صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 488 - 497

النازعات

اللغَة: ﴿وَاجِفَةٌ﴾ خائفة فزعة يقال: وجف القلبُ وجيفًا إِذا خفق واضطرب من شدة الفزع ﴿الحافرة﴾ الرجوع إِلى الحالة التي كان عليها يقال: رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء قال الشاعر:

أحافرةً على صَلع وشيب ... معاذّ اللهِ من سَفَهٍ وعار

﴿الساهرة﴾ وجه الأرض، والعربُ تسمي وجه الأرض والفلاة ساهرة لأنه يُسهر عليها ﴿سَمْكَهَا﴾ السَّمك: العلُوُّ والارتفاع، وبناءٌ ممسوك أي عال مرتفع ﴿أَغْطَشَ﴾ أظلم يقال: غطش الليلُ وأغطشه اللهُ أي صار مظلمًا وأظلمه الله ﴿دَحَاهَا﴾ بسطها وسوَّاها قال ازيد بن عمرو:

دّحاها فلما استوت شدَّها ... بأيدٍ وأرسى عليها الجبالا

﴿الطآمة﴾ الداهية العظمى التي لا تستطاع قال الشاعر:

إِنَّ بعض الحُبِّ يعمي ويُصمُّ ... وكذاكَ البُغضُ أدهى وأطمُّ

النازعات

التفسِير: ﴿والنازعات غَرْقًا﴾ أي أُقسمُ بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعًا بالغًا أقصى الغاية في الشدة والعسر ﴿والناشطات نَشْطًا﴾ أي وأُقسمُ بالملائكة التي تنزع أرواح المؤمنين بسهولةٍ ويسر، وتسلُّها سلًا رفيقًا قال ابن مسعود: إِن ملكَ الموت وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السَّفود سيخ الحديد الكثير الشُعب من الصوف المبتلّ، فتخرج نفس الكافر كالغريق في الماء، وينزع روح المؤمن برفق ولين، ويقبضها كما ينشط العِقال من يد البعير قال ابن كثير: أقسم سبحانه بالملائكة

488

حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلَّته من نشاط ﴿والسابحات سَبْحًا﴾ أي وأقسم بالملائكة التي تنزل بأمر الله ووحيه من السماء كالذي يسبح في الماء، مسرعين لتنفيذ أمر الله ﴿فالسابقات سَبْقًا﴾ أي الملائكة التي تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة ﴿فالمدبرات أَمْرًا﴾ أي الملائكة تدبّر شئون الكون بأمره تعالى، في الرياح، والأمطار، والأرزاق، والأعمار، وغير ذلك من شئون الدنيا، أقسم سبحانه بهذه الأصناف الخمسة على أن القيامة حق، وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثنَّ ولتحاسبنَّ، وقد دل عليه قوله ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ أي يوم ينفخ في الصُّور النفخة الأولى التي يرتجف ويتزلزل لها كل شيء، تتبعها النفخة الثانية وهي نخفة القيام من القبور قال ابن عباس: الراجفة والرادفة هما النفختان الأولى والثانية، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى. . ثم ذكر تعالى حالة المكذبين وما يلقونه من الشدائد والأهوال فقال ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ أي قلوب الكفار في ذلك اليوم خائفة وجدلة مضطربة ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ أي أبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة﴾ أي يقولون في الدنيا استهزاءً واستبعادًا للبعث: إِنكم تبعثون قالوا منكرين متعجبين: أنردُّ بعد موتنا إِلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل المرت؟ والعرب تقول: رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً﴾ أي هل إذا صرنا عظامًا بالية متفتتة سنرد ونبعث من جديد؟ ﴿قَالُواْ تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ أي إِن كان البعث حقًا، وبعثنا بعد موتنا فسوف نكون من الخاسرين لأننا من أهل النار، قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي فإِنما هي صحية واحدة، يُنفخ فيها في الصور للقيام من القبور ﴿فَإِذَا هُم بالساهرة﴾ أي فإِذا الخلائق جميعًا على وجه الأرض بعدما كانوا في بطنها.

. ثم ذكر تعالى قصة موسى مع فرعون تسليةً لرسول الله ﷺ َ وتحذيرًا لقومه أن يحل بهم ما حلَّ بالطغاة المكذبين من قوم فرعون فقال ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ أسلوب تشويق وترغيب لسماع القصة أي هل جاءك يا محمد خبر موسى الكليم؟ ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بالواد المقدس طُوًى﴾ أي حين ناجاه ربه بالوادي المطهَّر المبارك المسمَّى ﴿طُوًى﴾ في أسفل جبل طور سيناء، قائلًا له ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ أي إِذهب إِلى فرعون الطاغية الجبار، الذي جاوز الحدَّ في الظلم والطغيان ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى﴾؟ أي هل لك رغبةٌ وميلٌ إِلى أن تتطهر من الذنوب والآثام؟ ﴿وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى﴾ أي وأرشدك إِلى معرفة ربك وطاعته فتتقيه وتخشاه؟ قال الزمخشري: ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من خشي الله أتى منه كل خير، وبدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العَرض كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرفيق الرقيق ليستدعيه بالتلطف، ويستنزله بالمداراة من عتوه كما في قوله تعالى ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: 44] ﴿فَأَرَاهُ الآية الكبرى﴾ في الكلام محذوف أي فذهب

489

موسى إِليه ودعاه وكلَّمه، فلما امتنع عن الإِيمان أراه المعجزة الكبرى، وهي قلب العصا حيةً تسعى قال القرطبي: أراه العلامة العظمى وهي المعجزة قال ابن عباس: هي العصا ﴿فَكَذَّبَ وعصى﴾ أي فكذب فرعون نبيَّ الله موسى، وعصى أمر الله بعد ظهور تلك المعجزة الباهرة ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى﴾ أي ولّى مدبرًا هاربًا من الحية، يُسرع في مشيه من هول ما رأى ﴿فَحَشَرَ فنادى﴾ أي فجمع السحرة والجنود والأتباع، ووقف خطيبًا في الناس ﴿فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ أي فقال لهم بصوت عال: أنا ربكم المعبود العظيم الذي لا ربَّ فوقي ﴿فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى﴾ أي فأهلكه الله عقوبةً له على مقالته الأخيرة ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ والأولى هي قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: 38] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يخشى﴾ أي إِن فيما ذكر من قصة فرعون وطغيانه، وما حلَّ به من العذاب والنكال، لعظة واعتبارًا لمن يخاف الله عز وجل ويخشى عقابه. . ولما انتهى الحديث عن قصة الطاغية فرعون، رجع إِلى منكري البعث من كفار قريش فنبههم إِلى آثار قدرته، ومظاهر عظمته وجلاله فقال ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السمآء﴾؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ والمعنى هل أنتم يا معشر المشركين أشقُّ وأصعب خلقًا أم خلق السماء العظيمة البديعة؟ فإِن من رفع السماء على عظمها، هيِّن عليه خلقكم وإِحياؤكم بعد مماتكم، فكيف تنكرون البعث؟ قال الرازي: نبههم على أمرٍ يُعلم بالمشاهدة، وذلك لأن خلق الإِنسان على صغره وضعفه، إِذا أضيف إِلى خلق السماء على عظمها وعظم أحوالها يسير، وإِذا كان كذلك فإِعادتهم سهلة فيكف ينكرون ذلك؟ كقوله تعالى

﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 57] ﴿بَنَاهَا﴾ أي رفعها عاليةً فوقكم محكمة البناء، بلا عمد ولا أوتاد، ثم زاد في التوضيح والبيان فقال ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ أي رفع جرمها وأعلى سقفها فوقكم فجعلها مستويةً لا تفاوت فيها ولا شقوق ولا فطور قال ابن كثير: أي جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكلَّلة بالكواكب في الليلة الظلماء ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أي جعل ليلها مظلمًا حالكًا، ونهارها مشرقًا مضيئًا قال ابن عباس: أظلم ليلها وأنار نهارها ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ أي والأرض بعد خلق السماء بسطها ومهَّدها لسكنى أهلها ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ أي أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى فيها الأنهار، وأنبت فيها الكلأ والمرعى مما يأكله الناس والأَنعام ﴿والجبال أَرْسَاهَا﴾ أي والجبال أثبتها في الأرض، وجعلها

490

كالأوتاد لتستقر وتسكن بأهلها ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ أي فعل ذلك كله، فأنبع العيون، وأجرى الأنهار، وأنبت الزرع والأشجار، كل ذلك منفعةً للعباد وتحقيقًا لمصالحهم ومصالح أنعامهم ومواشيهم، قال الرازي: أراد بمراعاها ما يأكله الناسُ والأنعام، بدليل قوله ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ وانظر كيف دلَّ بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ على جميع ما أخرجه من الأرض قوتًا ومتاعًا للأنام والأنعام من العشب، والشجر، والحب، والثمر، والعصف، والحطب، واللباس والدواء، حتى الملح والنار، فالملح متولد من الماء، والنارُ من الأشجار. . ولما ذكر تعالى خلق السموات والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب الخلق والتكوين، ليقيم الدليل على إِمكان الحشر عقلًا، أخبر بعد ذلك عن وقوعه فعلًا فقال ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الطآمة الكبرى﴾ أي فإِذا جاءت القيامة وهي الداهية العظمى، التي تعمُّ بأهوالها كل شيء، وتعلو على سائر الدواهي قال ابن عباس: هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل أمرٍ هائل مفظع ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسان مَا سعى﴾ أي في ذلك اليوم يتذكر الإِنسان ما علمه من خير أو شر، ويراه مدوَّنًا في صحيفة أعماله ﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى﴾ أي أظهرت جهنم للناظرين فرآها الناسُ عيانًا، باديةً لكل ذي بصر. . وبعد أن وصف حال القيامة وأهولها، ذكر انقسام الناس إِلى فريقين: أشقياء وسعداء فقال ﴿فَأَمَّا مَن طغى﴾ أي جاوز الحدَّ في الكفر والعصيان ﴿وَآثَرَ الحياة الدنيا﴾ أي فضَّل الحياة الفانية على الآخرة الباقية، وانهمك في شهوات الحياة المحرَّمة، ولم يستعد لآخرته بالعمل الصالح ﴿فَإِنَّ الجحيم هِيَ المأوى﴾ أي فإِنَّ جهنم المتأججة هي منزله ومأواه، لا منزل له سواها ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ أي وأمَّا من خاف عظمة ربه وجلاله، وخاف مقامه بين يديْ ربه يوم الحساب، لعلمه ويقينه بالمبدأ والمعاد ﴿وَنَهَى النفس عَنِ الهوى﴾ أي وزجر نفسه عن المعاصي والمحارم، وكفَّها عن الشهوات التي تؤدي بها إِلى المعاطب ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ أي فإِن منزله ومصيره هي الجنة دار النعيم، ليس له منزل غيرها.

. ثم ذكر تعالى موقف المكذبين بالقيامة، المستهزئين بأخبار الساعة فقال ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ أي يسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن القيامة متى وقوعها وقيامُها؟ قال المفسرون: كان المشركون يسمعون أنباء القيامة، ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل «طامة، وصاخة، وقارعة» فيقولون على سبيل الاستهزاء: متى يوجدها الله ويقيمها، ومتى تحدث وتقع؟ فنزلت الآية ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ أي ليس علمها إِليك حتى تذكرها لهم، لأنها من الغيوب التي استأثر الله بعلمها، فلماذا يسألونك عنها ويُلحّون في السؤال؟ ﴿إلى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ﴾ أي مردُّها ومراجعها إِلى الله عز وجل، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين، لا يعلمه أحد سواه ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ أي ما واجبك يا محمد إِلا إِنذار من يخاف القيامة، لا الإِعلام بوقتها، وخصَّ الإِنذار بمن يخشى، لأنه هو الذي ينتفع

491

بذلك الإِنذار ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ أي كأن هؤلاء الكفار يوم يشاهدون القيامة وما فيها من الأهوال، لم يلبثوا في الدنيا إِلا ساعة من نهار، بمقدار عشيةٍ أو ضحاها. قال ابن كثير: يستقصرون مدة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم عشية يوم، أو ضحى يوم. . ختم تعالى السورة الكريمة، بما أقسم عليه في أولها من إِثبات «الحشر، والبعث» فكان ذلك كالدليل والبرهان على مجيء القيامة والساعة، وليتناسق البدء مع الختام.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق بين الآخرة والأولى في قوله ﴿فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى﴾ لأن المراد كلمتيه الشنيعتين الأولى والأخيرة، والطباق كذلك بين ﴿عَشِيَّةً. . وضُحَاهَا﴾ .

2 - جناس الاشتقاق في قوله ﴿تَرْجُفُ الراجفة﴾ .

3 - المقابلة بين قوله ﴿السمآء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ وبين ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ وكذلك المقابلة بين ﴿فَأَمَّا مَن طغى وَآثَرَ الحياة الدنيا﴾ وبين ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النفس عَنِ الهوى﴾ الآيات.

4 - أسلوب التشويق ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾؟ فإِن المراد منه التشويق الى معرفة القصة.

5 - الطباق بين ﴿الجنة. . الجحيم﴾ وبين ﴿السمآء. . والأرض﴾ الوارد في الآيات.

6 - التشبيه المرسل المجمل ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .

7 - الاستعارة التصريحية ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ شبَّه أكل الناس برعي الأنعام، واستعير الرعي للإِنسان بجامع أكل الإِنسان والحيوان من النبات، ففيه استعارة لطيفة.

8 - توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل ﴿ضُحَاهَا، دَحَاهَا، مَرْعَاهَا، أَرْسَاهَا﴾ وهو من المحسنات الدبيعية ويمسى السجع.

492

عبس

اللغَة: ﴿عَبَسَ﴾ كلح وجهه وقطَّب ﴿تصدى﴾ تتعرض له وتصغي لكلامه ﴿سَفَرَةٍ﴾ السفرة: الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد جمع سافر مثل كاتب كَتَبة ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ جعل له قبرًا وأمر أن يُقْبر ﴿قَضْبًا﴾ القضبُ: كل ما يقطع من البقول فينبت أصلهُ مثل البرسيم «الفصة» والباقلاء، والكُرَّاث وغيرها ﴿غُلْبًا﴾ كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان جمع غلباء ﴿أَبًّا﴾ الأبُّ: المرعى وكل ما أنبتت الأرض مما تأكله البهائم كالكلأ والعشب ﴿الصآخة﴾ الصيحة التي تصمُّ الآذان لشدتها ﴿مُّسْفِرَةٌ﴾ مشرقة مضيئة ﴿غَبَرَةٌ﴾ غبار ودخان ﴿قَتَرَةٌ﴾ سواد وظلمة.

سَبَبُ النّزول: روي أن النبي ﷺ َ كان مشغولًا مع صناديد قريش يدعوهم إِلى الإِسلام، وكان يطمع في إِسلامهمه رجاء أن يسلم أتباعهم، فبينما رسول الله ﷺ َ مشتغل بمن عنده من وجوه قريش، جاء إِليه «عبد الله بن أُم مكتوم» وهو أعمى، فقال يا رسول الله: علمني مما علَّمك الله، وكرَّر ذلك وهو لا يعلم أن الرسول مشغول مع هؤلاء إِنما أتباعه العميان والسَّفلة والعبيد، فعبس وجهه وأقبل على القوم يكلمهم فأنزل الله ﴿عَبَسَ وتولى أَن جَآءَهُ الأعمى﴾ الآيات.

التفسِير: ﴿عَبَسَ وتولى أَن جَآءَهُ الأعمى﴾ أي كلح وجهه وقطَّبه وأعرض عنه كارهًا، لأنْ جاءه الاعمى يسأل عن أمور دينه قال الصاوي: إِنما أتى بضمائر الغيبة ﴿عَبَسَ وتولى﴾ تطلفًا به ﷺ َ وإِجلالًا له، لما في المشافهة بتاء الخطاب ما لا يخفى من الشدة الصعوبة واسم الأعمى «عبد الله بن أُم مكتوم» وكان بعد نزول آيات العتاب إِذا جاءه يقول له: «مرحبًا بمان عاتبني فيه ربي، ويبسط له رداءه» ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى﴾ أي وما يُعلمك ويخبرك يا محمد لعلَّ هذا الأعمى الذي عبستَ في وجهه، يتطهر من ذنوبه بما يتلقاه عنك من العلم والمعرفة! ﴿﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذكرى﴾ أي أويتعظ بما يسمع فتنفعه موعظتك﴾ ﴿﴿أَمَّا مَنِ استغنى﴾ أي أما من استغنى عن اللهِ وعن الإِيمان، بما له من الثروة والمال ﴿فَأَنتَ لَهُ تصدى﴾ أي فأنت تتعرَّض له وتصغي لكلامه، وتهتم بتبليغه دعوتك ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى﴾ أي ولا حرج عليك أن لا يتطهر من دنس الكفر والعصيان،﴾

494

﴿ولست بمطالب بهدايته، إنما عليك البلاغ قال الألوسي: وفيه مزيد تنفيرٍ له ﷺ َ عن مصاحبتهم، فإِن الإِقبال على المدبر مخلٌّ بالمروءة كما قال القائل:﴾

﴿واللهِ لو كرهتْ كفي مُصاحبتي ... يومًا لقلتُ لها عن صُحْبتي بيْني﴾

﴿﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى﴾ أي وأمَّا من جاءك يسرع ويمشي في طلب العلم للهِ ويحرص على طلب الخير ﴿وَهُوَ يخشى﴾ أي وهو يخاف الله تعالى ويتقي محارمه ﴿فَأَنتَ عَنْهُ تلهى﴾ أي فأنت يا محمد تتشاغل عنه، وتتلهى بالانصراف عنه إِلى رؤساء الكفر والضلال﴾ ! ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ أي لا تفعل بعدم اليوم مثل ذلك، فهذه الآيات موعظة وتبصرة للخلق، يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها العقلاء ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ أي فمن شاء من عباد الله اتعظ بالقرآن، واستفاد من إِرشاداته وتوجهاته، قال المفسرون: كان ﷺ َ بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدًان وكان الفقراء في مجلسه أمراء، وكان إِذا دخل عليه «ابن أم مكتوم» يبسط له رداءه ويقول: مرحبًا بما عاتبني فيه ربي.

ز

ثم بعد هذا البيان أخبر عن جلالة قدر القرآن فقال ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ أي هو في صحفٍ مكرمة عند الله ﴿مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ أي عالية القدر والمكانة، منزهة عن أيدي الشياطين، وعن كل دنسٍ ونقص ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أي بأيدي ملائكة جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ أي مكرمين معظمين عند الله، أتقياء صلحاء ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6] ثم ذكر تعالى قبح جريمة الكافر، وإِفراطه في الكفر والعصيان مع كثرة إِحسان الله إِليه فقال ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾ أي لعن الكافر وطرد من رحمة الله، ما أشدَّ كفره بالله مع كثرة إِحسانه إِليه وأياديه عنده؟ قال الألوسي: والآية دعاءٌ عليه بأشنع الدعوات وأفظعها، وتعجيبٌ من إِفراطه في الكفر والعصيان، وهذا في غاية الإِيجاز والبيان ﴿مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾ أي من أي شيء خلق الله هذا الكافر حتى يتكبر على ربه؟ ثم وضَّح ذلك فقال ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي من ماءٍ مهين حقير بدأ خلقه، فقدَّره في بطن أمه أطوارًا من نطفة ثم من علقة إِلى أن تمَّ خلقه قال ابن كثير: قدَّر رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أو سعيد ﴿ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ﴾ أي ثم سهَّل له طريق الخروج من بطن أمه قال الحسن البصري: كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين؟ يعني الذكر والفرج ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي ثم أماته وجعل له قبرًا يُوارى فيه إِكرامًا له، ولم يجعله ملقى للسباع والوحوش والطيور قال الخازن: وهذه تكرمة لبني آدم على سائر الحيوانات ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ أي ثم حين يشاء الله إِحياءه، يحييه بعد موته للبعث والحساب والجزاء، وإِنما قال ﴿إِذَا شَآءَ﴾ لأن وقت البعث غير معلوم لأحد، فهو إِلى مشيئة الله تعالى، متى شاء أن يحيي الخلق أحياهم ﴿كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾ أي ليرتدع وينزجر هذا الكافر عن تكبره وتجبره، فإِنه لم يؤد ما فرض عليه، ولم يفعل ما كلفه به ربه من الإِيمان والطاعة. . ولما ذكر خلق الإِنسان، ذكر بعده رزقه، ليعتبر بما أغدق الله عليه من أنواع النعم، فيشكر ربه ويطيعه فقال ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ﴾ أي فلينظر هذا الإِنسان الجاحد نظر

495

تفكر واعتبار، إلى أمر حياته، كيف خلقه بقدرته، ويسره برحمته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، وخلق له الطعام الذي به قوام حياته؟! ثم فصَّل ذلك فقال ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبًّا﴾ أي أنا بقدرتنا أنزلنا الماء من السحاب على الأرض إِنزالًا عجيبًا ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقًّا﴾ أي شققنا الأرض بخروج النبات منها شقًا بديعًا ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ أي فأخبر بذلك الماء أنواع الحبوب والنباتات: حبًا يقتات الناس به ويدخرونه، وعنبًا شهيًا لذيذًا، وسائر البقول مما يؤكل رطبًا ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ أي وأخرجنا كذلك أشجار الزيتون والنخيل، يخرج منها الزيت والرطب والتمر ﴿وَحَدَآئِقَ غُلْبًا﴾ أي وبساتين كثيرة الأشجار، ملتفة الأغصان ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ أي وأنواع الفواكه والثمار، كما أخرجنا ما تراعاه البهائم قال القرطبي: الأبُّ ما تأكله البهائم من العشب ﴿مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ أي أخرجنا ذلك وأنبتناه ليكون منفعة ومعاشًا لكم أيها الناس ولأنعامكم قال ابن كثير: وفي هذه الآيات امتنانٌ على العباد وفيها استدلال بإِحياء النبات من الأرض الهامدة، على إِحياء الأجسام بعدما كانت عظامًا باليةً وأوصالًا متفرقة.

. ثم ذكر تعالى بعد ذلك أهوال القيامة فقال ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة﴾ أي فإِذا جاءت صحية القيامة التي تصخ الآذان حتى تكاد تصمها ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ﴾ أي في ذلك اليوم الرهيب يهرب الإِنسان من أحبابه، من أخيه، أمه، وأبيه، وزوجته، وأولاده لاشتغاله بنفسه قال في التسهيل: ذكر تعالى فرار الإِنسان من أحبابه، ورتبهم على مرابتهم في الحنو والشفقة، فبدأ بالأقل وختم بالأكثر، لأن الإِنسان أشدُّ شفقةً على بنيه من كل من تقدم ذكره ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي لكل إِنسان منهم في ذلك اليوم العصيب، شأنٌ يشغله عن شأن غيره، فإِنه لا يفكر في سوى نفسه، حتى إِن الأنبياء صلوات الله عليهم ليقول الواحد منهم يومئذٍ «نفسي نفسي» . . ولما بيَّن تعالى حال القيامة وأهوالها، بيَّن بعدها حال الناس وانقسامهم في ذلك اليوم إِلى سعداء وأشقياء، فقال في وصف السعداء: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ أي وجوه في ذلك اليوم مضيئة مشرقة من البهجة والسرور ﴿ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي فرحة مسرورة بما رأته من كرامة الله ورضوانه، ومستبشرة بذلك النعيم الدائم ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي ووجوه في ذلك اليوم عليها غبارٌ ودخان ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي تغشاها وتعلوها ظلمةٌ وسواد ﴿أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ أي أولئك الموصوفون بسواد الوجوه، هم الجامعون بين الكفر والفجور، قال الصاوي: جمع الله تعالى إِلى سواد وجوههم الغَبرة كما جمعوا الكفر إِلى الفجور.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب زيادة في العتاب ﴿عَبَسَ وتولى﴾ .

. ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى﴾؟ فالتفت تنبيهًا للرسول ﷺ َ إِلى العناية بشأن الأعمى.

496

2 - جناس الاشتقاق بين ﴿يَذَّكَّرُ. . والذكرى﴾ .

3 - الكناية الرائقة ﴿ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ﴾ كنَّى بالسبيل عن خروجه من فرج الأم،

4 - أسلوب التعجب ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾؟ تعجبٌ من إِفراط كفره، مع كثرة إِحسان الله إِليه.

5 - الطباق بين ﴿تصدى﴾ وبين ﴿تلهى﴾ لأن المراد بهما تتعرض وتنشغل.

6 - التفصيل بعد الإِجمال ﴿مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾ ثم فصَّل ذلك وبيَّنه بقوله ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ .

7 - المقابلة اللطيفة بين السعداء والأشقياء ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ قابلها بقوله ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ .

8 - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات، وهو من المحسنات البديعية ويسمى السجع مثل ﴿عَبَسَ وتولى أَن جَآءَهُ الأعمى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى﴾ ومثل ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ. .﴾ الخ.

لطيفَة: اقتبس بعض الأدباء من قوله تعالى ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾؟ هذين البيتين:

يتمنى المء في الصيف الشِّتا ... فإِذا جاء الشِّتا أنكره

فهو لا يرضى بحالٍ واحدٍ ... قُتِل الإِنسانُ ما أكفره؟

497