صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 483 - 497

36

36

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى صفات المؤمنين وما نالوه من الدرجات الرفعية، أعقبها ببيان أن طاعة الرسول من طاعة الله، وأمر الرسول من أمر الله، ثم ذكّرهم تعالى بالنعمة العظمى وهي بعثة السراج المنير، المبعوث رحمة للعالمين ﷺ َ.

اللغَة: ﴿الخيرة﴾ مصدر بمعنى الاختيار من تخيَّر على غير قياس مثل الطيرة من تطيَّر. ﴿مُبْدِيهِ﴾ أبدى الشيء: أظهره. ﴿وَطَرًا﴾ الوطر: الحاجة التي هي في النفس، قال الزجاج: الوطر الحاجةُ التي لك فيها هِمَّة فإذا بلغها الإِنسان يقال: قضى وطره، وقال المبرّد: الوطرُ الشهوةُ ياقلأ:

483

ما قضيتُ من لقائك وَطَرًا أي ما استمتعتُ بك كما تشتهي نفسي وأنشد:

وكيفَ ثَوابي بالمدينةِ بعدما قَضَى وطرًا منها جميل بن معمر

﴿حَرَجٍ﴾ ضيق وإثم. ﴿خَلَوْاْ﴾ مضو وذهبوا. ﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ قضاءً مقضيًا في الأزل. ﴿بُكْرَةً﴾ البُكرة: هي أول النهار. ﴿أَصِيلًا﴾ الأصيل: آخر النهار. ﴿تُرْجِي﴾ تؤخر يقال: أرجيت الامر وأرجأته إذا أخرته. ﴿تؤوي﴾ تضم ومنه ﴿آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: 69] .

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: «خطب رسول الله ﷺ َ زينب بنت جحش لمولاه» زيد بن حارثة «فاستنكفت منه وكرهت وأبت فنزلت الآية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ. .﴾ الآية فأذعنت زينب حينئذٍ وتزوجته. . وفي رواية» فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش فلما نزلت الآية جاء أخوها فقال يا رسول الله مرني بما شئت قال: «فَزَوِّجْهَا مِنْ زَيْدٍ»، فرضي وزوَّجها «.

التفسِير: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي لا ينبغي ولا يصح ولا يليق بأي واحدٍ من المؤمنين والمؤمنات ﴿إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ أي إذا أمر الله عز وجل وأمر رسوله بشيءٍ من الأشياء، قال الصاوي: ذكرُ اسم الله للتعظيم وللإِشارة إلى أن قضاء رسول الله هو قضاء الله لكونه لا ينطق عن الهوى ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي أن يكون لهم رأيٌ أو اختيار، بل عليهم الانقياد والتسليم، قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسولُه بشيء فليس لأحدٍ مخالفته، ولا اختيار لأحدٍ ولا رأي ولا قول، ولهذا شدَّد النكير فقال: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُّبِينًا﴾ أي ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله فقد حاد عن الطريق السوي، وأخطأ طريق الصواب، وضلَّ ضلالًا بيّنًا واضحًا ﴿وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ﴾ أي اذكر أيها الرسول وقت قولك للذي أنعم الله عليه بالهداية للإِسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالتحرير من العبودية والإعتاق، قال المفسرون: هو» زيد بن حارثة «كان من سبي الجاهلية اشترته» خديجة «ووهبته لرسول الله ﷺ َ فكان مملوكًا عنده ثم أعتقه وتبنَّاه، وزوَّجه ابنة عمته» زينب بنت جحش « رضي الله عنها ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله﴾ أي أمسكْ زوجتك زينب في عصمتك ولا تطلّقها، واتّقِ الله في أمرها ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ﴾ أي وتضمر يا محمد في نفسك ما يسظهره الله وهو إرادة الزواج بها قال في التسهيل: الذي أخفاه رسول الله ﷺ َ أمر جائزّ مباح لا إثم فيه ولا عتب، ولكنه

484

خاف أن يقول الناس تزوج امرأة ابنه إذ كان قد تبناه، فأخفاه حياءً وحشمة وصيانة لعِرْضه من ألسنتهم، فالذي أخفاه ﷺ َ هو إرادة تزوجها ليبطل حكم التبني فأبدى الله ذلك بأن قضى له بتزوجها ﴿وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ أي تهاب أن يقول الناسُ تزوج محمد حليلة ابنه، والله أحقُّ أن تخشاه وحده، وأن تجهر بما أوحاه إليك من أنك ستتزوج بها بعد أن يطلقها زيدٌ، قال ابن عباس: خشي أن يقول المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أي فلما قضى زيدٌ حاجته من نكاحها وطلَّقها زوجناك إياها يا محمد، وهذا نصٌ قاطع صريح على أن الذي أخفاه رسول الله صلى لله عليه وسلم هو إرادة الزواج بها بعد تطليق زيدٍ لها تنفيذًا لأمر الوحي، لا حبُّه لها كما زعم الأفَّاكون، ومعنى ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ جعلناها زوجةً لك، قال المفسرون: إنَّ الذي تولَّى تزويجها هو الله جل وعلا، فلما انقضت عدتها دخل عليها رسول الله ﷺ َ بلا إذنٍ ولا عقدٍ ولا مهرٍ ولا شهودد، وكان ذلك خصوصية للرسول صلى لله عليه وسلم روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

«كانت زينبُ تفخَر على أزواج النبي صلى لله عليه وسلم وتقول: زوَّجكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجني ربي من فوقِ سبع سموات» ثم ذكر تعالى الحكمة من هذا الزواج فقال: ﴿لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي لئلا يكون في تشريع الله على المؤمنين ضيق ومشقة وتأثم في حق تزوج مطلقات الأبناء من التبني، إذا لم يبق لأزواجهن حاجة فيهن، قال ابن الجوزي: المعنى زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنَّيته لكيلا يُظنَّ أن امرأة المتبنَّى لا يحل نكاحها ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولًا﴾ أي وكان أمر الله لك، ووحيه إِليك بتزوج زينب مقَّدرًا محتمًا كائنًا لا محالة، ولما نفى الحرج عن المؤمنين، نفى الحرج عن سيد المرسلين بخصوصه على سبيل التكريم والتشريف فقال: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ﴾ أي لا حرج ولا إثم ولا عتاب على النبي فيما أباح الله له وقسم من الزوجات، قال الضحاك: كان اليهود عابوه بكثرة النكاح، فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿سُنَّةَ الله فِي الذين﴾

485

﴿خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾ أي هذه سنة الله في جميع الأنبياء السابقين حيث وسَّع عليهم فيما أباحلهم، قال القرطبيك أي سنَّ لمحمد ﷺ َ في التوسعة عليه في النكاح، سنة الأنبياء الماضية كداود وسليمان، فكان لداود مائة امرأة ولسليمان ثلاثمائة امرأة، عدا السُّريات ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ أي قضاءً مقضيًا، وحكمًا مقطوعًا به من الأزل، لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، ثم أثنى تعالى على جميع الأنبياء والمرسلين بقوله: ﴿الذين يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ الله﴾ أي هؤلاء الذين أخبرتك عنهم يا محمد وجعلتُ لك قدوة بهم، هم الذين يبلّغون رسالات الله إلى امن أُرسلوا إليه ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ الله﴾ أي يخافون الله وحده ولا يخافون أحدًا سواه، فاقتد يا محمد بهم ﴿وكفى بالله حَسِيبًا﴾ أي يكفي أن يكون الله محاسبًا على جميع الأعمال والأفعال، فينبغي أن لا يُخْشى غيره، ثم أبطل تعالى حكم التبني الذي كان شائعًا في الجاهلية فقال: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ قال المفسرو: لما تزوج رسول الله ﷺ َ قال الناس: إن محمدًا قد تزوج امرأة ابنه فنزلت هذه الآية قال الزمخشري: أي لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح ﴿ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين﴾ أي ولكنّه عليه السلام آخر الأنبياء والمرسلين، ختم الله به الرسالات السماوية، فلا نبيًّ بعده، قال ابن عباس: يريد: لو لم أختم به النبيّين لجعلتُ له ولدًا يكون بعده نبيًا ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أو هو العالم بأقوالكم وأفعالكم، لا تخفى عليه خافية من أحوالكم ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ أي اذكرا الله بالتهليل والتحميد، والتمجيد والتقديس ذكرًا كثيرًا، بالليل والنهار، والسفر والحضر ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي وسبحوا ربكم في الصباح والمساء، قال العلماء: خصّهما بالذكر لأنهما أفضل الأوقات بسبب تنزل الملائكة فيهما ﴿هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي هو جل وعلا يرحمكم على الدوام، ويعتني بأمركم، وبكل ما فيه صلاحكم وفلاحكم ﴿وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ أي وملائكته يصلون عليكم أيضًا بالدعاء والإستغفار وطلب الرحمة، قال ابن كثير: والصلاةُ من الله سبحانه ثناؤه على العبد عند الملائكة، وقيل: الصلاة من الله الرحمةُ، ومن الملائكة: الدعاءُ والإستغفار ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ أي لينقذكم من الضلالة إلى الهدى، ومن ظلمات العصيان إلى نور الطاعة والإِيمان ﴿وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيمًا﴾ أي واسع الرحمة بالمؤمنين، حيث يقبل القليل من أعمالهم، ويعفوا عن الكثير من ذنوبهم، لإخلاصهم في إيمانهم ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ أي تحية هؤلاء المؤمنين يوم يلقون ربهم السلامُ والإِكرام في الجنة من الملك العلاّم كقوله تعالى

﴿سَلاَمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ أي وهيأ لهم أجرًا حسنًا وهو الجنة وما فيها من النعيم المقيم، قال ابن كثير: والمراد بالأجر الكريم الجنةُ وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والملاذَ والمناظر، مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، ثم

486

لما بيَّن تعالى أنه أخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال إلى أنوار الهداية والإِيمان، عقَّبه بذكر أوصاف السراج المنير الذي أضاء الله به الأكوان فقال: ﴿ياأيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي شاهدًا على أمتك وعلى جميع الأمم بأن أنبيائهم قد بلغوهم رسالة ربهم ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أي مبشرًا للمؤمنين بجنات النعيم ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي ومنذرًا للكافرين من عذاب الجحيم ﴿وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ﴾ أي وداعيًا للخلق إلى توحيد الله وطاعته وعبادته، بأمره جل وعلا لا من تلقاء نفسك ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ أي وأنت يا محمد كالسراح الوهَّاج المضيء للناس، يُهْتدى بك في الدهماء، كما يُهْتدى بالشهاب في الظلماء، قال ابن كثير: أي أنت يا محمد كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند وقال الزمخشري: شبَّهه بالسراج المنير لأن الله جلى به ظلمات الشركِ، واهتدى به الضالون، كما يُجلى ظلامُ الليل بالسراج المنير ويُهْتدى به، وصفه تعالى بخسمة أوصاف كلُّها كمالٌ وجمال، وثناءٌ وجلال، وختمها بأنه صلوات الله عليه هو السراج الوضاء الذي بدَّد الله به ظلمات الضلال، فصلواتُ ربي وسلامه عليه في كل حين وآن ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ الله فَضْلًا كَبِيرًا﴾ أي وبشر يا محمد المؤمنين خاصة بأنَّ لهم من الله العطاء الواسع الكبير في جنات النعيم ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ أي لا تطعهم فيما يطلبوه منك من المساهلة والملاينة في أمر الدين، بل اثبت على ما أُوحي إِليك ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ أي ولا تكترث بإِذايتهم لك، وصدّهم الناس عنك ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي واعتمد في جميع أمورك وأحوالك على الله ﴿وكفى بالله وَكِيلًا﴾ إي إن الله يكفي من توكل عليه في أمور الدنيا والآخرة، قال الصاوي: وفي الآية إشارة إلى أن التوكل أمره عظيم، فمن توكل على الله كفاه ما أهمَّه من أمور الدنيا والدين، ولما كان الحديث عن نساء النبي ﷺ َ وقصه زيد وتطليقه لزينب، جاء الحديث عن نساء المؤمنين والطريقة المثلى في تطليقهن فقال تعالى ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات﴾ أي يا أيها المؤمنون الذين صدَّقوا بالله ورسوله إِذا عقدتم عقد الزواج على المؤمنات وتزوجتموهن ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي ثم طلقتموهنَّ من قبل أن تجامعوهنَّ، وإنما خصَّ المؤمنات بالذكر مع أن الكتابيات يدخلن في الحكم، للتنبيه على أن الأليق بالمسلم أن يتخيَّر لنطفته، وألاّ ينكح إلاّ مؤمنة عفيفة ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ أي فليس لكم عليهم حق في العدة تستوفون عددها عليهن، لأنكمخ لم تعاشروهن فليس هناك احتمال اللحمل حتى تحتسبوا المرأة من أجل صيانة نسبكم ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي فالواجب عليكم إكرامهن بدفع المتعة بما تطيف نفوسكم به من مالٍ أو كسوةٍ، تطييبًا لخاطرهن، وتخفيفًا لشدة وقع الطلاق عليهن ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي وخلّوا سبيلهنَّ تخليةً بالمعروف، من غير إضرار ولا إيذاء، ولا هضمٍ لحقوقهن، قال أبو حيان: والسراحُ الجميلُ هو كلمة طيبة دون أذى ولا منع واجب، ثم ذكر تعالى ما يتعلق بأحوال زوجات الرسول ﷺ َ فقال: ﴿ياأيها النبي إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي إنا قد أبحنا لك يا محمد أنواعًا من النساء، توسعة عليك وتيسيرًا

487

لك في تبليغ الدعوة، فمن ذلك أننا أبحنا لك زوجاتك اللاتي تزوجتهن بصداقٍ مُسمَّى، وهنَّ في عصمتك ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ﴾ أي وأبحنا لك أيضًا النساء اللاتي تملكهن في الحرب بطريق الانتصار على الكفار، وإنما قيَّدهن بطريق الغنائم لأنهم أفضلُ من اللائي يُمْلكن بالشراء، فقد بذل في إحرازهنَّ جهدٌ ومشقة لم يكن في الصف الثاني ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أي وأبحنا لك قريباتك من بنات الأَعمام والعمات، والأخوال والخالات بشرط الهجرة معك ﴿وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أي وأحللنا لك النساء المؤمنات الصالحات اللواتي وهبن أنفسهن لك، حبًا في الله ورسوله وتقربًا لك ﴿إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ أي إن أردت يا محمد أن تتزوج مَن شئت منهم بدون مهر ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين﴾ أي خاصة لك يا محمد من دون سائر المؤمنين، فإنه لا يحل لهم التزوج بدون مهر، ولا تصح الهبة، بل يجب مهر المثل ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ في أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي قد علمنا ما أوجبنا على المؤمنين من نفقةٍ، ومهر، وشهود في العقد، وعدم تجاوز أربع من النساء، وما أبحنا لهم من مِلك اليمين عدا الحرائر، وأما أنت فقد خصصناك بخصائص تيسيرًا لك ﴿لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أي لئلا يكون عليك مشقة أو ضيق ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي عظيم المغفرة واسع الرحمة ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ أي ولك أيها النبي الخيار في أن تطلق من تشاء من زوجاتك، وتُمسك من تشاء منهن ﴿وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أي وإِذا أحببتَ أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتَ من القسمة فلا إثم عليك ولا عتب ﴿ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي ذلك التخيير الذي خيرانك في أمرهنَّ أقرب أن ترتاح قلوبهن فلا يحزنَّ، ويرضين بصنيعك، لأنهن إذا علمن أن هذا أمرٌ من الله، كان أطيب لأنفسهن فلا يشعرن بالحزن والألم ﴿والله يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ﴾ خطابٌ للنبي على جهة التعظيم أي يعلم ما في قلبك يا محمد وما في قلب كل إِنسان، من عدل أو ميل، ومن حب أو كراهية، وإنما خيرناك فيهن تيسيرًا عليك فيما أردت ﴿وَكَانَ الله عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ أي واسع العلم يعلم جميع ما تظرهون وما تخفون، حليمًا يضع الأمور في نصابها ولا يعاجل بالعقوبة، بل يُؤخر ويمهل لكنه لا يُهْمل، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

«كنتُ أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ َ وأقول: اتهبُ المرأة نفسها؟ فلما نزلت ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قلت: ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك» ثم قال تعالى ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ﴾ أي لا يحل لك أيها النبي النساء من بعد هؤلاء التسع اللائي في عصمتك ﴿وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ أي ولا يحل لك أن تطلّق واحدة منهن وتنكح مكانها أُخرى ﴿وَلَوْ﴾

488

﴿أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أي ولو أعجبك جمال غيرهن من النساء ﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي إلا ما كان من الجواري والإماء فلا بأس في ذلك لأنهن لسن زوجات ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا﴾ أي مطلعًا على أعمالكم شاهدًا عليها، وفيه تحذير من مجاوزة حدوده، وتخطي حلاله وحرامه. قال المفسرون: أباح الله لرسوله أصنافًا أربعة «اللمهورات، المملوكات، المهاجرات، الواهبات أنفسهن» توسعة عليه ﷺ َ وتيسيرًا له في نشر الرسالة وتبليغ الدعوة، ولما نزلت آية التخيير ﴿قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا. .﴾ [الأحزاب: 28] الآية، وخيَّرهن عليه السلام، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، أكرمهن الله تعالى بأن قصره عليهن، وحرَّم عليه أن يتزوج بغيرهن.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - التنكير لإِفادة العموم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ﴾ لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي ليس لواحدٍ منهم أن يريد غير ما أراد الله ورسوله.

2 - الطباق بين ﴿تُخْفِي. . مُبْدِيهِ﴾ وبين ﴿الظلمات. . و. . النور﴾ وبين ﴿مُبَشِّرًا. . و. . نَذِيرًا﴾ وهو من المحسنات البديعية.

3 - جناس الإشتقاق ﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ .

4 - طباق السلب ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا﴾ .

5 - التشبيه البليغ ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ أصل التشبيه: أنت يا محمد كالسراج الوضاء في الهداية والإرشاد، حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغًا على حد قولهم: علي أسدٌ، ومحمدٌ قمر.

6 - الكناية ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ كنَّى عن الجماع بالمسِّ وهي من الكنايات المشهورة ومن الآداب القرآنية الحميدة لأن القرآن يتحاشى الألفاظ البذيئة.

7 - الطباق بين ﴿بُكْرَةً. . و. . أَصِيلًا﴾ وبين ﴿تُرْجِي. . و. . تؤوي﴾ وبين ﴿ابتغيت. . و. . عَزَلْتَ﴾ .

8 - توافق الفواصل ممّا يزيد في الجمال والإِيقاع علىلسمع مثل ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. . وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ ومثل ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا. . عَلِيمًا حَلِيمًا. . غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ وهذا من خصائق القرآن العظيم، وهو من المحسنات البديعية.

489

53

المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى أحوال النبي ﷺ َ مع أزواجه، ذكر هنا الآدب التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون عند دخلوهم بيوت النبي ﷺ َ من الاستئذان وعدم الإِيقال، ثم بيَّن شرف الرسول بصلاة الله والملائكة عليه، وختم السورة الكريمة بالحديث عن الساعة وما يعقبها من أهوالٍ لأهل الكفر والضلال، وحال الأشقياء والسعداء في دار البقاء.

اللغَة: ﴿إِنَاهُ﴾ نضجه قال في اللسان: إنّى الشيء بلوغه وإدراكُه والإنى بكسر الهمزة والقصر: النضجُ. ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ الاستئناس: طلبُ الأنس بالحديث، تقول: استأنست بحديثه أي طلبت الأنس والسرور به، وما بالدار من أنيس أي ليس بها أحد يؤانسك أو يسليك. ﴿مَتَاعًا﴾ المتاعُ: الغرض والحاجة كالماعون وغيره. ﴿بُهْتَانًا﴾ البهتانُ: الافتراء والكذب الواضح، وأصله من البهت وهو القذف بالباطل. ﴿جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهو الثوب الذي يستر جميع البدن وهو يشبه الملاءة «الملحفة» في زماننا، قال الشاعر:

490

تمشي النسورُ إليه وهي لاهيةٌ ... مشيَ العَذاى عليهنَّ الجلابي

﴿المرجفون﴾ جمع مرجف وهو الذي يشيع الكذب والباطل لإخافة الناس به، قال الشاعر:

وإِنَّا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإِسلام باغٍ وحاسد

﴿َنُغْرِيَنَّكَ﴾ أغراه به: حثه وسلّطه عليه. ﴿سَعِيرًا﴾ نارًا شديدة الاستعار.

سَبَبُ النّزول: أروي عن أنس أن النبي صلى الله لما تزوَّج «زينب بنت جحش» أَوْلمَ عليها، فدعا الناس فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ َ وزوجتُه مولّيةٌ وجهها إلى الحائط، فثقُلوا على رسول الله ﷺ َ قال أنس: فما أدري أأنا أخبرت النبي ﷺ َ أن القوم قد خرجوا أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيتَ فذهبتُ أدخلُ معه فألقى السرت بيني وبينه ونزل الحجابُ، ووُعظ الناسُ بما وُعظوا به وأنزل الله ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ. .﴾ .

ب وقال ابن عباس: كان ناسٌ من المؤمنين يتحيَّنون طعام النبي ﷺ َ فيدخلون قبل أن يُدرك الطعام، ويقعدون إلى أن يُدرك، ثم يأكلون ولا يخرجون فنزلت.

ج وعن عائشة أنَّ عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله: إنَّ نساءَكَ يدخلُ عليهنَّ البرُّ والفاجرُ، فلو أمرتهنَّ أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الآية.

د عن السُّدّي أن الفُسَّاق كانوا يؤذون النساء إِذا خرجن بالليل، فإِذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حرة، وإِذا رأوها بغير قناع قالوا: أمةٌ فآذوها فأنزل الله: ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ. .﴾ الآية.

التفسِير: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الإِضافة للتشريف والتكريم، والآية توجيه للمؤمنين لهذا الأدب السامي العظيم والمعنى: لا تدخلوا بيوت النبي في حالٍ من الأحوال إِلا في حال الإِذن لكم منه عليه السلام، مراعاةً لحقوق نسائه، وحرصًا على عدم إِيذائه والإِثقال عليه ﴿إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي إِلا حين يدعوكم إلى طعام غير منتظرين نُضْجه ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا﴾ أي ولكنْ إِذا دُعيتم وأُذن لكم في الدخول فادخلوا ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا﴾ أي فإِذا انتهيتم من الطعام فتفرقوا إِلى دوركم ولا تمكثوا ﴿وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ معطوف على ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ أي لا الجلوسَ يستأنس بعضهم ببعض لحديثٍ يحدثه به ﴿إِنَّ ذلكم كَانَ يُؤْذِي النبي﴾ أي إن صنيعكم هذا يؤذي الرسول، ويضايقه ويثقل عليه، ويمنعه من قضاءِ كثيرٍ من مصالحه وأموره ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ أي فيستحيي من إخراجكم، ويمنعه حياؤه أن يأمركم بالانصراف، لخُلقه الرفيع، وقلبه الرحيم ﴿والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق﴾ أي والله جل وعلا لا يترك بيان الحق، ولا يمنعه مانع من إظهار الحق وتبيانه لكم، قال القرطبي: هذا أدبٌ أدَّب الله به الثقلاء، وفي كتاب الثعلبي: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ أي وإِذا أردتم حاجةً من أزواجه الطاهرات فاطلبوه من وراء حاجزٍ وحجاب ﴿ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي سؤالكم إياهنَّ المتاع من وراء حجاب أزكى لقلوبكم وقلوبهن وأطهر، وأنفى للريبة وسوء الظن ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله﴾ أي وما ينبغي لكم ولا يليق بكم أن تؤذوا رسولكم الذي هداكم الله به في حياته ﴿وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ أي ولا أن تتزوجوا زوجاته من بعد وفاته أبدًا، لأنهن كالأمهات لكم، وهو كالوالد فهل يليق بكم أن تؤذوه في نفسه أو أهله؟ ﴿إِنَّ ذلكم﴾

491

﴿كَانَ عِندَ الله عَظِيمًا﴾ أي إن إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده أمر عظيم، وذنب كبير لا يغفره الله لكم، قال أبو السعود: وفيه من تعظيمه تعالى لشأن رسوله ﷺ َ وإيجاب حرمته حيًا وميتًا ما لا يخفى ثم قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي إن تظهروا أمرًا من الأمور أو تخفوه في صدوركم ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي فإن الله عالم به وسيجازيكم عليه، قال البيضاوي: وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويلٍ ومبالغة في الوعيد، ثم لما أنزل تعالى الحجاب استثنى المحارم فقال: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أي لا حرج ولا إثم على النساء في ترك الحجاب أمام المحارم من الرجال، قال القرطبي: لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء لرسول الله ﷺ َ: ونحنُ أيضًا نكلمهنَّ من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية، والمراد ب ﴿نِسَآئِهِنَّ﴾ نساءُ المؤمنين، قال ابن عباس: لأن نساء اليهود والنصارى يَصفن لأزواجهن النساء المسلمات، فلا يحل للمسلمة أن تُبدي شيئًا منها لئلا تصفها لزوجها الكافر ﴿واتقين الله﴾ أي اتَّقين يا معشر النساء الله، واخشينه في الخلوة والعلانية ﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي لا تخفى عليه خافية من أموركن، يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح، قال الرازي: وهذا في غاية الحسن في هذا الموضع، لأن ما سبق إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم، فختمها بأن الله شاهد عند اختلاء بعضهم ببعض، فالخلوة عنده مثل الجلوة فعليهم أن يتقوا الله، ثم بيَّن تعالى قدر الرسول العظيم فقال: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ أي إن الله جل وعلا يرحم نبيَّه، ويعظّم شأنه، ويرفع مقامه، وملائكتُه الأبرار يدعون للنبي ويستغفرون له، ويطلبون من الله أن يمجّد عبده ورسوله ويُنيله أعلى المراتب، قال القرطبي: والصلاةُ من الله رحمتُه ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والإستغفار، ومن الأمة الدعاءُ والتعظيمُ

492

لأمره وقال الصاوي: وهذه الآية فيها أعظم الدليل على أنه ﷺ َ مهبط الرحمات، وأفضل الأولين والآخرين على الإطلاق، إذ الصلاة من الله على نبيه رحمتُه المقرونة بالتعظيم، ومن الله على غير النبي مطلقُ الرحمة كقوله:

﴿هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: 43] فانظر الفرق بين الصلاتين، والفضل بين المقامين، وبذلك صار منبع الرحمات،، ومنبعَ التجليات ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ أي فأنتم أيها المؤمنون أكثروا من الصلاة عليه والتسليم، فحقه عليكم عظيم، فقد كان المنقذ لكم من الضلالة إلى الهدى، والمخرج لكم من الظلمات إلى النور، فقولوا كلما ذُكر اسمه الشريف «اللهم صلّ على محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا» عن كعب بن عُجرة قلنا «يا رسول الله: قد عرفنا التسليم عليك فكيف الصلاة عليك؟ فقال:» قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. . «الحديث، قال الصاوي: وحكمةُ صلاةِ الملائكةِ والمؤمنين على النبي ﷺ َ تشريفُهم بذلك، حيث اقتدوا بالله جل وعلا في الصلاة عليه وتعظيمه، ومكافأةٌ لبعض حقوقه على الخلق، لأنه الواسطة العظمى في كل نعمةٍ وصلت لهم، وحقٌ على مَن وصل له نعمة من شخص أن يكافئه، ولما كان الخلق عاجزين عن مكافأته ﷺ َ طلبوا من القادر الملك أن يكافئه، وهذا هو السر في قولهم:» اللهم صل على محمد «﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي يؤذون الله بالكفر ونسبة الصاحبة والولد له، ووصفه بما لا يليق به جل وعلا كقول اليهود:

﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] وقول النصارى ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: 30] ويؤذون الرسول بالتكذيب برسالته، والطعن في شريعته، والاستهزاء بدعوته، قال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا على الرسول ﷺ َ حين اتخذ صفية بن حيُي ﴿لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والآخرة﴾ أي طردهم من رحمته، وأحلَّ عليهم سخطه وغضبه في الدنيا بالهوان والصَّغار، وفي الآخرة بالخلود في عذاب النار ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ أي وهيأ لهم عذابًا شديدًا، بالغَ الغاية في الإِهانة والتحقير ﴿والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا﴾ أي يؤذون أهل الإِيمان بغير ما فعلوه، وبغيمر جنايةٍ واستحقاق للأذى ﴿فَقَدِ احتملوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ أي فقد حمَّلوا أنفسهم البهتان والكذب، والزور، والذبن الواضح الجلي، قال القرطبي: أطلق إيذاء الله ورسوله، وقيَّد إيذاء المؤمنين والمؤمنات، لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إِلا بغير حق أبدًا، وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه ومنه ولما حرَّم تعالى الإِيذاء، أمر نبيه الكريم أن يوجه النداء إلى الأمة جمعاء، للتمسك بالإِسلام وتعاليمه الرشيدة، وبالأخص في أمرٍ اجتماعي خطير وهو «الحجاب» الذي يصون للمرأة كرامتها، ويحفظ عليها عفافها، ويحميها من النظرات الجارحة، والكلمات اللاذعة، والنوايا الخبيثة لئلا تتعرض لأذى الفساق فقال: ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ أي قل يا محمد لزوجاتك الطاهرات أمهات المؤمنين وبناتك الفُضْلَيات الكريمات، وسائر نساء المؤمنين، قل لهنَّ

493

يلبسن الجلباب الواسع، الذي يستر محاسنهن وزينتهن، ويدفع عنهم ألسنة السوء، ويميزهن عن صفاتِ نساء الجاهلية، روى الطبري عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أمر الله نساء المؤمنين إِذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة، وروى ابن كثير عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ فغطّى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى ﴿ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ﴾ أي ذلك التستر أقرب بأن يُعْرفن بالعفة والتستر والصيانة، فلا يطمع فيهن أهل السوء والفساد، وقيل: أقرب بأن يُعرفن أنهن حرائر، ويتميزن عن الإِماء ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي إنه تعالى غفور لما سلف منهم من تفريط، رحيم بالعباد حيث راعى مصالحهم وشئوونهم تلك الجزيئات. . ثم هدَّد المولى جلّ وعلا كل المؤذين من جميع الأصناف بأنواع العقاب فقال: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي لئن لم يترك هؤلاء المنافقون الذين يُظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر نفاقهم، والزناةُ الذين في قلوبهم مرض فجور فجورهم ﴿والمرجفون فِي المدينة﴾ أي الذين ينشرون الأراجيف والأكاذيب لبلبلة الأفكار، وخلخلة الصفوف، ونشر أخبار السوء ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أي لنسلطنك عليهم يا محمد ﴿ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي ثم يخرجون من المدينة فلا يعودون إلى مجاروتك فيها إلا زمنًا قليلًا، ريثما يتأهبون للخروج، قال الرازي: وعد الله نبيه أن يخرج أعداءه من المدينة وينفيهم على يده، إظهارًا لشوكته ﴿مَّلْعُونِينَ﴾ أي مبعدين عن رحمته تعالى ﴿أَيْنَمَا ثقفوا أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلًا﴾ أي أينما وجدوا وأُدركوا أُخذوا على وجه الغلبة والقهر ثم قُتِّلوا لكفرهم بالله تقتيلًا ﴿سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾ أي هذه سنة الله في المنافقين وعادتُه فيمن سبق منهم أن يُفعل بهم ذلك، قال القرطبي: أي سنَّ الله عز وجل فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يُؤخذ ويُقتل ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا﴾ أي ولن تتغير أو تتبدل سنة الله، لكونها بُنيت على أساسٍ متين، قال الصاوي: وفي الآية تسلية للنبي ﷺ َ أي فلا تحزن على وجود المنافقين يا محمد، فإن ذلك سنة قديمة لم يخل منهم زمن من الأزمان ثم ذكر تعالى الساعة وأهوالها فقال: ﴿يَسْأَلُكَ الناس عَنِ الساعة﴾ أي يسألك يا محمد المشركون على سبيل الإستهزاء والسخرية عن وقت قيام الساعة ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله﴾ أي قل لهم: لست أعرف وقتها وإنما يعلم ذلك علاّم الغيوب، فإن الله أخفاها لحكمة ولم يُطلع عليها مَلكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أي وما يُعلمك أن الساعة تكون في وقت قريب؟ قال أبو السعود: وفيه تهديدٌ للمستعجلين، وتبكيتٌ للمتعنّتين، والإِظهارُ في موضع الإِضمار للتهويل وزيادة التقرير ﴿إِنَّ الله لَعَنَ﴾

494

﴿الكافرين﴾ أي طرد الكافرين وأبعدهم عن رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ أي وهيأ لهم نارًا شديدة مستعرة ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ أي مقيمين في السعير أبد الآبدين ﴿لاَّ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ أي لا يجدون لهم مَن ينجيهم وينقذهم من عذاب الله ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ أي يوم تتقلب وجوههم من جهة إلى جهة كاللحم يُشوى بالنار ﴿يَقُولُونَ ياليتنآ أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ أي يقولون متحسرين على ما فاتهم: يا ليتنا أطعنا الله ورسوله حتى لا نبتلى بهذا العذاب المهين ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ أي أطعنا القادة والأشراف فينا فأضلونا طريق الهدى والإِيمان ﴿رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب﴾ أي اجعل عذابهم ضعفي عذابنا، لأنهم كانوا سبب ضلالنا ﴿والعنهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ أي والعنهم أشد أنواع اللعن وأعظمه، ثم حذر تعالى من إيذاء الرسول كما آذى اليهود نبيهم فقال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ﴾ أي لا تكونوا أمثال بني إِسرائيل الذين آذوا نبيهم موسى وابتهموه ببرصٍ في جسمه أو أُدْرةٍ لفرط تستره وحيائه، فأظهر الله براءته وأكذبهم فيما اتهموه به، روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ َ قال:

«إنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَييًّا ستِّيرًا، لا يُرَى مِنْ جِلْدِه شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً منهُ، فَآذاهُ مَنْ آذاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: ما يَتَسَتَّرُ هذا التَّسَتُّرَ إِلاّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمّا بَرَص وَإِمّا أُدْرَة انتفاخ الخصية وإِما آفة، وَإِنَّ الله أرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلَى الحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى ثِيابِهِ لِيأْخُذَهَا وَإِنَّ الحَجَرَ عَدَات بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهَ وَطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُول: ثَوْبي حَجَر، ثَوْبِي حَجَر، حَتَّى مَرَّ عَلَى مَلإٍ منْ بَنِي إسْرَائِيل فَرَأَوْهُ أَحَْنَ ما خَلَقَ الله عُرْيَانًا، وَأَبْرَأَهُ ممَّا يَقُولُونَ» الحديث. ﴿وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهًا﴾ أي وكان موسى ذا وجاهة ورفعة ومكانة عند ربه، قال ابن كثير: أي له وجاهة وجاه عند ربه، لم يسأل شيئًا إلا أعطاه ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي راقبوا الله في جميع أقوالكم وأفعالكم، وقولوا قولًا مستقيمًا مرضيًا لله، قال الطبري: أي قولًا قاصدًا غير جائر، حقًا غير باطل ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي يوفقكم لصالح الأعمال ويتقبلها منكم، قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي يمحو عنكم الذنوب والأوزار ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي ومن أطاع الله والرسول فقد نال غاية مطلوبة، ثم لما أرشدهم إلى مكارم الأخلاق، نبّههم على قدر التكاليف الشرعية التي كلّف الله بها البشرية فقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ أي عرضنا الفرائض والتكاليف الشرعية على السموات والأرض والجبالِ الراسيات فأعرضن عن حملها وخفن من ثقلها وشدتها، والغرض تصوير عظم الأمانة وثقل حملها، قال أبو السعود: والمعنى أن تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام التي هي مثل في القوة والشدة وكانت ذات شعور وإِدراك على مراعاتها لأبين قبولها وأشفقن منها وقال ابن جزي: الأمانةُ هي التكاليف الشرعية من التزام الطاعات، وترك المعاصي، وقيل: هي الأمانةُ في الأموال،

495

والصحيحُ العموم في التكاليف، وعرضُها يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الله خلق لها إدراكًا فعرضت عليها الأمانة حقيقةً فأشفقت منها وامتنعت من حلمها، والثاني: أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة وأنها من الثقل بحيث لو عُرضت على السموات والأرضِ والجبال، لأبين من حملها وأشفقن منها، فهذا ضربٌ من المجاز كقولك: عرضتُ الحمل العظيم على الدابة فأبتْ أن تحمله، والمراد أنها لا تقدر على حمله ﴿وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أي وتحمَّلها الإِنسان إنه كان شديد الظلم لنفسه، مبالغًا في الجهل بعواقب الأمور، قال ابن الجوزي: لم يرد بقوله ﴿أبَيْنَ﴾ المخالفة، وإنما أبين للخشية والمخافة، لأن العَرض كان تخييرًا لا إلزامًا ﴿لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات﴾ قال ابن كثير: أي إنما حمَّل بني آدم الأمانة وهي التكاليف ليعذب الله المنافقين الذين يظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر، والمشركين الذين ظاهرهم وباطنهم على الكفر ﴿وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات﴾ أي ويرحم أهل الإيمان، ويعود عليهم بالتوبة والمغفرة والرضوان ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي واسع المغفرة للمؤمنين حي عفا عما سلف منهم، ورحيمًا بهم حيث أثابهم وأكرمهم بأنواع الكرامات.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الإِضافة للتشريف ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي﴾ لأنها لمّا نسب للنبي تشرفت.

2 - الطباق بين ﴿ادخلوا. . و. . انتشروا﴾ وبين ﴿تُبْدُواْ. . و. . تُخْفُوهُ﴾ وبين ﴿ثقفوا. . و. . أُخِذُواْ﴾ .

3 - طباق السلب ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق﴾ .

4 - ذكر الخاص بعد العام ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون. . والمرجفون﴾ والمرجفون هم المنافقين، فعمَّم ثم خصَّص زيادة في التقبيح والتشنيع عليهم.

5 - ذكر اللفظ بصيغة «فعول» و«فعيل» للمبالغة مثل ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ الخ.

6 - الإِتيان بالمصدر مع الفعل للتأكيد ﴿وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلًا﴾ ﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ .

7 - التحسر والتفجع بطريق التمني ﴿يَقُولُونَ ياليتنآ أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ .

8 - التشبيه ﴿لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى﴾ ويسمى التشبيه المرسل المجمل.

9 - الإِستعارة التمثيلية ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال﴾ مثَّل للأمانة في ضخامتها وعظمها وتفخيم شأنها بأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السموات والأرض والجبال وهي من القوة والشدة بأعلى المنازل لأبت عن حملها وأشفقت منها، وهو تمثيل رائع لتهويل شأن الأمانة.

10 - المقابلة اللطيفة بين ﴿لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين والمنافقات﴾ وبين ﴿وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات﴾ وفي ختم السورة بهذه الآية من البدائع ما يسميه علماء البديع «رد العجز على الصدر» لأن بدء السورة كان في ذم المنافقين، وختامها كان في بيان سوء عاقبة المنافقين، فحسن الكلام في البدء والختام.

496

11 - الثانء على الرسول ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ ورد بهذه الصيغة وفيه دقائق بيانية:

أجاء الخبر مؤكدًا «إنَّ» اهتمامًا به.

ب وجيء بالجملة اسمية لإفادة الدوام.

ج وكانت الجملة اسمية في صدرها «إن الله» فعلية في عجزها «يصلون» للإِشارة إلى أن هذا الثناء من الله تعالى على رسوله يتجدد وقتًا فوقتًا على الدوام، فتدبر هذا السر الدقيق.

12 - مراعاة الفواصل لما له من الوقع الحسن على السمع مثل ﴿أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا. . لاَّ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا. . والعنهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ الخ وهو من المحسنات البديعية.

لطيفَة: أشارت الآية الكريمة ﴿قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين﴾ إِلى لطيفة وهي أن الدعوة لا تثمر إِلا إذا بدأ الداعي بها في نفسه وأهله، وهذا هو السر في البدء بالحجاب الشرعي بنساء الروسل وبناته.

«الردُّ على من أباح كشف الوجه، وطائفة من أقوال المفسرين في وجوب سترة»

1 - قال ابن كثير: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجة أن يغطين وجوههن من وفق رؤوسهن بالجلابيب.

2 - وقال ابن الجوزي: في قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ أي يغطين رؤوسهن ووجوههن ليُعلم أنهن حرائر.

3 - وقال أبو السعود: ومعنى الآية أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إِذا برزن لدعاية من الدواعي.

4 - وقال الطبري: أي لا تتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن لئلا يعرض لهن فاسق.

5 - وقال في البحر: والمراد بقوله: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ أي على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهم في الجاهلية هو الوجه.

6 - وقال الجصاص: وفي الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجانب لئلا يطمع فيها أهل الريب. فهذه جملة من أقوال أئمة التفسير في وجوب ستر وجه المرأة، والله يقول الحق ويهدي السبيل.

497