تفسير القرآن الكريمالجزء 1 · ص 11 - 18

الفوائد

وأما الرحمة الخاصة: فهي التي تختص بالمؤمنين.

والفرق بينهما: أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة.

وأما الرحمة العامة: فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل ولا يعاملون بالرحمة

• قال الشيخ ابن عثيمين: وذكر هذين الاسمين الكريمين في البسملة التي تتقدم فعل العبد وقوله، إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد لا من هذا الفعل ولا من هذا القول، ولهذا قال النبي -ﷺ-: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).

الفوائد

1 - إثبات اسم من أسماء الله وهو الرحمن المتضمن للرحمة الواسعة.

الواسعة: كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).

وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).

ورحمته سبقت غضبه: كما قال -ﷺ- (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب عنده: إن رحمتي تغلب غضبي) متفق عليه.

والله أرحم بعباده من الأم بولدها. كما في حديث عمر أنه قال (قدم على رسول الله بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته بطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله -ﷺ-: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله -ﷺ-: الله أرحم بعباده من هذه بولدها) متفق عليه.

11

الأسباب التي تنال بها الرحمة

• وإذا كان الله ذو رحمة واسعة فينبغي أن يعمل بالأسباب التي تنال بها الرحمة:

أولًا: رحمة الناس.

قال -ﷺ- (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.

وقال -ﷺ- (إنما يرحم الله من عباده الرحماء).

وقال -ﷺ- (والشاة إن رحمتها رحمك الله).

ثانيًا: الإحسان.

قال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).

ثالثًا: طاعة الرسول -ﷺ-.

قال تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

رابعًا: السماحة في البيع والشراء.

قال رسول الله -ﷺ- (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). رواه البخاري.

خامسًا: عيادة المريض.

قال رسول الله -ﷺ-: (من عاد مريضًا خاض في الرحمة).

سادسًا: قيام الليل وإيقاظ الأهل.

قال رسول الله -ﷺ- (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) رواه أبو داود.

سابعًا: الحلق في النسك.

قال رسول الله: -ﷺ- (اللهم ارحم المحلقين ثلاثًا).

ثامنًا: مجالس الذكر.

12

قال رسول الله -ﷺ- (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ....). رواه مسلم.

تاسعًا: الجلوس في المسجد.

قال رسول الله -ﷺ- (إن الملائكة تستغفر للمصلي مادام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه). متفق عليه

عاشرًا: سماع حديث الرسول وتبليغه.

قال رسول الله -ﷺ- (رحم الله من سمع مني حديثًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع) رواه ابن حبان.

الحادي عشر: الإنصات للقرآن.

قال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

تشرع التسمية (استحبابًا أو وجوبًا) في مواضع

منها: عند الوضوء.

لقوله -ﷺ- (لا صلاة لمن لا وضوء له) رواه أبو داود.

ومنها: عند الركوب.

قال الله تعالى (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ).

وفي حديث علي (… وأُتيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله .... الحديث وفي آخره قال: رأيت النبي -ﷺ- فعل كما فعلت) رواه أبو داود.

ومنها: عند الذبح والصيد.

لقوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).

13

وقال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).

وعن عدي بن حاتم. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه فكل) متفق عليه.

ومنها: عند الأكل.

لحديث عمرو بن سلمة. قال (كنت غلامًا في حجر النبي -ﷺ-، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال: يا غلام سم الله، وكل بيمينك .....) متفق عليه.

ومنها: عند دخول المنزل.

لحديث جابر. أن رسول الله -ﷺ- قال (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء) رواه مسلم.

ومنها: عند الجماع.

لحديث ابن عباس. عن النبي -ﷺ- أنه قال (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا …) متفق عليه.

ومنها: عند الخروج من البيت.

لحديث أنس. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له حينئذ: هديت وكفيت …) رواه أبو داود.

ومنها: في المساء والصباح.

لحديث عثمان. قال: قال رسول الله -ﷺ- (من قال: بسم الله، الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو

السميع العليم، ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح) رواه أبو داود.

14

ومنها: إذا عثر المرء أو عثرت دابته.

لحديث رجل قال (كنت رديف النبي -ﷺ- فعُثِر بالنبي -ﷺ- فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي -ﷺ-: لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب) رواه أبو داود.

ومنها: عند وضع الميت في قبره.

لحديث ابن عمر (أن النبي -ﷺ- كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله) رواه أبو داود.

وقد اختلف العلماء في البسملة في أول السور هل هي من السورة أم لا؟

القول الأول: هي آية من سورة الفاتحة، ومن كل سورة.

وهذا مذهب الشافعي.

لحديث أنس قال (بينما رسول الله -ﷺ- ذات يوم بين أظهرنا بالمسجد، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: نزلت علي آنفًا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر) رواه مسلم.

القول الثاني: ليست من الفاتحة ولا من أول سورة بل هي آية مستقلة نزلت للفصل بين السور.

وهذا مذهب الحنفية واختيار ابن تيمية.

لحديث أبي هريرة. قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول (قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، …) رواه مسلم.

فالرسول -ﷺ- بدأ بقوله: الحمد لله رب العالمين، دون بسم الله الرحمن الرحيم، ولو كانت البسملة من الفاتحة لبدأ بها لا بالحمد.

ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إن سورة من القرآن من ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تبارك الذي بيده الملك) رواه الترمذي.

فالرسول -ﷺ- ذكر أن مقدار سورة الملك ثلاثون آية، وقد اتفق القراء وغيرهم على أنها ثلاثون آية سوى البسملة، ولو كانت منها لكانت إحدى وثلاثين، وهو خلاف قول الرسول -ﷺ-.

وهذا القول هو الصحيح.

فائدة الخلاف: أن من قال أنها آية من أول كل سورة قال بوجوب قراءتها قبل الفاتحة في الصلاة، لأنها إحدى آياتها، ومن لم يقل بأنها آية من أول كل سورة لم يقل بذلك.

15

تفسير سورة الفاتحة

مقدمة

أسماؤها

بعض أسماء سورة الفاتحة

الاسم الأول: فاتحة الكتاب.

ويعد هذا أشهر أسمائها، وقد ثبتت هذه التسمية في السنة في أحاديث كثيرة.

كقوله -ﷺ- (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه، وقوله -ﷺ- (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) رواه مسلم.

وسبب التسمية بذلك: كما قال ابن كثير: لأنها فاتحة الكتاب خطًا وبها تفتح القراءة في الصلوات.

الاسم الثاني: أم الكتاب، أم القرآن.

وقد ورد هذا الاسم في السنة في أحاديث كثيرة.

كقوله -ﷺ- (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) رواه البخاري، وقوله -ﷺ- (الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني) رواه الترمذي.

وسبب التسمية بذلك: أن أم الشيء أصله، وهي أصل القرآن لاشتمالها على أنواع أغراض القرآن ومقاصده.

قال البغوي رحمه الله: سميت أم القرآن وأم الكتاب، لأنها أصل القرآن، منها بدئ القرآن.

الاسم الثالث: السبع المثاني.

وقد ورد هذا الاسم في السنة.

كقوله -ﷺ- لأبي سعيد بن المعلى (ألا أعلمنك أعظم سورة في القرآن، .... الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه البخاري.

سبب التسمية: أما السبع، فلأن آياتها سبع، وأما وصف النبي -ﷺ- لآياتها بالمثاني، فأرجح الأقوال أنها تثنى في الصلاة، أي تكرر، فتكون التثنية بمعنى التكرار.

16

الاسم الرابع: القرآن العظيم.

كما قال -ﷺ- (الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته).

سبب التسمية: قال القرطبي: سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن.

الاسم الخامس: سورة الحمد

الاسم الخامس: سورة الحمد، سميت بذلك لأنه ذكر في أولها لفظ الحمد.

الاسم السادس: الصلاة.

وهذا الاسم ثبت بالسنة.

فقد قال -ﷺ- (قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال الحمد لله رب العالمين، قال حمدني عبدي) رواه مسلم.

وقد ذكر الإمام النووي في شرحه على مسلم بعد ذكر الحديث السابق أن المراد بالصلاة الفاتحة، وعلل تسميتها بقوله: لأنها لا تصح الصلاة إلا بها.

عدد آياتها

قال ابن كثير: وهي سبع بلا خلاف.

• وهي مكية لقوله تعالى (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم).

ما ورد في فضلها

سبق بعض الأحاديث في فضلها:

كقوله -ﷺ- لأبي سعيد بن المعلى (ألا أعلمنك أعظم سورة في القرآن، .... الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه البخاري.

وكقوله -ﷺ- (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) رواه البخاري.

وقوله -ﷺ- (الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني) رواه الترمذي.

17

(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).

[الفاتحة: 1 - 3].

(الْحَمْدُ للّهِ) ثناء من الله على نفسه سبحانه وتعالى، وهذا يتضمن أمر لعباده بحمده، وقد أمر بذلك فقال تعالى مخاطبًا لنبيه خطابًا يدخل فيه جميع أمته (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها). وقال تعالى (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى).

• الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.

• الحمد لله: الألف واللام للاستغراق فجميع المحامد كلها لله، ومن أسمائه الحميد، قال ابن القيم:

وهو الحميدُ فكل حمدٍ واقعأو كان مفروضًا مدى الأزمان

ملأ الوجودَ جميعَه ونظيرَهمن غير ما عدٍّ ولا حُسْبان

هو أهله سبحانَه وبحمدهكل المحامد وصف ذي الإحسان

• والله عز وجل يحمد على كمال صفاته، وعلى كمال إنعامه:

الحمد على كمال صفاته

كقوله تعالى (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) وقال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).

الحمد على إنعامه

كقوله -ﷺ- (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشربَ الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم.

18