلح المُفَسِّرِ من علماء القرآن والتفسير بتعريفٍ (1) كما عرَّفوا مصطلح التفسير، ويعتبر كتاب السيوطي (ت:911) طبقات المفسرين أول كتاب يجمع تراجمهم في كتاب مستقلٍّ، وقد قسم المفسرين إلى أنواع:

النوع الأول: المفسرون من السلف: الصحابة والتابعون وأتباع التابعين.

النوع الثاني: المفسرون من المحدِّثين، وهم الذين صنفوا التفاسير مسندة مُوردًا فيها أقوال الصحابة والتابعين بالإسناد.

النوع الثالث: بقية المفسرين من علماء السنة، الذين ضموا إلى التفسيرِ التأويلَ (2) والكلامَ على معاني القرآن وأحكامه وإعرابه وغير ذلك.

  • (1) انظر: قواعد الترجيح عند المفسرين، للشيخ حسين الحربي (1:33)، فقد قال في تعريف المفسر: «من له أهلية تامةٌ يعرف بها مراد الله تعالى بكلامه المتعبد بتلاوته، قدر الطاقة البشرية، وراض نفسه على مناهج المفسرين، مع معرفته جُملًا كثيرة من تفسير كتاب الله، ومارس التفسير عمليًا بتعليم أو تأليف».
  • (2) هذا على المصطلح الحادث، وقد سمَّاهم أصحاب هذا القسم =
207

النوع الرابع: من صنف تفسيرًا من المبتدعة؛ كالمعتزلة والشيعة وأضرابهم (1).

ثمَّ قال: «والذي يستحق أن يسمى من هؤلاء، القسم الأول، ثم الثاني، على أنَّ الأكثرَ في هذا القسم نَقَلَةٌ، وأما الثالث فمؤولة، ولهذا يسمون كتبهم - غالبًا - بالتأويل، ولم أستوف أهل القسم الرابع، وإنما ذكرت منهم المشاهير؛ كالزمخشري والرُّماني والجبَّائي وأشباههم» (2).

وهذا يعني أنك لو اعتمدت ما يذكره هو ومن كتب بعده في طبقات المفسرين = لقلت:

المفسر: من كان له مشاركة في علم التفسير، أو كتب فيه.

ويظهر أنَّ هذا سيكون من باب التسامح في المصطلح، دون التحرير له، وهذا ما يشير إليه كلام السيوطي عن الطبقة الثانية، حيث جعل أكثرهم نقلة

  • = مؤولة كما سيأتي، وقد عرفت مما سبق أن هذا المصطلح غير صحيح، وما سيبنى عليه فإنه سيكون غير صحيح أيضًا، ومنه هذه التسمية المطلقة لمن جاء بعد السلف.
  • (1) ينظر: طبقات المفسرين (ص:9 - 10).
  • (2) طبقات المفسرين (ص:10).
208

للتفسير، ومع ذلك ذكرهم في طبقات المفسرين.

ولا شكَّ أن من كتب في طبقات المفسرين لم يكن قصدُه تعريفَ المفسر، بل كان قصدُه إيرادَ من له كتابةٌ في التفسير، دون تحليلٍ لنوع هذه الكتابة، من حيث كونها نقل أو اجتهاد من المفسر.

ولا تكاد تَجِدُ ضابطًا في إيراد فلان من العلماء في عِداد المفسرين، ولذا ترى من أصحاب التراجم إدخالًا لبعض الصحابة في المفسرين، وإن كان الوارد عنهم فيه قليلٌ؛ كزيد بن ثابت (ت:45) وعبد الله بن الزبير (ت:73).

وقد يكون في ذلك تساهل في عَدِّهِمْ من المفسِّرين، وإذا نظرت إلى بعضهم وجدت أنه قد برز في بعض العلوم، فزيد بن ثابت (ت:45) كان مقرئًا، وهو الذي قام بكتابة المصحف، وكان فرضيًّا، فقد يكون بسبب بروزه في هذين العلمين - خصوصًا لعلم القراءة المتعلِّق بالقرآن - تُسُمِّحَ في إطلاق لقب المفسر عليه، والله أعلم.

والبروزُ العلميُّ العامُّ لا يلزمُ منه البروز في علمٍ معيَّنٍ من العلومِ، بل لقد كانَ علمُ الفقه وعلمُ القراءةِ أشهرَ العلومِ التي كانَ الصحابة يعلِّمونها للتَّابعينَ، ولذا لا يُستبعدُ أنَّ من كتبَ في طبقاتِ المفسِّرين قد تأثَّر بكتاباتِ من سبقَه

209