صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 138 - 146

238

238

المنَاسَبَة: توسطت آيات المحافظة على الصلاة خلال الآيات الكريمة المتعلقة بأحكام الأسرة وعلاقات الزوجين عند الطلاق أو الافتراق وذلك لحكمة بليغة، وهي أنّ الله تعالى لما أمر بالعفو والتسامح وعدم نسيان الفضل بعد الطلاق بيّن بعد ذلك أمر الصلاة، لأنها أعظم وسيلة إِلى نسيان هموم الدنيا وأكدارها ولهذا كان ﷺ َ إِذا حزبه همٌّ فزع إِلى الصلاة فالطلاق يولّد الشحناء والبغضاء، والصلاة تدعو إِلى الإِحسان والتسامح وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وذلك أفضل طريق لتربية النفس الإِنسانية.

اللغَة: ﴿حَافِظُواْ﴾ المحافظة: المداومة على الشيء والمواظبة عليه. ﴿الوسطى﴾ مؤنث الأوسط، ووسط الشيء خيره وأعدله قال أعرابي يمدح الرسول ﷺ َ:

يا أوسط الناس طرًّا في مفاخرهم ... وأكرم الناس أمًّا برّةً وأبًا

﴿قَانِتِينَ﴾ أصل القنوت في اللغة: المداومة على الشيء وقد خصّه القرآن بالدوام على الطاعة والملازمة لها على وجه الخشوع والخضوع قال تعالى: ﴿يامريم اقنتي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] . ﴿فَرِجَالًا﴾ جمع راجل وهو القائم على القدمين قال الراغب: اشتُقَّ من الرجل راجلٌ للماشي بالرجل ويقال: رجل راجل أي قويٌّ على المشي. ﴿رُكْبَانًا﴾ جمع راكب وهو من يركب الفرس والدابة ونحوهما.

التفسِير: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى﴾ أي واظبوا أيها المؤمنون وداوموا على أداء الصلوات في أوقاتها وخاصة صلاة العصر فإِن الملائكة تشهدها ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي داوموا على العبادة والطاعة بالخشوع والخضوع أي قوموا لله في صلاتكم خاشعين ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ﴾

138

﴿رُكْبَانًا﴾ أي فإِذا كنتم في خوفٍ من عدوٍ أو غيره فصلوا ماشين على الأقدام أو راكبين على الدواب ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ أي فإِذا زال الخوف وجاء الأمن فأقيموا الصلاة مستوفية لجميع الأركان كما أمركم الله وعلى الوجه الذي شرعه لكم وهذه كقوله: ﴿فَإِذَا اطمأننتم فَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [النساء: 103] والذكرُ في الآية يراد به الصلاة الكاملة المستوفية للأركان، قال الزمخشري: المعنى اذكروه بالعبادة كام أحسن إِليكم بما علمكم من الشرائع وكيف تصلون في حال الخوف والأمن. ثم قال تعالى مبينًا أحكام العدة ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعًا إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي والذين يموتون من رجالكم ويتركون زوجاتهم على هؤلاء أن يوصوا قبل أن يُحتضروا بأن تمتَّع أزواجهم بعدهم حولًا كاملًا - يُنْفق عليهنَّ من تركته ولا يُخرجن من مساكنهنَّ - وكان ذلك في أول الإِسلام ثم نسخت المدة إِلى أربعة أشهر وعشرة أيام ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ أي فإِن خرجن مختارات راضيات فلا إِثم عليكم يا أولياء الميت في تركهن أن يفعلن ما لا ينكره الشرع كالتزين والتطيب والتعرض للخُطّاب ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي هو سبحانه غالبٌ في ملكه حكيم في صنعه ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقًّا عَلَى المتقين﴾ أي واجبٌ على الأزواج أن يُمتِّعوا المطلقات بقدر استطاعتهم جبرًا لوشحة الفراق وهذه المتعة حقٌّ لازم على المؤمنين المتقين لله ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي مثل ذلك البيان الشافي الذي يوجه النفوس نحو المودة والرحمة يبيّن الله سبحانه لكم آياته الدالة على أحكامه الشرعية لتعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها.

البَلاَغَة: 1 - ﴿الصلاة الوسطى﴾ عطف خاص على عام؛ لبيان مزيد فضلها.

2 - ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ﴾ بين لفظ خفتم وأمنتم طباق وهو من المحسنات البديعية، قال أبو السعود: وفي إِيراد الشرطية بكلمة «إِن» المنبئة عن عدم تحقق وقوع الخوف، وإِيراد الثانية بكلمة «إِذا» المنبئة عن تحقق وقوع الامن وكثرته مع الإِيجاز في جواب الأولى والإِطناب في جواب الثانية من الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولي الأبصار.

تنبيه: الصلاة الوسطى على الراجح من الأقوال هي صلاة العصر لأنها وسط بين الفجر والظهر والمغرب والعشاء ويقوي هذا ما ورد في الصحيحين: «شَغَلُونَا عن الصَّلاةِ الوُسْطَى صَلاَةِ العَصْرِ مَلأَ الله قُلُوبَهُم وَبُيُوتَهُم نَارًا» وفي الحديث: «الّذِي تَفُوتُه صَلاةُ العَصْرِ فَكَأَنَمَا وَتِر أَهْلُهُ وَمَالُهُ» أخرجه الشيخان وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة.

139

243

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحكام الأسرة بالتفصيل والنظم التي تربط بين أفرادها، وسعى لإِصلاحها باعتبار أنها النواة واللبنة التي يشاد منها صرح المجتمع الفاضل، ذكر بعدها أحكام الجهاد وذلك لحماية العقيدة وصيانة المقدسات، وتأمين البيئة الصالحة للأسرة المسلمة التي تنشد الحياة الكريمة، فلا صلاح للأسرة إِلا بصلاح المجتمع، ولا بقاء لها ولا خلود إِلا ببقاء الحق وأنصاره، ولهذا أمر تعالى بالقتال وضرب عليه الأمثال بالأمم السابقة، كيف جاهدت في سبيل الحق وانتصرت القلة مع إِيمانها على الكثرة مع كفرها وطغيانها، فليست العبرة بكثرة أنصار الباطل بل بصمود أهل الحق والتزامهم له وجهادهم في سبيله.

اللغَة: ﴿أُلُوفٌ﴾ جمع ألف جمع كثرة وفي القلة آلاف، ومعناه كثرة كاثرة وألوف مؤلفة. ﴿حَذَرَ﴾ خشية وخوف ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ القبض: ضم الشيء والجمع عليه والمراد به التقتير والبسط ضدَّه والمراد به التوسيع قال أبو تمام:

140

تعوَّد بسطَ الكفِّ حتى لو أنه ... دعاها لقبضٍ لم تُجْبه أناملُه

﴿الملإ﴾ الأشراف من الناس سمّوا بذلك لأنهم يلمؤون العين مهابةً وإِجلالًا. ﴿فَصَلَ﴾ انفصل من مكانه يقال: فصل عن الموضع انفصل عنه وجاوزه. ﴿مُبْتَلِيكُمْ﴾ مختبركم. ﴿يَظُنُّونَ﴾ يستيقنون ويعلمون. ﴿فِئَةٍ﴾ الفئة: الجماعة من الناس لا واحد له كالرهط والنفر. ﴿أَفْرِغْ﴾ أفرغ الشيء صبَّه وأنزله.

التفسِير: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ أي ألم يصل إِلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم وهم ألف مؤلفة ﴿حَذَرَ الموت﴾ أي خوفًا من الموت وفرارًا منه، والغرض من الاستفهام التعجيب والتشويق إِلى سماع قصتهم وكانوا سبعين ألفًا ﴿فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ أي أماتهم الله ثم أحياهم، وهم قوم من بني إِسرائيل دعاهم ملكهم إِلى الجهاد فهربوا خوفًا من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم بدعوة نبيهم «حزقيل» فعاشوا بعد ذلك دهرًا، وقيل: هربوا من الطاعون فأماتهم الله قال ابن كثير: وفي هذه القصة عبرةٌ على أنه لا يغني تحذرٌ من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إِلا إِليه ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾ أي ذو إِنعام وإِحسان على الناس حيث يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة ما يبصّرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي لا يشكرون الله على نعمه بل ينكرون ويجحدون ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي قاتلوا الكفار لإِعلاء دين الله، لا لحظوظ النفس وأهوائها واعلموا أنّ الله سميع لأقوالكم، عليم بنيّاتكم وأحوالكم فيجازيكم عليها، وكما أنّ الحذر لا يغني من القدر فكذلك الفرار من الجهاد لا يقرّب أجلًا ولا يبعده ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ أي من الذي يبذل ماله وينفقه في سبيل الخير ابتغاء وجه الله، ولإِعلاء كلمة الله في الجهاد وسائر طرق الخير، فيكون جزاؤه أن يضاعف الله تعالى له ذلك القرض أضعافًا كثيرة؟ لأنه قرضٌ لأغنى الأغنياء ربّ العالمين ﷻ وفي الحديث

«مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيم وَلاَ ظَلُومٍ» ﴿والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي يقتّر على من يشاء ويوسّع على من يشاء ابتلاءً وامتحانًا ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ موسى﴾ أي ألم يصل خبر القوم إليك؟ وهو تعجيب وتشويق للسامع كما تقدم وكانوا من بني إسرائيل وبعد وفاة موسى عليه السلام كما دلت عليه الآية ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي حين قالوا لنبيِّهم «شمعون» - وهو من نسل هارون أقم لنا أميرًا واجعله قائدًا لنا لنقاتل معه الأعداء في سبيل الله ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ﴾ أي قال لهم نبيّهم: أخشى أن يُفرض عليكم القتال ثم لا تقاتلوا عدوكم وتجبنوا عن لقائه ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾ أي أيُّ سببٍ لنا في ألاّ نقاتل عدونا وقد أخذت منا البلاد وسُبيت الأولاد؟ قال تعالى بيانًا لما انطوت عليه نفوسهم من الهلع والجبن ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ أي لما فرض عليهم القتال نكل أكثرهم عن

141

الجهاد إِلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا، وهم الذين عبروا النهر مع طالوت، قال القرطبي: وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلة إِلى الدَّعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإِذا حضرت الحرب جُبنت وانقادت لطبعها ﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ وعيدٌ لهم على ظلمهم بترك الجهاد عصيانًا لأمره تعالى ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ أي أخبرهم نبيّهم بأنَّ الله تعالى قد ملَّك عليهم طالوت ليكونوا تحت إِمرته في تدبير أمر الحرب واختاره ليكون أميرًا عليهم ﴿قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال﴾ أي قاموا معترضين على نبيّهم كيف يكون ملكًا علينا والحال أننا أحقُّ بالملك منه لأن فينا من هو من أولاد الملوك وهو مع هذا فقير لا ما له فكيف يكون ملكًا علينا؟ ﴿قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم﴾ أي أجابهم نبيّهم على ذلك الاعتراض فقال: إِنّ الله اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، والعمدة في الاختيار أمران: العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، والأمر الثاني قوة البدن ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الشدائد، وقد خصّه الله تعالى منهما بحظ وافر، قال ابن كثير: ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوّةٍ شديدة في بدنه ونفسه، ﴿والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾ أي يعطي الملك لمن شاء من عباده من غير إِرثٍ أو مال ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي واسع الفضل عليمٌ بمن هو أهلٌ له فيعطيه إِياه.

. ولمّا طلبوا آية تدل على اصطفاء الله لطالوت أجابهم إِلى ذلك ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أي علامة ملكه واصطفائه عليكم ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت﴾ أي يردَّ الله إِليكم التابوت الذي أخذ منكم، وهو كما قال الزمخشري: صندوق التوراة الذي كان موسى عليه السلام إِذا قاتل قدَّمه فكانت تسكن نفوس بني إِسرائيل ولا يفرون ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الملائكة﴾ أي في التابوت السكون والطمأنينة والوقار وفيه أيضًا بقية من آثار آل موسى وآل هارون وهي عصا موسى وثيابه وبعض الألواح التي كتبت فيها التوراة تحمله الملائكة، قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعه بين يدي طالوت والناس ينظرون ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي إِن في نزول التابوت لعلامة واضحة أنّ الله اختاره ليكون ملكًا عليكم إِن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود﴾ أي خرج بالجيش وانفصل عن بيت المقدس وجاوزه وكانوا ثمانين أخذ بهم في أرض قفرة فأصابهم حرٌّ وعطشٌ شديد ﴿قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ أي مختبركم بنهر وهو نهر الشريعة المشهور بين الأردن وفلسطين ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي من شرب منه فلا يصحبني - وأراد بذلك أن يختبر إِرادتهم وطاعتهم قبل أن يخوض بهم غمار الحرب - ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني﴾ أي من لم يشرب منه ولم يذقه فإِنه من جندي الذين يقاتلون معي ﴿إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي لكن من اغترف قليلًا من الماء ليبلَّ عطشه وينقع غلته فلا بأس بذلك، فأذن لهم برشفةٍ من الماء تذهب بالعطش ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ أي شرب الجيش منه إِلا فئة قليلة صبرت على العطش، قال السدي: شرب منه ستة وسبعون ألفًا وتبقّى معه أربعة آلاف ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾ أي

142

لما اجتاز النهر مع الذين صبروا على العطش والتعب ورأوا كثرة عدوهم واعتراهم الخوف فقال فريق منهم ﴿قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾ أي لا قدرة لنا على قتال الأعداء مع قائد جيشهم جالوت فنحن قلة وهم كثرة كاثرة ﴿قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ الله﴾ أي قال الذين يعتقدون بلقاء الله وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله﴾ أي كثيرًا ما غلبت الجماعة القليلة الجماعة الكثيرة بإِرادة الله ومشيئته، فليس النصر عن كثرة العدد وإِنما النصر من عند الله ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد ومن كان الله معه فهو منصور بحول الله ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي ظهروا في الفضاء المتسع وجهًا لوجه أمام ذلك الجيش الجرار جيش جالوت المدرّب على الحروب ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ دعوا الله ضارعين إِليه بثلاث دعوات تفيد إِدراك أسباب النصر فقالوا أولًا: ربنا أفضْ علينا صبرًا يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلًا إِلى قلوبنا وهي الدعوة الثانية ﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك وهم جالوت وجنوده وهي الدعوة الثالثة قال تعالى إِخبارًا عنهم ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله﴾ أي هزموا جيش جالوت بنصر الله وتأييده إِجابة لدعائهم وانكسر عدوهم رغم كثرته ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ أي وقتل داود - وكان في جيش المؤمنين مع طالوت - رأس الطغيان جالوت واندحر جيشه ﴿وَآتَاهُ الله الملك والحكمة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ أي أعطى الله تعالى داود الملك والنبوّة وعلّمه ما يشاء من العلم النافع الذي أفاضه عليه، قال ابن كثير: كان طالوت قد وعده إِن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إِلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوّة العظيمة ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض﴾ أي لولا أن يدفع الله شرّ الأشرار بجهاد الأخيار لفسدت الحياة، لأنّ الشر إِن غلب كان الخراب والدمار ﴿ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين﴾ أي ذو تفضلٍ وإِنعام على البشر حيث لم يمكّن للشر من الاستعلاء ﴿تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق﴾ أي ما قصصنا عليك يا محمد من الأمور الغريبة والقصص العجيبة التي وقعت في بني إِسرائيل هي من آيات الله وأخباره المغيبة التي أوحاها إِليك بالحق بواسطة جبريل الأمين ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ أي وإِنك يا محمد لمن جملة الرسل الذين أرسلهم الله لتبليغ دعوة الله عز وجل.

البَلاَغَة: 1 - قال أبو حيان: تضمنت الآية الكريمة من ضروب البلاغة وصنوف البيان أمورًا كثيرة منها الاستفهام الذي أُجري مجرى التعجب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين﴾ والحذف بين ﴿مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ أي فماتوا ثم أحياهم، والطباق في قوله: ﴿مُوتُواْ﴾ و﴿أَحْيَاهُمْ﴾ كذلك في قوله: ﴿يَقْبِضُ﴾ و﴿وَيَبْسُطُ﴾ والتكرار في قوله: ﴿فَضْلٍ عَلَى الناس﴾ و﴿ولكن أَكْثَرَ الناس﴾ والالتفات في ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والتشبيه بدون الأداة في قوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ شبّه قبوله تعالى إِنفاق العبد في سبيله بالقرض الحقيقي فأطلق اسم القرض عليه، والتجنيس المغاير في قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ وقوله: ﴿أَضْعَافًا﴾ .

143

2 - ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ فيه استعارة تمثيلية فقد شبّه حالهم والله تعالى يفيض عليهم بالصبر بحال الماء يصب ويفرغ على الجسم فيعمه كله، ظاهره وباطنه فيلقي في القلب بردًا وسلامًا وهدوءًا واطمئنانًا.

الفوَائِد: الأولى: أسند الاستقراض إِلى الله في قوله: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله﴾ وهو المنزه عن الحاجات ترغيبًا في الصدقة كما أضاف الإِحسان إِلى المريض والجائع والعطشان إِلى نفسه تعالى في قوله جلّ وعلا في الحديث القدسي: «ابن آدم مرضتُ فلم تعدني» و«اسعطعمتك فلم تطعمني» و«استسقيتك فلم تسقني» الحديث الذي رواه الشيخان.

الثانية: روي أنه لمّا نزلت الآية الكريمة «جاء أبو الدحداح الأنصاري إِلى رسول الله ﷺ َ فقال يا رسول الله: وإِنّ الله ليريد منّا القرض؟ قال:» نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاح! «قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده قال: فإِين قد أقرضتُ ربي حائطي - أي بستاني وكان فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها - فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أُمَّ الدحداح قالت: لبّيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل»، وفي رواية قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح وخرجت منه مع عيالها.

الثالثة: قال البقاعي: ولعلّ ختام بني إِسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبيّ ﷺ َ من واضح الدلالة على صحة رسالته لأنها مما لا يعلمه إِلا القليل من حذاق علماء بني إِسرائيل.

144

253

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة اصطفاء طالوت على بني إِسرائيل، وتفضيل داود عليهم بالملك والنبوّة ثم خاطب رسوله ﷺ َ بأنه من المرسلين، وكان ظاهر اللفظ يقتضي التسوية بين الرسل، ذكر في هذه الآية أنّ المرسلين ليسوا في درجة واحدة بل بعضهم أفضل من بعض كما يكون التفاضل بين البشر.

اللغَة: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ جمع درجة وهي المنزلة الرفيعة السامية. ﴿البينات﴾ المعجزات. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قويناه من التأييد بمعنى التقوية. ﴿رُوحِ القدس﴾ القدس: الطهارة وروح القدس جبريل عليه السلام

144

وقد تقدم. ﴿خُلَّةٌ﴾ الخُلَّة: الصداقة والمودة سميت بذلك لأنها تتخلل الأعضاء أي تدخل خلالها ومنه الخليل. ﴿شَفَاعَةٌ﴾ مأخوذة من الشفع بمعنى الضم، والشفاعة الانضمام إِلى آخر ناصرًا له وسائلًا عونه.

التفسِير: ﴿تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي أولئك الرسل الكرام الذين قصصنا عليك من أنبائهم يا محمد هم رسل الله حقًا، وقد فضّلنا بعضهم على بعض في الرفعة والمنزلة والمراتب العالية ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله﴾ أي منهم من خصّه الله بالتكليم بلا واسطة كموسى عليه السلام ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ أي ومنهم من خصّه اله بالمرتبة الرفيعة السامية كخاتم المرسلين محمد ﷺ َ فهو سيد الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة، وكأبي الأنبياء إِبراهيم الخليل ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات﴾ أي ومنهم من أعطاه الله العجزات الباهرات كإِحياء الموتى وإِبراء الأكمة والأبرص والإِخبار عن المغيبات ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ أي قويناه بجبريل الأمين وهو عيسى ابن مريم ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات﴾ أي لو أراد الله ما اقتتل الأمم الذين جاؤوا بعد الرسل من بعد الحجج الباهرة والبراهين الساطعة التي جاءتهم بها رسلهم، فلو شاء الله ما تنازعوا ولا اختلفوا ولا تقاتلوا، ولجعلهم متفقين على اتباع الرسل كما أنّ الرسل متفقون على كلمة الحق ﴿ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ أي ولكنَّ الله لم يشأ هدايتهم بسبب اختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وأهوائهم، فمنهم من ثبت على الإِيمان ومنهم من حاد وكفر ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أي لو شاء الله لجعل البشر على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون ولكنّ الله حكيم يفعل ما فيه المصلحة، وكلُّ ذلك عن قضاء الله وقدره فهو الفعال لما يريد ﴿ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ أي أنفقوا في سبيل الله من مال الله الذي منحكم إِيّأه، ادفعوا الزكاة وأنفقوا في وجوه الخير والبر والصالحات ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ أي من قبل مجيء ذلك اليوم الرهيب الذي لا تستطيعون أن تقتدوا نفوسكم بمالٍ تقدمونه فيكون كالبيع، ولا تجدون صديقًا يدفع عنكم العذاب، ولا شفيعًا يشفع لكم ليحط عنكم من سيئاتكم إِلا أن يأذن الله ربّ العالمين ﴿والكافرون هُمُ الظالمون﴾ أي لا أحد أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافرًا، والكافر بالله هو الظالم المعتدي الذي يستحق العقاب.

البَلاَغة: ﴿تِلْكَ الرسل﴾ الإِشارة بالعبيد لبعد مرتبتهم في الكمال.

2 - ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ...﴾ الآية تفصيلٌ لذلك التفضيل ويسمى هذا في البلاغة: التقسيم وكذلك فيب قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ وبين لفظ «آمن» و«كفر» طباقٌ.

3 - الإِطناب وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا﴾ حيث كرر جملة ﴿وَلَوْ شَآءَ الله﴾ .

4 - ﴿والكافرون هُمُ الظالمون﴾ قصر صفة على الموصوف، وقد أكدت بالجملة الاسمية وبضمير الفصل.

فَائِدَة: روي عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿والكافرون هُمُ الظالمون﴾ ولم

145

يقل: «والظالمون هم الكافرون» ومراده أنه لو نزل هكذا لكان قد حكم على كل ظالم بالكفر فلم يخلص منه إِلا من عمصه الله.

تنبيه: يحتمل أن يراد بالكفر المعنى الحقيقي أو المجازي فيكون المراد بالكافر تارك الزكاة كما ذهب إِليه الزمخشري حيث قال: أراد والتاركون للزكاة هم الظالمون، وإِيثاره عليه للتغليظ والتهديد كما في آية الحج ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ [البقرة: 126] مكان «ومن لم يحج» ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: 6 - 7] .

146