صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 499 - 509

التكوير

التكوير

اللغَة: ﴿انكدرت﴾ تناثرت ﴿العشار﴾ جمع عشراء وهي الناقة التي مرَّ على حملها عشرة أشهر ﴿كُشِطَتْ﴾ نُزعت وقلعت يقال: كشطت جلد الشاة أي نزعته وسلخته عنها ﴿الخنس﴾ الكواكب المضيئة التي تخنس نهارًا وتختفي عن البصر جمع خانس ﴿الكنس﴾ النجوم التي تغيب يقال: كنس إِذا دخل الكناس وهو المكان الذي تأوي إِليه الظباء ﴿عَسْعَسَ﴾ أقبل بظلامه قال الخليل: عسعس الليلُ: إِذا أقبل أو أدبر فهو من الأضداد قال الشاعر:

حتَّى إِذا الصُبْحُ لها تنفَّسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا

التفسِير: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ هذه الآيات بيانٌ لأهوال القيامة وما يكون فيها من الشدائد والكوارث، وما يعتري الكون والوجود من مظاهر التغايير والتخريب والمعنى: إِذا الشمس لُفَّت ومحُي ضوءُها ﴿وَإِذَا النجوم انكدرت﴾ أي وإِذا النجوم تساقطت من مواضعها وتناثرت ﴿وَإِذَا الجبال سُيِّرَتْ﴾ أي وإِذا الجبال حركت من أماكنها، وسُيّرت في الهواء حتى صارت كالهباء كقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] ﴿وَإِذَا العشار عُطِّلَتْ﴾ أي وإِذا النوق الحوامل تركت هملًا بلا راعٍ ولا طالب، وخصَّ النوق بالذكر لأنها كرائم أموال العرب ﴿وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ﴾ أي وإِذا الوحوش جُمعت من أوكارها وأجحارها ذاهلةً من شدة الفزع ﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾ أي وإِذا البحار تأججت نارًا، وصارت نيرانًا تضطرم وتلتهب ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ أي وإِذا النفوس قُرنت بأشباهها، فقرن الفاجر مع الفاجر، والصالح مع الصالح قال الطبري: يُقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، وبين الرجل السوء مع الرجل السُّوء في النار ﴿وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ﴾ أي وإِذا البنت التي دفنت وهي حية سئلت توبيخًا لقالتها: ما هو ذنبها حتى قتلت؟ قال في التسهيل: الموءدة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حيَّةً من كراهته لها أو غيرته عليها، فتسأل يوم القيامة ﴿بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾؟ على وجه التوبيخ لقاتلها ﴿وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ﴾ أي وإِذا صحف الأعمال نشرت وبسطت عند الحساب ﴿وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ﴾ أي وإِذا السماء أزيلت ونزعت من مكانها كما ينزع الجلد عن الشاة ﴿وَإِذَا الجحيم سُعِّرَتْ﴾ أي وإِذا نار جهنم أوقدت وأُضرمت لأعداء الله تعالى ﴿وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ﴾ أي وإِذا الجنة أدنيت وقربت من المتقين ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ أي عملت كل نفسٍ ما أحضرتْ من خيرٍ أو شر، وهذه الجملة ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ هي جواب ما تقدم من أول السورة ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ إِلى هنا، والمعنى إِذا حدثت تلك الأمور العجيبة الغريبة، علمت حنيئذٍ كل نفسٍ ما قدمته من صالح أو طالح. . ثم أقسم تعالى على صدق القرآن، وصحة رسالة محمد عليه السلام فقال ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس﴾ أي فأقسم قسمًا مؤكدًا بالنجوم المضيئة التي تختفي بالنهار، وتظهر بالليل ﴿الجوار الكنس﴾ أي التي

499

تجري وتسير مع الشمس والقمر ثم تستتر وقت غروبها، كا تستتر الظباء في كناسها مغاراتها قال القرطبي: النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل، وتنكس وقت غروبها أي تستتر، كما تنكس الظباء في المغار وهو الكناس ﴿والليل إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي وأقسم بالليل إِذا أقبل بظلامه حتى غطَّى الكون ﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أي وبالصبح إِذا أضاء وتبلَّج، واتَّسع ضياؤه حتى صار نهارًا واضحًا ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هذا هو المقسم عليه أي إن هذا القرآن الكريم، لكلامُ الله المنزَّل بواسطة ملك عزيز على الله هو جبريل كقوله تعالى

﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: 193194] قال المفسرون: أراد بالرسول «جبريل» وأضاف القرآن إِليه لأنه جاء به، وهو في الحقيقة قول الله تعالى، ومما يدل على أن المراد به جبريل قوله بعده ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ﴾ أي شديد القوة، صاحب مكانة رفيعة، ومنزلة سامية عند الله جلا وعلا ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ أي مطاعٍ هناك في الملأ الأعلى، تطيعه الملائكة الأبرار، مؤتمن على الوحي الذي ينزل به على الأنبياء ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ أي وليس محمد الذي صاحبتموه يا معشر قريش، وعرفتم صدقه ونزاهته ورجاحة عقله بمجنون كما زعمتم قال الخازن: أقسم تعالى على أن القرآن نزل به جبريل الأمين، وأن محمدًا ﷺ َ ليس بمجنون كما يزعم أهل مكة، فنفى عنه تعالى عنه الجنون، وكون القرآن من عند نفسه ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بالأفق المبين﴾ أي وأقسمُ لقد رأى محمد ﷺ َ جبريل في صورته الملكية التي خلقه الله عليها بجهة الأفق الأعلى البيّن من ناحية المشرق حيث تطلع الشمس قال في البحر: وهذه الرؤية بعد أمر غار حراء، حين رأى جبريل على كرسي بين السماء والأرض، في صورته له ستمائة جناح قد سدَّ ما بين المشرق والمغرب ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغيب بِضَنِينٍ﴾ أي وما محمد على الوحي ببخيل يقصِّر في تبليغه وتعليمه، بل يبلغ رسالة ربه بكل أمانةٍ وصدق ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ أي وما هذا القرآن بقول شيطان ملعون كما يقول المشركون ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أيْ فأيَّ طريقٍ تسلكون في تكذيبكم للقرآن، واتهامكم له بالسحر والكهانة والشعر، مع وضوح آياته وسطوع براهنيه؟ وهذا كما تقول لمن ترك الطريق المستقيم: هذا الطريق الواضح فأين تذهب؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي ما هذا القرآن إِلا موعظة وتذكرة للخلق أجمعين ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ أي لمن شاء منكم أن يتبع الحق، ويستقيم على شريعة الله، ويسلك طريق الأبرار ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّ العالمين﴾ أي وما تقدرون على شيء إِلا بتوفيق الله ولطفه، فاطلبوا من الله التوفيق إِلى أفضل طريق.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الجناس الناقص بين ﴿الخنس﴾ و﴿الكنس﴾ .

2 -

500

الاستعارة التصريحية ﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾ شبَّه إِقبال النهار وسطوع الضياء بنسمات الهواء العليل التي تحيي القلب، واستعار لفظ التنفس لإِقبال النهار بعد الظلام الدامس، وهذا من لطيف الاستعارة وأبلغها تصويرًا حيث عبر عنه بتنفس الصبح.

3 - الكناية اللطيفة ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ كنى عن محمد ﷺ َ بلفظ ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ .

4 - الطباق بين لفظ ﴿الجحيم سُعِّرَتْ. . والجنة﴾ .

5 - الجناس غير التام بين ﴿أَمِينٍ. . ومَكِينٍ﴾ .

6 - توافق الفواصل رغاية لرءوس الآيات مثل ﴿كُوِّرَتْ، سُيِّرَتْ، سُجِّرَتْ، سُعِّرَتْ﴾ ومثل ﴿الخنس، الكنس، عَسْعَسَ، تَنَفَّسَ﴾ الخ.

501

الانفطار

اللغَة: ﴿انفطرت﴾ انشقت، والفطرُ: الشقُّ ومنه فاطر نابُ البيعر ﴿انتثرت﴾ تساقطت وتهاوت ﴿بُعْثِرَتْ﴾ قُلبت يقال: بعثرت المتاع قلبته ظهرًا لبطن ﴿غَرَّكَ﴾ خدعك ﴿سَوَّاكَ﴾ جعل أعضاءك سليمة سويّة ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ويذوقون لهبها وحرَّها.

التفسِير: ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ أي إِذا المساء انشقت بأمر الله لنزول الملائكة كقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: 25] ﴿وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾ أي وإِذا النجوم تساقطت وتناثرت، وزالت عن بروجها وأماكنها ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ أي وإِذا البحار فتح بعضها إِلى بعض، فاختلط عذبها بمالحها، وأصبحت بحرًا واحدًا ﴿وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ﴾ أي وإِذا القبور قلبت، ونش ما فيها من الموتى، وصار ما في بطنها ظاهرًا على جهها ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ هذا هو الجواب أي علمت عندئذٍ كل نفس ما أسلفت من خير أو شر، وما قدمت من صالح أو طالح قال الطبري: ما قدمت من علم صالح، وما أخرت من شيء سنَّه فعمل به بعده ثم بعد ذكر أحوةال الآخرة وأهوالها، انتقلت الآيات لتذكير الإِنسان الغافل الجاهل بما أمامه من أهوال وشدائد فقال تعالى ﴿ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ أيْ أيُّ شيءٍ خدعك برك الحليم الكريم، حتى عصيته وتجرأت على مخالفة أمره، مع إِحسانه إِليك وعطفه عليك؟ وهذا توبيخ وعتاب كأنه قال: كيف قابلتَ إِحسان ربك بالعصيان، ورأفته بك بالتمرك والطغيان ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ [الرحمن: 60]؟ ثم عدَّد نعمه عليه فقال ﴿الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ أي الذي أوجدك من العدم، فجعلك سويًا سالم الأعضاء، تسمع وتعقل وتبصر ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي جعلك معتدل القامة منتصبًا في أحسن الهيئات والأشكال ﴿في أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ أي ركبك في أي صورة شاءها واختارها لك من الصور الحسنة العجيبة ولم يجعل في الشكل كالبهيمة كقوله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] . . ثم وبَّخ المشركين على تكذيبهم بيوم الدين فقال ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين﴾ أي ارتدعوا يا أهل مكة، ولا تغتروا بحلم الله، بل أنتم تكذبون بيوم الحساب والجزاء ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ أي والحالُ أن عليكم ملائكة حفظة يضبطون أعمالكم ويراقبون تصرفاتكم قال القرطبي: أي عليكم رقباء من الملائكة ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ أي كرامًا على الله، يكتبون أقوالكم وأعمالكم ﴿يَعْلَمُونَ مَا﴾

503

﴿تَفْعَلُونَ﴾ أي يعملون ما يصدر منكم من خير وشر، ويسجلونه في صحائف أعمالكم، لتجازوا به يوم القيامة. . ثم بيَّن تعالى انقسام الخلق يوم القيامة إِلى أبرار وفجار، وذكر مآل كلٍ من الفريقين فقال ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي إِن المؤمنين الذين اتقوا ربهم في الدنيا، لفي بهجة وسرور لا يوصف، يتنعمون في رياض الجنة بما لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم مخلدون في الجنة ﴿وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ أي وإِن الكفرة الفجار، الذين عصوا ربهم في الدنيا، لفي نار محرقةٍ، وعذاب دائم مقيم في دار الجحيم ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدين﴾ أي يدخلونها ويقاسون حرها يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ أي وليسوا بغائبين عن جهنم، بعيدين عنها لايرونها، بل هي أمامهم يَصْلَونَ ويذوقون سعيرها ولا يخرجون منها أبدًا.

﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين﴾ تعظيمٌ له وتهويل أي ما أعلمك ما هو يوم الدين؟ وأيُّ شيءٍ هو في شدته وهوله؟ ﴿ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين﴾؟ كرر ذكره تعظيمًا لشأنه، وتهويلًا لأمره كقوله ﴿الحاقة مَا الحآقة وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة﴾ [الحاقة: 13]؟ كأنه يقول: إِن يوم الجزاء من شدته بحيث لا يدري أحدٌ مقدار هوله وعظمته، فهو فوق الوصف والبيان ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي هو ذلك اليوم الرهيب الذي لا يستطيع أحد أن ينفع أحدًا بشيء من الأشياء، ولا أن يدفع عنه ضرًا ﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ أي والأمر في ذلك اليوم لله وحده لا ينازعه فيه أحد.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق بين ﴿قَدَّمَتْ﴾ و﴿أَخَّرَتْ﴾ وهو من المحسنات البديعية.

2 - المقابلة اللطيفة بين الأبرار والفجار ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ فقد قابل الأقرار بالفجار، والنعيم بالجحيم وفيه أيضًا من المحسنات البديعية ما يسمى بالترصيع.

3 - الاستعارة المكنية ﴿وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾ شبَّه الكواكب بجواهر قطع سلكها فتناثرت متفرقة، وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو الانتثار على طريق الاستعارة المكنية.

4 - الاستفهام للتوبيخ والإِنكار ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾؟

5 - التنكير في كلٍ من لفظة ﴿نَعِيمٍ﴾ و﴿جَحِيمٍ﴾ للتعظيم والتهويل.

6 - الإِطناب بإِعادة الجملة ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين﴾؟ لتعظيم هول ذلك اليوم وبيان شدته كأنه فوق الوصف الخيال.

7 - السجع المرصَّع وهو من المحسنات البديعية مثل ﴿إِذَا السمآء انفطرت وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾ ومثل ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ ومثل ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ .

لطيفَة: روي أن الخليفة «سليمان بن عبد الملك» قال لأبي حازم المزني: ليت شعري أين مصيرنا يوم القيامة؟ وما لنا عند الله؟ فقال له: أعرضْ عملك على كتاب الله تجد ما لك عند الله ﴿فقال: وأين أجد ذلك في كتاب الله﴾ ! قال: عند قوله تعالى ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ قال سليمان: فإين إِذًا هي رحمة الله؟ فأجابه بقوله ﴿إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين﴾ [الأعراف: 56] .

504

المطففين

اللغَة: ﴿لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ جمع مُطفّف وهو الذي ينقص في الكيل والوزن، والتطفيف: النقصان وأصله من الطفيف وهو الشيء اليسير، لأن المطفّف لا يكاد يسرف في الكيل والوزن إِلا الشيء اليسير ﴿رَانَ﴾ غطَّى وغثَّى كالصدأ يغشى السيف، وأصله الغلبة يقال: رانت الخمر على عقل شاربها أي غلبته قال الشاعر:

«وكمْ رانَ من ذنبٍ على قلب فاجر» ... ﴿رَّحِيقٍ﴾ أجود الخمر وأصفاه وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر وقال الأخفش: هو الشراب الذي لا غش فيه قال الحسن:

بَرَدى يُصفِّق بالرحيقِ السَّلْسَلِ ... ﴿فَكِهِينَ﴾ معجبين متلذين ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ يشيرون إِليهم بالأعين استهزاءً ﴿ثُوِّبَ﴾ جوزي ﴿تَسْنِيمٍ﴾ عنيٌ عالية شرابها أشرف شراب، وأصل التسنيم الارتفاع ومنه سنام البعير.

سَبَبُ النّزولك عن ابن عباس قال «لما قدم رسول الله ﷺ َ المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلًا فأنزل اله عز وجل ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك» .

التفسِير: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ أي هلاك وعذاب ودمار، لأولئك الفجار الذين ينقصون المكيال والميزان، ثم بيَّن أوصافهم القبيحة بقوله ﴿الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ﴾ أي إِذا أخذوا الكيل من الناس أخذوه وافيًا كاملًا لأنفسهم ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أي وإِذا كالوا للناس أو وزنوا لهم، ينقصون الكيل والوزن قال المفسرون: نزلت في رجلٍ يُعرف ب «أبي جهينة» كان له صاعان، يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر، وهو وعيدٌ لكل من طفَّف الكيل والوزن، وقد أهلك الله قوم شعيب لبخسهم المكيال والميزان، وفي الحديث «ولا طففوا الكيل إِلاّ منعوا النبات وأُخذوا بالسنين» ﴿أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي ألا يعلم ويستقين أولئك المطففون أنهم سيبعثون ليوم عصيب، شديد الهول، كثير الفزع؟! ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ أي يوم يقفون

506

في المحشر حفاةً عراةً، خاشعين خاضعين لرب العالمين قال في البحر: وفي هذا الإِنكار والتعجيب، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس لله خاضعين، ووصفهُ برب العالمين، دليلٌ على عظم هذا الذنب وهو التطفيف، وفي الحديث عن ابن عمر أن النبي ﷺ َ قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إِلى أنصاف أُذنيه. . ثم ذكر تعالى مآل الفجار، ومآل الأبرار فقال ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾ أي ليرتدع هؤلاء المطففون عن الغفلة عن البعث والجزاء، فإِن كتاب أعمال الأشقياء الفجار، لفي مكان ضيّق في أسفل سافلين ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ استفهام للتعظيم والتهويل أي هل تعلم ما هو سجين؟ ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ أي هو كتاب مكتوبٌ كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى، أُثبتت فيه أعمالهم الشريرة قال ابن كثير: ﴿سِجِّينٌ﴾ مأخوذ من السجن وهو الضيق، ولما كان مصير الفجار إِلى جهنم وهي أسفل سافلين، وهي تجمع الضيق والسفول، أخبر تعالى أنه كتاب مرقوم أي مكتوبٌ مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي هلاك ودمار للمكذبين ﴿الذين يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدين﴾ أي يكذبون بيوم الحساب والجزاء ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي وما يكذب بيوم الحساب والجزاء ألا كل متجاوز الحد في الكفر والضلال، مبالغ في العصيان والطغيان، كثير الآثام، ثم وضّح من إِجرامه فقال ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي إِذا تليت عليه آيات القرآن، الناقطة بحصول البعث والجزاء، قال عنها: هذه حكايات وخرافات الأوائل، سطروها وزخرفوها في كتبهم ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي ليرتدع هذا الفاجر عن ذلك القول الباطل، فليس القرآن أساطير الأولين، بل غطَّى على قلوبهم ما كسبوا من الذنوب، فطمس بصائرهم فصاروا لا يعرفون الرشد من الغي قال المفسرون: الرَّان هو الذنب على الذنب حتى يسودَّ القلب ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ أي ليرتدع هؤلاء المكذبون عن غيهم وضلالهم، فيهم في الآخرة محجوبون عن رؤية المولى جل وعلا فلا يرونه قال الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل وقال مالك: لما حجب أعداءه لم يروه، تجلَّى لأوليائه حتى رأوه ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم﴾ أي ثم إِنهم مع الحرمان عن رؤية الرحمن، لدخلو الجحيم وذائقو عذابها الأليم ﴿ثُمَّ يُقَالُ هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي ثم تقول لهم خزنة جهنم على وجه التقريع والتوبيخ: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا

﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: 15]؟ . . وبعد الحديث عن حال الفجار، ذكر تعالى نعيم الأبرار فقال ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿كَلاَّ﴾ ردعٌ وزجر أي ليس الأمر كما يزعمون من مساواة الفجار بالأبرار، بل كتابه في سجين، وكتاب الأبرار في عليين، وهو مكان عالٍ مشرَّف في أعلى

507

الجنة، قال في التسهيل: ولفظ ﴿عليين﴾ للمبالغة، وهو مشتق من العلو لأنه سبب في ارتفاع الدرجات في الجنة، أو لأنه في مكان عليٍّ رفيع فقد روي أنه تحت العرش ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ تفخيمٌ وتعظيم لشأنه أي وما أعلمك يا محمد ما هو عليون؟ ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ المقربون﴾ أي كتابٌ الأبرار كتابٌ مسطَّر، مكتوب فيه أعمالهم، وهو في عليين في أعلى درجات الجنة، يشهده المقربون من الملائكة قال المفسرون: إِن روح المؤمن إِذا قُبضت صُعد بها إِلى العرش، فيخرج لهم رقٌّ فيكتب فيه ويختم عليه بالنجاة من الحساب والعذاب يشهده المقربون ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي إِن المطيعين لله في الجنات الوارفة، والضلال الممتدة يتنعمون ﴿عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾ أي هم على السرر المزينة بفاخر الثياب والستور، ينظرون إِلى ما أعدَّ الله لهم من أنواع الكرامة والنعيم في الجنة ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم﴾ أي إِذا رأيتهم تعرف أنهم أهل نعمة، لما ترى في وجوههم من النور والبياض والحسن، ومن بهجة السرور ورونقه ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ أي يُسقون من خمرٍ في الجنة، بيضاء طيبة صافية، لم تكدرها الأيدي، قد ختم على تلك الأواني فلا يفك ختمها إِلا الأبرار ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي آخر الشراب تفووح منه رائحة المسك ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون﴾ أي وفي هذا النعيم والشراب الهنيء، فليرغب بالمبادرة إِلى طاعة الله، وليتسابق المتسابقون قال الطبري: التنافسُ مأخوذ من الشيء النفيس الذي يحرص عليه الناس، وتشتهيه وتطلبه نفوسهم والمعنى فليستبقوا في طلب هذا النعيم، ولتحرص عليه نفوسهم ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي يمزج ذلك الرحيق من عينٍ عالية رفيعة، هي أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه تسمى «التسنيم» ولهذا قال بعده ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا المقربون﴾ أي هي عينٌ في الجننة يشر منها المقربون صرفًا، وتمزج لسائر أهل الجنة قال في التسهيل: تسنيم أسمٌ لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفًا، ويمزج منه الرحيق الذي يشرب منه الأبرار، فدل ذلك على أن درجة المقربين فوق درجة الأبرار.

. ولما ذكر تعالى نعيم الأبرار، أعقبه بذكر مآل الفجار، تسليةً للمؤمنين وتقوية لقلوبهم فقال ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ أي أن المجرمين الذين من طبيعتهم الإِجرام وارتكاب الآثام، كانوا في الدنيا يضحكون من المؤمنين استهزاءً بهم قال في التسهيل: نزلت هذه الآية في صناديق قريش كأبي جهل وغيره، مرَّ بهم علي بن أبي طالب وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفوا بهم ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ أي وإِذا مرَّ هؤلاء المؤمنين بالكفار، غمز بعضهم بعضًا بأعينهم سخرية واستهزاءً بهم قال المفسرون: كان المشركون إِذا مرَّ بهم أصحاب رسول الله، تغامزوا بأعينهم عليهم احتقارًا لهم وازدراءً يقولون: جاءكم ملوك الدنيا، يسخرون منهم لإِيمانهم واستمساكهم بالدين ﴿وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ﴾ أي وإِذا انصرف المشركون ورجعوا إلى

508

منازلهم وأهليهم، رجعوا متلذيين يتفكهون بذكر المؤمنين والاستخفاف بهم قال في البحر: أي رجعوا متلذذين بذكرهم وبالضحك منهم استخفافًا بأهل الإِيمان ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ﴾ أي وإِذا رأى الكفار المؤمنين قالوا: إِن هؤلاء لضالون لإِيمانهم بمحمد، وتركهم شهوات الحياة قال تعالى ردًا عليهم ﴿وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ أي وما أُرسل الكفار حافظين على المؤمنين، يحفظون أعمالهم ويشهدون برشدهم أو ضلالهم، وفيه تهكم وسخرية بالكفار كأنه يقول: أنا ما أرسلتهم رقباء، ولا وكلتهم بفحظ أعمال عبادي المؤمنين، حتى يرشدوهم إِلى مصالحهم، فلم يشغلون أنفسهم فيما لا يعنيهم؟ ﴿فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ﴾ أي ففقي هذا اليوم يوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، جزاءً وفاقًا ﴿عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾ أي والمؤمنون على أسرَّة الدر والياقوت، ينظرون إِلى الكفار ويضحكون عليهم قال القرطبي: يقال لأهل النار وهم في النار اخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار، فإِذا رأوها قد فتحت أقبلوا إِليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إِليهم على الأرائك، فإِذا انتهوا إِلى أبوابها أغلقت دونهم، فيضحك منهم المؤمنون ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أي هل جوزي الكفار في الآخرة بما كنوا يفعلونه بالمؤمنين من السخرية والاستهزاء؟ نعم.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - التنكير للتهويل والتفخيم ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ .

2 - الطباق بي ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ و﴿يُخْسِرُونَ﴾ .

3 - المقابلة بين حال الفجار والأبرار ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار. .﴾ الخ و﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ. .﴾ الخ.

4 - التفخيم والتعظيم لمراتب الأبرار ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾؟

5 - جناس الاشتقاق ﴿فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون﴾ .

6 - الإِطناب بذكر أوصاف ونعيم المتقين ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم﴾ .

7 - التشبيه البليغ ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي كالمسك في الطيب والبهجة، فحذف منه الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغًا.

8 - توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿يَضْحَكُونَ، يَنظُرُونَ، يَكْسِبُونَ، يَفْعَلُونَ﴾ الخ.

509