صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 475 - 486

المرسلات

اللغَة: ﴿فُرِجَتْ﴾ فتحت وشقت يقال: فرجت الشيء فانفرج أي فتحته فانفتح ﴿كِفَاتًا﴾ الكفت في اللغة: الضمُّ والجمع قال الشاعر:

فأنت اليوم فوق الأرض حيٌّ ... وأنت غدًا تضمُّك في كفات

﴿شَامِخَاتٍ﴾ عاليات مرتفعات، يقال: شمخ بأنفه إِذا رفعه كبرًا ﴿فُرَاتًا﴾ عذبًا شديد الحلاوة ﴿بِشَرَرٍ﴾ الشَّرر: ما تطاير من النار وتفرق جمع شررة.

المرسلات

التفسِير: ﴿والمرسلات عُرْفًا﴾ أي أُقسم بالرياح حين تهبٌّ متتابعة، يقفوا بعضها إِثر بعض، قال المفسرون: هي رياح العذاب التي يهلك الله بها الظالمين ﴿فالعاصفات عَصْفًا﴾ أي وأٌقسم بالملائكة الموكلين بالسحب يسوقونها حيث شاء الله، لتنشر رحمة الله المطر فتحيي به البلاد والعباد ﴿فالفارقات فَرْقًا﴾ أي وأقسم بالملائكة التي تفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام ﴿فالملقيات ذِكْرًا﴾ أي وأقسم بالملائكة تنزل بالوحي، وتلقي

475

كتب الله تبارك وتعالى إِلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ أي تلقي الوحي إِعذارًا من الله للعباد لئلا يبقى لهم حجة عند الله، أو إِنذارًا من الله للخلق بالنقمة والعذاب ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ أي وأُقسم بالرياح الشديدة الهبوب، إِذا أُرسلت عاصفة شديدة، قلعت الأشجار، وخربت الديار، وغيَّرت الآثار ﴿والناشرات نَشْرًا﴾ هذا هو جواب القسم أي إِنَّ ما توعدون به من أمر القيامة، وأمر الحساب والجزاء، كائن لا محالة قال المفسرون: أقسم تعالى بخمسة أشياء، تنبيهًا على جلالة قدر المقسم به، وتعظيمًا لشأن المقسم عليه، فأقسم بالرياح الي تحمل الرحمة والعذاب، وتسوق للعباد الخير أو الشر، وبالملائكة الأبرار، الذي يتنزلون بالوحي للإِعذار والإِنذار، أقسم على أن أمر القيامة حق لا شك فيه، وأن ما أوعد الله تعالى به المكذبين، من مجيء الساعة والثواب والعقاب، كائن لا محالة، فلا ينبغي الشك والامتراء. . ثم بيَّن تعالى وفصَّل وقت وقوع ذلك فقال ﴿فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ﴾ أي محيت النجوم وذهب نورها وضياؤها ﴿وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ﴾ أي شقت السماء وتصدَّعت ﴿وَإِذَا الجبال نُسِفَتْ﴾ أي تطايرت الجبال وتناثرت حتى أصبحت هباءً تذروه الرياح كقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: 105] ﴿وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ﴾ أي جعل للرسل وقتٌ وأجل، للفصل بينهم وبين الأمم، وهو يوم القيامة كقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: 109]؟ وأصل ﴿أُقِّتَتْ﴾ وُقِّتت من الوقت أي يجعل لها وقت محدد، قال الطبري: أي أُجّلت للاجتماع لوقتها يوم القيامة وقال مجاهد: هو الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾؟ استفهامٌ لتعظيم ذلك اليوم، والتعجيب لما يقع فيه من الهول والشدة أي لأي يومٍ عظيم أُخرت الرسل؟ ثم قال ﴿لِيَوْمِ الفصل﴾ أي ليوم القضاء والفصل بين الخلائق، يوم يفصل الله بين الأنبياء وأممهم المكذبين بحكمه العادل ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل﴾؟ استفهام للتعظيم والتهويل أي وما أعلمك أيها الإِنسان بيوم الفصل وشدته وهوله؟ فإن ذلك اليوم أعظم من أن يعرف أمره إِنسان، أو يحيط به عقل أو وجدان، ووضع الظاهر ﴿مَا يَوْمُ الفصل﴾ مكان الضمير «ما هو» لزيادة تفظيع وتهويل أمره قال الإِمام الفخر: عجَّب العباد من تعظيم ذلك اليوم فقال: لأي يومٍ أُجّلت الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل، وهي تعذيب من كذَّبهم، وتعظيم من آمن بهم، وظهورما كانوا يدعون الخلق إلى الإِيمان به، من الأهوال والعرض والحساب، ثم إِنه تعالى بين ذلك فقال ﴿لِيَوْمِ الفصل﴾ وهو يوم يفصل الرحمن بين الخلائق، ثم أتبع ذلك تعظيمًا ثانيًا فقال ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل﴾ أي وما أعلمك ما هو يوم الفصل وشدته ومهابته؟ وجواب الشرط ﴿فَإِذَا النجوم﴾ الخ محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: وقع ما توعدون به، وجرى ما أخبركم به الرسل من مجيء القيامة، والحذف على هذه الصورة من أساليب الإِيجاز البياني الذي امتاز به القرآن ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك عظيم وخسار كبير في ذلك اليوم لأولئك المكذبين بهذا اليوم الموعود قال المفسرون: كرَّر هذه

476

الجملة ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ في هذه السورة عشرة مرات لمزيد الترغيب والترهيب، وفي كل جملة وردت إِخبارٌ عن أشياء عن أحوال الآخرة، وتذكير بأحوال الدنيا، فناسب أن يذكر الوعيد عقيب كل جملة منها بالويل والدمار للكفرة الفجار، ولما كان في سورة الإِنسان السابقة ذكر بعضًا من أحوال الكفار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين هناك، جاء في هذه السورة بالإِطناب في وصف الكفار، والإِيجاز في وصف المؤمنين.

. ثم بعد أن أكد الخبر بيوم القيامة، وأنه حق كائن لا محالة، وبعد أن خوَّف المكذبين من شدة هول ذلك اليوم، وفظاعة ما يقع فيه، عاد فخوَّفهم من بطش الله وانتقامه بأسلوب آخر فقال ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين﴾؟ أي ألم نهلك السابقين بتكذيبهم للرسل، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود؟ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين﴾؟ أي ثم ألحقنا بهم المتأخرين ممن كانوا مثلهم في التكذيب والعصيان، كقوم لوط وشعيب وقوم موسى «فرعون وأتباعه» ومن على شاكلتهم ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ أي مثل ذلك الإِهلاك الفظيع نفعل بهؤلاء المجرمين «كفار مكة» لتكذيبهم لسيد المرسلين ﷺ َ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك ودمار لكل مكذب بالتوحيد والبنوة، والبعث والحساب ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ تذكير للمكذبين وتعجيب من غفلتهم وذهولهم عن أبسط الأمور المشاهدة، وهي أن من خلقهم من النطفة الحقيرة الضعيفة كان قادرًا على إِعادة خلقهم للبعث والحساب والمعنى: ألم نخلقكم يا معشر الكفار من ماءٍ ضعيف حقير هو منيٌّ الرجل؟ وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل

«ابن آدم أنَّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه» الحديث ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ أي فجعلنا هذا الماء المهين في مكان حريز وهو رحم المرأة ﴿إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ أي إِلى مقدار من الزمن محدَّد معيَّن، معلوم عند الله تعالى وهو وقت الولادة، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون﴾ أي فقدرنا على خلقه من النطفة، فنعم القادرون نحن حيث خلقناه في أحسن الصور، وأجمل الاشكال ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك ودمار للمكذبين بقدرتنا قال الصاوي: هذه الآية تذكير من الله تعالى للكفار بعظيم إِنعامه عليهم، وقدرته على ابتداء خلقهم، والقادرُ على الابتداء قادر على الإِعادة، ففيها ردٌّ على المنكرين للبعث. . ثم ذكَّرهم بنعمة إِيجادهم على الأرض حال الحياة، ومواراتهم في باطنها بعد الموت فقال ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتًا أَحْيَآءً وَأَمْواتًا﴾؟ ألأي ألم نجعل هذه الأرض التي تعيشون عليها كالأم لكم، تجمع الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها؟ قال المفسرون: الكفت: الجمع والضم، فالأرض تجمع وتضم إِليها جميع البشر، فهي كالأم لهم، الأحياء يسكنون فوق ظهرها في المنازل والدور، والأموات يسكنون في بطنها في القبور ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ [طه: 55] قال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾

477

﴿شَامِخَاتٍ﴾ أي وجعلنا في الأرض جبالًا راسخات عاليات مرتفعات لئلا تضطرب بكم ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتًا﴾ أي وأسقيناكم ماءً عذبًا حلوًا بالغ العذوبة، أنزلناه لكم من السحاب، وأخرجناه لكم من العيون والأنهار، لتشربوا منه أنتم ودوابكم، وتسقوا منه زرعكم وأشجاركم ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ انطلقوا إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي انطلقوا إِلى عذاب جهنم الذي كنتم تكذبون به في دار الدنيا، وهذا الكلام تقوله لهم خزنة النار تقريعًا وتوبيخًا. . ثم وضَّح ذلك العذاب وفصَّله فقال ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ أي اذهبوا فاستظلوا بدخانٍ كثيف من دخان جهنم، يتفرع منه ثلاث شعب ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب﴾ أي لا يظل من يكون تحته، ولا يقيه حر الشمس كما هو حال الظل الممدود، ولا هو يدفع عنه أيضًا ألسنة النار المندلعة من كل جانب قال الطبري: لا هو يظلهم من حرها، ولا يكنهم من لهبها، وذلك أنه يرتفع من وقود جهنم الدخان، فإِذا تصاعد تفرَّق شعبًا ثلاثة قال المفسرون: سمَّى العذاب ظلًا تهكمًا واستهزاءً بالمعذبين، فالمؤمنون في ظلال وعيون، والمجرمون في سموم وحميم، وظلٍ من يحموم، واليحموم دخانٌ أسود قاتم، فكيف يصح أن يسمى ما هم فيه ظلًا إِلا على طريق التهكم والاستهزاء؟ ثم زاد تعالى في وصف جهنم وأهوالها فقال ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقصر﴾ أي إِن جهنم تقذف بشرر عظيم من النار، كلُّ شرارةٍ منه كأنها القصر العظيم قال ابن كثير: يتطاير الشرر من لهبها كالحصون ﴿كَأَنَّهُ جمالت صُفْرٌ﴾ أي كأن شرر جهنم المتطاير منها الإِبل الصفر في لونها وسرعة حركتها قال الرازي: شبَّه تعالى الشرر في العظم بالقصر، وفي اللون والكثرة وسرعة الحركة بالجمالات الصفر، وهذا التشبيه من روائع صور التشبيه، لأن الشرارة إِذا كانت مثل القصر الضخم، فكيف تكون حال تلك النار الملتهبة؟ أجارنا الله من نار جهنم بفضله ورحمته ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك ودمار للمكذبين بآيات الله ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ أي هذا اليوم الرهيب، الذي لا ينطق فيه أولئك المكذبون ولا يكتمون كلامًا ينفعهم، فهم في ذلك اليوم خرس بكم ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ أي ولا يقبل لهم عذرٌ ولا حجة فيما أتوا به من القبائح والجرائم، بل لا يؤذن لهم في أن يعتذروا، لأنه لا تسمع منهم تلك الحجج والأعذار ولا تقبل كقوله تعالى

﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: 52] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ هذا يَوْمُ الفصل جَمَعْنَاكُمْ والأولين﴾ أي يقال لهم: هذا يوم الفصل بين الخلائق، الذي يفصل الله فيه

478

بحكمه العادل بين السعداء والأشقياء، جمعناكم فيه مع من تقدمكم من الأمم لنحكم بينكم جميعًا ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ أي فإن كان لكم حيلة في الخلاص من العذاب فاحتالوا، وانقذوا أنفسكم من بطش الله وانتقامه إِن قدرتم، وهذا تعجيزٌ لهم وتوبيخ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك يومئذٍ للمكذبين بيوم الدين. . وبعد أن ذكر أحوال الأشقياء المجرمين، أعقبه بذكر أحوال السعداء المتقين فقال ﴿إِنَّ المتقين فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾ أي الذين خافوا ربهم في الدنيا، واتقوا عذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم يوم القيامة في ظلال الأشجار الوارقة، وعيون الماء الجارية، يتنعمون في دار الخلد، والكرامة، على عكس أولئك المجرمين المكذبين، الذين هم في ظلٍ من يحموم وهو دخان جهنم الأسود الذي لا يقي حرًا، ولا يدفع عطشًا، ولا يجد المستظل به مما يشتهيه لراحته سوى شرر النار الهائل ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي وفواكه كثيرة متنوعة مما يستلذون ويستطيبون ﴿كُلُواْ واشربوا هنيائا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ويقال لهم على سبيل الأنس والتكريم: كلوا أكلًا لذيذًا واشربوا شربًا هنيئًا، بسبب ما قدمتم في الدنيا من صالح الأعمال ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ أي إِنا مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من أحسن عمله، وأخلص نيته، واتقى ربه ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك ودمار للمكذبين بيوم الدين ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي يقال للكفار على سبيل التهديد والوعيد: كلوا من لذائذ الدنيا، واستمتعوا بشهواتها الفانية، كما هو شأن البهائم التي همُّها ملء بطونها ونيل شهواتها زمانًا قليلًا الى منتهى آجالكم، فإِنكم مجرمون لا تستحقون الإِنعام والتكريم ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك ودمار يوم القيامة للمذكبين بنعم الله ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا لاَ يَرْكَعُونَ﴾ أي وإِذا قيل لهؤلاء المشركين صلُّوا لله، واخشعوا في صلاتكم لعظمته وجلاله، لا يخشعون ولا يصلون، بل يظلون على استكبارهم يصرون قال مقاتل: نزلت هذه الآية في ثقيف، امتنعوا عن الصلاة وقالوا لرسول الله ﷺ َ: حطَّ عنا الصلاة فإِنا لا ننحني، إِنها مسبة علينا، فأبى وقال: لا خير في دينٍ لا صلاة فيه ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاكٌ ودمار يوم القيامة للمكذبين بأوامر الله ونواهيه ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾؟ أي فبأي كتابٍ وكلام بعد هذا القرآن المعجز الواضح يصدّقون إِن لم يؤمنوا بالقرآن؟ فإِذا كذبوا بالقرآن ولم يؤمنوا به، مع بلوغه الغاية في الإِعجاز، ونصوع الحجة، وروعة البيان، فبأي شيءٍ بعد ذلك يؤمنون؟ قال القرطبي: كرر قوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ عشر مراتٍ للتخويف والوعيد، وقيل: إِنه ليس بتكرار، لأنه أراد بكل قولٍ منه غير الذي أراده بالآخر، كأنه ذكر شيئًا فقال: ويلٌ لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئًا آخر فقال: ويل لمن يكذب بهذا، وهكذا إِلى آخر السورة الكريمة.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - التأكيد بذكر المصدر زيادة في البيان وتقوية للكلام مثل ﴿فالعاصفات عَصْفًا والناشرات نَشْرًا فالفارقات فَرْقًا﴾ وهو من المحسنات اللفظية.

2 - الطباق بين ﴿عُذْرًا. . ونُذْرًا﴾ وبين ﴿أَحْيَآءً. . أَمْواتًا﴾ وبين ﴿الأولين. . والآخرين﴾

479

وكلها من المحسنات البديعية.

3 - وضع الظاهر مكان الضمير، والمجيء بصيغة الاستفهام ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الفصل وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل﴾؟ لزيادة تفظيع الأمر وتهويله.

4 - الاستفهام التقريري ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين﴾؟ ومثله ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾؟

5 - الجناس غير التام بين لفظتي ﴿مَّهِينٍ﴾ و﴿مَّكِينٍ﴾ .

6 - التشبيه المرسل المجمل ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقصر﴾ والمرسل المفصل ﴿كَأَنَّهُ جمالت صُفْرٌ﴾ .

7 - المقابلة بين نعيم الأبرار وعذاب الفجار ﴿إِنَّ المتقين فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُواْ واشربوا هنيائا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قابل ذلك بقوله ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ .

8 - أسلوب التهكم ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ﴾ سمَّى العذاب ظلًا تهكمًا وسخرية بهم.

9 - المجاز المرسل ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا لاَ يَرْكَعُونَ﴾ أطلق الركوع وأراد به الصلاة فهو من باب اطلاق البعض وإِرادة الكل أي وإِذا قيل لهم صلوا لا يصلون.

10 - توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. . إِنَّ المتقين فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ الخ ويسمى بالسجع المرصَّع وهو من المحسنات البديعية.

480

النبأ

اللغَة: ﴿سُبَاتًا﴾ السبتُ في اللغة: القطعُ، سمي الليل سُباتًا لأنه يقطع العمل والحركة ﴿وَهَّاجًا﴾ الوهَّاج: المتقد المتلألىء من قولهم: وَهجت النار إِذا أضاءت ﴿ثَجَّاجًا﴾ شديد الأنصباب يقال: ثجَّ إِذا سال بكثرة وفي الحديث «أفضلُ الحج: العجُّ والثَجُّ» العجُّ: رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ: إِراقة الدماء وذبحُ الهدايا ﴿كَوَاعِبَ﴾ جمع كاعب وهي التي برز نهدها مع ارتفاع يسير ﴿دِهَاقًا﴾ مملوءة يقال: أدهقتُ الكأسَ أي ملأتها قال الشاعر

أتانا عامرٌ يبغي قِرانا ... فأتْرعنا له كأسًا دِهاقًا

التفسِير: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾؟ أي عن أيّ شيءٍ يسأل هؤلاء الجاحدون بعضهم بعضًا؟ وأصل ﴿عَمَّ﴾ عنْ ما، أدغمت الميم في النون وحذفت الف ﴿ما﴾ الاستفهامية، وليس المراد هنا مجرد الاستفهام وإِنما المراد تفخيم الأمر وتعظيمه، وقد كان المشركون يتساءلون عن البعث فيما بينهم، ويخوضون فيه إِنكارًا واستهزاءً فجاء اللفظ بصيغة الاستفهام للتفخيم والتهويل وتعجيب السامعين من أمر المشركين، ثم ذكر تعالى ذلك الأمر الخطير فقال ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ أي يتساءلون عن الخبر العظيم الهام وهو أمر البعث ﴿الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ أي الذي اختلفوا فيه ما بين شاكٍّ في

482

وقوعه، ومكذب منكرٍ لحصوله ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ ردعٌ وزجر أي ليرتدعْ أولئك المكذبون عن التساؤل عن البعث، فيسعلمون حقيقة الحال، حيث يرون البعث أمرًا واقعًا، ويرون عاقبة استهزائهم ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ تأكيد للوعيد مع التهويل أي سيعلمون ما يحل بهم من العذاب والنكال. . ثم أشار تعالى إِلى الأدلة الدالة على قدرته تعالى، ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من أمر البعث، وكأنه يقول: إِن الإِله الذي قدر على إِيجاد هذه المخلوقات العظام، قادرٌ على إِحياء الناس بعد موتهم فقال ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَادًا﴾ أي ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها؟ جعلناها لكم كالفراش والبساط لتستقروا على ظهرها، وتستفيدوا من سهولها الواسعة بأنواع المزروعات؟ ﴿والجبال أَوْتَادًا﴾ أي وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض تثبيتها لئلا تميد بكم كما يثبت البيت بالأوتاد قال في التسهيل: شبَّهها بالأوتاد لأنها تمسكُ الأرض أن تميد ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي وجعلناكم أيها الناس أصنافًا ذكورًا وإِناثًا، لينتظم أمر النكاح والتناسل، ولا تنقطع الحياة عن ظهر هذا الكوكب الأرضي ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ أي وجعلنا النوم راحة لأبدانكم، قاطعًا لأشغالكم، تتخلصن به من مشاق العمل بالنهار ﴿وَجَعَلْنَا اليل لِبَاسًا﴾ أي جعلنا الليل كاللباس يغشاكم ويستركم بظلامه، كما يستركم اللباس، وتغطيكم ظلمته كما يغطى الثوبُ لاَبسه قال في التسهيل: شبهه بالثياب التي تُلبس لأنه سترٌ عن العيون ﴿وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشًا﴾ أي وجعلنا النهار سببًا لتحصيل المعاش، تتصرفون فيه لقضاء حوائجكم قال ابن كثير: جعلناه مشرقًا مضيئًا ليتمكن الناس من التصرف فيه، بالذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ أي وبنينا فوقكم أيها الناس سبع سمواتٍ محكمة الخلق بديعة الصنع، متينةً في إِحكامها وإِتقانها، لا تتأثر بمرور العصور والأزمان، خلقناها قدرتنا لتكون كالسقف للأرض كقوله تعالى

﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] وقوله ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47] ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ أي وأنشأنا لكم شمسًا منيرة ساطعة، يتوهج ضوءها ويتوقد لأهل لأهل الأرض كلهم، دائمة الحرارة والتوقد قال المفسرون: الوهَّاج المتوقد الشديد الإضاءة، الذي يضطرم ويلتهب من شدة لهبه وقال ابن عباس: المنير المتلألىء ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجًا﴾ أي وأنزلنا من السحب التي حان وقت إِمطارها ماءً دافقًا منهمرًا بشدةٍ وقوة قال في التسهيل: المعصرات هي السحب، مأخوذةٌ من العصر لأن السحاب ينعصر فينزل منه الماء، شبهت السحابة التي حان وقت إِمطارها بالجارية التي قد دنا حيضها ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ أي لنخرج بهذا الماء أنواع الحبوب والزروع، التي تنبت في الأرض غذاءً للإِنسان والحيوان ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ أي وحدائق وبساتين كثيرة الأشجاروالأغصان، ملتفةً بعضها على بعض لكثرة أغصانها وتقارب أشجارها. . ذكر

483

تعالى هذه الأدلة التسع على قدرته تعالى، كبرهانٍ واضح على إمكان البعث والنشرو، فإن من قدر على هذه الأشياء قادرٌ على البعث والإِحياء ولهذا قال بعده ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتًا﴾ أي إن يوم الحساب والجزاء، ويوم الفصل بين الخلائق، له وقت محدودٌ معلوم في علمه تعالى وقضائه، لا يتقدم ولا يتأخر ﴿ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ [هود: 103104] قال القرطبي: سمي يوم الفصل لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، وقد جعله وقتًا وميعادًا للأولين والآخرين ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ أي يكون ذلك يوم أن ينفخ في الصور نفخة القيام من القبور، فتحضرون جماعات جماعات، وزمرًا زمرًا للحساب والجزاء، ثم ذكر تعالى أوصاف ذلك اليوم الرهيب فقال ﴿وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ أي تشققت السماء من كل جانب، حتى كان فيها صدوعٌ وفتوحٌ كالأبواب في الجدران، من هول ذلك اليوم كقوله تعالى ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ [الإِنشقاق: 1] وعبَّر بالماضي ﴿وَفُتِحَتِ﴾ لتحقق الوقوع ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي ونسفت الجبال وقلعت من أماكنها، حتى أصبح يخيَّل إِلى الناظر أنها شيء وليست بشيء، كالسراب بظنه الرائي ماءً وليس بماء قال القرطبي: صارت الجبال بعد نسفها هباءً منبثًا لعين الناظر، كالسراب الذي يظنه من يراه ماءً وهو في الحقيقة هباء ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ أي إِن جهنم تنتظر وتترقب نزلاءها الكفار، كما يترصد الإِنسان ويترقب عدوه ليأخذه على حين غرة قال المفسرون: المرصاد المكان الذي يرصد فيه الراصد العدو، وجهنم تترصَّد أعداء الله لتعذبهم بسعيرها، وهي مترقبة ومتطلعة لمن يمرُّ عليها من الكفار الفجار لتلتقطهم إِليها ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ أي هي مرجع ومأوى ومنزل للطغاة المجرمين ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًا﴾ أي ماكثين في النار دهورًا متتابعةً لا نهاية لها قال القرطبي: أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب أي الدهور وهي لا تنقطع، كلما مضى حقب جاء حقب، لأن أحقاب الآخرة لا نهاية لها قال الربيع وقتادة: هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع ﴿لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ أي لا يذوقون في جهنم بدورةً تخفف عنهم حرَّ النار، ولا شرابًا يسكِّنُ عطشهم فيها ﴿إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ أي إِلاّ ماءً حارًا بالغًا الغاية في الحرارة، وغساقًا أي صديدًا يسيل من جلود أهل النار ﴿جَزَآءً وِفَاقًا﴾ أي يعاقبهم الله بذلك جزاءً موافقًا لأعمالهم السيئة ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ أي لم يكونوا يتوقعون الحساب والجزاء، ولا يؤمنون بلقاء الله، فجازاهم الله بذلك الجزاء العادل ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ أي وكانوا يكذبون بآيات الله الدالة على البعث وبالآيات القرآنية تكذيبًا شديدًا ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ أي وكل ما فعلوه من جرائم وآثام ضبطناه في كتاب لنجازيهم عليه ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا﴾ أي فذوقوا يا معشر الكفار فلن نزيدكم على استغاثتكم إِلاَّ عذابًا فوق عذابكم قال المفسرون: ليس في القرآن على أهل النار آية هي

484

أشد من هذه الآية، كلما استغاثوا بنوعٍ من العذاب أغيثوا بأشد منه.

. ولما ذكر تعالى أحوال الأشقياء أهل النار، ذكر بعدها أحوال السعداء الأبرار فقال ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ أي إِن للمؤمنين الأًَبرار الذين أطاعوا ربهم في الدنيا، موضع ظفر وفوز بجنات النعيم، وخلاص من عذاب الجحيم، ثم فسَّر هذا الفوز فقال ﴿حَدَآئِقَ وَأَعْنَابًا﴾ أي بساتين ناضرة فيها من جميع الأشجار والأزهار، وفيها كروم الأعناب الطيبة المتنوعة من كل ما تشتهيه النفوس ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ أي ونساءً عذارى نواهد قد برزت أَثْداؤهنَّ، وهنَّ في سنٍ واحدة قال في التسهيل: الكواعب جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ أي وكأسًا من الخمر ممتلئةً صافية قال القرطبي: المرادُ بالكأس الخمرُ كأنه قال: وخمرًا ذات دِاهقٍ أي مملوءة قد عُصرت وصُفِّيت ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ كِذَّابًا﴾ أي لا يسمعون في الجنة كلامًا فارغًا لا فائدة فيه، ولا كذبًا من القول لأن الجنة دار السلام، وكل ما فيها سالمٌ من الباطل والنقص ﴿جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابًا﴾ أي جازاهم الله بذلك الجزاء العظيم، تفضلًا منه وإِحسانًا كافيًا على حسب أعمالهم ﴿رَّبِّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا الرحمن﴾ أي هذا الجزاء صادرٌ من الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي لا يقدر أحدٌ أن يخاطبه في دفع بلاء، أو رفع عذاب في ذلك اليوم، هيبةً وجلالًا ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفًّا﴾ أي في ذلك اليوم الرهيب يقف جبريل والملائكة مصطفين خاشعين ﴿لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي لا يتكلم أحد منهم إِلاّ من أذن الله له بالكلام والشفاعة ونطق بالصواب قال الصاوي: وإِذا كان الملائكة الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله لا يقدرون أن يشفعوا إِلا بإِذنه، فكيف يملك غيرهم؟ ﴿ذَلِكَ اليوم الحق﴾ أي ذلك هو اليوم الكائن الواقع لا محالة ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي فمن شاء أن يسلك إِلى ربه مرجعًا كريمًا بالإِيمان والعمل الصالح فلْيفعلْ، وهو حثٌ وترغيب ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ الخطاب لكفار قريش المنكرين للبعث أي إنا حذرناكم وخوفناكم عذابًا قريبًا وقوعه هو عذاب الآخرة، سمَّاه قريبًا لأن كل ما هو آتٍ قريب ﴿يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي يوم يرى كل إِنسان ما قدَّم من خير أو شر مثبتًا في صحيفته كقوله تعالى

﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا﴾ [الكهف: 49] ﴿وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَابًا﴾ أي ويتمنى الكافر أنه لم يخلق ولم يُكلَّف ويقول: يا ليتني كنت ترابًا حتى لا أحاسب ولا أعاقب قال المفسرون: وذلك حين يحشر الله الحيوان يوم القيامة فيقتصُّ للجمّاء من القرناء، وبعد ذلك يصيّرها ترابًا، فيتمنى الكافر أن لو كان كذلك حتى لا يعذب.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الإِطناب بتكرار الجملة للوعيد والتهديد ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ .

2 -

485

الإِيجاز بحذف الفعل لدلالة المتقدم عليه ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ أي يتساءلون عن النبأ العظيم.

3 - التشبيه البليغ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَادًا والجبال أَوْتَادًا﴾؟ أصل الكلام جعلنا الأرض كالمهاد الذي يفترشه النائم، والجبال كالأوتاد التي تثبت الدعائم، فحذف أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغًا، ومثله ﴿وَجَعَلْنَا اليل لِبَاسًا﴾ أي كاللباس في الستر والخفاء.

4 - المقابلة اللطيفة بين ﴿وَجَعَلْنَا اليل لِبَاسًا﴾ وبين ﴿وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشًا﴾ قابل بين الليل والنهار، والراحة والعمل، وهو من المحسنات البديعية.

5 - التشبيه البليغ ﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ أي كالأبواب في التشقق والانصداع، فحذفت الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغًا

6 - الأمر الذي يراد به الإِهانة والتحقير ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا﴾ وفيه أيضًا التفات من الغيبة إِلى الخطاب زيادة في التوبيخ والإِهانة.

7 - الطباق بين ﴿بَرْدًا. . وحَمِيمًا﴾ .

8 - ذكر العام بعد الخاص ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفًّا﴾ الروح وهو «جبريل» داخل في الملائكة، فقد ذكر مرتين مرة استقلالًا، ومرة ضمن الملائكة، تنبيهًا على جلالة قدره.

9 - السجع المرصَّع مثل ﴿أَلْفَافًا، أَفْوَاجًا، أَبْوَابًا، مَآبًا، أَحْقَابًا﴾ وهو من المحسنات البديعية.

486