20
المنَاسَبَة: كان بدء السورة في الحديث عن الكافرين، ثم جاء عن المؤمنين، وهنا يأتي الحديث عن المنافقين، وقد استغرق الجانب الأكبر من السورة باعتبارهم الخطر الداهم على الإِسلام والمسلمين، والآيات الكريمة تتحدث عن الجهاد وعن موقف المنافقين منه.
20
المنَاسَبَة: كان بدء السورة في الحديث عن الكافرين، ثم جاء عن المؤمنين، وهنا يأتي الحديث عن المنافقين، وقد استغرق الجانب الأكبر من السورة باعتبارهم الخطر الداهم على الإِسلام والمسلمين، والآيات الكريمة تتحدث عن الجهاد وعن موقف المنافقين منه.
اللغَة: ﴿سَوَّلَ﴾ زيَّن وسهَّل ﴿أَضْغَانَهُمْ﴾ أحقادهم الدفينة قال الجوهري: الضغنُ والضغينة: الحقد، وتضاغن القوم أبطنوا على الأحقاد ﴿سِيمَاهُمْ﴾ علامتهم ﴿السلم﴾ الصلح الموادعة ﴿يُحْفِكُمْ﴾ يلحُّ عليكم يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألحَّ بمعنى واحد ﴿يَتِرَكُمْ﴾ ينقصكم يقال: وتره حقه أي نقصه.
التفسِير: ﴿وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أي ويقول المؤمنون المخصلون شوقًا إلى الجهاد وحرصًا على ثوابه: هلاَّ أنزلت سورة فيها الأمر بالجهاد ﴿فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القتال﴾ أي فإِذا أنزلت سورة صريحةٌ ظاهرة الدلالة على الأمر بالقتال قال القرطبي: ﴿مُّحْكَمَةٌ﴾ أي لم تنسخ وقد قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فيه محكمة، وهي أشد القرآن على المناقين ﴿رَأَيْتَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي رأيت المنافقين الذين في قلوبهم شك ونفاق ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي ينظرون إِليك يا محمد تشخص أبصارهم جنبًا وهلعًا، كما ينظر من أصابته الغشية من حلول الموت ﴿فأولى لَهُمْ﴾ أي فويلٌ لهم قال في التسهيل: وهي كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم كقوله تعالى ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ [القيامة: 35] ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ مبتدأٌ محذوف الخبر أي طاعةٌ لك يا محمد، وقولٌ جميلٌ طيبٌ خيرٌ لهم وأفضل وأحسن، قال الرازي: وهو كلام مستأنف محذوف الخير تقديره خيرٌ له أي أحسن وأمثل، وإِنما جاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة ويدل عليه قوله ﴿وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ كأنه قال: طاعة مخلصة، وقولٌ معروفٌ خيرٌ لهم ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمر﴾ أي فإذا جدَّ الجِدذُ وفُرض القتال ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ الله لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ أي فلو أخلصوا نياتهم وجاهدوا بصدقٍ ويقين لكان ذلك خيرًا لهم من التقاعس والعصيان، والجملةُ جواب الشرط ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ﴾ أي فلعلَّكم إِن أعرضتم عن الإِسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، من الإِفساد في الأرض بالمعاصي، وقطع الأرحام! ﴿قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولّوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، ويقطعوا الأرحام، ويعصوا الرحمن؟﴾ قال أبو حيان: يريد ما جرى من الفترة بعد زمان الرسول ﷺ َ ﴿أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله﴾ أي طردهم وأبعدهم من رحمته ﴿فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أَبْصَارَهُمْ﴾ أي فأصمهم عن استماع الحق، وأعملى قلوبهم عن طريق الهدى فلا يهتدون إلى سبي الرشاد قال القرطبي: أخبر تعالى أن من فعل ذلك حقت عليه اللغنة، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره، حتى لاينقاد للحق وإِن سمعه، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾؟ الاستفهام توبيخي أي أفلا يتفهمون القرآن
ويتصفحونه ليروا ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات!؟ ﴿أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ «أم» بمعنى «بل» وهو انتقالٌ من توبيخهم على عدم التدبر إلى توبيخهم على ظلمة القلوب وقسوتها حتى لا تقبل التفكر والتدبر والمعنى: بل قلوبهم قاسية مظلمة كأنها مكبَّلة بالأقفال الحديدية فلا ينفذ إليها نور ولا إيمان قال الرازي: إِن القلب خُلق للمعرفة فإِذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه غير موجود، وهذا كما يقول القائل في الإِنسان المؤذي: هذا ليس بإِنسان هذا وحش، وهذا ليس بقلب هذا حجر ﴿إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى﴾ أي رجعوا إلى الكفر بعد الإِيمان، وبعد أن وضح لهم طريق الهدى بالدلائل الظاهرة والمعجزات الواضحة ﴿الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ وأملى لَهُمْ﴾ أي الشيطان زيَّن لهم ذلك الأمر، وغرَّهم وخدعهم بالأمل، وطول الأجل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله﴾ أي ذلك الإِضلال بسبب أنهم قالوا لليهود الذين كرهوا القرآن الذي نزَّله الله حسدًا وبغيًا ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر﴾ أي سنطيعكم في بعض ما تأمروننا به كالقعود عن الجهاد، وتثبيط المسلمين عنه وغير ذلك ﴿والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي وهو جل وعلا يعلم خفاياهم، وما يبطنونه من الكيد والدسّ والتآمر على الإِسلام والمسلمين قال المفسرون: قال المنافقون لليهود ذلك سرًا فأظهره الله تعالى وفضحهم ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي فكيف يكون حالهم حين تحضرهم ملائكة العذاب لقبض أرواحهم معهم مقامع من حديد يضربون بها وجودههم وظهروهم؟ قال القرطبي: المعنى على التخويف والتهديد أي إِن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر قال ابن عباس: لا يُتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة في وجهه وفي دبره ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتبعوا مَآ أَسْخَطَ الله وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ﴾ أي ذلك العذاب بسبب أنهم سلكوا طريق النفاق وكرهوا ما يرضي الله من الإِيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أبطل ما عملوه حال إيمانهم من أعمال البر ﴿أَمْ حَسِبَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ الله أَضْغَانَهُمْ﴾؟ أي أيعتقد المنافقون الذين في قلوبهم شك ونفاق أن الله لن يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ وأنه لن يظهر بغضهم وأحقادهم على الإِسلام والمسلمين؟ لا بدَّ أن يفضحهم ويكشف أمرهم ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ أي لو أردنا لأريناك يا محمد أشخاصهم فعرفتهم عيانًا بعلامتهم ولكنَّ الله ستر عليهم إبقاءً عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين لعلهم يتوبون ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول﴾ أي ولتعرفنَّ يا محمد المنافقين من فحوى كلامهم وأسلوبه، فيما يعرضونه بك من القول الذي ظاهره إيمان وإِسلام وباطنه كفر ومسبّة قال الكلبي: لم يتكلم بعد نزولها عند النبي ﷺ َ منافقٌ إلا عرفه ﴿والله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم بحسب قصدكم، ففيه وعدٌ ووعيد ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين﴾ أي ولنختبرنكَم أيها الناسُ بالجهاد وغيره من التكاليف الشاقة حتى نعلم علم ظهور المجاهدين في سبيل الله، والصابرين على مشاقَ الجهاد ﴿وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ﴾ أي ونختبر أعمالكم
حسنها وقبيحها قال في التسهيل: المراد بقوله ﴿حتى نَعْلَمَ﴾ أي نعلمه علمًا ظاهرًا في الوجود تقوم به الحجة عليكم، وقد علم الله الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إقامة الحجة على عباده بما يصدر منهم، وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي جحدوا بآيات الله ومنعوا الناس على الدخول في الإِسلام ﴿وَشَآقُّواْ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى﴾ أي عادوا الرسول وخرجوا عن طاعته من بعد ما ظهر لم صدقُه وأنه رسول الله بالحجج والآيات ﴿لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي لن يضروا الله بكفرهم وصدّهم شيئًا من الضرر، وسيبطل أعمالهم من صدقة ونحوها فلا يرون لها في الآخرة ثوابًا ﴿ياأيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ أي امتثلوا أوامر الله وأوامر رسوله ﴿وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ أي ولا تُبطلوا أعمالكم بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، والعُجب والرياء ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي جحدوا بآيات الله وصدُّوا الناس عن طريق الهدى والإِيمان ﴿ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي وماتوا على الكفر ﴿فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ أي فلن يغفر الله لهم بحالٍ من الأحوال، وهذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر اللهُ له لقوله تعالى
﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] قال أبو السعود: وهذا حكم يعم كل من مات على الكفر، وإن صحَّ نزوله في أصحاب القليب ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم﴾ أي فلا تضعفوا وتدعوا إلى المهادنة والصلح مع الكفار إِذا لقيتموهم ﴿وَأَنتُمُ الأعلون﴾ أي وأنتم الأعزة الغالبون لأنكم مؤمنون ﴿والله مَعَكُمْ﴾ أي والله معكم بالعونِ والنصر ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم قال ابن كثير: وفي قوله ﴿والله مَعَكُمْ﴾ بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء ﴿إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي ما الحياة الدنيا إلا زائلة فانية، لا قرار لها ولا ثبات، كاللعب واللهو الذي يتلهى به الأولاد قال شيخ زاده: بيَّن تعالى أن الدنيا وما فيها من الحظوظ العاجلة، لا يصلح مانعًا من الإِقدام إلى الجهاد، وما يؤدي إلى ثواب الآخرة، لكونها بمنزلة اللهو اللهب في سرعة زوالها، وأن الآخرة هي الحياة الباقية، فلا ينبغي أن يكون حبُّ الدنيا والحرص على ما فيها من اللذات والشهوات سببًا للجبن عن الغزو والتخلف عن الجهاد ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ أي وإِن تؤمنوا بالله وتتقوه حقَّ تقواه، يعطكم ثواب أعمالكم كاملًا ﴿وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ أي ولا يطلب منكم أن تنفقوا جميع أموالكم، بل الزكاة المفروضة فيها قال ابن كثير: أي هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئًا، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساةً لإِخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك وثوابه عليكم ﴿إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ﴾ أي إن يسألكم جميع أموالكم ويبالغ في طلبها، ويلح عليكم في إنفاقها تبخلوا ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ أي ويخرج ما في قلوبكم من البخل وكراهة الإِنفاق قال في التسهيل: وذلك لأن الإِنسان جبل على محبة الأموال، ومن نوزع في حبيبه ظهرت سرائره، فمن رحمته تعالى على عباده عدم التشديد عليهم في التكاليف {}
﴿هَا أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي ها أنتم معشر المخاطبين تُدعون للإِنفاق في سبيل الله، وقد كلفتم ما تطيقون ﴿فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ﴾ أي فمنكم من يشح عن الإِنفاق ويمسك عنه ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ أي ومن بخل عن الإِنفاق في سبيل الله فإِنما يعود ضرر بخله على نفسه، لأنه يمنعها الأجر والثواب قال الصاوي: وبخل يتعدى ب «على» إِذا ضُمِّن معنى شحذَ، وب «عن» إِذا ضُمِّن معنى أمسك ﴿والله الغني وَأَنتُمُ الفقرآء﴾ أي واللهُ مستغن عن إنفاقكم ليس بمحتاج إِلى أموالكم، وأنتم محتاجون إليه ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي وإِن تعرضوا عن طاعته واتباع أوامره، يخلف مكانكم قومًا آخرين يكونون أطوع لله منكم ﴿ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ أي لا يكونون مثلكم في البخل عن الإِنفاق بل يكونوا كرماء أسخياء.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1 - المقابلة بين الآية الأولى والثانية ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 1] وبين ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [محمد: 2] الآية وهو من المحسنات البديعية.
2 - ذكر الخاص بعد العام ﴿وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: 2] والنكتة تعظيمه والاعتناء بشأنه.
3 - الاستعارة التبعية ﴿تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4] شبَّه ترك القتال بوضع آلته، واشتق من الوضع «تضع» بمعنى تنتهي وتترك بطريق الاستعارة التبعية.
4 - المجاز المرسل ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7] أطلق الجزء وأراد الكل أي يثبتكم، وعبَّر بالأقدام لأن الثبات التزلزل يظهران فيهاوهو مثل ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30] .
5 - الطباق بين ﴿مَنًّا. . وفِدَآءً﴾ وبين ﴿آمَنُواْ. . وكَفَرُواْ﴾ وبين ﴿الغني. . والفقرآء﴾ .
6 - المجاز العقلي ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمر﴾ نسب العزم إلى الأمر وهو لأهله مثل نهاره صائم.
7 - الالتفات ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع.
9 - الاستعارة التصريحية ﴿أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ شبَّه قلوبهم بالأبواب المقفلة، فإِنها لا تنفتح لوعظ واعظ، ولا يفيد فيها عذل عاذل، وهي من لطائف الاستعارات.
10 - الإِطناب بتكرار ذكر الأنهار ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ. .﴾ [محمد: 15] الآية وذلك لزيادة التشويق إلى نعيم الجنة.
11 - الكناية ﴿ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ﴾ كناية عن الكفر بعد الإِيمان.
12 - السجع الرصين غير المتكلف ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ. واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ. وأعمى أَبْصَارَهُمْ﴾ الخ وهو من المحسنات البديعية.
اللغَة: ﴿السكينة﴾ السكونُ والطمأنينة والثبات ﴿السوء﴾ المساءة والحزن والالم قال الجوهري: ساءَه سوءًا بالفتح ومساءةً نقيضُ سَّره، والإِسمُ السُّوءُ بالضم، ودائرة السُّوء يعني الهزيمة والشر، ومن فتح فهو من المساءة ﴿تُعَزِّرُوهُ﴾ تعظّموه وتنصروه وتمنعوا الأذى عنه، وسمي التعزيزُ في الحدود تعزيزًا لأنه مانع من فعل القبيح ﴿نَّكَثَ﴾ نقض البيعة والعهد ﴿بُورًا﴾ هلكى قال الجوهري: البورُ: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، و«قومًا بورًا» جمع بائر، وبار فلان أي هالك ﴿حَرَجٌ﴾ إثم وذنب.
سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: تخلف عن رسول الله ﷺ َ أعراب المدينة حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعغد أن كان استنفرهم معه حذرًا من قريش، وأحرم بعمرةٍ وساق معه الدي ليعلم الناسُ أنه لا يريد حربًا، فتثاقلواعنه واعتلَّوا بالشغل فنزلت ﴿سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فاستغفر لَنَا. .﴾ الآية.
التفسِير: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ أي قد فتحنا لك يا محمد مكة فتحًا بينًا ظاهرًا، وحكمنا لك بالفتح المبين على أعدائك، والمراد بالفتح فتح مكة، وعده الله به قبل أني كون، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين قال الزمخشري: هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله ﷺ َ عن مكة عام الحديبية، وهو وعدٌ له بالفتح، وجيء به بلفظ الماضي على عادة ربّ العزَّة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن الفتح ما لايخفى ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أي ليغفر لك ربك يا محمد جميع ما فرط منك من ترك الأولى قال أبو السعود: وتسمتُه ذنبًا بالنظر إلى منصبه الجليل وقال ابن كثير: هذا من خصائصه ﷺ َ التي لا يشاركه فيها غيره، وفيه تشريفٌ عظيم لرسول الله ﷺ َ إذ هو أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، وهو في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، ولما كان أطوع خلق الله بشره الله بالفتح المبين، وغنفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي وكمّل نعمته عليك بإِعلاء الذين ورفع مناره ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ أي ويرشدك إلى الطريق القويم، الموصل إلى جنات النعيم؛ بما يشرعه لك من الدين العظيم ﴿وَيَنصُرَكَ الله نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي وينصرك الله على أعدائك نصرًا قويًا منيعًا، فيه عزةٌ وغلبة، يجمع لك به بين عز الدنيا والآخر ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين﴾ أي هو جل وعلا الذي جعل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين ﴿ليزدادوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ أي ليزدادوا يقينًا مع يقينهم، وتصديقًا مع تصديقهم، برسوخ العقيدة في القلوب، والتوكل على علاَّم الغيوب ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض﴾ أي وللهِ جلَّت عظمته كل جنود السموات والأرض، من الملائكة والجن، والحيوانات، والصواعق المدمّرة، والزلازل، والخسف والغرق، جنودٌ لا تُحصى ولا تُغلب، يسلطها على من يشاء قال ابن كثير: ولو أرسل عليهم ملكًا واحدًا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد، لما له في ذلك من الحجة القاطعة والحكمة البالغة ولذلك قال ﴿وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي عليمًا بأحوال خلقه، حكيمًا في تقديره وتدبيره قال المفسرون: أراد بإِنزال السكينة في
قلوب المؤمنين «أهل الحديبية» حين بايعوا رسول الله ﷺ َ على مناجزة الحرب مع أهل مكة، بعد أن حصل لهم ما يزعج النفوس ويزيع القلوب، من صد الكفار لهم عن دخول مكة، ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصود، فلم يرجع منه أحدٌ عن الإِيمان، بعد أن هاج الناس وماجوا، وزلزلوا حتى جاء عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ َ وقال: أنت نبيَّ الله حقًا؟ قال: بلى، قال ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال بلى، قال: فلم نعط الدنيَّة في ديننا إذن؟ قال إني رسول الله وليست أعصيه وهو ناصري.
. الخ. ﴿لِّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ليدخلهم على طاعتهم وجهادهم حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحتها أنهار الجنة ما كثين فيها أبدًا ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي يمحو عنهم خطاياهم وذنوبهم ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي وكان ذلك الإدخال في الجنات والتكفير عن السيئات، فوزًا كبيرًا وسعادةً لا مزيد عليها، إذ ليس بعد نعيم الجنة نعيم ﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات﴾ أي وليعذِّب الله أهل النفاق والإِراك، وقدَّمهم على المشركين لأنهم أعظم خطرًا وأشر ضررًا من الكفار المجاهرين بالكفر ﴿الظآنين بالله ظَنَّ السوء﴾ أي الظانين بربهم أسوأ الظنون، ظنوا أن الله تعالى لن ينصر رسله والمؤمنين، وأن المشركين يستأصلونهم جميعًا كما قال تعالى ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ قال القرطبي: ظنوا أن النبي ﷺ َ لا يرجع إلى المدينة ولا أحدٌ من أصحابه حين خرج إلى الحديبية ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾ دعاءٌ عليهم أي عليهم ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين من الهلاك والدمار ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي سخط تعالى عليهم بكفرهم ونفاقهم، وأبعدهم عن رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ أي وهيأ لهم في الآخرة نارًا مستعرة هي نار جهنم، وساءت مرجعًا ومنقلبًا لأهل النفاق والضلال ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض﴾ تأكيد للانتقام من الأعداء أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين قال الرازي: كرر اللفظ لأن جنود الله قد يكون إِنزالهم للرحمة، وقد يكون للعذاب، فذكرهم أولًا لبيان الرحمة للمؤمنين وثانيًا لبيان إِنزال العذاب عل الكافرين ﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي عزيزًا في ملكه وسلطانه، حكيمًا في صنعه وتدبيره قال الصاوي: ذكره هذه الآية أولًا في معرض الخلق والتدبير فذيَّلها بقوله
﴿عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 51] وذكرها ثانيًا في معرض الانتقام فذيلها بقوله ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ وهو في منتهى الترتيب الحسن، لأنه تعالى ينزل جنوج الحرمة لنصرة المؤمنين، وجنود العذاب لإِهلاك الكافرين. . ثم امتن تعالى على رسوله الكريم بتشريفه بالرسالة، وبعثه إلى كافة الخلق فقال ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: إنا أرسلناك يا محمد شاهدًا على الخلق يوم القيامة، ومبشرًا للمؤمنين بالجنة، ومنذرًا للكافرين من عذاب النار ﴿لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي أرسلنا الرسول لتؤمنوا أيها الناس بربكم ورسولكم حقَّ الإِيمان، إيمانًا عن اعتقاد ويقين، لا يخالطه شك ولا ارتياب {}
﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي تُفخمو وتُعطِّموه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي تحترموا وتجلُّوا أمره مع التعظيم والتكريم، والضمير فيهما للنبي ﷺ َ ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي تسبحوا ربكم في الصباح والمساء، ليكون القلب متصلًا بالله في كل آن، ثم قال تعالى ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ أي إن الذين يبايعونك يا محمد في الحديبية «بيعة الرضوان» إِنما يبايعون في الحقيقة اللهَ، وهذا تشريفٌ للنبي ﷺ َ حيث جعل مبايعته بمنزل مبايعة الله، لأن الرسول ﷺ َ سفيرٌ ومعبِّر عن الله قال المفسرون: المراد بالبيعة هنا بيعة الرضوان بالحديبية، حين بايع الصحابة رسول الله ﷺ َ على الموت كما روى الشيخان عن سلمة ابن الأكوع أنه قال: «بايعنا رسول الله ﷺ َ على الموت» وسميت «بيعة الرضوان» لقول الله فيها ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة﴾ [الفتح: 18] ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن كثير: أي هو تعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظاهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسول الله صلى لله عليه وسلم وقال الزمخشري: يريد أن يد رسول الله ﷺ َ التي تعلو أيدي المبايعين هي يدُ الله، والمعنى أن من بايع الرسول فقد بايع الله كقوله تعالى ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: 80] ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ﴾ أي فمن نقض البيعة فإنما يعود ضرر نكثه عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب بنقضه العهد والميثاق الذي عاهد به ربه ﴿وَمَنْ أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ الله﴾ أو ومنْ وفَّى بعهده ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي فسيعطيه الله ثوابًا جزيلًا، وهو الجنة دار الأبرار ﴿سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب﴾ أي سيقول لك يا محمد المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج معك عام الحديبية من أعراب المدينة ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فاستغفر لَنَا﴾ أي شُغلنا عن الخروج معك الأموال والأولاد، فاطلب لنا من الله المغفرة، لأن تخلفنا لم يكن باختيار بل عن اضطرار قال في التسهيل: سمَّاهم تعالى بالمخلَّفين لأنهم تخلَّفوا عن غزوة الحديبية، والأعراب هم أهل البوادي من العرب لما خرج رسول الله ﷺ َ إلى مكة يعتمر، رأوا أنه يستقبل عدوًا كثيرًا من قريش وغيرهم فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إيمانهم متمكنًا فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر، ففضحهم الله في هذه السورة وأعلمَ تعالى رسوله ﷺ َ بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ اي يقولون خلاف ما يبطنون وهذا هو النفاق المحض، فهم كاذبون في الاعتذاروطلب الاستغفار، لأنهم قالوه رياءً من غير صدقٍ ولا توبة ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾؟ أي قل لهم: مَن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، إِن أراد أن يُلحق بكم أمرًا يضركم كالهزيمة، أو أمرًا ينفعكم كالنصر والغنيمة؟ قال القرطبي: وهذا ردٌ عليهم حين ظنوا ان التخلف عن الرسول ﷺ َ يدفع عنهم الضرُّ، ويُعجل لهم النفع ﴿بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي ليس الأمر كما زعمتم بل الله مطلع على ما في قلوبكم من الكذب والنفاق، ثم أظهر تعالى ما يخفونه في نفوسهم فقال ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن﴾
﴿لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي بل ظننتم أيها المنافقون أن محمدًا وأصحابه لن يرجعوا إلى المدينة أبدًا ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي وزُيّن ذلك الضلال في قلوبكم ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء﴾ أي ظننتم أنهم يُسْتأصلون بالقتل، ولا يرجع منهم أحد ﴿وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أو وكنتم قومًا هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ﴾ لما بيَّن حال المتخلفين عن رسول الله، وبيَّن حال ظنهم الفاسد، وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر، حرَّضهم على الإِيمان والتوبة على سبيل العموم والمعنى من لم يؤمن بالله ورسوله بطريق الإِخلاص والصدق ﴿فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ أي فإِنَّا هيأنان للكافرين نارًا شديدة مستعرة، وهو وعيدٌ شديد للمنافقين ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي له جل وعلا جميع ما في السموات والأرض، يتصرف في الكل كيف يشاء ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ أي يرحم من يشاء من عباده ويُعذب من يشاء، وهذا قطع لطمعهم في استغفار رسول الله ﷺ َ لهم ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي واسع المغفرة عظيم الرحمة ﴿سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ أي سيقول الذين تخلَّفوا عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، عند ذهابكم إلى مغانم خيبر لتحصلوا عليها ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ أي اتركونا نخرج معكم إلى خيبر لنقاتل معكم ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله﴾ أي يريدون أن يُغيّروا وعد الله الذي وعده لأهل الحديبية من جعل غنائم خيبر لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد قال القرطبي: إن الله تعالى جعل لأهل الحديبية غنائم خيبر عوضًا عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ أي قل لهم لا تتبعونا فلن يكون لكم فيها نصيب ﴿كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ﴾ أي كذلكم حكم الله تعالى بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب قبل رجوعنا منها ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي فسيقولون ليس هذا من الله بل هو حسد منكم لنا على مشاركتكم في الغنيمة، قال تعالى ردًّا عليهم ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ أي لا يفهمون إِلا فهمًا قليلًا وهو حرصهم على الغنائم وأمور الدنيا ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي قل لهؤلاء الذين تخلفون عن الحديبية كرَّر وصفهم بهذا الإِسم إظهارًا لشناعة ومبالغةً في ذمهم ستُدعون إلى حرب قوم أشداء، هم بنو حنيفة قوم مسليمة الكذاب أصحاب الردة ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي إما أن تقتلوهم أو يدخلوا في دينكم بلا قتال ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي فإِن تستجيبوا وتخرجوا لقتالهم يعطكم الله الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي وإن تتخلفوا عن الخروج كما تخلفتم زمن الحديبية، يعذبكم اللهُ عذابًا شديدًا مؤلمًا في نار جهنم.
. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فقال ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ أي ليس على هؤلاء إِثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد لما بهم من الأعذار الظاهرة ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي من يطع أمر الله وأمر الرسول يدخله جنات النعيم خالدًا فيها ﴿وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي ومن ينكل عن الجهاد لغير عذر يعذبه الله عذابًا شديدًا، في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار.