المقومات الشخصية لمعلم القرآن الكريمالجزء 1 · ص 9 - 15

الفصل الأول: المقومات الذاتية

الفصل الأول: المقومات الذاتية

التمسك بمنهج السلف في الإعتقاد

الفصل الأول

المقومات الذاتية

تعتبر الصفات الذاتية لمدرس القرآن الكريم عماد شخصيته - بعد توفيق الله له -، لأنها تشير إلى مكنون ضميره، ومسلكه بوجه عام.

وسوف أقتصر في هذا الفصل على ذكر أربع منها، لما لها من دور مهم في صقل شخصية المدرس.

1 - التمسك بمنهج السلف في الاعتقاد:

يعد الالتزام بأصل الاعتقاد الذي كان عليه السلف الصالح، وبراءة المرء من المحدثات والبدع من أكبر منن الله عليه.

وسلامة الاعتقاد مطلب شرعي، ومن أول المهام التي ينبغي أن يتحقق بها المعلم، ومدرس القرآن الكريم.

ذلك أن رجل العقيدة سهم يندفع في تحقيق أهدافه، وهو إنسان ملأت عقيدته نفسه، فهو يعيش من أجلها، ويرضى بكل أذى في سبيلها، ويبذل جهده وكل غال ورخيص في ظلها، فرجل العقيدة أعظم ذخر نقدمه للعقيدة، وأكبر رصيد نعده في سبيل نصرتها (1) .

  • (1) انظر المسؤولية للدكتور محمد أمين المصري: 40.
9

إن سلامة الاعتقاد من المقوِّمات الأساسية للمعلم، الذي يتصدَّى للتعليم والتربية في حلقات القرآن، لأن ذلك يثمر الاستقرار القلبي، فيصبح اعتقاده القلبي متوافقًا مع قوله اللفظي، وسلوكه العملي (1)، ومن كانت هذه سيرته فإنه يستطيع أن يحقق أبرز أهداف الحلقات القرآنية، بغرس بذرة الإيمان في نفوس الناشئة، وبناء لبنة عقيدة التوحيد الباسقة المظللة، بحيث يقع القرآن على أصل الإيمان مع نقاء الفطرة، فتنمو الثمرة، وتأتي أكلها، فيحصل النفع بإذن الله.

ولا يفوتني وأنا أتحدّث عن هذه الصفة، والسمة البارزة لمعلمي الخير أن أشير إلى أن أئمة القراءة الأوائل كانوا على هذا المنهج الواضح الذي لم يتكدر ولم يرنُق. فنجد الإمام الحافظ المقرئ أحمد بن محمد بن عبد الله، أبا عمر الطلمنكي (ت: 429 هـ) - وهو أول من أدخل القراءات إلى الأندلس كما يرى ابن الجزري (2) - على هذه الطريقة التالدة، وألَّف في هذا المهيع كتابه (أصول السنة) (3)، وقد نقل عنه ابن تيمية وابن القيم نقولًا وافرة في كتبهما.

ونجد الإمام المقرئ عثمان بن سعيد، أبا عمرو الداني: (ت: 444هـ)، ألَّف (الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات)،

  • (1) مهارات التدريس في الحلقات القرآنية (بتصرف): 68.
  • (2) غاية النهاية: 1 / 120، والنشر: 1 / 34.
  • (3) يعتبر هذا الكتاب من المفقود من مؤلفات الطلمنكي. والمراد بكتب (السنة): الكتب الحاضَّة على اتباعها والعمل بها، وترك ما حدث بعد الصدر الأول من البدع والأهواء. انظر الرسالة المستطرفة للكتاني: 37.
10

التي تنضح بمعتقد أهل السنة والجماعة، وتمتاز بسبك الأدلة في مواضعها، كما أنها خلت من مصطلحات علم الكلام (1) .

كما أنه - رحمه الله - مزج في منظومته الموسومة بـ (الأرجوزة المنبِّهة) - وهي قصيدة رجزية تقع في نحو (1300) بيت - بين أصول القراءة ومتعلقاتها، وبين أصول الدين، فذكر من صفات الشيوخ الذين يؤخذ عنهم العلم ما يلي (2):

فاقصد شيوخ العلم والرواية ... ومن سما بالفهم والدراية

واتَّبع السنة والجماعة ... وقام لله بحسن الطاعة

وقال (3):

وجانبِ الأراذِل المبتدعة ... واعمَلْ بقول الفرقة المتَّبِعة

وقال في بيان بعض مسائل العقيدة (4):

ومن عقود السنة الإيمان ... بكل ما جاء به القرآن

وبالحديث المسند المرويِّ ... عن الأيمَّة عن النبيِّ

فمن صحيح ما أتى به الأثر ... وشاع في الناس قديمًا وانتشر

نزول ربنا بلا امتراءِ ... في كل ليلة إلى السماء

من غير ما حدٍّ ولا تكييف ... سبحانه من قادر لطيف

ونجد الإمام المقرئ الحسن بن أحمد بن عبد الله، أبا علي البغدادي الحنبلي (ت: 477 هـ)، - صاحب كتاب (بيان العيوب التي يجب أن يجتنبها

  • (1) انظر من مقدمة المحقق: ص 8.
  • (2) الأرجوزة المنبهة على أسماء القراء والرواة وأصول القراءات وعقد الديانات بالتجويد والدلالات: 168.
  • (3) المصدر السابق: 174.
  • (4) المصدر السابق: 178، 194.
11

القراء وإيضاح الأدوات التي بني عليها الإقراء) - ألف كتابه (المختار في أصول السنة) (1) الذي اختصر فيه كتاب (الشريعة) للآجري، وكتاب التوحيد من صحيح البخاري.

ونجد الإمام الحافظ المقرئ الحسن بن أحمد بن الحسن، أبا العلاء الهمذاني العطار (ت: 569 هـ)، صاحب كتاب (غاية الاختصار في قراءات العشرة أئمة الأمصار) - ألَّف (فتيا في الاعتقاد وذم الاختلاف) (2) .

ولا أطيل بذكر الأمثلة في هذا، وإنما قصدت الإلماع إلى منهج هؤلاء الأئمة، ليكونوا نبراسًا على الطريق لمعلم القرآن الكريم، فيتبع آثارهم.

  • (1) حققه الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، وصدر عن مكتبة العلوم والحكم بالمدينة في طبعته الأولى عام (1413 هـ) .
  • (2) حققه عبد الله بن يوسف الجديع، وصدر عن دارالعاصمة بالرياض عام (1409 هـ) .
12

إخلاص النية

2 - إخلاص النية:

إن أهم الأمور التي يجب على كل مكلف أن يأخذ نفسه بها، ويقيم أعماله عليها، هو إخلاص القصد لله في سائر أحواله الظاهرة والباطنة، فكيف بمن انتصب لتعليم كتاب الله العزيز؟

قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: 5)، وقال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (3) .

  • (3) رواه البخاري
  • (1) (الفتح: 1 / 15)، ومسلم
  • (1907) صحيح مسلم: 3 / 1515 بلفظ: (إنما الأعمال بالنية)، وغيرهما.
12

وقد ابتلى الله تعالى العباد بالشريعة، ليظهر منهم حسن العمل، فقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2) وفسر الفضيل بن عياض حسن العمل بقوله: (أخلصه وأصوبه)، وقال: العمل لايقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، الخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة (1) .

لذلك يعد العمل الخالي من النية الصالحة كالجثة الهامدة، التي لا روح فيها، وقد فرض الله تعالى عبودية على المسلم في كل عمل يعمله، ومما لامراء فيه أن تعليم القرآن الكريم من أجل القرب وأعظمها أجرًا، حتى فضله بعض السلف على الجهاد في سبيل الله (2)، فمن مقتضى هذه العبودية في هذا العمل أن تُجرد النية لله في تعليمه، ويُفرد بحسن الطاعة والقصد، ويُصفَّى عن ملاحظة المخلوقين، كما قال القشيري: (الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين) (3) .

وكلما أخلص المرء لله لم يتعثر في سيره، وأُعطي توفيقًا بقدر ما في قلبه من الصدق والإخلاص، قال الإمام الرباني محمد بن واسع البصري: (إذا أقبل العبد بقلبه على الله، أقبل الله بقلوب العباد عليه) (4) .

وهذه معلمة مهمة لمدرس القرآن الكريم، ينبغي له ترسمها والحرص عليها، ليمسِّك الناس بالكتاب، ويحببهم إليه، ويحملهم على حسن الأدب معه، وجودة تلاوته.

  • (1) معالم التنزيل للبغوي: 8 / 176.
  • (2) انظر النشر: 1 / 4.
  • (3) التبيان في آداب حملة القرآن: 24.
  • (4) سير أعلام النبلاء: 6 / 121.
13

وقد رأيت من بعض مشايخي في تعليمهم القرآن صدقًا وإخلاصًا ظاهرًا؛ بحيث بورك لهم في أعمالهم وأعمارهم، وصرف الله قلوب الناس إليهم، وازدحم عليهم الطلاب من كل أفق، لأنهم عاملوا ربَّهم بهذه الخصلة، فأعطاهم بحسن قصدهم وطهارة نفوسهم أفضل عطاء، وجعلهم بحق من أهل الخيرية التي أشار لها النبي ﷺ بقوله: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه" (1) .

ولعظم هذا الأمر وأهميته في مقاصد المكلفين، وفيما يتعبدون به ربهم، تمنّى ابن أبي جمرة الأندلسي (ت: 695 هـ) على أهل العلم أن يتفرغ بعضهم لهذا الموضوع، كي يعلم الناس مقاصدهم، فقال: (وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتي على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك) (2) .

ومما ينبغي التنبيه عليه في هذه الصفة لمعلم القرآن الكريم، أن بعض القراء يكره قراءة طلابه على غيره من القراء ممن ينتفع بهم.

قال النووي - رحمه الله - (وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته، وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله تعالى بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه وقد حصلت، وهو قصد بقراءته على غيري زيادة علم، فلا عتب عليه.

  • (1) سبق تخريجه ص: 5.
  • (2) المدخل لابن الحاج: 1 / 3.
14

قال: وقد صحَّ عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أنه قال: وددت أن الخلق تعلَّموا هذا العلم - يعني علمه وكتبه - على أن لا ينسب إليَّ حرف منه) (1) .

وتأتي أهمية تصفية النية من الشوائب، وإخلاصها لله تعالى في فاعلية العملية التعليمية والتربوية من كونها أساسًا لقبول عمل المدرس ورفع عمله الصالح، ومن الجانب الآخر أن المدرس قدوة لطلابه، فإذا كان خالي الوفاض أو مكدَّر المورد في هذه الصفة، فكيف يستطيع أن يؤثر في تلاميذه، ويحقق أهدافه التعليمية والتربوية؟.

  • (1) التبيان في آداب حملة القرآن: 28، ونحوه في المجموع شرح المهذب: 1 / 64.
15