صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 320 - 333

11

11

المنَاسَبَة: لما نهى تعالى عباده المؤمنين عمَّا يكون سببًا للتباغض والتنافر، أمرهم بما يصير سببًا لزيادة المحبة والمودَّة، وهو التوسع في المجالس بأن يفسح بعضهم لبعض، ثم حذَّر من موالاة أعداء الله، وختم السورة الكريمة ببيان أوصاف المؤمنين الكاملين.

اللغَة: ﴿تَفَسَّحُواْ﴾ توسَّعوا يقال: فسح له في المجلس أي وسَّع له، منه مكان فسيح اي واسع ﴿انشزوا﴾ انهضوا وارتفعوا يقال: نشز ينشُز إِذا تنحَّى من مجلسه وارتفع منه، وأصله من النَّشز

320

وهو ما ارتفع من الأرض ﴿جُنَّةً﴾ بضم الجيم وقاية ﴿استحوذ﴾ استولى وغلب على عقولهم ﴿الأذلين﴾ الأذلاء المغمورين في الذل والهوان.

سَبَبُ النّزول: أعن مقاتل قال: «كان النبي ﷺ َ يُكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناسٌ من أهل بدر فيهم» ثابت بن قيس «وقد سُبقوا إِلى المجلس، فقاموا حيال النبي ﷺ َ على أرجلهم ينتظرون أن يوسَّع لهم فلم يفسحوا لهم، فشقَّ ذلك على النبي ﷺ َ فقال لمن حوله من غير أهل بدر قم يا فلان، فم يا قلان، بعدد الواقفين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك وقالوا: ما عدل هؤلاء، قوم أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه!! فأنزل الله تعالى ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ. .﴾» الآية.

ب عن ابن عباس قال: «إن الناس سألوا رسول الله ﷺ َ وأكثروا عليه حتى شقَّ ذلك عليه ﷺ َ فأراد الله أن يخفّف عن نبيه ويثبِّطهم عن ذلك فأنزل الله ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً. .﴾ الآية فلما نزلت جبن كثير من المسلمين وكفَّوا عن المسألة.

ج قال السدي:» كان «عبد الله بن نبتل» المنافق يجالس رسول الله ﷺ َ ويرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله ﷺ َ في حجرةٍ من حجراته إِذ قال يدخل عليكم الآن رجلٌ قلبه قلبُ جبار وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق العينين فقال له النبي ﷺ َ: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل ذلك، فقال له النبي ﷺ َ: بل فعلت، فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبُّوه فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ «.

التفسِير: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ﴾ نداءٌ من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصفٍ وألطف عبارة أي يا من صدَّقتم الله ورسوله وتحليتم بالإِيمان الذي هو زينة الإِنسان ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس فافسحوا﴾ أي إِذا قال لكم أحد توسعوا في المجالس سواءً كان مجلس الرسول ﷺ َ أو غيره من المجالس فتوسعوا وافسحوا له ﴿يَفْسَحِ الله لَكُمْ﴾ أي يوسِّع لكم ربكم في رحمته وجنته قال مجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ َ فأُمروا أن يفسح بعضهم لبعض قال الخازن: أمر الله المؤمنين بالتواضع وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد الجلوس عند النبي ﷺ َ لتساوى الناس في الأخذ من حظهم من رسول الله ﷺ َ وفي الحديث» لايقيمنَّ أحدكم رجلًا من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكنْ توسَّعوا وتفسَّحوا يفسح اللهُ لكم «قال الإِمام الفخر: وقوله ﴿يَفْسَحِ الله لَكُمْ﴾ مطلٌ

321

في كل ما يطلب الناس الفسحة فيه في المكان، الرزق، والصدر، والقبر، والجنة، واعلم أن الآية دلت على أن كل من وسَّع على عباد الله أبواب الخير والراحة وسَّع عليه خيرات الدنيا والآخرة وفي الحديث

«لايزال الله في عون العبد ما زال العبد في عون أخيه» ﴿وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ﴾ أي وإِذا قيل لكم أيها المؤمنون انهضوا من المجلس وقوموا لتوسّعوا لغيركم فارتفعوا منه وقوموا قال ابن عباس: معناه إِذا قيل لكم ارتفعوا فارتفعوا قال في البحر: أُمروا أولًا بالتفسح في المجلس، ثم ثانيًا بامتثال الأمر فيه إِذا أُمروا، وألا يجدوا في ذلك غضاضة ﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ﴾ أي يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة أعلى المراتب، ويمنحهم أعلى الدرجات الرفيعة في الجنة قال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية ثم قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم فإن الله يقول يرفع المؤمن العالم فوق المؤمن الذي ليسبعالم درجات وقال القرطبي: بيّن في هذه الآية أن الرفعة عند الله بالعلم والإِيمان، لا بالسبق إِلى صدور المجالس، وفي الحديث «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» وعنه ﷺ َ «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» فأعظمْ بمنزلةٍ هي واسطةٌ بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله ﷺ َ ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي خبير بمن يستحق الفضل والثواب ممن لا يستحقه ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول﴾ أي إِذا أردتم محادثته سرًا ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ أي فقدموا قبلها صدقة تصدَّقوا بها على الفقراء قال الألوسي: وفي هذا الأمر تعظيم لمقام الرسول ﷺ َ، ونفعٌ للفقراء، وتمييزٌ بين المخلص والمنافق، وبين محب الدنيا ومحب الآخرة ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي تقديم الصدقاتن قبل مناجاته أفضل لكم عند الله لما فيه من امتثال أمر الله، وأطهر لذنوبكم ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي فإِن لم تجدوا ما تتصدقون به فإِن الله يسامحكم ويعفو عنكم، لأنه لم يكلف بذلك إِلا القادر منكم ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ عتابٌ للمؤمنين رقيقٌ رفيق أي أخفتم أيها المؤمنون الفقر إِذا تصدقتم قبل مناجاتكم للرسول ﷺ َ؟ والغرضُ: لا تخافوا فإِن الله يرزقكم لأنه غني بيده خزائن السموات والأرض، وهو عتاب لطيف كما بينا، ثم نسخ

322

تعالى الحكم تيسيرًا على المؤمنين فقال ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ﴾ أي فإِذا لم تفعلوا ما أُمرتم به وشقَّ ذلك عليكم، وعفا الله عنكم بأن رخَّص لكم مناجاته من غير تقديم صدقة ﴿فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ أي فاكتفوا بالمحافظة على الصلاة ودفع الزكاة المفروضة ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله في جميع أحوالكم ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي محيطٌ بأعمالكم ونياتكم قال المفسرون: نسخ الله ذلك تخفيفًا على العباد حتى قال ابن عباس: ما كان ذلك إِلا ساعةً من نهار ثم نسخ قال القرطبي: نسختْ فرضيةُ الزكاة هذه الصدقة، وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: «آية في كتاب الله لم يعمل بها على أحد قبلي ولا بعدي، كان عندي دينار فتصدقت به ثم ناجيت الرسول ﷺ َ الخ فضعيفٌ لأن الله تعالى قال ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ﴾ وهذا يدل على أن أحدًا لم يتصدق بشيء ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِم﴾ تعجيبٌ للرسول ﷺ َ من أمر المنافقين الذين اتخذوا اليهود المغضوب عليهم أولياء، يناصحونهم وينقلون إِليهم أسرار المؤمنين!! قال الإِمام الفخر: كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله

﴿مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 60] وكانوا ينقلون إِليهم أسرار المؤمنين ﴿مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ﴾ أي ليس هؤلاء المنافقون من المسلمين ولا من اليهود، بل هم مذبذبون بين ذلك كقوله تعالى ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء﴾ [النساء: 43] قال الصاوي: أي ليسوا من المؤمنين الخلَّص، ولا من الكافرين الخُلَّص، لا ينتسبون إِلى هؤلاء ولا إِلى هؤلاء ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي ويحلفون بالله كاذبين يقولون: والله إِنا لمسلمون، وهم يعملون أنهم كذبة فجرة قال أبو السعود: والصيغةُ مفيدة لكمال شناعة ما فعلوا، فإِن الحلف على ما يُعلم أنه كذبٌ في غاية القبح ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي هيأ لهم تعالى بسبب نفاقهم عذابًا في نهاية الشدة والألم، وهو الدرك الأسفل في جهنم

﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145] ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي بئس ما فعلوا وبئس ما صنعوا ﴿اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي جعلوا أيمانهم الكاذبة الفاجرة وقايةً لأنفسهم وسترةً لها من القتل قال في التسهيل: أصل الجُنَّة ما يُستتر به ويُتقى به المحذور كالترس، ثم استعمل هنا بطريق الاستعارة لأنهم كانوا يظهرون الإِسلام ليعصموا دماءهم وأموالهم ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي فمنعوا الناس عن الدخول في الإِسلام، بإِلقاء الشبهات في قلوب الضعفاء والمكر والخداع بالمسلمين ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي فلهم عذاب شديد في غاية الشدة والإِهانة ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ الله شَيْئًا﴾ أي لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم في الآخرة، ولن تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله ﴿أولئك أَصْحَابُ النار﴾

323

﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي هم أهل النار لا يخرجون منها أبدًا ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعًا﴾ أي يحشرهم يوم القيامة جميعًا للحساب والجزاء ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ أي فيحلفون لله تعالى كما يحلفون لكم اليوم في الدنيا كذبًا أنهم مسلمون قال بان عباس: هو قولهم: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْءٍ﴾ أي يظنون أن حلفهم في الآخرة ينفعهم وينجيهم من عذابها كما نفعهم في الدنيا بدفع القتل عنهم قال أبو حيان: والعجب منهم كيف يعتقدون أن كفرهم يخفى على علاَّم الغيوب، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم ونفاقهم، والمقصود أنهم تعودوا الكذب حتى كان على ألسنتهم في الآخرة كما كان في الدنيا ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون﴾ أي ألا فانتبهوا أيها الناس إِن هؤلاء هم البالغون في الكذب الغاية القصوى حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب ﴿استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ الله﴾ أي استولى على قلوبهم الشيطان وغلب عليهم تملَّك نفوسهم حتى أنساهم أن يذكروا ربهم ﴿أولئك حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي أولئك هم أتباع الشيطان وأعوانه وأنصاره ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ أي أتباع الشيطان وجنوده هم الكاملون في الخسران والضلالة، لأنهم فوَّتوا على أنفسهم النعيم الدائم وعرضوها للعذاب المقيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي يعادون الله ورسوله ويخالفون أمرهما ﴿أولئك فِي الأذلين﴾ أي أولئك في جملة الأذلاء المبعدين من رحمة الله ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ أي قضى الله وحكم أن الغلبة لدينه ورسله وعباده المؤمنين ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي هو تعالى قويٌ على نصر رسله وأوليائه، غالبٌ على أعدائه، لا يُقهر ولا يُغلب قال مقاتل: لما فتح الله مكة والطائف وخيبر للمؤمنين قالوا: نرجو أن يُظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن سلول: أتظنون أن الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟! والله إِنهم لأكثر عددًا، وأشد بطشًا من أن تظنوا فيهم ذلك فنزلت ﴿تَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي لا يمكن أن ترى أيها السامع جماعة يصدقون بالله وباليوم الآخر يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله وخالف أمرهما، لأن من أحبَّ الله عادى أعداءه، ولا يجتمع في قلب واحد حبٌّ الله وحبُّ أعدائه، كما لا يجتمع النور والظلام قال المفسرون: غرضُ الآية النهي عن مصادقة ومحبة الكفرة والمجرمين، ولكنها جاءت بصورة إِخبارٍ مبالغةً في النهي والتحذير قال الإِمام الفخر: المعنى أنه لا يجتمع الإِيمان مع حبِّ أعداء الله، وذلك لأن من أحبَّ أحدًا امتنع أن يحب عدوه، لأنهما لا يجتمعان في القلب، فإِذا حصل في القلب مودة أعداء الله لم يحصل فيه الإِيمان ﴿وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أي ولو كان هؤلاء المحادُّون لله ورسوله أقرب الناس إِليهم، كالآباء، والأبناء، والإِخوان، والعشير، فإِن قضية الإِيمان بالله تقتضي معاداة أعداء الله قال في البحر: بدأ بالآباء لأن طاعتهم واجبة على الأولاد، ثم بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب، ثم بالإِخوان لأنهم بهم التعاضد، ثم بالعشيرة لأن بهم التناصر والمقاتلة والتغلب على

324

الأعداء كما قال القائل:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا

قال ابن كثير: نزلت ﴿وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ﴾ في «أبي عبيدة» قتل أباه الجراح يوم بدر، ﴿أَوْ أَبْنَآءَهُمْ﴾ في الصِّديق همَّ بقتل انبه «عبد الرحمن بن أبي بكر» ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ في مُصعب بن عمير قتلا أخاه عُبيد بن عمير يومئذٍ ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ في حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، قتلوا عُتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة يوم بدر ﴿أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ أي أثبت الإِيمان ومكنه في قلوبهم، فهي مؤمنةٌ موقنةٌ مخلصة ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي وقوَّاهم بنصره وتأييده قال ابن عباس: نصرهم على عدوهم، سمى ذلك النصر روحًا لأن به يحيا أمرهم ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي ويدخلهم في الآخرة بساتين فسيحة، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ما كثين فيها أبد الآبدين ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ أي قبل الله أعمالهم فرضي عنهم، ونالوا ثوابه فرضوا بما أعطاهم، وإِنما ذكر رضوانه عليهم بعدد دخولهم الجنة لأنه أعظم النعم، وأجل المراتب قال ابن كثير: وفي الآية سر بديع وهو أنهم لما سخطوا على الألقاب والعشائر في الله تعالى، عوَّضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم ﴿أولئك حِزْبُ الله﴾ أي أولئك جماعة الله وخاصته وأولياؤه ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ أي هم الفائزون بخيري الدنيا والآخرة، وهذا في مقابلة قوله تعالى ﴿أولئك حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ .

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - صيغة المبالغة في ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1] وفي ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وفي ﴿على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: 6] .

2 - الإِطناب بذكر الأُمهات ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [المجادلة: 2] زيادةً في التقرير والبيان.

3 - الطباق ﴿وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ [المجادلة: 7] لأن معنى أدنى أقل فصار الطباق بينها وبين أكثر.

4 - عطف الخاص على العام تنبيهًا على شرفه ﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ﴾ فإن ﴿والذين أُوتُواْ العلم﴾ دخلوا في المؤمنين أولًا ثم خصوا بالذكر ثانيًا تعظيمًا لهم.

5 - الاستعارة ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ استعار اليدين لمعنى قبل أي قبل نجواكم.

6 - الاستفهام والمراد منه التعجيب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِم. .﴾ .

7 - الجناس الناقص بين ﴿يَعْلَمُونَ﴾ و﴿يَعْمَلُونَ﴾ لتغير الرسم.

8 - المقابلة بين ﴿أولئك حِزْبُ الله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ وبين ﴿أولئك حِزْبُ الشَّيْطَانِ. .﴾ الآية.

325

9 - تحلية الجملة بفنون المؤكدات مثل: «ألا، وإِنَّ، وهم» في قوله ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ .

10 - توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل ﴿الخاسرون، الكاذبون، خالدون، يعملون﴾ .

لطيفَة: روى الإِمام أحمد عن أبي الطفيل أن «نافع بن عبد الحارث» لقي عمر بن الخطاب بعسفان وكان عمر استعمله على مكة فقال عمر: من استخلفت على أهل البوداي؟ فقال: استخلفت عليهم: «ابن أبزى» فقال: ومن ابن أبزى؟ فقال: رجلٌ من موالينا فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال يا أمير المؤمنين: إنه قارىءٌ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاضٍ، فقال عمر رضي الله عنه: أما إِن نبيكم ﷺ َ قال: «إِن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» .

326

الحشر

1

اللغَة: ﴿الحشر﴾ الجمع، وسمي يوم القيامة يوم الحشر لأنه يوم اجتماع الناس للحساب والجزاء ومنه ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ [النمل: 17] أي جمع له الجنود ﴿قَذَفَ﴾ ألقى وأنزل بشدة ﴿الجلاء﴾

328

الخروج من الوطن مع الأهل والولد ﴿شَآقُّواْ﴾ عادوا وخالفوا ﴿لِّينَةٍ﴾ بكسر اللام النخلة القريبة من الأرض، الكريمة الطيبة، سميت لينة لجودة ثمرها وأنشد الأخفش:

قد شجاني الحمامُ حين تغنَّى ... بفراق الأحباب من فوقِ لينة

﴿أَوْجَفْتُمْ﴾ الوجيف: سرعة السير يقال: أوجف البعير إِذا حثَّه وحمله على السير السريع ﴿دُولَةً﴾ بضم الدال الشيء الذي يتداول من الأموال، وينتقل من يد إلى يد ﴿خَصَاصَةٌ﴾ فقر واحتياج ﴿غِلًاّ﴾ حِقدًا وضغينة.

سَبَبُ النّزول: لما نقض اليهود «بنو النضير» العهد مع رسول الله ﷺ َ حاصرهم ﷺ َ وأمر بقطع نخيلهم وإِحراقه إِهانةً لهم وإِرعابًا لقلوبهم، فقالوا يا محمد: ألست تزعم أنك نبيٌ؟ وأنك تنهى عن الفساد؟ فما بالك تأمر بقطع الأشجار وتحريقها؟ فأنزل الله تعالى ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله. .﴾ الآية.

التفسِير: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي نزَّه الله تعالى ومجَّده وقدَّسه جميع ما في السموات والأرض من ملك، وإِنسان، وجماد، وشجر كقوله تعالى ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإِسراء: 44] قال ابن كثير: يخبر تعالى أن جميع ما في السموات والأرض يبسح له ويُمجده ويقدِّسه ويُوحِّده ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي وهو العزيز في ملكه، الحكيمُ في صنعه ﴿هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ﴾ بيانٌ لبعض أثار قدرته تعالى الباهرة وعزته الظاهرة أي هو جلَّ وعلا الذي أخرج يهود بني النضير من مساكنهم بالمدينة المنورة ﴿لأَوَّلِ الحشر﴾ أي في أول مرة حُشروا وأخرجوا فيها من جزيرة العرب، إِذ لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك قال البيضاوي: لما قدم رسول الله ﷺ َ المدينة صالح «بني النضير» على ألاَّ يكونوا معه ولا عليه، فلما ظهر يوم بدر قالوا: إنه النبي المنعوتُ في التوراة بالنصرة لا تُردُّ له راية، فلما هُزم المسلمون يوم أُحد ارتابوا ونكثوا، وخرج «كعب بن الأشرف» في أربعين راكبًا إِلى مكة وحالفوا «أبا سفيان» فأمر رسول الله ﷺ َ «محمد بن مسلمة» أخا كعبٍ من الرضاعة فقتله غيلةً، ثم صبَّحهم بالكتائب وحاصرهم، حتى صالحوه على الجلاء، فجلا أكثرهم إلى الشام، ولحقت طائفة بخيبر، فذلك قوله ﴿هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر﴾ قال الألوسي: ومعنى ﴿لأَوَّلِ الحشر﴾ أن هذا أول حشرهم إلى الشام أي اول ما حُشروا وأُخرجوا، ونبَّه بلفظ ﴿أول﴾ على أنهم لم يصبهم جلاءٌ قبله ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ أي ما ظننتم أيها المؤمنون أن يخرجوا من أوطانهم وديارهم بهذا الذل والهوان، لعزتهم ومنعتهم، وشدة بأسهم، حيث كانوا أصحاب حصون وعقار، ونخيلٍ وثمار ﴿وظنوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الله﴾ أي وظنوا أن حصونهم الحصينة تمنعهم من بأس الله، وتدفع عنهم عذابه وانتقامه قال البيضاوي: والأصل أن يُقال: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم

329

من بأس الله، وتغييرُ النظم بتقديم الخبر وإٍسناد الجملة إِلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بكونها حصينة، بحيث ظنوا أنه لا يخرجهم منها أحد لأنهم في عزة ومنعة ﴿فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي فجاءهم بأسُ الله وعذابه من حيث لم يكن في حسابهم، ولم يخطر ببالهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ أي وألقى في قلوب بني النظير الخوف الشديد، مما أضعف قوتهم، وسلبهم الأمن والطمأنينة، حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ َ وفي الحديث

«نُصرت بالرعب من مسيرة شهر» ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المؤمنين﴾ أي يهدمون بيوتهم بأيديهم من الداخل، وأيدي المؤمنين من الخارج قال المفسرون: كانوا بنو النضير قبل إِجلائهم عن ديارهم يخربون بيوتهم فيقلعون العُمد، وينقضون السقوف، وينقبون الجدران، لئلا يسكنها المؤمنون حسدًا منهم وبغضًا، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب من ظاهرها ليقتحموا حصونهم ﴿فاعتبروا ياأولي الأبصار﴾ أي فاتعظوا بما جرى عليهم يا ذوي العقول والألباب ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء﴾ أي ولولا أن الله تعالى قضى عليهم بالخروج من أوطانهم مع الأهل والأولاد ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا﴾ أي لعذبهم في الدنيا بالسيف كما فعل بإِخوانهم بني قريظة ﴿وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابُ النار﴾ أي ولهم مع عذاب الدنيا عذاب جهنم المؤبد ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي ذلك الجلاء والعذاب بسبب أنهم خالفوا الله وعادوه وعصوا أمره، وارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم، ونقضٍ للعهود في حق رسوله ﴿وَمَن يُشَآقِّ الله فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ أي ومن يخالف أمر الله، ويعادِ دينه فاللهُ ينتقم منه لأن عذابه شديد، وعقابه أليم ﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102] . . ثم أخبر تعالى أن كل ما جرى من المؤمنين من قطع النخيل، وإِحراق بعض الأشجار المثمرة، فإنما كان بأمر الله وإِرادته فقال ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله﴾ أي ما قطعتم أيها المؤمنون من شجرة نخيل، أو تركتموها كما كانت قائمة على سوقها فبأمر الله وإِرادته ورضاه ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسقين﴾ أي وليغيظ اليهود ويذلهم، بقطع أشجارهم ونخيلهم قال الرازي: المعنى إِنما أذن تعالى في ذلك حتى يزداد غيظ الكفار، وتتضاعف حسرتهم، بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعزَّ أموالهم قال المفسرون: لما حصار رسول الله ﷺ َ بني النضير، كان بعض الصحابة قد شرع يقطع ويحرق في نخيلهم، إِهانةً لهم وإِرعابًا لقلوبهم، فقالوا: ما هذا الإِفساد يا محمد؟ إِنك كنت تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي وما أعاد الله وردَّه غنيمة على رسوله من أموال يهود بني النضير ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي لم تسيِّروا إِليه خيلكم ولا ركابكم، ولا تعبتم في تحصيله قال القرطبي: يقال: وجف البعير وجيفًا إِذا أسرع السير، وأوجفه صاحبه إِذا حمله على السير السريع، والركاب، ما يُركبُ من الإِبل، والمعنى: لم تقطعوا إِليها شُقةً، ولا لقيتم بها حربًا ولا مشقة، وإِنما كانت من المدينة على ميلين، فافتتحها رسول الله ﷺ َ صلحًا، وأجلاهم عنها وأخذ أموالهم، فجعلها الله

330

لرسوله ﷺ َ خاصة يضعها حيث شاء ﴿ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ﴾ أي ولكنه تعالى من سنته أن ينصر رسله بقذف الرعب في قلوب أعدائه، من غير أن يقاسوا شدائد الحروب ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي هو تعالى قادر على كل شيءٍ، لا يُغالب ولا يُمانع ولا يعجزه شيء.

. ثم بيَّن تعالى حكم الفيء عامةً وهو ما يغنمه المسلمون بدون حرب فقال ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ أي ما جعله الله غنيمةً لرسوله بدون قتال من أموال الكفار قال ابن عباس: هي قريظة، والنضير، وفدك، وخيبر ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ أي فحكمها أنها لله تعالى بضعها حيث يشاء، ولرسوله يصرفها على نفسه وعلى مصالح المسلمين ﴿وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين﴾ أي ولأقرباء الرسول من بني هاشم وعبد المطلب، ولليتامى الذين مات آباؤهم، وللمساكين ذوي الحاجة والفقر ﴿وابن السبيل﴾ أي وللغريب المنقطع في سفره قال في التسهيل: لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال، فإِن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإِيجاف الخيل والركاب، فتلك يؤخذ منها الخمس ويقسم الباقي على الغانمين، وأما هذه ففي «حكم الفيء» وهو ما يؤخذ من الكفار من غير قتال فلا تعارض بينهما ولا نسخ، وقد قرر الفقهاء الفرق بين الغنيمة والفيء، وأنَّ حكمهما مختلف، فالغنيمة ما أُخذت بالقتال، والفيءُ ما أُخذ صلحًا، وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ وذكر في الأنفال لفظ الغنيمة ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] ! ﴿﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ﴾ أي لئلا ينتفع بهذا المال ويستأثر به الأغنياء دون الفقراء، مع شدة حاجة الفقراء للمال قال القرطبي: أي فعلنا ذلك كيلا يتقاسمه الرؤساء والأغنياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إِذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرياعُ ثم يصطفي منها أيضًا ما يشاء قال المفسرون: إن رسول الله ﷺ َ قسم أموال بني النضير على المهاجرين فإِنهمه كانوا حنيئذٍ فقراء، ولم يُعط الأنصار منها شيئًا فإِنهم كانوا أغنياء، فقال بعض الأنصار: لنا سهمنا من هذا الفيء فأنزل الله هذه الآية ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ أي ما أمركم به الرسول ﷺ َ فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإِنه إِنما يأمر بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شرٍّ وفساد قال المفسرون: والآية وإِن نزلت في أموال الفيء، إِلا أنها عامة في كل ما أمر به النبي ﷺ َ أو نهى عنه من واجبٍ، أو مندوب، أو مستحب، أو محرم، فيدخل فيها الفيء وغيره، عن ابن مسعود أنه قال: «لعن اللهُ الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيِّرات خلق الله» فبلغ ذل امرأةً من بني أسد يُقال لها «أم يعقوب» وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا﴾ ﴿وذكرته له، فقال ابن مسعود: وما لي لا ألعنُ من لعن رسول الله ﷺ َ وهو في كتاب الله تعالى؟ فقالت المرأةُ: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته﴾ فقال: إن كنتِ قرأتيه

331

لقد وجدتيه، أما قرأتِ قول الله عز وجل ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾؟ ﴿واتقوا الله﴾ أي خافوا ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ الله وَرِضْوَانًا﴾ أي فإِن عقابه أليم وعذابه شديد، لمن عصاه وخالف ما أمره به ﴿إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ هذا متعلقٌ بما سبق من حكم الفيء كأنه يقول: الفيءُ والغنائم لهؤلاء الفقراء المهاجرين الذين ألجأهم كفار مكة إِلى الهجرة من أوطانهم، فتركوا الديار والأموال، ابتغاء مرضاة الله ورضوانه ﴿وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي قاصدين بالهجرة إِعلاء كلمة الله ونصرة دينه ﴿أولئك هُمُ الصادقون﴾ أي هؤلاء الموصوفون بالصفات الحميدة هم الصادقون في إِيمانهم قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال، والأهلين والأوطان، حبًا لله ورسوله، حتى إِن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه ليُقيم به صُلبه من الجوع.

. ثم مدح تعال الأنصار وبيَّن فضلهم وشرفهم فقال ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي والذين اتخذوا المدينة منزلًا وسكنًا وآمنوا قبل كثيرٍ من المهاجرين وهم الأنصار قال القرطبي: أي تبوءوا الدار من قبل المهاجرين، واعتقدوا الإِيمان وأخلصوه، والتبوء: التمكن والاستقرار، وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي ﷺ َ إِليهم ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أي يحبون إِخوانهم المهاجرين ويواسونهم بأموالهم قال الخازن: وذلك أنهم أنزلوا المهاجرين في منازلهم، وأشركوهم في أموالهم ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي ولا يجد الأنصار حزازةً وغظيًا وحسدًا مما أعطي المهاجرون من الغنيمة دونهم قال المفسرون: إن رسول الله ﷺ َ قسم أماول بني النضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئًا إِلا ثلاثة منهم، فطبت أنفس الأنصار بتلك القسمة ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي يفضلون غيرهم بالمال على أنفسهم ولو كانوا في غاية الحاجة الفاقة إِليه، فإِيثارهم ليس عن غنى عن المال، ولكنه عن حاجة وفقر، وذلك غاية الإِيثار ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي ومن حماه الله وسلم من البخل فقد أفلح ونجح، والشُحُّ هو البخل الشديد مع الجشع والطمع، وهو غريزة في النفس ولذلك أضيف إِليها، قال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إِنما الشحُّ أن تطمع عنيه فيما ليس له وفي الحديث

«واتقوا الشُحَّ فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم علىأن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم» ﴿والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين المستحقين للإِحسان والفضل، وهم التابعون لهم بإِحسان إلى يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا﴾

332

﴿بالإيمان﴾ أي يدعون لهم قائلين: يا ربنا اغفر لنا ولإِخواننا المؤمنين الذين سبقونا بالإِيمان قال أبو السعود: وصفهم بالسبق بالإِيمان اعترافًا بفضلهم، لأن أخوة الدين عندهم أعزُّ وأشرف من النسب ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي ولا تجعل في قلوبنا بغضًا وحسدًا لأحدٍ من المؤمنين ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي مبالغٌ في الرأفة والرحمة فاستجب دعاءنا، قال ابن كثير: وما أحسن ما استنبط الإِمام مالك من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الغنيمة شيء لعدم اتصافه بأوصاف المؤمنين، وقال شيخ زادة: بيَّن تعالى أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين بالرحمة والدعاء، فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء فقد كان خارجًا عن جملة أقسام المؤمنين بمقتضى هذه الآيات، وقد روي عن الشعبي أنه قال: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا أصحاب موسى وسئلت النصارى فقالوا: أصحاب عيسى، وسئلت الرافضة من شرُّ أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحابُ محمد ﷺ َ أُمروا بالاستغفار لهم فسبُّوهم، فالسيف عليهم مسلول إِلى يوم القيامة. . اللهم ارزقنا محبة أصاحب نبيك الكريم.

333