صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 307 - 320

16

16

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى اغترار المنافقين والكافرين بالحياة الدنيا، نبَّه المؤمنين ألا يكومنوا مثلهم، أو مثل مأهل الكتاب بالاغترار بدار الفناء، ثم ضرب مثلًا للحاية الدنيا وبهرجها الخادع الكاذب، وختتم السورة الكريمة ببيان فضيلة التقوى والعمل الصالح، وأرشد المؤمنين إلى مضاعفة الأجر والنور باتباعهم هدي الرسول ﷺ َ.

اللغَة: ﴿يَأْنِ﴾ يحن يقال: أني يأْني مثل رمى يرمي أي حال، قال الشاعر:

ألم يأنِ لي يا قلب أن أترك الجهلا ... وأن يُحدث الشيب المبينُ لنا عقلًا

﴿تَخْشَعَ﴾ تذل وتلين ﴿الأمد﴾ الأجل أو الزمان ﴿يَهِيجُ﴾ هاج الزرع إِذا جف ويبس بعد خضرته ونضارته ﴿حُطَامًا﴾ فُتاتًا يتلاشى بالرياح ﴿قَفَّيْنَا﴾ ألحقنا وأتبعنا ﴿كِفْلَيْنِ﴾ مثنى كقل وهو النصيب.

سَبَبُ النّزول: لما قدم المؤمنون المدينة، أصابوا من لين العيش وفاهيته، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزلت هذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾ قال ابن مسعود: «ما كان إِسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إِلا أربع سنوات» .

التفسِير: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾ أي أما حان للمؤمنين أن ترقَّ

307

قلوبهم وتلين لمواعظ الله؟ ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ أي ولما نزل من آيات القرآن المبين؟ ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ﴾ أي ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإِنجيل ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي فطال عليهم الزمن الذي بينهم وبين أنبيائهم، حتى صلبت قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة قال ابن عباس: ﴿قست قلوبهم﴾ مالوا إِلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ القرآن وقال أبو حيان: أي صلبت بحيث لا تنفعل للخير والطاعمة والغرض أن الله يحذِّر المؤمنين أن يكونوا مع القرآن كاليهود والنصارى حين قست قلوبهم لما طال عليهم الزمان ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي وكثير من أهل الكتاب خارجون عن طاعة الله، رافضون لتعليم دينهم، من فرط قسوة القلب قال ابن كثير: نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الزمن بدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، ونبذوه وراء ظهروهم، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي اعلموا يا معشر المؤمنين أن الله يحيي الأرض القاحلة المجدبة بالمطر، ويخرج منها النبات بعد يبسها، وهو تمثيل لإِحياء القلوب القاسية بالذكر وتلاوة القرآن، كما تحيا الأرض المجدبة بالغيث الهتان قال ابن عباس: يلين القلوب بعد قسوتها فيجعلها مخبتةً منيبة، وكذلك يحيي القلوب الميتة بالعلم والحكمة قال في البحر: ويظهر أنه تمثيلٌ لتليين القلوب بعد قسوتها، ولتأثير ذكر الله فيها، فكما يؤثر الغيب في الأرض فتعود بعد إجدابها مخصبة، كذلك تعود القلوب النافرة مقبلةً يظهر فيها أثر الخشوع والطاعات ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات﴾ أي وضحنا لكم الحجج والبراهين الدالة على كمال قدرتنا ووحدانيتنا ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي لكي تعقلوا وتتدبروا ما أنزل الله في القرآن ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي الذين تصدقوا بأموالهم على الفقراء ابتغاء وجه الله، والذين أنفقوا في سبيل الله وفي وجوه البر والإِحسان طيبة بها نفوسهم ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي يضاعف لهم ثوابهم بأن تكتب الحسنة بعشر أمثالها، ولهم فوق ذلك ثواب حسن جزيل وهو الجنة قال المفسرون: أصل ﴿المصدقين﴾ المتصدقين أدغمت التاء في الصاد فصارت المصدّقين، ومعنى القرض الحسن هو التصدق عن طيب النفس، وخلوص النية للفقير، فكأن الإِنسان بإِحسانه إِلى الفقير قد أقرض اللهَ قرضًا يستحق عليه الوفاء في دار الجزاء ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ أي صدَّقوا بوحدانية الله ووجوده، وآمنوا برسله إِيمانًا راسخًا كاملًا، لا يخالجه شك ولا ارتياب ﴿أولئك هُمُ الصديقون والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي أولئك الموصوفون بالإِيمان بالله ورسله، هم الذين جمعوا أعلى المراتب فحازوا درجة الصديقية والشهادة في سبيل الله قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صدِّيقٌ وشهيد ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي لهم في الآخرة الثواب الجزيل، والنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أولئك أَصْحَابُ الجحيم﴾ أي والذين

308

جحدوا بوحدانية الله وكذبوا بآياته أولئك هم المخلدون في دار الجحيم قال البيضاوي: فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار، ومن حيث أن الصيغة تشعر بالاختصاص ﴿أولئك أَصْحَابُ الجحيم﴾ والصحبة تدل على الملازمة.

. ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين، ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا وكمال حال الآخر فقال ﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ﴾ أي اعلموا يا معشر السامعين أن هذه الحياة الدنيا ما هي إِلا لعبٌ يُتعب الناس فيها أنفسهم كإِتعاب الصبيان أنفسهم باللعب ﴿وَلَهْوٌ﴾ أي وشغل للإِنسان يشغله عن الآخرة وطاعة الله ﴿وَزِينَةٌ﴾ أي وزينة يتزين بها الجهلاء كالملابس الحسنة، والمراكب البهية، والمنازل الرفيعة ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ أي ومباهاة وافتخار بالأحساب والأنساب والمال والولد كما قال القائل:

أرى أهل القُصور إِذا أُميتوا ... بنوا فوق المقابر بالصخور

أبوا إِلا مباهاةً وفخرًا ... على الفقراء حتى في القبور

﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد﴾ أي مباهاة بكثرة الأموال والأولاد قال ابن عباس: يجمع المال من سخط الله، ويتباهى به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهو ظلماتٌ بعضها فوق بعض ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ﴾ أي كمثل مطرٍ غزير أصاب أرضًا، فأعجب الزُرَّاع نباتُه الناشىء عنه ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ أي ثم ييبس بعد خضرته ونُضرته فتراه مصفر اللون بعد أن كان زاهيًا ناضرًا ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ أي ثم يتحطم ويتكسر بعد يبسه وجفافه فيصبح هشيمًا تذره الرياح كذلك حال الدنيا قال القرطبي: والمراد بالكفار هنا الزُرَّاع لأنهم يغطون البذر، ومعنى الآية أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إِليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيمًا كأن لم يكن، وإِذا أعجب الزراع فهو في غاية الحسن ﴿وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ﴾ أي والجزاء في الآخرة إِما عذاب شديد للفجار، وإِما مغفرة من الله ورضوانٌ للأبرار ﴿وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ مَتَاعُ الغرور﴾ أي وليست الحياة الدنيا في حقارتها وسرعة انقضائها إِلا متاعٌ زائل، ينخدع بها الغافل، ويغتبر بها الجاهل قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغُرور إن ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إِذا دعتك إِلى طلب رضوا الله وطلب الآخرة، فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

. ولما حقَّر الدنيا وصغَّر أمرها، وعظَّم الآخرة وفخَّم شأنها، حثَّ على المساعة إِلى نيل مرضاة الله، التي هي سبب للسعادة الأبدية في دار الخلود والجزاء فقال ﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي تسابقوا أيها الناس وسارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم قال أبو حيان: وجاء التعبير بلفظ ﴿سابقوا﴾ كأنهم في ميدان سباق يجرون إِلى غاية مسابقين إِليها، والمعنى سابقوا إلى سبب المغفرة

309

وهو الإِيمان، وعملُ الطاعات ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض﴾ أي وسارعوا إِلى جنةٍ واسعة فسيحة، عرضها كعرض السموات السبع من الأرض مجتمعة قال السدي: إِن اله تعالى شبَّه عرض الجنة بعرض السموات السبع والأرضين السبع، ولا شك أن طولها أزيد من عرضها، فذكر الرض تنبيهًا على أن طولها أضعاف ذلك وقال البيضاوي: إِذا كان العرض كذلك فما ظنك بالطول، ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ أي هيأها الله وأعدها للمؤمنين المصدّقين بالله ورسله قال المفسرون: وفي الآية دلالة على أن الجنة مخلوقة وموجودة لأن ما لم يُخلق بعد لا يوصف بأنه أُعدَّ وهُيءَ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي ذلك الموعود به من المغفرة والجنة هو طاء الله الواسع، يتفضل به على من يشاء من عبادة من غير إيجاب ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ أي ذو العطاء الواسع والإِحسان الجليل ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض﴾ أي ما يحدث في الأرض مصيبةً من المصائب كقحطٍ، وزلزلةٍ، وعاهة في الزروع، ونقصٍ في الثمار ﴿وَلاَ في أَنفُسِكُمْ﴾ أي من الأمراض، والأوصاب، والفقر، وذهاب الاولاد ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ أي إِلاَّ ويه مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل أن نخلقها ونوجدها قال في التسهيل: المعنى أن الأمور كلها مقدَّرة في الأزل، مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل ن تكون، وفي الحديث

«إن الله يكتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء» ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ أي إن إثبات ذلك على كثرته سهلٌ هيّنٌ على الله عز وجل وإِن كان عسيرًا على العباد. . ثم بيَّن تعالى لنا الحكمة في إعلامنا عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر فقال ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ﴾ أي أثبت وكتب ذلك كي لا تحزنوا على ما فاتكم من نعيم الدنيا ﴿وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ أي ولكي لا تبطروا بما أعطاكم الله من زهرة الدنيا وتعميمها قال المفسرون: والمراد بالحزن الحزنُ الذي يوجب القنوط، وبالفرح الفرحُ الذي يورث الأشر والبطر، ولهذا قال ابن عباس: «ليس من أحدٍ إِلا وهو يحزن ويفرح، ولكنَّ المؤمن يجعل مصيبته صبرًا، وغنيمته شكرًا» ومعنى الآية: لا تحزنوا حزنًا يخرجكم إِلى أن تهلكوا أنفسكم، ولا تفرحوا فرحًا شديدًا يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا، ولهذا قال بعض العارفين: «من عرف سرَّ الله في القدر هانت عليه المصائب» وقال عمر رضي الله عنه: «ما أصابتني مصيبة إِلا وجدت فيها ثلاث نعم: الأولى: أنها لم تكن في ديني، الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يعطي عليها الثواب العظيم والأجر الكبير ﴿وَبَشِّرِ الصابرين الذين إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون﴾ [البقرة: 155157] ﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي لا يحب كل متكبر معجبٍ بما أعطاه الله من حظوظ الدنيا، فخور به على الناس. . ثم بيَّن تعالى أوصاف هؤلاء المذمومين فقال ﴿الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ أي يبخلون بالإِنفاق في سبيل الله، ولا يكفيهم ذلك حتى يأمروا الناس بالبخل ويرغبوهم في الإِمساك ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي ومن يعرض عن

310

الإِنفاق ﴿فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾ أي فإِن الله مستغنٍ عنه وعن إِنفاقه، محمودٌ في ذاته وصفاته، لا يضره الإِعراض عن شكره، ولا تنفعه طاعة الطائعني، وفيه وعيدٌ وتهديد ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات﴾ اللام موطئة لقسم محذوف أي والله لقد بعثنا رسلنا بالحجج القواطع والمعجزات البينات ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان﴾ أي وأنزلنا معهم الكتب السماوية التي فيها سعادة البشرية، وأنزلنا القانون الذي يُحكم به بين الناس، وفسَّر بعضهم الميزان بأنه العدلُ وقال ابن زيد: وهو ما يُوزن به ويُتعامل ﴿لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ أي ليقوم الناس بالحق والعدل في معاملاتهم ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي وخلقنا وأوجدنا الحديد فيه بأس شديد، لأن آلات الحرب تُتخذ منه، كالدروع، والرماح، والتروس، والدبابات وغاير ذلك ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي وفيه منافع كثير للناس كسكك الحراثة، والسكين، والفأس وغير ذلك وما من صناعةٍ إِلا والحديدُ آلة فيها قال أبو حيان: وعبَّر تعالى عن إيجاده بالإِنزال كما قال

﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6] لأن الأوامر وجميع القضايا والأحكام لما كانت تُلقى من السماء جعل الكل نزولًا منها، وأراد بالحديد جنسه من المعادن قاله الجمهور ﴿وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب﴾ عطفٌ على محذوف مقدر أي وأنزلنا الحديد ليقاتل به المؤمنون أعداءهم ويجاهدوا لإِعلاء كلمة الله، وليعلم الله من ينصر دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وسائر الأسلحة مؤمنًا بالغيب قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، ثم قال تعالى ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي قادر على الانتقام من أعدائه بنفسه، عزيزٌ أي غالب لا يُغالب فهو غني بقدرته وعزته عن كل أحد قال البيضاوي: أي قويٌ على إِهلاك من أراد إِهلاكه، عزيزٌ لا يفتقر إِلى نصرة أحد، وإِنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا الثواب وقال ابن كثير: معنى الآية أنه جعل الحديد رادعًا لمن أبى الحقَّ وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله ﷺ َ بمكة ثلاث عشرة سنة تُوحى إِليه السور، ويقارعهم بالحجة والبرهان، فلما قامت الحجة على من خالف أمر الله، شرع الله الهجرة وأمر المؤمنين بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب، ولهذا قال عليه السلام «بُعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجُعل رزقي تحت ظل رُمحي، وجعل الذي والصِّغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم» ثم قال تعالى ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي هو قوي عزيز ينصر من شاء من غير احتياج منه إِلى الناس، وإِنمام شرع الجهاد ليبلو بعضهم ببعض ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب﴾ لما ذكر بعثة الرسل ذكر هنا شيخ الأنبياء نوحًا عليه السلام، وأبا الأنبياء إِبراهيم عليه السلام وبيَّن أنه جعل في نسلهما النبوة والكتب السماوية أي وباللهِ لقد أرسلنا نوحًا وإِبراهيم وجعلنا النبوة في نسلهما، كما أنزلنا الكتب الأربعة ويه «التوراة والزبور والإِنجيل والقرآن» على ذريتهما، وإِنما خصَّ نوحًا وإِبراهيم بالذكر تشريفًا لهما وتخليدًا لمآثرهما الحميدة ﴿فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي فمن ذرية نوح وإِبراهيم أناس مهتدون، وكثيرٌ منهم عصاٌ خارجون عن الطاعة وعن الطريق المستقيم ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا﴾ أي ثم

311

أتبعنا بعدهم برسلنا الكرام، أرسلناهم رسولًا بعد رسول، موسى، وإِلياس، وداود، وسليمان، ويونس وغيرهم ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ أي وجعلناه بعد أولئك الرسل لأن كان آخر الأنبياء من بني إِسرائيل ﴿وَآتَيْنَاهُ الإنجيل﴾ أي وأنزلنا عليه الإِنجيل الذي فيه البشارة بمحمد ﷺ َ ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ أي وجعلنا في قلوب أتباعه الحواريين الشفقة واللين قال في التسهيل: هذا ثناء من اله عليهم بمحبة بعضهم في بعض كما وصف تعالى أصحاب سيدنا محمد ﷺ َ بأنهم

﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي ورهبانيةً ابتدعها القسسُ والرهبان وأحدثوها من تلقاء أنفسهم، ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها قال أبو حيان: والرهبانيةُ رفضُ النساء وشهوات الدنيا، واتخاذ الصوامع ومعنى ﴿ابتدعوها﴾ أي أحدثوها من عند أنفسهم ﴿إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله﴾ أي ما أمرناهم إِلا بما يرضي الله، والاستثناء منقطع والمعنى ما كتبان عليهم الرهبانية، ولكنه فعلوها من تلقاء أنفسهم ابتغاء رضوان الله ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي فما قاموا بها حقَّ القيام، ولا حافظوا عليها كما ينبغي قال ابن كثير: وهذا ذمٌ لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به اللهُ والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة تقربهم إِلى الله عز وجل، وفي الحديث «لكل أمة رهبانية، ورهبانةي أمتي الجهاد في سبيل الله» ﴿فَآتَيْنَا الذين آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي فأعطينا الصالحين من أتباع عيسى الذين ثبتوا على العهد وآمنوا بمحمد ﷺ َ ثوابهم مضاعفًا ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي وكثير من النصارى خارجون عن حدود الطاعة منتهكون لمحارم الله كقوله تعالى ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ [التوبة: 34] ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ أي يا من صدقتم بالله اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ودوموا واثبتوا على الإِيمان ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي يعطكم ضعفين من رحمته ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ أي ويجعل لكم في الآخرة نورًا تمشون به على الصراط ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي ويغفر لكم ما أسلفتم من المعاصي ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي عظيم المغفرة واسع الرحمة ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّن فَضْلِ الله﴾ أي إنما بالغنا في هذا البيان ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بهم، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة فيهم، فلا في قوله ﴿لِّئَلاَّ﴾ زائدة والمعنى ليعلم المفسرون: إن أهل الكتاب كانوا يقولون الوحي والرسالة فينا، والكتابُ والشرع ليس إِلا لنا، والله خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين، فردَّ الله عليهم بهذه الآية الكريمة ﴿وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي وأن أمر النبوة والهداية والإِيمان بيد الرحمن يعطيه لمن يشاء من خلقه ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ أي والله واسع الفضل والإِحسان.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 -

312

الطباق بين ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وبين ﴿الأول والآخر﴾ وبين ﴿الظاهر والباطن﴾ .

2 - المقابلة بين ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ وبين ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾

[الحديد: 4] .

3 - رد العجز على الصدر ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ [الحديد: 6] وهو وما سبقه من المحسنات البديعية.

4 - حذف الإِيجاز ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: 10] حذف منه جملة «ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل» وذلك لدلالة الكلام عليه ويسمى هذا الحذف بالإِيجاز.

5 - الاستعارة اللطيفة ﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [الحديد: 9] أي ليخرجكم من ظلمات الشرك إِلى نور الإِيمان، فاستعار لفظ ﴿الظلمات﴾ للكفر والضلالة ولفظ ﴿النور﴾ للإِيمان والهداية وقد تقدم.

6 - الاستعارة التمثيلية ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: 11] مثَّل لمن ينفق ماله ابتغاء وجه الله مخلصًا في عمله بمن يُقرض ربه قرضًا واجب الوفاء بطريق الاستعارة التمثيلية.

7 - الأسلوب التهكمي ﴿مَأْوَاكُمُ النار هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ [الحديد: 15] أي لا ولي لكم ولا ناصر إِلا نار جهنم وهو تهكم بهم.

8 - المقابلة اللطيفة بين قوله ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة﴾ وقوله ﴿وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ [الحديد: 13] .

9 - التشبيه التمثيلي ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا. .﴾ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد.

10 - الجناس الناقصس ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ لتغير الشكل وبعض الحروف.

11 - السجع المرصَّع كأنه الدر المنظوم ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ وقوله تعالى ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ [الحديد: 13] وهو كثير في القرآن.

313

المجادلة

1

اللغَة: ﴿تَحَاوُرَكُمآ﴾ المحاورة: المراجعة في الكلام من حار الشيء يحور إِذا رجع يرجع ومنه الدعاء المأثور «نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر» قال عنترة في فرسه:

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي

﴿يُظَاهِرُونَ﴾ الظهار مشتق من الظهر يقال: ظاهر من امرأته إِذا حرمها على نفسه بقوله: أنتِ عليَّ كظهر أُمي ﴿مُنكَرًا﴾ المنكر: كل ما قبَّحه الشرع وحرَّمه ونفَّر منه، وهو خلاف المعروف ﴿يُحَآدُّونَ﴾ المحادَّة: المعادة والمخالفة في الحدود والأحكام وهي مثل المشاقة قال الزجاج: المحادَّة أن تكون في حدٍّ يخالف حد صاحبك، وأصلها الممانعة ﴿كُبِتُواْ﴾ الكبتُ: القهر والإِذلال

315

والخزي يقال: كبته أي قهره وأخزاه ﴿نجوى﴾ النجوى: الكلام بين اثنين فأكثر سرًا، تناجى القوم تحدثوا فيما بينهم سرًا ﴿حَسْبُهُمْ﴾ كافيهم.

سَبَبُ النّزول: أروي «أن» خولة بن ثعلبة «امرأة» أوس بن الصامت «أراد زوجها مواقعتها يومًا فأبت، فغضب وظاهر منها، فأتت رسول اله ﷺ َ وقالت يا رسول الله: إن أوسًا ظاهر مني بعد أن كبرت سني، ورقَّ عظمي، وإنَّ لي منه صبيةً صغارًا، إِن ضممتُهم إِليه ضاعوا، وإِن ضممتهم إِليَّ جاعوا فما ترى!! فقال لها: ما أراك إِلا قد حرمت عليه، فقالتْ يا رسول الله: واللهِ ما ذكر طلاقًا وهو أو ولدي وأحبُّ الناس إِليَّ، فجعل رسول الله ﷺ َ يعيد قوله: ما أراك إِلا قد حرمتِ عليه، هي تكرر قولها، فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزل قول الله تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتشتكي إِلَى الله. .﴾» الآيات.

ب وروى البخاري «عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعُه الأصواتَ، لقد جاءت المجادلة خولة بنت ثعلبة فكلمت رسول الله ﷺ َ وأنا في جانب البيت أسمع كلامها ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها وتقول يا رسول الله: أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إِذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إِني أشكو إِليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات» .

التفسِير: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ «قد» لا تدخل إِلا على الأفعال، وإِذا دخلت على الماضي أفادت التحقيق، وإِذا دخلت على المضارع أفادتم التقليل كقولك: قد يجودُ البخيلُ، وقد ينزل المطر والمعنى: حقًا لقد سمع الله قول المرأة التي تراجعك وتحاورك في شأن زوجها قال الزمخشري: ومعنى سماعه تعالى لقولها إِجابة دعائها، لا مجرد عمله تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع اللهُ لمن حمده ﴿وتشتكي إِلَى الله﴾ أي وتتضرع إِلى الله في تفريضج كربتها ﴿والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ أي واللهُ جلَّ وعلا يسمع حديثكما ومراجعتكما الكلام، ماذا قالت لك، وماذا رددت عليها ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي سميع بمن يناجيه ويتضرع إِليه، بصير بأعمال العباد، وهو كالتعليل لما قبله، وكلاهما من ضيع المبالغة أي مبالغ في العلم بالمسموعات والمبصرات.

. ثم ذمَّ تعالى الظهار وبيَّن حكمه وجزاء فاعله فقال ﴿الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ أي الذين يقولون لنسائهم: أنتن كظهور أمهاتنا يقصدون بذلك تحرمهن عليهم كتحريم أمهاتهن، لسن في الحقيقة أمهاتهم وإِنما هنَّ زوجاتهم قال الإِمام الفخر: الظهار هو عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، يقصد عُلُوّي عليك حرامٌ كعلوي على أمي، والعربُ تقول في الطلاق: نزلتُ عن أمرأتي أي طلقتها، فغرضهم من هذه اللفظة تحريم معاشرتها

316

تشبيهًا بالأم وقوله ﴿مِنكُمْ﴾ توبيخٌ للعرب وتهجينٌ لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصةً دون سائر الأمم ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ أي ما أمهاتهم في الحقيقة إِلاَّ الوالدات اللات ولدنهم من بطونهم وفي المثل «ولدك من دمَّى عقبيك» وهو تأكيد لقوله ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ زيادة في التوضيح والبيان ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القول وَزُورًا﴾ أي والحال إِن هؤلاء المظاهرين ليقولون كلامًا منكرًا تننكره الحقيقة وينكره الشرع، وهو كذبٌ وزورٌ وبهتان ﴿وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي مبالغ في العفو والمغفرة لمن تاب وأناب قال في التسهيل: أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور، فالمنكر هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور هو الكذب، وإِنما جعله كذبًا لأن المظاهر يجعل امرأته كأمه. وهي لا تصير كذلك أبدًا والظهار محرم ويدل على تحريمه أربعة أشياء: أحدها قوله ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ فإِن ذلك تكذيب للمظاهر والثاني أنه سمَّاه منكرًا والثالث أنه سماه زورًا والرابع قوله تعالى ﴿وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ فإِنَّ العفو والمغفرة لا تقع إِلا عن ذنب، والذنب مع ذلك لازمٌ للمظاهر حتى يرفعه بالكفارة. . ثم بيَّن تعالى طريق الكفارة عن هذا القول الشنيع فقال ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ أي يظاهرون من زوجاتهم بتشبيههنَّ بالأمهات ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي يعودون عمَّا قالوا، ويندمون على ما فرط منهم، ويرغبون في إعادة أزواجهم إِليهم ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ أي فعليهم إِعتاقُ رقبةٍ عبدًا كان أو أمةً من مقبل أن يعاشر زوجته التي ظاهر منها أو يجامعها، والتَّماسُّ كنابةٌ عن الجماع ودواعيه من التقبيل واللمس عند الجمهور قال الخازن: المرادُ من التماسِّ المجامعةُ فلا يحل للمظاهر وطءُ امرأته التي ظاهر منها ما لم يُكفِّر وقال القرطبي: لا يجوز للمظاهر الوطءُ قبل التكفير، فإِن جامعها قبل التكفير أثم وعصى ولايسقط عنه التكفير، وعن مجاهد تلزمه كفارتان ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي ذلكم هو حكم الله فيمن ظاهر ليتعظ به المؤمنون، حتى تتركوا الظهار ولا تعودوا إليه ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي عالم بظواهر الأمور وبواطنها ومجازيكم بها، فحافظوا على حدود ما شرع لكم من الأحكام ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ أي فمن لم يجد الرقبة التي يعتقها فعليه صيام شهرين متواليين من قبل الجماع قال المفسرون: لو أفطر يومًا منها انطقع التتابع ووجب عليه أن يستأنفها ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ أي فمن لم يستطع الصيام لكبرٍ أو مرمض، فعليه أن يُطعم ستين مسكينًا ما يشبعهم ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي ذلك الذي بيناه من أحكام الظهار من أجل أن تصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه، ولا تستمروا على أحكام الجاهلية ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ أي وتلك هي أوامرُ اله وحدوده فلا تعتدوها ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي وللجاحدين والمكذبين بهذه الحدود عذاب مؤلم موجع قال الألوسي: أطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظًا وزجرًا.

. ﴿إِنَّ الذين يُحَآدُّونَ﴾ ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر المحادين المخالفين لها فقال ﴿إِنَّ الذين يُحَآدُّونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي يخالفون أمر الله ورسوله، ويعادون الله ورسوله قال أبو السعود: أي

317

يعادونهما ويشاقونهما لأن كلًا من المتعاديين في حدٍّ وجهة غير حدِّ الآخر وجهته، وإِنما ذكرت المحادَّة هنا دون المعاداة والمشاقّة لمناسبة ذكر «حدود الله» فكان بينهما من حسن الموقع ما لا غاية وراءه ﴿كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي خُذلوا وأهينوا كما خُذل من قبلهم من المنافقين والكفار الذين حادُّوا الله ورسله وأُذلوا وأُهينوا ﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي والحال أنا قد أنزلنا آياتٍ واضحات، فيها الحلال والحرام، والفرائض والأحكام ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي وللكافرين الذين جحدوها ولم يعملوا بها عذاب شديد يهينهم ويذهب عزَّهم قال الصاوي: وقد نزلت هذه الآية في كفار مكة يوم الأحزاب حين أرادوا التحزب على رسول الله ﷺ َ والمقصودُ بها تسلية رسول الله ﷺ َ وبشارته مع المؤمنين بأن أعدائهم المتحزبين سيذلون ويخذلون ويفرق جمعهم فلا تخشوا بأسهم ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعًا﴾ أي اذكر ذلك اليوم الرهيب حين يحشر الله المجرمين كلهم في صعيد واحد ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عملوا﴾ أي فيخبرهم بما ارتكبوا في الدنيا من جرائم وآثام ﴿أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ﴾ أي ضبطه الله وحفظه عليهم في صحائف أعمالهم، بينما هم نسوا تلك الجرائم لاعتقادهم أن لا حساب ولا جزاء ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي وهو جل وعلا مطَّلع وناظر لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء. . ثم بيَّن تعالى سعمة علمه، وإحاطته بجميع الأشياء، وأنه تعالى يرى الخلق ويسمع كلامهم ويرى مكانهم حيث كانوا وأين كانوا فقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ أي ألم تعلم أيها السامع العاقل أن الله مطَّلع على كل ذرةٍ في الكون، لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يخفى عليه سرٌّ ولا علانية، ما يقع من حديثٍ وسرٍّ بين ثلاثة أشخاص إِلا كان الله رابعهم بعلمه ومشاركًا لهم فيما يتحدثون ويتهامسون به في خفية عن الناس.

﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ أي ولا يقع مناجاةٌ وحديث بالسر بين خمسة أشخاص إِلا كان الله معهم بعلمه حتى يكون هو سادسهم ﴿وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ أي ولا أقلَّ من ذلك العدد ولا أكثر منه إِلاّ واللهُ معهم يعلم ما يجري بينهم من حديثٍ ونجوى، والغرض: أنه تعالى حاضر عباده، مطَّلع على أحوالهم وأعمالهم، وما تهجس به أفئدتهم، لا يفخى عليه شيء من أمور العباد، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي ثم يخبرهم تعالى بما عملوا من حسن وسيء ويجازيهم عليه يوم القيامة، لأنه عالم بكل شيء من الأشياء قال المفسرون: ابتدأ الله هذه الآيات بالعلم بقوله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ﴾ واختتمها بالعلم بقوله ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لينبه إِلأى إِحاطة علمه جل وعلا بالجزيئات والكليات، وأنه لا يغيب عنه شيء في الكائنات لأنه قد أحاط بكل شيء علمًا، قال ابن كثير: وقد حكى غير واحد الإِجماع على أن المراد بالمعية في هذه الآية ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ معية علمه تعالى، ولا شك في إِرادة ذلك، فسمعه مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطَّلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء. . ثم أخبر تعالى عن أحوال اليهود والمافقين فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى﴾ قال القرطبي: نزلت في

318

اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فشكوا ذلك إِلأى رسول الله ﷺ َ فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي ثم يرجعون إِلى المناجاة التي نهُوا عنها قال أبو السعود: والهمزة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتعجيب من حالهم، وصيغة المضارع ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ للدلالة على تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول﴾ أي ويتحدثون فيما بينهم بما هو إِثم وعدوان ومخالفة لأمر الرسول ﷺ َ لأن حديثهم يدور حول المكمر والكيد بالمسلمين، قال أبو حيان: بدأ بالإِثم لعمومه، ثم بالعُدوان لعظمته في النفوس إِذ هي ظُلامات العباد، ثم ترقَّى إِلى ما هو أعظم وهو معصية الرسول عليه الصلاة والسلام ُ، وفي هذا طعنٌ على المنافقين إِذ كان تناجيهم في ذلك ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله﴾ أي وإِذا أحضروا عندك يا محمد حيَّوك بتحيةٍ ظالمةٍ لم يشرعها الله ولم يأذن فيها، وهي قولهم «السامُ عليكم» أي الموت عليكم قال المفسرون:

«كان اليهود يأتون رسول الله ﷺ َ فيقولون: السامُ علكيم بدلًا من السلام عليكم، والسامُ الموتُ وهو ما أرادوه بقولهم، وكان رسول الله ﷺ َ يقول لهم: وعلكيم لا يزيد عليها، فسمعتهم عائشة يومًا فقالت: بل عليكم السماُ واللعنة، فلما انصرفوا قال لها رسول الله ﷺ َ: مهلًا يا عائشة، إِن الله يكره الفُحش والتفحش فقال يا رسول الله: أما سمعتَ ما قالوا؟ فقال لها: أما سمعتِ ما قلت لهم؟ إِني قلت لهم: وعليكم، فيستجيب الله لي فيهم، ولا يستجيب لهم فيَّ» ﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ﴾ اي ويقولون فيما بينهم، هلاَّ يعذبنا الله بهذا القول لو كان محمدًا نبيًا؟ فلو كان نبيًا حقًا لعذبنا الله على هذا الكلام قال تعالى ردًا عليهم ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾ أي يكفيهم عذابًا أن يدخلوا نار جهنم ويصلوا حرها ﴿فَبِئْسَ المصير﴾ أي بئست جهنم مرجعًا ومستقرًا لهم قال ابن العربي: كانوا يقولون: لو كان محمد نبيًا لما أمهلنا الله بسبَه والاستخفاف به، وجهلوا أن الباري تعالى حليمٌ لا يعاجل العقوبة لمن سبَّه فكيف من سبَّ نبيه!! وقد ثبت في الصحيح «لا أحد أصبر على الأذى من الله، يدعون له الصاحبة والولد وهو يعاقبهم ويرزقهم» فأنزل الله تعالى هذا كشفًا لسرائرهم، وفضحًا لبواطنهم وتكريمًا لرسوله ﷺ َ، وأما إمهالهم في الدنيا فمن كراماته ﷺ َ على ربه لكونه بعث رحمةً للعالمينِ. . ثم نهى تعالى المؤمنين عن التناجي بما هو إِثم ومعصية فقال ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول﴾ أي إِذا تحدثتم فيما بينكم سرًا فلا تتحدثوا بما فيه إِثم كالقبيح من القول، أو بما هو عدوان على الغير، أو مخالفة ومعصية لأمر الرسول ﷺ َ ﴿وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى﴾ أي وتحدثوا بما فيه خيرٌ وطاعة وإحسان قال القرطبي: نهى تعالى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود، وأمرهم أن يتناجوا بالطاعة والتقوى والعفاف عما نهى الله عنه ﴿واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي وخافوا الله بامتثالكم أوامره واجتنابكم نواهيه، الذي سيجمعكم للحساب، ويجازي كلًا بعمله ﴿إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان لِيَحْزُنَ الذين آمَنُواْ﴾ أي

319

ليست النجوى بالإِثم والعدوان إِلا من تزيين الشيطان، ليُدخل به الحزن على المؤمنين قال ابن كثير: أي إِنما يصدر هذا من المتناجين عن تزيين الشيطان وتسويله ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي وليس هذا التناجي بضارٍ للمؤمنين شيئًا إِلآ بمشيئة الله وإرادته ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ أي وعلى الله وحدجه فليعتمد ولْيثق المؤمنون، ولا يبالوا بنجوى المنافقين فإن الله يعصمهم من شرهم وكيدهم، وفي الحديث «إِذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإِن ذلك يحزنه» .

320