صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 511 - 520

الانشقاق

الانشقاق

اللغَة: ﴿كَادِحٌ﴾ الكدح: الجد والاجتهاد وجهد النفس في العمل قال الشاعر:

ومضتْ بشاشةُ كل عيشٍ صالح ... وبقيتُ أكدحُ للحياةِ وأنصب

﴿يَحُورَ﴾ يرجع يقال: حار يحور إِذا رجع ومنه حديث «أعوذ بك من الحور بعد الكور» أي الرجوع إِلى النقصان بعد الزيادة ﴿الشفق﴾ الحمرة التي تكون بعد مغيب الشمس ﴿وَسَقَ﴾ جمع وضم ولف ﴿اتسق﴾ اجتمع وتكامل وتم نوره ﴿مَمْنُونٍ﴾ مقطوع.

التفسِير: ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ هذه الآيات بيان لأهوال القيامة، وتصويرٌ لما يحدث بين يدي الساعة من كوارث وأهوال يفزع لها الخيال والمعنى: إِذا تشققت السماء وتصدَّعت مؤذنة بخراب الكون قال الألوسي: تنشق لهول يوم القيامة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي واستمعت لأمر ربها وانقادت لحكمه وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع وأن تنشق من أهوال القيامة ﴿وَإِذَا الأرض مُدَّتْ﴾ أي وإِذا الأرض زادت سعة بإِزالة جبالها وآكامها، وصارت مستوية لا بناء فيها ولا وهاد ولا جبال ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ أي رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز والمعادن وتخلت عنهم قال القرطبي: أخرجت أماتها وتخلت عنهم، وألقت ما في بطنها من الكنوز والمعادن كما تلقى الحامل ما في بطنها من الحمل، وذلك يؤذن بعظم الهول ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي واستمعت لأمر ربها وأطاعت، وحٌقَّ لها أن تسمع وتطيع. . وجواب ﴿إِذَا﴾ محذوف ليكون أبلغ في التهويل أي إِذا حدث كل ما تقدم، لقي الإِنسان من الشدائد والأهوال، ما لا يحيط به الخيال. . ثم أخبر تعالى عن كدِّ الإِنسان وتعبه في هذه الحياة، وأنه يلقى جزاءه عند الله فقال ﴿ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾ الخطاب عام لكل إِنسان أي أنت يا ابن آدم جاهدٌ ومجدٌّ بأعمالك التي عاقبتها الموت، والزمانُ يطير وأنت في كل لحظة تقطع شوطًا من عمرك القصير، فكأنك سائر مسرعٌ إِلى الموت، ثم تلاقي ربك فيكافئك على عملك، إِن كان خيرًا فخيرٌ، وإشن كان شرًا فشرٌّ قال في البحر: كادحٌ أي جاهد في عملك من خير وشر طول حياتك إِلى لقاء ربك، فملاقٍ جزاء كدحك من ثوابٍ وعقاب. . ثم ذكر تعالى انقسام الناس إِلى سعداء وأشقياء وإِلى من يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذ كمتابه بشماله فقال ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه، وهذه علامة السعادة ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ أي فسوف يكون حسابه سهلًا هينًا، يُجازي على حسناته،

511

ويُتجاوز عن سيئاته، وهذا هو العرضُ كما جاء في الحديث الصحيح ﴿وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أي ويرجع إلى أهله في الجنة مبتهجًا مسرورًا بما أعطاه الله من الفضل والكرامة ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾ أي وأمَّا من أعطي كتاب أعماله بشماله من وراء ظهره، وهذه علامة الشقاوة ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُورًا﴾ أي يصيح بالويل والثبور، ويتمنى الهلاك والموت ﴿ويصلى سَعِيرًا﴾ أي ويدخل نارًا مستعرة، يقاسي عذابها وحرَّها ﴿إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أي لأنه كان في الدنيا مسرورًا مع أهله، غافلًا لاهيًا، لا يفكر في العواقب، ولا تخطر بباله الآخرة قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، ووصف أهل النار بالسرور بالدنيا والضحك فيها، فأعقبهم به الحزن الطويل ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ أي إنه ظنَّ أن لن يرجع إِلى ربه، ولن يحييه الله بعد موته للحساب والجزاء، فلذلك كفر وفجر ﴿بلى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أي بلى سيعيده الله بعد موته، ويجازيه على أعماله كلها خيرها وشرها، فإِنه تعالى مطلع على العباد، لا تخفى عليه خافية من شئونهم ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق﴾ ﴿لاَ﴾ لتأكيد القسم أي فأقسم قسمًا مؤكدًا بحمرة الأفق بعد غروب الشمس ﴿والليل وَمَا وَسَقَ﴾ أي وبالليل وما جمع وضمَّ إِليه، وما لفَّ في ظلمته من الناس والدواب والأنعام، فكلٌ يأوي إِلى مكانه وسربه، ولهذا امتن تعالى على العباد فقال

﴿وَجَعَلَ الليل سَكَنًا﴾ [الأنعام: 96] فإِذا جاء النهار انتشروا، وإِذا جاء الليل أوى كل شيء إِلى مأواه ﴿والقمر إِذَا اتسق﴾ أي وأقسمُ بالقمر إِذا تكامل ضوءه ونوره، وصار بدرًا ساطعًا مضيئًا ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبقٍ﴾ هذا جواب القسم أي لتلاقُنَّ يا مشعر الناس أهوالًا وشدائد في الآخرة عصيبة قال الألوسي: يعني لتركبن أحوالًا بعد أحوال، هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض، وهي الموتُ وما بعده من مواطن القيامة وأهولها وقال الطبري: المراد أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالًا ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام يقصد به التوبيخ أي فيما لهؤلاء المشركين لا يؤمنون بالله، ولا يصدّقون بالعبث بعد الموت، بعد وضوح الدلائل وقيام البراهين على قوعه؟ ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ القرآن لاَ يَسْجُدُونَ﴾ أي وإِذا سمعوا آيات القرآن، لم يخضعوا ولم يسجدوا للرحمن؟ ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾ أي بل طبيعة هؤلاء الكفار التكذيب والعناد والجحود، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ أي والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من الكفر والتكذيب قال ابن عباس: ﴿يُوعُونَ﴾ أي يضمرون من عداوة الرسول ﷺ َ والمؤمنين ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾

512

﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فبشرهم على كفره وضلالهم بعذاب مؤلم موجع، واجعل ذلك بمنزلة البشارة لهم قال في التسهيل: ووضع البشارة في موضع الإِنذار تهكم بالكفار ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي لكنْ الذين صدَّقوا الله ورسوله، وجمعا بين الإِيمان وصالح الأعمال ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي لهم ثوابٌ في الآخرة غير منقوص ولا مقطوع، بل هو دائم مستمر.

ختم تعالى السورة الكريمة ببيان نعيم الأبرار، بعد أن ذكر مآل الفجار، وهو توضيح لما أجمله في أول السورة من ملاقاة كل عامل لجزائه في قوله ﴿ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾ .

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق بين لفظ ﴿السمآء﴾ و﴿الأرض﴾ .

2 - المقابلة بين ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وبين ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾ .

3 - الكناية ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبقٍ﴾ كنَّى به عن الشدة والأهوال التي يلقاها الإِنسان.

4 - الجناس الناقص بين كلمتي ﴿وَسَقَ﴾ و﴿اتسق﴾ .

5 - الأسلوب التهكمي ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ استعمال البشارة في موضع الإِنذار تهكم وسخرية بالكفار.

6 - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿إِذَا السمآء انشقت وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ ومثل ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق والليل وَمَا وَسَقَ والقمر إِذَا اتسق لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبقٍ﴾ ويسمى وهو من المحسنات البديعية.

513

اللغَة: ﴿الأخدود﴾ الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد ﴿قُتِلَ﴾ لُعن أشدَّ اللعن ﴿نَقَمُواْ﴾ عابوا وكرهوا ﴿بَطْشَ﴾ البطش: الأخذ بشدة ﴿يُبْدِىءُ﴾ يخلق ابتداءً بقدرته ﴿المجيد﴾ العظيم الجليل المتعالي.

البروج

التفسِير: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ أي وأُقسم بالسماء البديعة ذات المنازل الرفيعة، التي تنزلها الكواكب أثناء سيرها قال المفسرون: سميت هذه المنازل بروجًا لظهروها، وشبهت بالصور لعلوها وارتفاعها لأنها منازل للكواكب السيارة ﴿واليوم الموعود﴾ أي وأُقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة، الذي وعد الله به الخلائق بقوله ﴿الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: 87] ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ أي وأُقسم بمحمد والأنبياء الذين يشهدون على أممهم يوم القيامة، وبجميع الأمم والخلائق الذين يجتمعون في أرض المحشر للحساب كقوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] وقيل: الشاهد هذه الأمة، المشهود سائر الأمم ودليله ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود﴾ هذا هو جواب القسم، والجملة دعائية أي قاتل الله ولعن أصحاب الأخدود، الذين شقوا الأرض طولًا وجعلوها أخاديد، وأضرموا فيها النار ليحرقوا بها المؤمنين قال القرطبي: الأخدودُ الشقُّ العظيم المستطيل في الأرض كالخندق وجمعه أخاديد، ومعنى ﴿قُتِلَ﴾ أي لعن، قال ابن عباس: كل شيءٍ في القرآن ﴿قُتِلَ﴾ لهو لعن. . ثم فصَّل تعالى المراد من الأخدود فقال ﴿النار ذَاتِ الوقود﴾ أي النار العظيمة المتأججة، ذات الحطب واللهب، التي أضرمها الكفار في تلك الأخاديد لإِحراق المؤمنين قال أبو السعود: وهذا وصف لها بغاية العظم، وارتفاع اللهب، وكثرة ما فيها من الحطب، والقصدُ وصف النار بالشدة والهول. . ثم بالغ تعالى في وصف المجرمين فقال ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ﴾ أي حين هم جلوس حول النار.

515

يتشفون بإِحراق المؤمنين فيها، ويشهدون ذلك الفعل الشنيع والغرضُ تخويف كفار قريش، فقد كانوا يعذبون من أسلم من قومهم، ليرجعوا عن الإِسلام، فذكر الله تعالى قصة «أصحاب الأخدود» وعيدًا للكفار، وتسليةً للمؤمنين المعذبين، ثم قال تعالى ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾ أي وما كان لهم ذنب ولا انتقموا منهم، إِلا لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد الغالب الذي لا يُضام من لاذَ بجانبه، الحميد في جمعي أقواله وأفعاله، والغرضُ أن سبب البطش بهم، وتحرقيهم بالنار، لم يكن إِلا إيمانهم بالله الواحد الأحد، وهذا ليس بذنب يستحقون به العقوبة، ولكنه الطغيان والإِجرام ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي هذا الإله الجليل المالك لجميع الكائنات، المستحق للمجد والثناء قال في البحر: وإِنما ذكر الأوصاف التي يستحق بها تعالى أن يؤمن به، وهي كونه تعالى ﴿عَزِيزًا﴾ أي غالبًا قادرًا يُخشى عقابه ﴿حَمِيدًا﴾ أي منعمًا يجب له الحمد على نعمه ﴿لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي وكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له، إِنما ذكر ذلك تقريرًا لأن ما نقموه منهم هو الحقُّ الذي لا ينقمه إِلا مبطلٌ منهمك في الغيّ ﴿والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي هو تعالى مطلَّع على أعمال عباده، لا تخفى عليه خافية من شئونهم، وفيه وعدٌ للمؤمنين، ووعيدٌ للمجرمين.

. ثم شدَّد تعالى النكير على المجرمين الذين عذبوا المؤمين فقال ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات﴾ أي عذبوا وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات بالنار ليفتنوهم عن دينهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾ أي ثم لم يرجعوا عن كفرهم وطغيانهم ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق﴾ أي فلهم عذاب جهنم المخزي بكفرهم، ولهم العذاب المحرق إِحراقهم المؤمنين. . ولما ذكر مصير المجرمين أعقبه بذكر مصير المؤمنين فقال ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي الذين جمعوا بين الإِيمانت الصادق والعمل الصالح ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي لهم البساتين والحدائق الزاهرة، التي تجري من تحت قصورها أنهار الجنة قال الطبري: هي أنهار الخمر واللبن والعسل ﴿ذَلِكَ الفوز الكبير﴾ أي ذلك هو الظفر العظيم بغاية المطلوب، الذي لا سعادة ولا فوز بعده. . ثم أخبر تعالى عن انتقامه الشديد من أعداء رسله وأوليائه فقال ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي إِن انتقام اله وأخذه الجبابرة والظلمة، بالغ الغاية في الشدة قال أبو السعود: البطش الأخذ بعنف، وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، وهو بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾ أي هو جل وعلا الخالق القادر، الذي يبدأ الخلق من العدم، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت ﴿وَهُوَ الغفور الودود﴾ أي وهو الساتر لذنوب عباده المؤمنين، اللطيف المحسن إِلى أوليائه، المحبُّ لهم قال ابن عباس: يودُّ أولياءه كما يودُّ أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة ﴿ذُو العرش﴾ أي

516

صاحب العرش العظيم، وإنما أضاف العرش إلى الله وخصَّه بالذكر، لأن العرش أعظم المخلوقات، وأوسعُ من السمواتِ السبع، وخلقُه بهذا الوصف يدل على عظمة خالقه ﴿المجيد﴾ أي هو تعالى المجيدُ، العالي على جميع الخلائق، المتصف بجميع صفات الجلال والكمال ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ أي يفعل ما يشاء، ويحكم ما ريد، لا معقب لحكمه ولا رادَّ لقضائه قال القرطبي: أي لا يمتنع عليه شيء يريده. روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إِليك الطبيبُ؟ قال: نعم، قالوا: فماذا قال لك؟ قال قال لي: (ِإِني فعَّالٌ لما أريد) ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود﴾؟ استفهامٌ للتشويق أي هل بلغك يا محمد خبر الجموع الكافرة، الذين تجنَّدوا لحرب الرسل والأنبياء؟ هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وما أنزل عليهم من النقمة والعذاب؟ قال القرطبي: يؤنسه بذلك ويسليه، ثم بيَّن تعالى من هم فقال ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي هم فرعون وثمود، أولي البأس والشدة، فقد كانوا اشد بأسًا، وأقوى مراسًا من قومك، ومع ذلك فقد أخذهم الله تعالى بذنوبهم ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي لم يعتبر كفار قريش بما حلَّ بأولئك الكفرة المكذبين، بل هم مستمرون في التكذيب فهم أشد منهم كفرًا وطغيانًا ﴿والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ﴾ أي والله تعالى قادرٌ عليهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، لأنهم في قبضته في كل حينٍ وزمان ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾ أي بل هذا الذي كذبوا به، كتابٌ عظيم شريف، متناهٍ في الشرف والمكانة، قد سما على سائر الكتب السماوية، في إِعجازه ونظمه وصحة معانيه ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ أي هو في اللوح المحفوظ الذي في السماء، محفوظٍ من الزيادة والنقص، والتحريف والتبديل.

البَلاَغَة: تضمنت السورة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق بي ﴿يُبْدِىءُ. . وَيُعِيدُ﴾ .

2 - جناس الاشتقاق ﴿وَشَاهِدٍ. . وَمَشْهُودٍ﴾ .

3 - تأكيد المدح بما يشبه الذم ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد﴾ كأنه يقول: ليس لهم جريمة إِلا إِيمانهم بالله، وهذا من أعظم المفاخر والمآثر.

4 - المقابلة بين مصير المؤمنين ومصير المجرمين ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات﴾ الآية قابلة قوله ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتٌ. .﴾ الخ.

5 - أسلوب التشويق لاستماع الققصة ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود﴾؟

6 - صيغة المبالغة مثل ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ ﴿العزيز الحميد﴾ وأمثال ذلك.

7 - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿واليوم الموعود وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود النار ذَاتِ الوقود. .﴾ الخ وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع والله أعلم.

517

الطارق

اللغَة: ﴿الطارق﴾ مأخوذ من الطرق بمعنى الضرب بشدة ومنه المطرقة، وكل ما جاء بليل يسمى طارقًا ﴿دَافِقٍ﴾ مصبوب بقوة وشدة يقال: دفق الماء دفقًا إِذا انصبَّ بدفع وشدة ﴿الترآئب﴾ عظام الصدر جمع تربية مثل فصيلة وفصائل قال امرؤ القيس:

«تَرائبُها مصقولةٌ كسجنجل» ... ﴿الرجع﴾ المطر سمي به لرجوعه إِلى الأرض مرارًا ﴿الصدع﴾ النبات الذي تنشق عنه الأرض ﴿رُوَيْدًا﴾ قليلًا أو قريبًا.

التفسِير: ﴿والسمآء والطارق﴾ أي أٌقسم بالسماء وبالكواكب النيرة، التي تظهر ليلًا وتختفي نهارًا قال المفسرون: سُمي النجم طارقًا لأنه إِنما يظهر بالليل ويختفي بالنهار، وكلُّ ما يجيء ليلًا فهو طارق ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق﴾ استفهام للتفخيم والتعظيم أي وما الذي أعلمك يا محمد ما حقيقة هذا النجم؟ ثم فسره بقوله ﴿النجم الثاقب﴾ أي النجم المضيء الذي يثقب الظلام بضيائه قال الصاوي: قد كثر منه تعالى في كتابه المجيد ذكرُ الشمس والقمر والنجوم، لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها، ومغاربها عجيبة دالة على انفراد خالقها بالكمالات، لأن الصّنعة تدل على الصانع ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ هذا جواب القسم أي ما كلُّ نفسٍ إِلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خيرٍ وشر كقوله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 10 11] قال ابن كثير: أي كلُّ نفسٍ عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات. . ثم أمر تعالى بالنظر والتفكر في خلق الإِنسان، تنبيهًا على إِمكان البعث والحشر فقال ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ﴾؟ أي فلينظر الإِنسان في أول نشأته نظرة تكفرٍ واعتبار، من أي شيءٍ خلقه الله؟ ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ أي خلق من المنيّ المتدفق، الذي ينصب بقوةٍ وشدة، يتدفق من الرجل والمرأة فيتكون منه الولد بإِذن الله ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾ أي يخرج هذا الماء من بين الصلب وعظم الصدر، من الرجل والمرأة ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ أي إِن الله تعالى الذي خلق الإِنسان ابتداءً، قادر على إِعادته بعد موته قال بن كثير: نبه تعالى الإِنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وأرشده إِلى الاعتراف بالمعاد، لأن من قدر على البداءة، فهو قادر على الإِعادة بطريق الأول ﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ أي يوم تمتحن القلوب وتختبر، ويُعرف ما بها من العقائد والنيات، ويميز بين ما طاب منها وما خبث ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾ أي فليس للإِنسان في ذلك الوقت قوة تدفع عنه العذاب، ولا ناصر ينصره ويجيره، قال في التسهيل: لما كان دفع المكاره في الدنيا إِما بقوة الإِنسان، أو بنصرة غيره له، أخبره الله تعالى أنه يعدمها يوم القيامة، فلا قوة له في نفسه، ولا أحد ينصره من الله.

519

ولما ذكر تعالى أمر المبدأ والمعاد، عاد فأقسم على صدق هذا الكتاب المعجز فقال ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع﴾ أي أُقسم بالسماء ذات المطر، الذي يرجع على العباد حينًا بعد حين قال ابن عباس: الرَّجع المطرُ ولولاه لهلك الناس وهلكت مواشيهم ﴿والأرض ذَاتِ الصدع﴾ أي وأُقسم بالأرض التي تتصدع وتنشق، فيخرج منها النبات والأشجار والأزهار قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات والثمار. . أقسم سبحانه وتعالى بالسماء التي تفيض علينا الماء، والأرض التي تخرج لنا الثمار والنبات، والسماء للخلق كالأب، والأرض لهم كالأم، ومن بينهما تتولد النعم العظيمة، والخيرات العميمة، التي بها بقاء الإِنسان والحيوان ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أي إِن هذا القرآن لقولٌ فاصل بين الحق والباطل، قد بلغ الغاية في بيانه وتشريعه وإِعجازه ﴿وَمَا هوَ بالهزل﴾ أي ليس فيه شيءٌ من اللهو والباطل والعبث، بل هو جدٌّ كله، لأنه كلام أحكم الحاكمين، فجديرٌ بقارئه أن يتعظ بآياته، ويستنير بتوجيهاته وإِرشاداته ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ أي إِن هؤلاء المشركين كفار مكة يعملون المكايد لإِطفاء نور الله، وإِبطال شريعة محمد ﷺ َ ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ أي وأجازيهم على كيدهم بالإِمهال ثم النكال، حيث آخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر كقوله تعالى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 182] قال أبو السعود: أي أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده حيث استدرجهم من حيث لا يعلمون ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ أي لا تستعجل في هلاكهم والانتقام منهم، وأُمهلهم قليلًا فسوف ترى ما أصنع بهم، وهذا منتهى الوعيد والتهديد.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الاستفهام للتفخيم والتعظيم ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق﴾؟

2 - الطباق بين ﴿السمآء والأرض﴾ وبين ﴿الفصل والهزل﴾ .

3 - جناس الاشتقاق ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ .

4 - الإِطناب بتكرار الفعل مبالغة في الوعيد ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ .

5 - الكناية اللطيفة ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾ كنَّى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأمة، وهذا من لطيف الكنايات.

6 - السجع الرصين الذي يزيد في جمال الأسلوب ورشاقته ونضارته مثل ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع والأرض ذَاتِ الصدع﴾ ومثل ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هوَ بالهزل﴾ وهو من المحسنات البديعية.

520