صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 172 - 183

21

21

المنَاسَبَة: لما حكى تعالى ضلالات بني إِسرائيل، وبيَّن أن القرآن نور وهداية لمن تمسَّك به، أعقبه ببيان أنه لا يتساوى المؤمن مع الكافر، ولا البر مع الفاجر، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ثم ذكر الأدلة على البعث والنشور.

اللغَة: ﴿اجترحوا﴾ اكتسبوا والاجتراحُ الاكتساب ومنه الجوارح ﴿غِشَاوَةً﴾ غطاء وغثَّى الشيءَ غطَّاه ﴿جَاثِيَةً﴾ باركةً على الركب لشدة الهول جثا بحثو إِذا قعد على ركبتيه ﴿نَسْتَنسِخُ﴾ استنسخ الشيء أمر بكتابته وتدوينه ﴿حَاقَ﴾ نزل وأحاط ﴿يُسْتَعَتَبُونَ﴾ يُطلب منهم إِرضا ربهم يقال: استعتبتهُ فأعتبني أي استرضيتُه فقبل مني عذري ﴿الكبريآء﴾ العظمة والمُلك والجلال.

سَبَبُ النّزول: روي أن أبا جهلٍ طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثنا في شأن النبي ﷺ َ فقال أبو جهل: واللهِ إني لأعلم أنه لصادق، فقال له: مهْ، وما دلَّك على ذلك؟ فقال يا أبا عبد شمسٍ: كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تمَّ عقلهُ وكمُل رشده نسميه الكذاب الخائن! ﴿والله إني لأعلم أنه لصادق، قال: فما يمنعك أن تصدّشقه وتُؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني اتبعت أبي طالب من أجل كسْرة واللاتِ والعُزَّى لا أتَّبعه أبدًا فنزلت {}

172

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ. .﴾ الآية.

التفسِير: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات﴾ الاستفهام للإِنكار والمعنى هل يظنُّ الكفار الفجار الذين اكتسبوا المعاصي والآثام ﴿أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي نجعلهم كالمؤمنين الأبرار ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ أي نساوي بينهم في المحيا والممات؟ لا يمكن أن نساوي بين المؤمنين والكفار، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فإِن المؤمنين عاشو على التقوى والطاعة، والكفار عاشوا على الكفر والمعصية، وشتان بين الفريقين كقوله ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18]؟ قال مجاهد: المؤمنُ يموت مؤمنًا ويُبعث مؤمنًا، والكافر يموت كافرًا ويُبعث كافرًا ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي ساء حكمهم في تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين قال ابن كثير: ساء ما ظنّوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأَبرار والفجار، فكما لا يُجتنى من الشوك العنبُ، كذلك لا ينال الفُجَّار منازل الأبرار ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ أي وخلق الله السموات والأرض بالعدل والأمر الحقِّ ليدل بهما على قدرته ووحدانيته ﴿ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي ولكي يُجزى كل إِنسان بعمله، وبما اكتسب من خير أو شر، دون أن يُنقص في ثوب المؤمن أو يُزاد في عذاب الكافر قال شيخ زاده: لمّا خلق تعالى السموات والأرض لإِجل إِظهار الحق، وكان خلقهما من جملة حكمته وعدله، لزم من ذلك أن ينتقم من الظالم لأجل المظلوم، فبثت بذلك حشر الخلائق للحساب ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ أي أخبرني يا محمد عن حال من ترك عبادة الله وعبد هواه﴾ ! قال في البحر: أي هو مطواعٌ لهوى نفسه يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلَهه قال ابن عباس: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئًا إلاّ ركبه ﴿وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ﴾ أي وأضلَّ الله ذلك الشقي في حال كونه عالمًا بالحق غير جاهل به، فهو أشدُّ قبحًا وشناعةً ممن يضل عن جهل، لأنه يُعرض عن الحقِّ والهُدى عنادًا كقوله تعالى

﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14] ﴿وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ أي وطبع على سمعه وقلبه بحث لا يتأثر بالمواعظ، ولا يتفكر في الآيات والنُّذر ﴿وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ أي وجعل على بصره غطاء حتى لا يبصر الرشد، ولا يرى حجة يستضيء بها ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله﴾؟ أي فمن الذي يستطيع أن يهديه بعد أن أضله الله؟ لا أحد يقدر على ذلك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي أفلا تعتبرون أيها الناس وتتعظون؟ قال الصاوي: وصف تعالى الكفار بأربعة أوصاف: الأول: عبادة الهوى، والثاني: ضلاله على علم الثالث: الطبع على أسماعهم وقلوبهم الرابع: جعل الغشاوة على أبصارهم، وكلَّ وصفٍ منها مقتضٍ للضلالة، فلا يمكن إِيصال الهدى إليهم بوجهٍ من الوجوه. . ثم حكى تعالى عن المشركين شبهتهم في إنكار القيامة، وفي إِنكار الإِله القادر العليم فقال ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي وقال المشركون: لا حياة إلا هذه الحياة

173

الدنيا، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، ولا آخرة، ولا بعث، ولا نشور قال ابن كثير: هذا قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إِنكار المعاد، ومرادهم ما ثمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وليس هناك معادٌ ولا قيامة، وهذا قول الفلاسفة الدهريين، المنكرين للصانع، المعتقدين أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ أي وما يهلكنا إلا مرورُ الزمان، وتعاقبُ الأيام قال الرازي: يريدون أن الموجب للحياة والموت تأثيراتُ الطبائع وحركاتُ الأفلاك، ولا حاجة إلى إثبات الخالق المختار، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإِله وبين إِنكار البعث والقيامة، قال تعالى ردًا عليهم ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي وليس لهم مستندٌ من عقل أو نقل، ولذلك أنكروا وجود الله من غير حجةٍ ولا بنية ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ أي ما هم إلا قوم يتوهمون ويتخيلون، يتكلمون بالظن من غير يقين ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي وإِذا قرئت آياتُ القرآن على المشركين، واضحات الدلالة على البعث والنشور ﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي ما كان متمسكهم في دفع الحق الصريح إلا أن يقولوا: أحيْوا لنا آباءنا الأولين، إن كان ما تقولونه حقًا، سُمِّيَ قولهم الباطل حجةً على سبيل التهكم ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي قل لهم يا محمد: اللهُ الذي خلقكم ابتداءً حين كنتم نُطفًا هو الذي يميتكم عند انقضاء آجالكم، لا كا زعمتم أنكم تحيون وتموتون بحكم الدهر ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي ثم بعد الموت يبعثكم للحساب والجزاء كما أحياكم في الدنيا، فإِنَّ من قدر على البدء قدر على الإِعادة، والحكمةُ اقتضت الجمع للجزاء في يوم القيامة، الذي لا شك فيه ولا ارتياب ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي ولكنَّ أكثر الناس لجهلهم وقصورهم في النظر والتفكر، لا يعلمون قدرة الله فينكرون البعث والجزاء.

. ثم بيَّن إمكان الحشر والنشر ذكر تفاصيل أحوال يوم القيامة فقال ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي هو جل وعلا المالك لجميع الكائنات العلوية والسفلية ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون﴾ أي ويوم القيامة يخسر الكافرون الجاحدون بآيات الله ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي وترى أيها المخاطب كل أمةٍ من الأمم جالسةً على الركب من شدة الهول الفزع، كما بحثوا الخصوم بين يدي الحاكم بهيئة الخائف الذليل قال ابن كثير: وهذا إذا جيء بجهنم فإِنها تزفر زفرةً لا يبقى أحدٌ إلا جثا على ركبتيه ﴿كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كِتَابِهَا﴾ أي كلُّ أمةٍ من تلك الأمم تُدعى إلى صحائف أعمالها ﴿اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال لهم: في هذا اليوم الرهيب تنالون جزاء أعمالكم من خيرٍ أو شر ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي هذا كتابُ أعمالكم يشهد عليكم بالحق من غير زيادةٍ ولا نقصان قال في التسهيل: فإِن قيل: كيف أضاف الكتاب تارةً إليهم وتارةً إلى الله تعالى؟ فالجواب أنه أضافه إليهم لأن أعمالهم ثابتةٌ فيه، وأضافه إلى الله تعالى لأنه مالكه وأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي كنَّا نأمر الملائكة بكتابة أعمالكم، وإثباتها عليكم قال المفسرون: تنسخ هنا بمعنى تكتب، وحقيقة النسخ هو

174

النقل من أصلٍ آخر، وقال ابن عباس: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابل الملائكة الموكلون بديوان الأعمال ما كتبه الحفظة، مما قد أُبز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، ما كتبه الله في القِدم على العباد قب لأن يخلقهم، فلا يزيد حرفًا ولا ينقص حرفًا، فذلك هو الاستنساخ، وكان ابن عباس يقول: ألستم عربًا، هل يكون الاستنساخ إالا من أصل؟ ثم بيَّن تعالى أحوال كلٍ من المطيعين والعاصين فقال ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي فأما المؤمنون الصالحون المتقون لله في الحياة الدنيا، فيدخلهم الله في الجنة، سُميت الجنة رحمةً لأنها مكان تنزل رحمةِ الله ﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ أي ذلك هو الفوز العظيم، البيّن الظاهر الذي لا فوز وراءه ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ أي وأمَّا الكافرون فيقال لهم توبيخًا وتقريعًا: أفلم تكن الرسل تتلو علكيم آيات الله؟ ﴿فاستكبرتم وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ أي فتكبرتم عن الإِيمان بها، وأعرضتم عن سماعها، وكنتم قومًا مغرقين في الإِجرام ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي وإِذا قيل لكم إن البعث كانئ لا محالة ﴿والساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ أي والقيامة آتيةٌ لا شك في ذلك ولا ريب ﴿قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا الساعة﴾ أي قلتم لغاية عتوكم، أيُّ شيء هي؟ أحقٌّ أم باطل؟ قال البيضاوي: قالوا هذا استغرابًا واستبعادًا وإِنكارًا لها ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا﴾ أي لا نصدِّق بها ولكن نسمع الناس يقولون: إنَّ هناك آخرة فنتوهم بها توهمًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أي ولسنا مصدِّقين بالآخرة يقينًا، وهذا تأكيد منهم لإِنكار القيامة ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي وظهر لهم في الآخرة قبائح أعمالهم ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي ونزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي ويقال لهم: اليوم نتركُكم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، كما تركتم الطاعة التي هي الزادد ليوم المعاد فلم تعملوا لآخرتكم ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار﴾ أي ومستقركم في نار جهنم ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي وليس لكم من ينصركم ويخلصكم من عذاب الله ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُوًا﴾ أي إِنما جازيناكم هذا الجزاء، بسبب أنكم سخرتم من كلام الله واستهزأتم به ﴿وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ أي خدعتكم الدنيا بزخارفها وأباطيلها، حتى ظننتم ألاَّ حياة سواها، وألاَّ بعث ولا نشور ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ أي فاليوم لا يُخْرجون من النار، ولا يُطلبُ منهم أن يرضوا ربَّهُم بالتوبة والطاعة لعدم نفعها يومئذٍ ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فلله الحمد خاصة لا يستحق الحمد أحدٌ سواه لأنه الخالق والمالك لجميع المخلوقات والكائنات ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض﴾ أي وله العظمة والجلال، والبقاء والكمال في السموات والأرض ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي الغالب الذي لا يغلب، الحكيم في صنعه وفعله وتدبيره.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - التأكيد بأنَّ واللام ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لآيَاتٍ﴾ [الجاثية: 3] لأن المخاطبين منكرون لوحدانية الله.

175

2 - صيغة المبالغة ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية: 7] .

3 - الأسلوب التهكمي ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية: 8] .

4 - المجاز المرسل ﴿وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ﴾ [الجاثية: 5] أي مطر، مجاز مرسل علاقته المسببية لأن الرزق لا ينزل من السماء، ولكن ينزل المطر الذي ينشأ عنه النبات والرزق.

5 - التشبيه المرسل ﴿يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الجاثية: 8] أي كأنه لم يسمع آيات القرآن.

6 - المبالغة بذكر المصدر ﴿هذا هُدًى﴾ [الجاثية: 11] كأن القرآن لوضوع حجته عين الهُدى.

7 - الإِطناب بتكرار اللفظ ﴿سَخَّرَ لَكُمُ البحر. . وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الجاثية: 1213] لإِظهار الامتنان.

8 - طباق السلب ﴿فاتبعها وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18] .

9 - المجاز المرسل ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في الجنة لأنها مكان تنزل رحمة الله.

10 - الطباق بين ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [الجاثية: 15] وبين ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ وبين ﴿يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ .

11 - الاستعارة التصريحية ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم، والاستعارة هنا أبلغ من الحقيقة، لأن شهادة الكتاب ببيانه أقوى من شهادة الإِنسان بلسانه.

12 - الالتفات ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة لإِسقاطهم من رتبة الخطاب.

13 - الاستعارة التمثيلية ﴿اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ مثَّل تركهم في العذاب بمن حُبس في مكانٍ ثم نسيه السَّجان من الطعام والشراب حتى هلك بطريق الاستعارة التمثيلية، والمراد من الآية نترككم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، لأن الله تعالى لا ينسى ولا يعرض عليه النسيان.

176

الأحقاف

1

اللغَة: ﴿شِرْكٌ﴾ شركة ونصيب ﴿أَثَارَةٍ﴾ بقية من الشيء ﴿تُفِيضُونَ﴾ الإِفاضة في الشيء: الخوضُ فيه والاندفاع يقال: أفاضوا في الحديث اندفعوا فيه، وأفاض الناس من عرفات أي دفعوا منها ﴿بِدْعًا﴾ البدع بالكسر الشيء المبتدع قال الرازي: والبِدعُ والبديع من كل شيء المبدع، والبدعة ما اخترع مما لم يكن موجودًا قبله بحكم السُنَّة ﴿إِفْكٌ﴾ كذب ﴿كُرْهًا﴾ بكرةٍ ومشقة ﴿فِصَالُهُ﴾ فطامه ﴿أوزعني﴾ ألهمني ﴿أُفٍّ﴾ كلمة تضجّر وتبرم ﴿خَلَتِ﴾ مضت.

التفسِير: ﴿حم﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن وأنه منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية ﴿تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ أي هذا الكتاب المجيد منزَّل من عند الإِله العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه ﴿مَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ أي ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات عبثًا، وإِنما خلقناهما خلقًا متلبسًا بالحكمة، لندل على وحدانيتنا وكمال قدرتنا ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي وإِلى زمنٍ معيَّن هو زمن فنائهما يوم القيامة {}

178

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48] ﴿والذين كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾ أي وهؤلاء الكفار معرضون عما خُوّفوه من العذاب ومن أهوال الآخرة، لا يتفكرون فيه لا يستعدون له. . ثم لما بيَّن وجود الإِله العزيز الحكيم ردَّ على عبدة الأصنام فقال ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخبروني عن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، وتزعمون أنا ألهة ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض﴾؟ أي أرشدوني وأخبروني أيَّ شيءٍ خلقوا من أجاء الأرض، وممَّا على سطحها من إِنسان أو حيوان؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات﴾؟ أي أمْ لهم مشاركة ونصيب مع الله في خلق السموات؟ ﴿ائتوني بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هاذآ﴾ أي هاتوا كتابًا من الكتب المنزلة من عند الله قبل هذا القرآن يأمركم بعبادة هذه الأصنام؟ وهو أم تعجيز لأنهم ليس لهم كتابٌ يدل على الإِشراك بالله، بل الكتب كلُّها ناطقة بالتوحيد ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ أي أو بقية من علمٍ من علوم الأولين شاهدة بذلك ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي إن كنتم صادقين في دعواكم أنها شركاء مع الله قال في البحر: طلبمنهم أن يأتوا بكتابٍ يشهد بصحة ما هم عليه من عبادة الله، أو بقيةٍ من علوم الأولين، والغرضُ توبيخهم لأن كل كتاب الله المنزَّشلة ناطقة بالتوحيد وإِبطال الشرك، فليس لهم مستند من نقل أو عقبل. . ثم أخبر تعالى عن ضلال المشركين فقال ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القيامة﴾؟ أي لا أحد أضلُّ وأجهل ممن يعبد أصنامًا لا تسمع دعاء الداعين، ولا تعهلم حاجاتِ المحتاجين، ولا تستجيب لمن ناداها أبدًا لأنها جمادات لا تسمع ولا تعقل ﴿وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أي وهم لا يسمعون ولا يفهمون دعاء العابدين، وفيه تهكم بها وبعبدتها، وإِنما ذكر الأصنام بضمير العقلاء، لأنهم لما عبدوها ونزَّلوها منزلة من يضر وينفع، صحَّ أن توصف بعدم الاستجابة وبعد السمع والنفع، مجاراة لزعم الكفار ﴿وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً﴾ أي وإِذا جمع الناس للحساب يوم القايمة كانت الأصنام أعداءً لعابديها يضرونهم ولا ينفعونهم ﴿وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ أي وتتبرأ الأصنام من الذين عبدوها قال المفسرون: إن الله تعالى يحيي الأصنام يوم القيامة فتتبرأ من عابديها وتقول

﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: 63] وهذه الآية كقوله تعالى ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82] واللهُ على كل شيء قدير ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي وإِذا قرئت عليهم آيات القرآن واضحات ظاهرات أنها من كلام الله ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ أي قال الكافرون عن القرآن الحق لما جاءهم من عند الله ﴿هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي هذا سحرٌ لا شبهة فيه ظاهر كونه سحرًا، وإنما وضع الظاهر ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ موضع الضمير تسجيلًا عليهم بكمال الكفر والضلالة قال في البحر: وفي قوله ﴿لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ تنبيه على أنهم لم يتأملوا ما يُتلى عليهم، بل بادروا أول سماعه إلى نسبته إلى السحر عنادًا وظلمًا، ووصفوه بأنه ﴿مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر أنه سحر لا شبهة فيه ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ أي أيقولون اختلق محمد هذا القرآن وافتراه من تلقاء نفسه؟ وهو إِنكار توبيخي ﴿قُلْ إِنِ افتريته فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ الله شَيْئًا﴾

179

أي قل إن افتريتُه على سبيل الفرض فالله حسبي في ذلك كوهو الذي يعاقبني على الافتراء عليه، ولا تقتدرون أنتم على أن تردُّوا عني عذاب الله، فكيف أفتريه من أجلكم وأتغرض لعقابه؟ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي هو جل وعلا أعلمُ بما تخوضون في القرآن وتقدحون به من قولكم هو شعر، هو سحر، هو افتراء، وغير ذلك من وجوه الطعن ﴿كفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي كفى أن يكون تعالى شاهدًا بيني وبينكم، يشهد لي بالصدق والتبليغ، ويشهد عليكم بالجحود والتكذيب ﴿وَهُوَ الغفور الرحيم﴾ أي وهو الغفور لمن تاب، الرحيم بعابده المؤمنين قال أبو حيان: وفيه وعدٌ لهم بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر، وإِشعارٌ بحلمه تعالى عليهم إِذْ لم يعالجهم بالعقوبة ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرسل﴾ أي لست أول رسول طرق العالمم، ولا جئت بأمرٍ لم يجىء به أحدٌ قبلي، بل جئت بما جاء به ناسٌ كثيرون قبلي، فلأيّ شيءٍ تنكرون ذلك عليَّ؟ والبدْعُ والبديعُ من الأشياء هو الذي لم يُر مثله قال ابن كثير: أي ما أنا بالأمر الذى لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إليكم، فقد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم ﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ أي ولا أدري بما يقضي الله عليَّ وعليكم، فإن قدر الله مغيَّب ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾ أي لا أتبع إلا ما ينزله اللهُ عليَّ من الوحي، ولا أبتدع شيئًا من عندي ﴿وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي وما أنا إلا رسولٌ منذرٌ لكم من عذاب الله، بيّن الإِنذار بالشواهد الظاهرة، والمعجزات الباهرة ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي قل يا محمد: أخبروني يا معشر المشركين إن كان هذا القرآن كلام الله حقًا وقد كذبتم به وجحتموه وجوابه محذوف تقديره: كيف يكون حالكم؟ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ فَآمَنَ واستكبرتم﴾ أي وقد شهد رجل من علماء بني إِسرائيل على صدق القرآن، فآمن به واستكبرتم أنتم عن الإِيمانت، كيف يكون حالكم، ألستم أض الناس وأظلم الناس؟ قال الزمخشري: وجوابُ الشرط محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ودلَّ على هذا المحذوف قوله تعالى ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أي لا يوفق للخير والإِيمان من كان فاجرًا ظالمًا قال المفسرون: والشاهدُ من بني إسرائيل هو «عبد الله بن سلام» وذلك حين قدم رسول الله ﷺ َ المدينة جاء إليه ابن سلام ليمتحنه، فلما نظر إلى وجهه علم أن ليس بوجه كاذب، وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر، فقال له: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعملهنَّ إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أُمه؟ فلما أجابه ﷺ َ قال: أشهد أنك رسول الله حقًا.

. الخ ثم ردَّ تعالى على شبهةٍ أخرة من شبه المشركين فقال ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ﴾ أو وقال كفار مكة في حق المؤمنين: لو كان هذا القرآن والدين خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء الضعفاء!! وقال ابن كثير: يعنون «بلالًا» و«عمارًا» و«صيهبًا» و«خبابًا» وأشباههم من المستضعَفين والعبيد والإِماء ممن أسلم

180

وآمن بالنبي ﷺ َ ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هاذآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أيم ولمّا لم يهتدوا بالقرآن مع وضوح إِعجازه، قالوا هذا كذبٌ قديم مأثور عن الأقدمين، أتى به محمد ونسبه إلى الله تعالى ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ أي ومن قل القرآن التوراة التي أنزلها الله على موسى قدوةً يؤتم بها في دين الله وشرائعه كا يؤتم بالإِمام، ورحمة لمن آمن بها وعمل بما فيها قال الإِمام الفخر: ووجه تعلق الآية بما قبلها أن المشركين طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء الصعاليك، فردَّ الله عليهم بأنكم لاتنازعون أن الله أنزل التوراة على موسى، وجعل هذا الكتاب التوراة إمامًا يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد ﷺ َ فإِذا سلمتم كونها من عند الله، فاقبلوا حكمها بأن محمد ﷺ َ رسولٌ حقًا من عند الله ﴿وهذا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي وهذا القرآن كتاب عظيم الشأن، مصدّقٌ للكتب قبله بلسانٍ عربي فصيح، فكيف ينكرونه وهو أفصح بيانًا، وأظظهر رهانًا، وأبلغ إعجازًا من التوراة؟ ﴿لِّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي ليخوِّف كفار مكة الظالمين من عذاب الجحيم، ويبشر المؤمنين المحسنين بجنات النعيم.

. ولما بيَّن تعالى أحوال المشركين المكذبين بالقرآن، أردفه بذكر أحوال المؤمنين المستقيمين على شريعة الله فقال ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾ أي جمعوا بين الإِيمان والتوحيد والاستقامة على شريعة الله ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي فلا يلحقهم مكروهٌ في الآخرة يخافون منه ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا في الدنيا ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي أولئك المؤمنون المستقيمون في دينهم، هم أهل الجنة ماكثين فيها أبدًا ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي نالوا ذلك النعيم جزاءً لهم على أعمالهم الصالحة ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ لمَّاكان رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما حثَّ تعالى العباد عليه والمعنى أمرنا الإِنسان أمرًا جازمًا مؤكدًا بالإِحسان إلى الوالدين، ثم بيَّن السبب فقال ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي حملته بكرهٍ ومشقة ووضعته بكرهٍ ومشقة ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ أي ومده حمله ورضاعه عامان ونصف، فهي لا تزال تعاني التعب والمشقة طيلة هذه المدة قال ابن كثير: أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبًا من وحَم، وغثيان، وثقل، وكرب إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ووضعته بمشقة أيضًا من الطَّلق وشدته، وقد استدل العلماء بهذه الآية مع التي في لقمان ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قويٌ صحيح ﴿حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي حتى إِذا عاش هذا الطفل وبلغ كما قوته وعقله ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي واستمر في الشباب والقوة حتى بلغ أربعين سنة وهو نهاية اكتمال العقل والرشد ﴿قَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ﴾ أي قال ربِّ ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ وعلى والديَّ حتى ربياني صغيرًا ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ أي ووفقني لكي أعمل عملًا صالحًا يرضيك عني {}

181

﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتي﴾ أي اجعل ذريتي ونسلي صالحين قال اشيخ زاده: طلب هذا الداعي من الله ثلاثة أشياء: الأول: أن يوفقه الله للشكر على النعمة والثاني: أن يوفقه للإِتيان بالطاعة المرضية عند الله والثالث: أن يصلح له في ذريته، وهذه كمال السعادة البشرية ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المسلمين﴾ أي إِني يا رب تبت إليك من جميع الذنوب، وإِني من المستمسكين بالإِسلام قال ابن كثير: وفي الآية إرشادٌ لمن بلغ الأربعين أن يجدِّد التوبة والإِنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها ﴿أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر نتقبل منهم طاعاتهم ونجازيهم على أعمالهم بأفضلها ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الجنة﴾ أي ونصفح عن خطيئاتهم وزلاتهم، في جملة أصحاب الجنة الذين نكرمهم بالعفو والغفران ﴿وَعْدَ الصدق الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ أي بذلك الوعد الصادق الذي وعدناهم به على ألسنة الرسل، بأن نتقبل من محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم.

. ولما مثَّل تعالى لحال الإِنسان البار بوالديه وما آل إليه حاله من الخير والسعادة، مثَّل لحال الإِنسان العاقِّ لوالديه وما يئول إليه أمره من الشقاوة والتعاسة فقال ﴿والذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ أي وأمَّا الوالد الفاجر الذي يقول لوالديه إِذا دعواه إلى الإِيمان أفٍ لكما أي قبحًا لكما على هذه الدعوة ﴿أتعدانني أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي﴾؟ أي أتعدانني أن أُبعث بعد الموت وقد مضت قرونٌ من الناس قبلي ولم يُبعث منهم أحد؟ ﴿وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ الله وَيْلَكَ آمِنْ﴾ أي وأبواه يسألان الله أن بغيثه ويهديه للإِسلام قائلين له: ويْلك آمنْ بالله وصدِّق بالبعث والنشور وإِلاَّ هلكت ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي وعدُ الله صدقٌ لا خُلف فيه ﴿فَيَقُولُ مَا هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي فيقول ذلك الشقي: ما هذا الذي تقولان من أمر البعث إلاّ خرافات وأباطيل سطرَّرها الألولون في الكتب مما لا أصل له قال تعالى ﴿أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي أولئك المجرمون هم الذين حقَّ عليهم قول الله بأنهم أهل النار قال القرطبي: أي وجب عليهم العذاب وهي كلمة الله كما في الحديث «هؤلاء في النار ولا أبالي» ﴿في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس﴾ أي في جملة أمم من أصحاب النار قد مضت قبلهم من الكفرة الفجار من الجن والإِنس ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ﴾ أي كانوا كافرين لذلك ضاع سعيهم وخسروا أخرتهم، وهو تعليل لدخولهم جهنم قال الإِمام الفخر: قال بعضهم: إن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق قبل إِسلامه، والصحيحُ أنه لا يراد بالآية شخص معيَّن، بل المراد منها كل من كان موصوفًا بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحقِّ فأباه وأنكره، ويدل عليه أن الله تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه ﴿أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ بأنه من الذين حقَّ عليهم القول بالعذاب، ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إِسلامه وكان من سادات المسلمين فبطل حمل الآية عليه ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ أي لكلٍ من المؤمنين والكافرين مراتب ومنازل بحسب أعمالهم، فمراتب المؤمنين في الجنة علاية، ومراتب الكافرين في جهنم سافلة {}

182

﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي وليعطيهم جزاء أعمالهم وافيه كاملة، المؤمنون بحسب الدرجات، والكفارون بحسب الدركات، من غير نقصان بالثواب، ولا زيادة في العقاب.

183