صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 5 - 16

هود

هود

1

اللغة: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ الإِحكام: المنعُ من الفساد يقال: أحكم الأمر إِذا أتى به على وجه لا يتطرأ إِليه خلل أو فساد ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ المكان الذي تأوي إليه في الدنيا ﴿مُسْتَوْدَعَهَا﴾ المكان الذي تصير إِليه بعد الموت ﴿أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ الأمة هنا بمعنى المدة من الزمن أي مدة محدودة من السنين قال القرطبي: والأُمَّة اسم مشترك يطلق على ثمانية أوجه: الجماعة، الملة، الرجل الجامع للخير، الحين والزمن، أتباع الأنبياء الخ ﴿مِرْيَةٍ﴾ شك وارتياب ﴿وَضَلَّ﴾ ضاع وتلاشى ﴿لاَ جَرَمَ﴾ كلمة واحدة بمعنى حقًا وهو قول الخليل وسيبويه ﴿وأخبتوا﴾ خشعوا وخضعوا والإِخباتُ: الذل والخضوع ﴿الأصم﴾ الذي لا يسمع وبه صمم.

سَبَبُ النُّزول: ذكر القرطبي عن ابن عباس أن «الأَخْنس بن شريق» كان رجلًا حلو الكلام وحلو المنطق، يلقى رسول الله ﷺ َ بما يحب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء فأنزل الله ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ. .﴾ الآية.

التفسِير: ﴿الر﴾ إِشارة إِلى إِعجاز القرآن، وأنه مركب من أمثال هذه الحروف الهجائية، وعن ابن عباس أن معناه: أنا الله أرى ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ أي هو كتابٌ جليل القدر، نظمت آياته نظمًا محكمًا، لا يلحقه تناقضٌ ولا خلل ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي بُيّنت فيه أمور الحلال والحرام، وما يحتاج إِليه العباد في أمور المعاش والمعاد ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي من عند الله فصَّلها وبيَّنها الخبير العالم بكيفيات الأمور، ولذا كانت محكمة أحسن الإِحكام ومفصلة أحسن التفصيل ﴿أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله﴾ أي لئلا تعبدوا إلا الله ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي إِنني مرسلٌ إليكم من جهته تعالى، أنذركم بعذابه إِن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم ﴿وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ أي استغفروه من الذنوب وأخلصوا التوبة واستقيموا عليها بالطاعة والإِنابة ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا﴾ أي يمتعكم في هذه الدنيا بالمنافع الجليلة من سعة الرزق، ورغَد العيش ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي إِلى وقتٍ محدَّد هو انتهاء أعماركم ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي ويعطي كل محسنٍ في عمله جزاء إحسانه ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي وإن تتولوا عن الإِيمان وتُعرضوا عن طاعة الرحمن ﴿فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ أي أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، ووصف العذاب بأنه كبير لما فيه من الأهوال الشديدة ﴿إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ﴾ أي إليه جلَّ وعلا رجوعكم بعد الموت ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر على إماتتكم ثم إحيائكم وعلى معاقبة من كذَّب لا يعجزه شيء، وفي الآية تهديد عظيم ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾

5

﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ قال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شريق كان يجالس رسول الله ﷺ َ ويحلف أنه ليحبه ويضمر خلاف ما يظهر وقال القرطبي: أخبر عن معاداة المشركين للنبي ﷺ َ والمؤمنين، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم والمعنى إنهم يطوون صدورهم على عداوة النبي والمؤمنين، يريدون بذلك أن يستخفوا من الله حتى لا يفتضح أمرهم ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ أي حين يتغطون بثيابهم ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي يعلم تعالى ما يُبْطنون وما يُظهرون وكأن الآية تقول: لا تظنوا أن تغطيتكم تحجبكم عن الله بل الله يعلم سرائركم وزواهركم لا تخفى عليه خافية من أحوالكم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي عالم بما في القلوب ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ أي ما من شيء يدب على وجه الأرض من إنسان أو حيوان إِلا تكفَّل الله برزقه تفضلًا منه تعالى وكرمًا، فكما كان هو الخالق كان هو الرازق ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ قال ابن عباس: مستقرها حيث تأوي إِليه من الأرض، ومستودعها الموضع الذي تموت فيه فتدفن ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ أي كلٌّ من الأرزاق، والأقدار، والأعمار، مسطَّرٌ في اللوح المحفوظ ﴿وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي خلقها في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، وفيه الحث للعباد على التأني في الأمور فإِن الإِله القادر على خلق الكائنات بلمح البصر خلقها في ستة أيام ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ أي وكان العرش قبل خلقهما على الماء قال الزمخشري: أي ما كان تحته خلق، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي خلقهن لحكمة بالغة ليختبركم فيظهر المحسنُ من المسيء، ويجازيكم حسب أعمالكم ﴿وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت﴾ أي ولئن قلت يا محمد لأولئك المنكرين من كفار مكة إِنكم ستبعثون بعد موتكم للحساب ﴿لَيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي ليقولنَّ الكفار المنكرون للبعث والنشور ما هذا القرآن إِلا سحرٌ واضح مكشوف ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ أي إِلى مدةٍ من الزمن قليلة ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ أي ليقولُنَّ استهزاءً ما يمنعه من النزول؟ ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ أي ألا فلينتبهوا فإِنه يوم يأتيهم العذاب ليس مدفوعًا عنهم ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي نزل وأحاط بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً﴾ أي أنعمنا على الإِنسان بأنواع النعم من الصحة، والأمن، والرزق وغيرها من النعم ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ أي ثم سلبنا تلك النعم منه ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ أي قنوط من رحمة الله، شديد الكفر به ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ﴾ أي ولئن منحنا الإِنسان نعمة من بعد ما نزل به من الضر، وما أصابه من البلاء، كالفقر والمرض والشدة ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عني﴾ أي انقطع الفقر والضيق والمصائب ولن تصيبني بعد اليوم ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أي بطرٌ بالنعمة مغترٌ بها، متعاظم على الناس بما أُوتي، والآيةُ ذمٌ لمن يقنط عند الشدائد، ويبطر عند النعم ﴿إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي هذه عادة الإِنسان إِلا المؤمنين الذين يصبرون على الضراء، ويفعلون الخير في النعماء، فهم في حالتي المحنة والنعمة محسنون ﴿أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي أولئك

6

الموصوفون بالصفات الحميدة لهم مغفرةٌ لذنوبهم، وأجر كبيرٌ في الآخرة هو الجنة قال في البحر: ووصف الثواب بأنه كبير وذلك لما احتوى عليه من النعيم السرمدي، والأمن من العذاب، ورضا الله عنهم، والنظر إِلى وجهه الكريم ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ كان المشركون يقترحون على رسول الله ﷺ َ أن يأتي بكنز أو يأتي معه ملك، وكانوا يستهزئون بالقرآن فقال الله تعالى له: فعلك يا محمد تاركٌ بعض ما أُنزل إِليك من ربك فلا تبلغهم إِيَّاه لاستهزائهم ﴿وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي ويضيق صدرك من تبليغهم ما نزل عليك من ربك خشية التكذيب، والغرضُ تحريضُه ﷺ َ على تبليغ الرسالة وعدم المبالاة بمن عاداه ﴿أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾ أي لأجل أن يقولوا هلاّ أُنزل عليه مالٌ كثير ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ أي جاء معه ملك يصدّقه كما اقترحنا، قال تعالى محدّدًا مهمته عليه السلام ﴿إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ﴾ أي لست يا محمد إلا منذرًا تخوّف المجرمين من عذاب الله ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي قائم على شئون العباد يحفظ عليهم أعمالهم ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ أي بل أيقولون اختلق محمد هذا القرآن وافتراه من عند نفسه؟ ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ أي إِن كان الأمر كذلك فأتوا بعشر سور مثله في الفصاحة والبلاغة مفتريات فأنتم عرب فصحاء ﴿وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله﴾ أي استعينوا بمن شئتم غير الله سبحانه ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنَّ هذا القرآن مفترى ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ الله﴾ أي فإِن لم يستجب لكم من دعوتموهم للمعاونة وعجزوا عن ذلك فاعلموا أيها المشركون أنما نزل هذا القرآن بوحيٍ من الله ﴿وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي لا ربّ ولا معبود إلا الله الذي أنزل هذا القرآن المعجز ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ لفظه استفهام ومعناه أمرٌ أي فأسلموا بعد ظهور هذه الحجة القاطعة إِذ لم يبق لكم عذر مانع من ذلك، قال في التسهيل: الاستفهام معناه استدعاءً إِلى الإِسلام، وإِلزامٌ للكفار أن يسلموا لما قام الدليل على صحة الإِسلام لعجزهم عن الإِتيان بمثل القرآن ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا﴾ أي من كان يقصد بأعماله الصاحلة نعيم الدنيا فقط لأنه لا يعتقد بالآخرة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي نوفّ إِليهم أجور أعمالهم بما يحبون فيها من الصحة والأمن والرزق ﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ أي وهم في الدنيا لا يُنقصون شيئًا من أجورهم قال قتادة: من كانت الدنيا همَّه ونيّته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يُفضي إِلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها، وأما المؤمن فيُجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة ﴿أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار﴾ أي هؤلاء الذين هدفهم الدنيا ليس لهم في الآخرة إِلا نار جهنم وعذابها المخلَّد ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾ أي بطل ما صنعوه من الأعمال الصالحة لأنهم قد استوفوا في الدنيا جزاءها ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ تأكيدٌ لما سبق أي باطل ما كانوا يعملون في الدنيا من الخيرات ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي أفمن كان على نور واضح، وبرهان ساطع من الله تعالى، وهو النبي ﷺ َ والمؤمنون، وجوابه محذوف أي كمن كان يريد الحياة الدنيا؟ يريد أن بينهما تفاوتًا كبيرًا، وتباينًا بعيدًا، فلا يستوي من أراد الله، ومن أراد الدنيا وزينتها ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ أي ويتبعه شاهد من الله بصدقه قال ابن عباس: هو جبريل عليه السلام ﴿وَمِن﴾

7

﴿قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ أي ومن قبل القرآن كتاب التوراة الذي أنزله الله على موسى قدوةً في الخير ورحمة لمن نزل عليهم ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي أولئك الموصوفون بأنهم على نور من ربهم يصدّقون بالقرآن حق التصديق ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ﴾ أي ومن يكفر بالقرآن من أهل الملل والأديان، فله نار جهنم يردها لا محالة ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ أي فلا تكن في شكٍ من هذا القرآن ﴿إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ أي إنه الحق الثابت المنزّل من عند الله ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي لا يصدّقون أنه تنزيل رب العالمين ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا﴾ أي لا أحد أطغى ولا أظلم ممن اختلق الكذب على الله بنسبة الشريك والولد إِليه ﴿أولئك يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ﴾ أي يُعرضون يوم القيامة في جملة الخلق على خالقهم ومالكهم ﴿وَيَقُولُ الأشهاد هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ﴾ أي ويقول الخلائق والملائكة الذين يشهدون على أعمالهم هؤلاء الذين كذبوا على الله، والغرضُ فضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الأشهاد والتشهيرُ بهم خزيًا ونكالًا ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ لظلمهم وافترائهم على الله، واللعنةُ: الطرد من رحمة الله ﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي يمنعون الناس عن اتِّباع الحق، وسلوك سبيل الهدى الموصل إِلى الله ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي ويريدون أن تكون السبيل معوّجة أي يبغون أن يكون دين الله معوجًا على حسب أهوائهم ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ أي جاحدون بالآخرة منكرون للبعث والنشور ﴿أولئك لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ أي ليسوا مفلتين من عذاب الله وإن أمهلهم ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ أي ليس لهم من يتولاهم أو يمنعهم من عذاب الله ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب﴾ جملة مستأنفة أي يضاعف عليهم العذاب بسبب إِجرامهم وطغيانهم ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ أي سبب تشديد العذاب ومضاعفته عليهم أن الله جعل لهم سمعًا وبصرًا، ولكنهم كانوا صُما عن سماع الحق، عميًا عن اتباعه، فلم ينتفعوا بما منحهم الله من حواس ﴿أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي خسروا سعادة الدنيا والآخرة، وخسروا راحة أنفسهم لدخولهم نار جهنم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي وغاب عنهم ما كانوا يزعمونه من شفاعة الآلهة ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ أي حقًا إِنهم يوم القيامة من أخسر الناس، ولا ترى أحدًا أبينَ خسرانًا منهم، لأنهم آثروا الفانية على الباقية، واستعاضوا عن الجِنان بلظى النيران، ثم لما ذكر تعالى حال الكفار الأشقياء، ذكر حال المؤمنين السعداء فقال ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وأخبتوا إلى رَبِّهِمْ﴾ أي جمعوا مع الإِيمان والعمل الصالح الإِخبات: وهو الاطمئنان إِليه سبحانه والخشوع له والانقطاع لعبادته ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي منعَمون في الجنة لا يخرجون منها أبدًا ﴿مَثَلُ الفريقين﴾ أي فريق المؤمنين وفريق الكافرين ﴿كالأعمى والأصم والبصير والسميع﴾ قال الزمخشري: شبَّه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع، وهو من اللفّ والطباق والمعنى حال الفريقين العجيب كحال من جمع بين العمى والصمم، ومن جمع بين السمع والبصر ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الاستفهام إِنكاري أي لا يستويان مثلًا فليس حال من يبصر نور الحق ويستضيء بضيائه

8

كحال من يخبط في ظلمات الضلالة ولا يهتدي إِلى سبيل السعادة ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي أفلا تعتبرون وتتعظون؟ والغرض التفريق بين أهل الطاعة والإِيمان، وأهل الجحود والعصيان.

البلاغة: 1 - ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ إضافة العذاب إلى اليوم الكبير للتهويل والتفظيع.

2 - ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباقٌ وكذلك بين ﴿نَعْمَآءَ﴾ و﴿ضَرَّآءَ﴾ وبين ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ .

3 - ﴿يَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ من صيغ المبالغة أي شديد اليأس كثير الكفران.

4 - ﴿كالأعمى والأصم﴾ فيه تشبيه مرسل مجمل لوجود أداة التشبيه وحذف وجه الشبه أي مثل الفريق الكافر كالأعمى والأصم في عدم البصر والسمع، ومثل الفريق المؤمن كالسميع والبصير.

لطيفَة: قال بعض الصالحين: الاستغفار بلا إِقلاع عن الذنب توبة الكذابين.

تنبيه: التحدي بعشر سور جاء بعد التحدي بالقرآن الكريم، فلما عجزوا عن الإِتيان بمثل القرآن تحداهم بعشر سور، ثم لما عجزوا تحداهم بالإِتيان بسورة مثله في البلاغة والفصاحة والاشتمال على المغيبات والأحكام التشريعية وأمثالها، وهي الأنواع التسعة وقد نظمها بعضهم بقوله:

ألا إِنما القرآنُ تسعةُ أحرفٍ ... سأنبيكها في بيت شعر بلا مَلَل

حلالٌ، حرامٌ، محكمٌ، متشابهٌ ... بشيرٌ، نذيرٌ، قصةٌ، عظةٌ، مَثَل

9

25

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى عناد الكافرين من أهل مكة، وتكذيبهم لرسول الله ﷺ َ واتهامهم له بافتراء القرآن، ذكر هنا قصة نوح مع قومه الكافرين لتكون كالعظة والعبرة لمن كذّب وعاند، ولتسلية الرسول ﷺ َ بسرد قصص المرسلين وما جرى لهم مع أقوامهم.

اللغَة: ﴿الملأ﴾ أشراف القوم وسادتهم ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ الأراذل هنا: المراد بهم الفقراء والضعفاء والسَّفَلة، وهو جمع أَرْذَل بمعنى السافل الذي لا خَلاَق له ولا يبالي بما يفعل ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ عمي عن كذا، وعمي عليه كذا، بمعنى التبس عليه ولم يفهمه، وخفي عليه أمره ﴿جَادَلْتَنَا﴾ الجدل في كلام العرب: المبالغة في الخصومة ﴿تزدري﴾ تحتقر ﴿صْنَعِ الفلك﴾ السفينة ويطلق على المفرد والجمع ﴿التنور﴾ مستوقد النار ﴿مُرْسَاهَا﴾ رسا الشيء يرسو ثبت واستقر ﴿عَاصِمَ﴾ مانع يقال: / عصمه إذا منعه ومنه الحديث «فقد عصموا مني دماءهم» ﴿غِيضَ﴾ غاض الماء نقص بنفسه وغضتُه أنقصته ﴿الجودي﴾ جبلٌ بقرب المَوْصل.

التفسِير: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ أي أرسلناه رسولًا إلى قومه بعد أن امتلأت الأرض بشركهم وشرورهم ﴿إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي بأني منذرٌ لكم ومخوّف من عذاب الله إن لم تؤمنوا ﴿أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله﴾ أي أرسلناه بدعوة التوحيد وهي عبادة الله وحده ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي إني أخاف عليكم إن عبدتم غيره عذاب يوم شديد مؤملم ﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن﴾

10

﴿قِوْمِهِ﴾ أي قال السادة والكبراء من قوم نوح ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا﴾ أي ما نراك إلا واحدًا مثلنا ولا فضل لك علينا قال الزمخشري: وفيه تعريضٌ بأنهم أحقُّ منه بالنبوة، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحدٍ من البشر لجعلها فيهم ﴿وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي وما اتبعك إلا سفلةُ الناس قال في التسهيل: وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم جهلًا منهم واعتقادًا بأن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كذلك، بل المؤمنون أشرف منهم على فقرهم وخمولهم ﴿بَادِيَ الرأي﴾ أي في ظاهر الرأي من غير تفكر أو رويّة ﴿وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي وما نرى لك ولأتباعك من مزية وشرف علينا يؤهلكم للنبوة، واستحقاق المتابعة ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي بل نظنكم كاذبين فيما تدعونه، أرادوا أن يحجوا نوحًا من وجهين: أحدهما: أن المتبعين له أراذل القوم ليسوا قدوة ولا أسوة، والثاني: أنهم مع ذلك لم يتَروَّوا في اتّباعه، ولا أمعنوا الفكر في صحة ما جاء به، وإنما بادروا إلى ذلك من غير فكرة ولا رويّة، وغرضُهم ألا تقوم الحجة عليهم بأن منهم من آمن به وصدّقه ﴿قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي﴾ تلطف معهم في الخجطاب لاستمالتهم إلى الإِيمان أي قال لهم نوح: أخبروني يا قوم إن كنتُ على برهان وأمرِ جليٍّ من ربي بصحة دعوايَ ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ﴾ أي ورزقني هداية خاصة من عنده وهي النبوة ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي فخفي الأمر عليكم لاحتجابكم بالمادة عن نور الإِيمان ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ أي أنكرهكم على قبولها ونجبركم على الإِهتداء بها والحال أنكم كارهون منكرون لها؟ والاستفهام للإِنكار أي لا نفعل ذلك لأنه لا إكراه في الدين ﴿وياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ أي لا أسألكم على تبليغ الدعوة أجرًا، ولا أطلب على النصيحة مالًا حتى تتهموني ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله﴾ أي ما أطلب ثوابي إلا من الله فإنه هو الذي يثيبني ويجازيني ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا﴾ أي ولست بمبعد هؤلاء المؤمنين الضعفاء عن مجلسي، ولا بطاردهم عني كما طلبتم ﴿إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ﴾ أي إنهم صائرون إلى ربهم، وفائزون بقربه فكيف أطردهم؟ ﴿ولكني أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي ولكنكم قوم تجهلون قدرهم فتطلبون طردهم، وتظنون أنكم خير منهم ﴿وياقوم مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ﴾ أي من يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم وطردتهم؟ ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي أفلا تتفكرون فتعلمون خطأ رأيكم وتنزجرون عنه؟ ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله﴾ أي لا أقول لكم عندي المال الوافر الكثير حتى تتبعوني لغناي ﴿وَلاَ أَعْلَمُ الغيب﴾ أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب حتى تظنوا بي الربوبية ﴿وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي ولا أقول لكم إني من الملائكة أُرسلت أليكم فأكون كاذبًا في دعواي ﴿وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تزدري أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا﴾ أي ولا أقول لهؤلاء الضعفاء الذين آمنوا بي واحتقرتموهم لفقرهم لن يمنحهم الله الهداية والتوفيق [الله أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي أعلم بسرائرهم وضمائرهم ﴿إني إِذًا لَّمِنَ الظالمين﴾ أي إني إن قلت ذلك أكون ظالمًا مستحقًا للعقاب ﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ أي قال قوم نوح لنوحٍ عليه السلام: قد خاصمتنا فأكثرهم خصومتنا ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أي فائتنا بالعذاب الذي كنت تعدنا به إن كنت صادقًا في ما تقول ﴿قَالَ إِنَّمَا﴾

11

﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَآءَ﴾ أي أمر تعجيل العذاب إليه تعالى لا إليَّ فهو الذي يأتيكم به إن شاء ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي ولستم بفائتين الله هربًا لأنكم في ملكه وسلطانه ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ﴾ أي ولا ينفعكم تذكيري إِياكم ونصحي لكم ﴿إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ أي إن أراد الله إضلالكم وهو جواب لما تقدم والمعنى ماذا ينفع نصحي لكم إن أراد الله شقاوتكم وإضلالكم؟ ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي هو خالقكم والمتصرف في شئونكم، وإليه مرجعكم ومصيركم فيجازيكم على أعمالكم ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ أي أيقول كفار قريش اختلق محمد هذا القرآن من عند نفسه ﴿قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ أي قل لهم يا محمد إن كنت قد افتريت هذا القرآن فعليَّ وزري وذنبي، ولا تؤاخذون أنتم بجريرتي ﴿وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي وأنا بريءٌ من إجرامكم بكفركم وتكذيبكم، والآية اعتراضٌ بين قصة نوح للإِشارة إلى أن موقف مشركي مكة كموقف المشركين من قوم نوح في العناد والتكذيب ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ أي أوحى الله إلى نوحٍ أنه لن يتبعك ويصدِّق برسالتك إلا من قد آمن من قبل ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أي فلا تحزن بسبب كفرهم وتكذيبهم لك فإني مهلكهم ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ أي اصنع السفينة تحت نظرنا وبحفظنا ورعايتنا ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي وتعليمنا لك قال مجاهد: أي كما نأمرك ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا﴾ أي لا تشفع فيهم فإني مهلكهم لا محالة ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي هالكون غرقًا بالطوفان ﴿وَيَصْنَعُ الفلك﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ لاستحضارها في الذهن أي صنع نوحٌ السفينة كما علّمه ربُّه ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ أي كلما مرَّ عليه جماعة من كبراء قومه هزءوا منه وضحكوا وقالوا: يا نوحُ كنتَ بالأمس نبيًا، وأصبحتَ اليوم نجارًا!! ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا﴾ أي إن تهزءوا منا اليوم ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ أي فإنّا سنسخر منكم في المستقبل عندما تغرقون مثل سخريتكم منا الآن، فأنتم أولى بالسخرية والاستهزاء ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ وتهديد أي سوف تعلمون عاقبة التكذيب والاستهزاء ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي عذابٌ يُذلُّه ويهينه وهو الغرق ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ أي وينزل عليه عذاب دائم لا ينقطع وهو عذاب جهنم ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي جاء أمرنا الموعود بالطوفان ﴿وَفَارَ التنور﴾ أي فار الماء من التنور الذي يوقد به النار قال العلماء: جعل الله ذلك علامة لنوح وموعدًا لهلاك قومه، وقال ابن عباس: التنور وجهُ الأرض قال الطبري: والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض، قيل له: إذا رأيتَ الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك في السفينة وقال ابن كثير: التنور وجه الأرض أي صارت الأرض عيونًا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماءً، وهذا قول

12

جمهور السلف والخلف ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ أي احمل في السفينة من كل صنفٍ من المخلوقات اثنين: ذكرًا، وأنثى ﴿وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾ أي واحمل قرابتك أيضًا أولادك ونساءك إلا من حكم الله بهلاكه، والمراد به ابنهُ الكافر «كنعان» وامرأته «واعلة» ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي واحمل معك من آمن من أتباعك ﴿وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ أي وما آمن بنوح إلا نزرٌ يسير مع طول إقامته بينهم وهي مدة تسعمائة وخمسين سنة، قال ابن عباس: كانوا ثمانين نفسًا منهم نساؤهم، وعن كعب: كانوا اثنين وسبعين نفسًا، وقيل: كانوا عشرة ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا﴾ أي وقال نوح لمن آمن به اركبوا في السفينة، باسم الله يكون جريُها على وجه الماء، وباسم الله يكون رسوُّها واستقرارها قال الطبري: المعنى بسم الله حين تجري وحين تُرسي، أي حين تسير وحين تقف ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي ساتر لذنوب التائبين، رحيمٌ بالمؤمنين حيث نجاهم من الغرق ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجبال﴾ أي والسفينة تسير بهم وسط الأمواج، التي هي كالجبل في العِظَم والارتفاع، بإذن الله وعنايته ولطفه قال الصاوي: رُوي أن الله أرسل المطر أربعين يومًا وليلة، وخرج الماء من الأرض ينابيع كما قال تعالى

﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُونًا فَالْتَقَى المآء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: 11 - 12] وارتفع الماء على أعلى جبل أربعين ذراعًا حتى أغرق كل شيء ﴿ونادى نُوحٌ ابنه وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ أي ونادى نوحٌ ولده «كنعان» قبيل سير السفينة وكان في ناحيةٍ منها لم يركب مع المؤمنين ﴿يابني اركب مَّعَنَا﴾ أي اركب معنا ولا تهلكْ نفسك بالغرق ﴿وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين﴾ أي فتغرق كما يغرقون ﴿قَالَ سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء﴾ أي سأصعد إلى رأس جبل أتحصن به من الغرق، ظنًا منه أن الماء لا يصل إلى رءوس الجبال ﴿قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ أي قال له أبوه نوح: لا معصوم اليوم من عذاب الله ولا ناجي من عقابه إلا من رحمه الله ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فَكَانَ مِنَ المغرقين﴾ أي حال بين نوحٍ وولده موجُ البحر فغرق ﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ﴾ أي انشقي وابتعلي ما على وجهك من الماء ﴿وياسمآء أَقْلِعِي﴾ أي أمسكي عن المطر ﴿وَغِيضَ المآء﴾ أي ذهب في أغوار الأرض قال مجاهد: نقص الماء ﴿وَقُضِيَ الأمر﴾ أي تمَّ أمر الله بإغراق من غرق، ونجاة من نجا ﴿واستوت عَلَى الجودي﴾ أي استقرت السفينة على جبل الجودي بقرب الموصل ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ أي هلاكًا وخسارًا لمن كفر بالله وهي جملة دعائية قال الألوسي: ولا يخفى ما في الآية من الدلالة على عموم هلاك الكفرة، بل على عموم هلاك أهل الأرض ما عدا أهل السفينة، ويدل عليه ما رُوي أن الغرقَ أصاب امرأة معها صبيٌّ لها فوضعته على صدرها، فلما بلغها الماء وضعته على منكبها، فلما بلغها الماء رفعته بيديها، فلو رحم الله أحدًا من أهل الأرض لرحمها ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ أي نادى نوح ربَّه متضرعًا إليه فقال: ربِّ إن ابني «كنعان» من أهلي وقد وعدتني بنجاتهم ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق﴾ أي وعدك حقٌ لا خُلْف فيه ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ أي وأنت يا ألله أعدل الحاكيم بالحق ﴿قَالَ﴾

13

﴿يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي قال له ربه: يا نوحُ إنَّ ولدك هذا ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر ولا ولاية بين المؤمن والكافر ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ إي إنَّ عمله سيءٌ غير صالح ﴿فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي لا تطلب مني أمرًا لا تعلم أصوابٌ هو أم غير صواب؟ ﴿إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ أي إني أنبهك وأنصحك خشية أن تكون من الجاهلين قال في التسهيل: وليس في ذلك وصفٌ له بالجهل، بل فيه ملاطفةٌ وإكرام ﴿قَالَ رَبِّ إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي قال نوح معتذرًا إلى ربه عمّا صدر عنه: ربّ إني أستجير بك من أن أسألك أمرًا لا يليق بي سؤاله ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وترحمني أَكُن مِّنَ الخاسرين﴾ أي وإلا تغفر لي زلتي، وتتداركني برحمتك، أكنْ ممن خسر آخرته وسعادته ﴿قِيلَ يانوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا﴾ أي اهبط من السفينة بسلامة وأمن ﴿وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ أي وخيرات عظيمة عليك وعلى ذرية من معك من أهل السفينة، قال القرطبي: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أي وأمم أخرى من ذرية من معك نمتعهم متاع الحياة الدنيا وهم الكفرة المجرمون ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي ثم نذيقهم في الآخرة العذاب الأليم وهو عذاب جهنم ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ أي هذه القصة وأشباهها من أخبار الغيوب السالفة التي لم تشهدها ﴿نُوحِيهَآ إِلَيْكَ﴾ أي نعلمك بها يا محمد بواسطة الوحي ﴿مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا﴾ أي لم يكن عندك ولا عند أحدٍ من قومك علمٌ بها من قبل هذا القرآن ﴿فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي فاصبر على أمر الله بتبليغ الدعوة كما صبر نوح، فإن العاقبة المحمودة لمن اتقى الله، وفيه تسلية له ﷺ َ على أذى المشركين.

البَلاَغَة: 1 - ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ شبّه الذي لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه، بمن سلك مفازةً لا يعرف طرقها ومسالكها، واتبع دليلًا أعمى فيها على سبيل الاستعارة التمثيلية.

2 - ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ الاستفهام للإنكار والتقريع.

3 - ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ الأمر يراد به التهكم والاستهزاء.

4 - ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ مجاز بالحذف أي عقوبة إجرامي وجاء ب ﴿إِنِ﴾ الدالة على الشك لبيان أنه على سبيل الفرض ﴿إِنِ افتريته﴾ بخلاف إجرامهم فإنه محقّق ﴿وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ .

5 - ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ الأعين كناية عن الرعاية والحفظ يقال للمسافر «صحبتك عين الله» أي رعاية الله وحفظه.

6 - ﴿ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي﴾ بين الأرض والسماء طباقٌ، وبين ابلعي وأقعلي جناسٌ ناقص، وكلاهما من المحسنات البديعية.

فَائِدَة: قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ كان ابنه من صلبه، ولكنه لم يكن

14

مؤمنًا، وما بغت امرأة نبيٍّ قط ومعنى الآية: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك.

أقول: نبهت الآية على أن أهله هم الصلحاء، أهل دينه وشريعته، فمن لا صلاح له لا نجاة له، ومدار الأهلية القرابة الدينية، لا القرابة البدنية.

أبي الإِسلام لا أبَ لي سواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم

لطيفَة: روي أن أعرابيًا سمع هذه الآية ﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي ...﴾ الآية فقال: هذ كلام القادرين لا يشبه كلام المخلوقين، ويروى أن «ابن المقفع» - وكان أفصح أهل زمانه - رام أن يعارض القرآن فنظم كلامًا، وجعله مفصلًا، وسمّاه سورًا، فمرَّ يومًا بصبي فسمعه يقرأ الآية فرجع إلى بيته ومحا ما كان قد بدأ به، وقال: أشهد أن هذا لا يُعارض أبدًا، وما هو من كلام البشر.

تنبيه: هذه الآية بلغت من أسرار الإِعجاز غايتها، وحوت من بدائع الفوائد نهايتها، وجمعت من المحاسن اللفظية والمعنوية ما يضيق عنه نطاق البيان، وقد اهتم بإظهار لطائفها وأسرارها العلاّمة أبو حيان حيث قال رحمه الله وطيَّب ثراه: في هذه الآية أحد وعشرون نوعًا من البديع: المناسبةُ في قوله ﴿أَقْلِعِي﴾ و﴿ابلعي﴾ والمطابقةُ بذكر الأرض والسماء، والمجازُ في ﴿ياسمآء﴾ المراد مطر السماء، والاستعارةُ في ﴿أَقْلِعِي﴾ والإِشارة في ﴿وَغِيضَ المآء﴾ فإنها إشارة إلى معانٍ كثيرة، والتمثيلُ في ﴿وَقُضِيَ الأمر﴾ عبّر بالأمر عن إهلاك الهالكين ونجاة الناجين، والإِرداف في ﴿واستوت عَلَى الجودي﴾ فلفظ واستوت كلام تامٌ أردفه بلفظ ﴿عَلَى الجودي﴾ قصدًا للمبالغة في التمكن بهذا المكان، والتعليلُ في ﴿وَغِيضَ المآء﴾ فإنه علة للاستواء، والاحتراسُ في ﴿بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ وهو أيضًا ذم لهم، والإِيجاز وهو ذكر القصة باللفظ القصير مستوعبًا للمعاني الجمَّة، وعدَّد بقية الوجوه وهي: الإِيضاحُ، والمساواة، وحسنُ النَّسق، وصحة التقسيم، وحسن البيان، والتمكين، والتجنيس، والتسهيم، والمقابلة، والتهذيب، والوصف.

«مقتطفات من تفسير سيد قطب في ظلال القرآن»

وننقل هنا فقراتٍ من تفسير شهيد الإسلام «سيد قطب» عليه الرحمة والرضوان حيث قال ما نصه: «وعند هذا المقطع من قصة نوح يلتفت السياقُ لفتةً عجيبة، إلى استقبال مشركي قريش لمثل هذه القصة التي تشبه أن تكون قصَّتهم مع الرسول ﷺ َ ودعواهم أن محمدًا يفتري هذا القصص ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ فالافتراء إجرام وعليَّ تبعته، وأنا أعرف أنه إجرام فمستبعدٌ أن أرتكبه، وهذا الاعتراضُ لا يخالف سياق القصة في القرآن لأنها إنما جاءت لتأدية غرض معيَّن، ثم يمضي السياقُ في قصة نوح يعرض مشهدًا ثانيًا، مشهد نوح يتلقى وحي ربه وأمره ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ أي برعايتنا وتعليمنا ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ فقد

15

تقرر مصيرهم، وانتهى الإِنذار، وانتهى الجدل.

والمشهد الثالث من مشاهد القصة: مشهدُ نوح يصنع الفلك ﴿وَيَصْنَعُ الفلك وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ والتعبير بالمضارع هو الذي يعطي المشهد حيويته وجدَّته، فنحن نراه ماثلًا لخيالنا من وراء هذا التعبير، وقومه المتكبرون يمرون به فيسخرون، يسخرون من الرجل الذي كان يقول لهم إنه رسول ثم إذا هو ينقلب نجارًا يصنع مركبًا، والمشهد الرابع: مشهد التعبئة عندما حلت اللحظة المرتقبة ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين. .﴾ ثم يأتي المشهد الهائل المرهوب: مشهد الطوفان ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجبال ... وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فَكَانَ مِنَ المغرقين﴾ إن الهول هنا هولان: هولٌ في الطبيعة الصامتة، وهولٌ في النفس البشرية يلتقيان. وإننا بعد آلاف السنين لنمسك أنفسنا - ونحن نتابع السياق - والهولُ يأخذنا كأننا نشهد المشهد، ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجبال﴾ ونوحٌ الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء، وابنه الفتى المغرور يأبى إجابة الدعاء، والموجة الغامرة تحسم الموقف في سرعة خاطفة راجفة ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فَكَانَ مِنَ المغرقين﴾ وينتهي كل شيء، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب، وتلك سمة بارزة في تصوير القرآن، وتهدأ العاصفة، ويخيّم السكون، ويقضى الأمر، ويوجه الخطاب إلى الأرض والسماء بصيغة العاقل، فتستجيب كلتاهما للأمر الفاصل، فتبلع الأرض وتكف السماء ﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ .

16