صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 183 - 195

20

20

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحوال بعض الأشقياء، أعقبه بذكر حال الكفار والفجار في الآخرة، ثم ذكر قصة عاد الذين أهلكهم الله بطغيانهم مع ما كانوا عليه من القوة والشدة، تذكيرًا لكفار قريش بعاقبة التكذيب والطغيان، وختم السورة الكريمة بقصة النفر من الجنِّ الذين آمنوا بالقرآن حين سمعوه ودعوا قومهم إِلى الإِيمان.

183

اللغَة: ﴿الهون﴾ الهوان والذل ﴿الأحقاف﴾ الرمال العظيمة جمع حِقْف وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوجَّ، والأحقاف ديار عاد ﴿لِتَأْفِكَنَا﴾ لتصرفنا وتزيلنا، والإِفك: الكذب ﴿عَارِضًا﴾ سحابًا يعرض في الأفق ﴿تُدَمِّرُ﴾ تُهلك، والتدميرُ الهلاك وكذلك الدَّمار ﴿صَرَّفْنَا﴾ بعثنا ووجهنا ﴿يَعْيَ﴾ يضعف ويعجز من الإِعياء وهو التعب والعجز.

التفسِير: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار﴾ أي وذكّرهم يا محمد يوم يُكشف الغطاء عن نار جهنم، وتبرز للكافرين فيقرَّبون منها وينظرون إِليها ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدنيا﴾ في الكلام حذف أي ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا أذهبتم طيباتكم أي لقد نلتم وأصبتم لذائد الدنيا وشهواتها فلم يبق لكم نصيب اليوم في الآخرة قال في البحر: والطيبات هنا المستلذات من المأكل والمشارب، والملابس والمفارش. والمراكب والمواطىء، وغير ذلك مما ينتعَّم به أهل الرفاهية ﴿واستمتعتم بِهَا﴾ اي وتمتعتم بتلك اللذائذ والطيبات في الدنيا قال المفسرون: المراد بالآية إِنكم لم تؤمنوا حتى تنالوا نعيم الآخرة، بل اشتغلتم بشهوات الدنيا ولذائذها عن الإِيمان والطاعة، وأفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي، وآثرتم الفاني على الباقي، فلم يبق لكم بعد ذلك شيء من النعيم، ولهذا قال بعده ﴿فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون﴾ أي ففي هذا اليوم يوم الجزاء تنالون عذاب الذُلِّ والهَوان ﴿بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ أي بسبب استكباركم في الدنيا عن الإِيمان وعن الطاعة ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أي وبسبب فسقكم وخروجكم عن طاعة الله، وارتكاب الفجور والآثام قال الإِمام الفخر: وهذه الآية تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإنما وبَّخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولا يؤدي شكر المنعم بطاعته والغِيمان به، وأما المؤمن فإِنه يؤدي بإِيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ودليله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق﴾ [الأعراف: 32] ! ﴿نعم لا يُنكر أن الاحتراز عن التنعيم أولى، وعليه يُحمل قول عمر «لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعامًا، وأحسنكم لباسًا، ولكني أستبقي طيباتي لحياتي الآخرة» وقال في التسهيل: الآية في الكفار بدليل قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ﴾ وهي مع ذلك واعظةٌ لأهل التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر ابن عبد الله وقد رآه اشترى لحمًا أو كلما اشتهى أحدكم شيئًا جعله في بطنه﴾ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ممن قال الله فيهم ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدنيا﴾ !! ﴿واذكر أَخَا عَادٍ﴾ أي اذكر يا محمد لهؤلاء المشركين قصة بني الله هود عليه السلام مع قومه عادٍ ليعتبروا بها ﴿إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف﴾ أي حين حذَّر قومه من عذاب الله إِن لم يؤمنوا وهم مقيمون بالأحقاف وهي تلالٌ عظيمة من الرمل في بلاد اليمن قال ابن كثيكر: الأحقاف جمع حِقْف وهو الجبل من الرمل، قال قتادة: كانوا حيًا باليمن أهل رملٍ مشرفين على البحر بأرضٍ يُقال لها: الشَحْر ﴿وَقَدْ خَلَتِ النذر مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي وقد مضت الرسلُ بالإِنذار من قبل هودٍ ومن بعده، والجملة اعتراضية وهي إخبار من الله تعالى أنه قد بعث رسلًا متقدمين قبل هودٍ وبعده ﴿أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله﴾

184

أي حذَّرهم هود عليه السلام قائلا لهم: بأن لا تعبدوا إلا الله ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي إِني أخاف عليكم إِن عبدتم غير الله عذاب يومٍ هائلٍ وهو يوم القيامة ﴿قالوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي قالوا جوابًا لإِنذاره: أجئتنا يا هود لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟ وهو استفهام، يراد منه التسفيه والتجهيل لما دعاهم إليه ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أي فأتنا بالعذاب الذي وعدتنا به إن كنت صادقًا فيما تقولم قال ابن كثير: استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعادًا منهم لوقوعه ﴿قَالَ إِنَّمَا العلم عِندَ الله﴾ أي قال لهم هود: ليس علم وقت العذاب عندي إنما علمه عند الله ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ أي وإِنما أنا مبلّغٌ ما أرسلني به الله إليكم ﴿ولكني أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي ولكنني أجدكم قومًا جهلة في سؤالكم استعجال العذاب ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي فلما رأوا السحاب معترضًا في أفق السماء متجهًا نحو أوديتهم استبشروا به ﴿قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ أي وقالوا هذا السحاب يأتينا بالمطر قال المفسريون: كانت عاد قد أبطأ عنهم المطر، وقُحطوا مدةً طويلةً من الزمن، فلما رأوا ذلك السحاب العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به واستبشروا وقالوا: هذا عراضٌ ممطرنا ﴿بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ﴾ أي قال لهم هود: ليس الأمر كما زعمتم أنه مطر، بل هو ما استعجلتم به من العذاب ثم فسَّره بقوله ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي هو ريحٌ عاصفة مدمّرة فيها عذابٌ فظيع مؤلم ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي تُخرَرِّب وتُهلك كل شيء أتت عليه من رجالٍ ومواشٍ وأموال، بأمره تعالى وإِذنه قال ابن عباس: أو ما جاءت الريح على قوم عاد، كانت تأتي على الرجال المواشي فترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء حتى يصبح الواحد منهم كالريشة، ثم تضربهم على الأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، فهي التي قال الله فيها ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي تدمرّ كل شيء مرت عليه من رجال عادٍ وأموالها، والتدميرُ الهلاك، وفي الحديث عن عائشة قالت:

«كان ﷺ َ إِذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرف في وجهه، فقلت يا رسول الله: الناسُ إِذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إِذا رأيته عُرف في وجهك الكراهية؟ فقال يا عائشة: ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، عُذّب قوم بالريح»، وقد رأى قوم العذاب فقالوا ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ ﴿فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي فأصبحوا هلكى لا تُرى إِلا مساكنهم، لأن الريح لم تبق منهم إِلا الآثار والديار خاوية ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القوم المجرمين﴾ أي بمثل هذه العقوبة الشديدة نعاقب من كان عاصيًا مجرمًا قال الرازي: والمقصود منه تخويف أهل مكة، ولهذا قال بعده ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ﴾ «إِنْ» نافية بمعنى «ما» أي ولقد مكَّنا عادًا في الذي لم نمكنكم فيه يأ أهل مكة من القوة، والسَّعة، وطور الأعمار، وهو خطاب لكفار مكة على وجهه التهديد ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ أي وأعطيناهم الأسماع والأبصار

185

والقلوب، ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على الخالق المنعم ﴿فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي فما نفعتهم تلك الحواس أي نفع، ولا دفعت عنهم شيئًا من عذاب الله قال الإِمام الفخر: المعنى أنّا فتحنا عليهم أبواب النعم: أعطيناهم سمعًا فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصارًا فما استعملوها في تأمل العبَر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدينا ولذاتها، فلا جرم أنها لم تغن عنهم من عذاب الله شيئًا ﴿إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله﴾ تعليلٌ لما سبق أن لأنهم كانوا يكفرون وينكرون آيات الله المنزَّلة على رسله ويكذبون رسله ﴿وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي ونزل وأحاطبهم العذاب الذي كانوا يستعجلون به بطريق الاستهزاء ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ القرى﴾ تخويفٌ آخر لكفار مكة أي ولقد أهلكنا القرى المجاورة لكم يا أهل مكة والمحيطة بكم، كقرى عاد وثموج وسبأ وقوم لوط، والمراد بإهلاك القرى إِهلاكُ أهلها ﴿وَصَرَّفْنَا الآيات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي وكررنا الحجج والدلالات، والمواعظ والبينات، أوضحناها وبيَّناها لهم لعلهم يرجعون عن كفرهم وضلالهم ﴿فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَانًا آلِهَةَ﴾ أي فهلاَّ نصرتهم آلهتهم التي ترقبوا بها إلى الله بزعمهم، وجعلوها شفعاءهم لتدفع عنهم العذاب؟! و«لولا» تحضيضية بمعنى هلاَّ ومعناها النفي أي لم تنصرهم آلهتهم ولم تدفع عنهم عذاب الله ﴿بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ﴾ أي غابوا عن نصرتهم وهم أحوج ما يكونون إليهم، فإِن الصديق وقت الضيق قال أبو السعود: وفي الآية تهكمٌ بهم كأنَّ عدم نصرهم كان لغيبتهم ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي وذلك الذي أصابهم هو كذبهم وافتراؤهم على الله، حيث زعموا أن الأصنام شركاء الله وشفعاء لهم عند الله ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن﴾ أي واذكر يا محمد حين وجهنا إليك وبعثنا جماعةً من الجن ليستمعوا القرآن قال البيضاوي: والنفر دون العشرة، روى أنهم وافوا رسول الله ﷺ َ بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده القرآن ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالوا أَنصِتُواْ﴾ أي فلما حضروا القرآن عند تلاوته قال بعضهم لبعضٍ: اسكتوا لاستماع القرآن قال القرطبي: هذا توبيخٌ لمشركي قريش، أي إِن الجنَّ سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرّون على الكفر ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ أي فلما فُرغَ من قراءة القرآن رجعوا إِلى قومهم مخوفين لهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا قال الرازي: وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلاّ وقد آمنوا ﴿قَالُواْ ياقومنآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى﴾ أي سمعنا كتابًا رائعًا مجيدًا منزَّلًا على رسولٍ من بعد موسى قال ابن عباس: إن الجنَّ لم تكن قد سمعت بأمر عيسى عليه السلام ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي مصدِّقًا لما قبله من التوارة ﴿يهدي إِلَى الحق وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي هذا القرآن يرشد إلى الحقِّ المبين، وإِلأى دين الله القويم ﴿ياقومنآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله وَآمِنُواْ بِهِ﴾ أي أجيبوا محمدًا ﷺ َ فيما يدعوكم إليه من الإِيمان وصدِّقوا برسالته ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي يمحو الله

186

عنكم الذنوب والآثام ﴿وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي ويخلِصْكم وينجكم من عذاب شديد مؤلمٍ ﴿وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرض﴾ هذا ترهيبٌ بعد الترغيب أي ومن لم يؤمن بالله ويستجيب لدعوة رسوله، فإِنه لا يفوت الله طلبًا، ولا يعجزه هربًا ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ﴾ أي وليس له أنصار يمنعونه من عذاب الله ﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي أولئك الذي لا يستجيبون لدعوة الله في خسرانٍ واضح، وإِلى هنا آخر كلام الجن الذين سمعوا القرآن، ثم ذكر تعالى الأدلة على قدرته ووحدانيته فقال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ أي أولم يعلم هؤلاء الكفار المنكرون للبعث والنشرو أن الله العظيم القدير الذي خلق السمواتِ والأرض ابتداءً من غير مثال سابق ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي ولم يضعف ولم يتعب بخلقهنَّ ﴿بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾؟ أي قادرٌ على أن يعيد الموتى بعد الفناء، ويحييهم بعد تمزق الأشلاء؟ ﴿بلى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي بلى إنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، فكما خلقهم يعيدهم ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ على النار﴾ أي واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين الأهوال والشدائد التي يرونها في الآخرة، وذكّرهم يوم يُعرضون على النار فيقال لهم ﴿أَلَيْسَ هذا بالحق﴾؟ أي أليس هذا العذاب الذي تذوقونه حقٌّ؟

﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: 15] ﴿قَالُواْ بلى وَرَبِّنَا﴾ أي قالوا بلى وعزة ربنا، أكَّدوا كلامهم بالقسم طعمًا في الخلاص قال الفخر الرازي: والمقصود بالآية التهكمُ بهم، والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله ووعيده وقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: 138] ﴿قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي فيقال لهم: ذوقوا العذاب الأليم بسبب كفركم ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل﴾ أي فاصبر يا محمد على أذى المشركين كما صبر مشاهير الرسل الكرام وهم «نوح وإبراهيم وموسى وعيسى» ﴿وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ أي ولا تدع على كفار قريش تعجيل العذاب فإِنه نازل بهم لا محالة ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ أي كأنهم حين يعاينون العذاب في الآخرة لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعةً واحدة من النهار، لما يشاهدون من شدة العذاب وطوله ﴿بَلاَغٌ﴾ أي هذا بلاغ وإِنذار ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون﴾ أي لا يكون الهلاك والدمار إلا للكافرين الخارجين عن طاعة الله.

تنبيه: قال المفسرون: «إن الجنَّ كانوا يسترقون السمع، فلما حُرست السماء بالشهب، قال إبليس: إن هذا الذي حدث بالسماء من أمر حدث في الأرض، فبعث سراياه ليعرف الخبر، فذهب ركبٌ من نصيبين وهم أشراف الجن إلى تهامة، فلما بلغوا باطن نخلة سمعوا النبي ﷺ َ يصلي ويتلو القرآن، فاستمعوا له وقالوا: أنصتوا ثم لما انتهى ﷺ َ من القراءة آمنوا ثم رجعوا إلى قومهم منذرين فدعوهم إلى الإِيمان، وجاءوا بعد ذلك جماعات جماعات إلى النبي ﷺ َ فذلك سبب قوله تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الجن﴾ .

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - التعجيز ﴿ائتوني بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هاذآ﴾ [الأحقاف: 4] أمرٌ يراد منه التعجيز.

2 - جناس الاشتقاق ﴿يَدْعُواْ. . وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ﴾ ومثله ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ [الأحقاف: 10] .

3 -

187

الطباق بين ﴿آمَنَ. . وَكَفَرْتُمْ﴾ وبين ﴿يُنذِرَ. . وبشرى﴾ .

4 - ذكر الخاص بعد العام ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ﴾ ثم قال ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15] فذكر الخاص بعد العام لزيادة العانية والاهتمام بشأن الأم لحقها العظيم.

5 - الطباق بين ﴿حَمَلَتْهُ. . وَوَضَعَتْهُ﴾ .

6 - صيغة الحصر ﴿مَا هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [الأحقاف: 17] .

7 - الاستعارة ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ [الأحقاف: 19] استعار الدرجات للمراتب، للسعداء والأشقياء.

8 - الإِيجاز بالحذف مع التوبيخ والتقريع ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدنيا﴾ أي يقال لهم أذهبتم.

9 - الإِطناب بتكرار اللفظ ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ ثم قال ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ﴾ لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم.

10 - توافق الفواصل مما يزيد في جمال الكلام وحسن تناسقه وهو من المحسنات البديعية مثل ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الجاثية: 33] ﴿وَصَرَّفْنَا الآيات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ الخ.

188

محمد

1

اللغَة: ﴿كَفَّرَ﴾ أزال ومحا ﴿أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم فيهم القتل والجراح والأسر قال في المصباح: أثخن في الأرض إِيخانًا، سار إلى العدو وأوسعهم قتلًا، وأثخنته الجراحة أوهنته وأضعفته ﴿الوثاق﴾ القيد والحبل الذي يربط به ﴿مَنًّا﴾ إِطلاق الأسير من غير فدية ﴿أَوْزَارَهَا﴾ آلاتها وأثقالها وهي الأسلحة والعتاد يقال: وضعت الحرب أوزارها أي انقضت الحرب وانتهت، وأصل الأوزار الأثقال من السلاح والخيل قال الشاعر:

190

وأعددتُ للحرب أوزارها ... رماحًا طوالًا وخيلًا ذكورًا

﴿تَعْسًا﴾ شقاءً وهلاكًا ﴿آسِنٍ﴾ متغيّر ومنتن ﴿حَمِيمًا﴾ حارًا شديد الحرارة ﴿آنِفًا﴾ الآن، من قولهم، استأنف الأمر إِذا ابتدأ به ﴿أَشْرَاطُ﴾ أمارات وعلامات.

التفسِير: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ هذا إِعلان حربٍ من الله تعالى على أعدائه وأعداء دينه والمعنى الذين جحدوا بآيات الله وأعرضوا عن الإسلام، ومنعوا الناس عن الدخول فيه ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة لا ثواب لها لأنها لم تكن لله فبطلت، والمراد أعمالهم الصالحة كإِطعام الطعام، وصلة الأرحام، وقرى الضيف قال الزمخشري: وحقيقة إِضلال الأعمال جعلُها ضالةً ضائعة، ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها كالضالة من الإِبل، التي لا ربَّ لها يحفظها ويعتني بأمرها، والمراد لهم التي عملوها في كفرهم بما كانوا يسمونه «مكارم الأخلاق»، من صلة الأرحام، وفك الأسارى، وقرى الأضياف، وحفظ الجوار ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي جمعوا بين الإِيمان الصادق، والعمل الصالح ﴿وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ﴾ أي صدَّقوا بما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ َ تصديقًا جازمًا لا يخالجه شك ولا ارتياب وهوعطف خاص على عام، والنكتةُ فيه تعظيم أمره والاعتناء بشأنه، إشارةً إلى أن الإِيمان لا يتمُّ بدونه، ولذا أكَّده بقوله ﴿وَهُوَ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي وهو الثابت المؤكد المقطوع بأنه كلام الله ووحيهُ المنزَّل من عند الله، والجملة اعتراضية لتأكيد السابق ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي أزال ومحا عنهم ما مضى من الذنوب والأوزار ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ أي أصلح شأنهم وحالهم، في دينهم ودنياهم، ثم بيَّن تعالى سبب ضلال الكفار، واهتداء المؤمنين فقال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل﴾ أي ذلك الإِضلال لأعمال الكفار بسبب أنهم سلكوا طريق الضلال، واختباروا الباطل على الحق ﴿وَأَنَّ الذين آمَنُواْ اتبعوا الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي وأن المؤمنين سلكوا طريق الهدى، وتمسَّكوا بالحق والإِيمان المنزل من عند الرحمن ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ أي مثل ذلك البيان الواضح، بيَّن الله أمر كلٍ من الفريقين المؤمنين والكافرين بأوضح بيانٍ وأجلى برهان ليعتبر الناس ويتعظوا. . وبعد إعلان هذه الحرب السافرة على الكافرين أمر تعالى المؤمنين بجهادهم فقال ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب﴾ أي فإِذا أدركتم الكفار في الحرب فاحصدوهم حصْدًا بالسيوف قال في التسهيل: وأصله فاضربوا الرقاب ضربًا ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه والمراد: اقتلوهم، ولكنْ عبَّر عنه بضرب الرقاب لأنه الغالب في صفة القتل ﴿حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق﴾ أي حتى إِذا هزمتموهم وأكثرتم فيهم القتل والجراحات ولم تبق لهم قوة للمقاومة فأْسروهم وكفُّوا عن قتلهم قال الزمخشري: وفي هذه العبارة ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيها من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حزٌّ العنق وإطارة رأس البدن، ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله ﴿فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] ومعنى ﴿أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه {}

191

﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ أي فأسروهم، والوثاقَ اسم لما يربط من حبلٍ وغيره ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ أي ثم أنتم مخيَّرون بعد أسرهم إمَّا أن تمنُّوا عليهم وتطلقوا سراحهم بلا مقابل من مال، أو تأخذوا منهم مالًا فداءٌ لأنفسهم، ولكنْ بعد أن تكونوا قد كسرتم شوكتهم، وأعجزتموهم بكثرة القتل والجراح ﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ أي حتى تنقضي الحرب وتنتهي بوضع آلاتها وأثقالها، وتنتهي الحرب بين المسلمين والمناوئين له، وذلك بعزة الإِسلام واندحار المشركين ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي الأمر فيهم ما ذُكر، ولو أراد اله لانتصر منهم وأهلكهم بقدرته، دون أن يكلفكم أيها المؤمنون إلى قتالهم قال ابن كثير: أي لو شاء الله لانتقم من الكفارين بعقوبةٍ ونكالٍ من عنده ﴿ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ولكنَّه أمركم بجهادهم ليختبر إِيمانكم وثباتكم، فيظهر حال الصادق في الإِيمان من غيره كما قال تعالى

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين﴾ [محمد: 31] وليبتلي المؤمنين بالكافرين والكفارين بالمؤمنين، فيصير من قُتل من المؤمنين إلى الجنة، ومن قتل من الكافرين إلى النار ولهذا قال ﴿والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي والذين استشهدوا في سبيل الله فلن يُبطل الله عملهم، بل يكثّره ويضاعفه وينميّه ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أي سيهديهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، بتوفيقهم إلى العمل الصالح وإِرشادهم إلى الجنة دار الأبرار ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ أي ويُصلح حالهم وشأنهم ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي ويدخلهم الجنة دار النعيم بيَّنها لهم بحيث يعلم كل واحدٍ منزلة ويهتدي إِليه قال مجاهد: يهتدي أهلُها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم سكنوها منذ خُلقوا وفي الحديث «والذي نفسي بيده إِن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا» ﴿ياأيها الذين آمنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ﴾ أي إِن تنصروا دينه يصنركم على أعدائكم ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ أي ويثبتكم في مواطن الحرب ﴿والذين كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَّهُمْ﴾ أي والذين كفروا بالله وآياته فهلاكًا وشقاْ لهم، وهو دعاءٌ عليهم بالتعاسة والخيبة والخذلان ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أبطلها وأحبطها لأنها كانت في طاعة الشيطان ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ الله﴾ أي ذلك التعس والإِضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله من الكتب والشرائع قال الزمخشري: أي كرهوا القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإهمال وإِطلاق العَنان في الشهوت والملاذِّ فشقَّ عليهم ذلك وتعاظمهم ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أذهبها وأضاعها لأن الإِيمان شرط لقبول الأعمال، والشرك محبطُ للعمل، ثم خوَّفهم تعالى عاقبة الكفر فقال ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي أفلم يسافر هؤلاء ليروا

192

ما حلَّ بمن سبقهم من الأمم الطاغية كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من المجرمين، كيف كان مآلهم؟ وماذا حلَّ بهم من العذاب؟ فإنَّ آثار ديارهم تنبىء عن أخبارهم ﴿دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ﴾ أي أهلكهم الله، واستأصل كل ما يخصهم من مالٍ وبنين ومتاع، فإِذا هو انقاض متراكمة وإِذا هم تحت هذه الأنقاض «ودمَّر عليهم» أبلغ من دمَّرهم لأن معناها أهلكهم مع أموالهم ودورهم وأولادهم وأطبق عليهم الهلاك إطباقًا فلم يبق شيء إلا شمله الدمار ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ أي ولكفار مكة أمثال تلك العاقبة الوخيمة والعذاب المدمّر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمَنُواْ﴾ أي وليُّهم وناصرهم ﴿وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ﴾ أي لا ناصر لهم ولا معين ولامغيث، ثم بيَّن تعالى مآل كلٍ من الفريقين المؤمنين والكافرين في الآخرة فقال ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي يدخل المؤمنين جناتِ النعيم، التي فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام﴾ أي والكفارون في الدنيا ينتفعون بشهواتها ولذائذها، ويأكلون كما تأكل البهائم، ليس لهم همٌّ إلا بطونهم وفروجهم ﴿والنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾ أي وجهنم مقامهم ومنزلهم في الآخرة قال الزمخشري: المراد أنهم ينتفعون بمتاع الدنيا أيامًا قلائل، ويأكلون غافلين غير مفكرين في العاقبة كما تأكل الأنعام في مسارحها ومعالفها غافلةً عما هي بصدده من النحر والذبح، والنار منزل ومقام لهم في الآخرة.

. ثم سلَّى تعالى رسوله ﷺ َ فقال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ﴾ أي وكم من أهل قرية عاتية ظالمة كانوا أقوى من أهل مكة الذين أخرجوك منها ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ أي أهلكناهم بأنواع العذاب فلم ينصرهم أحد فكذلك نفعل بهؤلاء قال ابن عباس: لما خرج النبي ﷺ َ من مكة واختفى بالغار ثم خرج مهاجرًا إلى المدينة، التفت إِلى مكة ثم قال «إِنك لأحبُّ البلاد إِلى الله، وأحبُّ البلاد إِليَّ، ولولا أنَّ قومك أخرجوني منك ما خرجت فنزلت الآية ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي هل من كان على حجة وبصيرة، وثبات ويقين من أمر دينه ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ﴾؟ أي كمن زُيّن له عمله القبيح فرآه حسنًا؟ ﴿واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي أنهمكوا في الضلال حتى عبدوا الهوى؟ ليس هذا كهذا، وإِنما جاء بصيغة الجمع مراعاةً للمعنى قال المفسرون: يريد ب ﴿َمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ﴾ رسول الله ﷺ َ وبمن ﴿زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ﴾ أبا جهل وكفار قريش.

. واللفظ أعمُّ لأن الغرض المباينة بين من يعبد الله، وبين من يعبد هواه، ولذلك مثَّل بعده بالفارق الكبير بين الجنة والنار فقال ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون﴾ أي صفة الجنة الغريبة العجيبة الشأن، التي وعد الله بها عباده الأبرار وأعدَّها للمتقين الأخيار ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي فيها أنهار جاريات من ماءٍ غير متغير الراحة قال ابن مسعود: أنهار الجنة تفجَّر من جبلٍ من مسكٍ ﴿وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي وأنهار جاريات من حليبٍ في غاية البياض والحلاوة والدسامة، لم يحمض بطول المقام ولم يفسد

193

كما تفسد ألبان الدنيا وفي حديث مرفوع «لم يخرج من ضروع الماشية» ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ أي وأنهار جاريات من خمرٍ لذيذة الطعم يتلذذ بها الشاربون لأنه ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: 47] وإِنما قيَّدها بأنها لذة للشاربين، لأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا لا يلتذ بها إلاَّ فاسد المزاج، وأما خمر الآخةر فهي طيبة الطعم والرائحة، يشربها أهل الجنة لمجرد الالتذاذ ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ أي وأنهارٌ جارياتٌ من عسل في غاية الصفاء وحسن اللون والريح، لم يخرج من بطون النحل قال أبو السعود: ﴿عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ أي لم يخالطه الشمع وفضلات النحل ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات﴾ أي ولهم في الجة أنواعٌ متعددة من جميع أصناف الفواكه والثمار قال في حاشية البيضاوي: وفي ذكر الثمرات بع المشروب إشارة إِلى أنَّ مأكول أهل الجنة للَّذَّة لا للحاجة ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ولهم فوق ذلك النعيم الحسن نعيمٌ روحي وهو المغفرة من الله مع الرحمة والرضوان وفي الحديث «أُحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعد أبدًا» قال الصاوي: في الجنة ترفع عنهم التكاليف فيما يأكلونه ويشربونه، بخلاف الدنيا فإِن مأكولها ومشروبها يترتب عليه الحساب والعقاب، ونعيم الآخرة لا حساب عليه ولا عقاب فيه ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار﴾ أي كمن هو مخلَّدٌ في الجحيم؟ والاستفهام للإِنكار أي لا يستوي من هو في ذلك النعيم المقيم، بمن هو خالد في الجحيم؟ ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ أي وسُقوا مكان تلك الأشربة ماءً حارًا شديد الغليان، فقطَّع أحشاءهم من فرط حرارته؟ قال المفسرون: بلغ الماء الغاية في الحرارة، إِذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رءوسهم، فإِذا شربوه قطَّع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم ولما بيَّن تعالى حال الكافرين، ذكر حال المنافقين فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ أي ومن هؤلاء المنافقين جماعة يستمعن إِلى حديثك يا محمد ﴿حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ أي حتى إِذا أخرجوا من مجلسك ﴿قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ أي قالوا العلماء الصحابة كابن عباس وابن مسعود ماذا قال محمدٌ قريبًا في تلك الساعة؟ قال ابن كثير: أخبر تعالى عن المناقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ َ ويستمعمن كلامه، فلا يفهمون منه شيئًا، فإِذا خرجوا من عنده قالوا لأهل العلم من الصحابة: ماذا قال محمد ﴿آنِفًا﴾ أي الساعة، لا يعقلون ما قال ولا يكترثون به ﴿أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ﴾ أي ختم على قلوبهم بالكفر ﴿واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي ساورا وراء أهوائهم الباطلة ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ أي وأما المؤمنون المتقون فقد زادهم الله هدى وألهمهم رشدهم قال الإِمام الفخر: لما بيَّن تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع، ويستعيد ولا يستفيد، بيَّن أن حال المؤمن المهتدي بخلافه، فإِنه يستمع فيفهم، ويعمل بما يعلم، وفيه فائدة وهو قطع عذر المنافق، فإنه لو قال ما فهمت كلامه لغموضه، يُردُّ عليه بان المؤمن فهم واستنبط، فذلك لعماء القلوب لا الخفاء المطلوب ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي

194

فهل ينتظرون إلا قيام الساعة فجأةً فتبغتهم وهم سادرون غارون غافلون؟ ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي فقد جاءت أماراتها وعلاماتها، ومنها بعثة خاتم الرسل صلى لله عليه وسلم ﴿فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ أي فمن أين لهم التذكر إِذا جاءتهم الساعة، حيث لا ينفع ندم ولا توبة؟ ﴿فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ الله﴾ أي فدمن يا محمد على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ أي اطلب من الله المغفرة لك وللمؤمنين والمؤمنات ﴿والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي يعلم تصرفكم في الدنيا، ومصيركم في الآخرة، فأعدوا الزاد ليوم الميعاد.

195